( قراءة نقدية لمجموعتها القصصية : الفرار إلى قفص )
احتوت المجموعة القصصية للكاتبة المتألقة صابرين الصباغ على ثلاث وثلاثين قصة قصيرة في خمس وتسعين صفحة من القطع الصغير ، والكاتبة من مواليد مدينة الإسكندرية عروس البحر في جمهورية مصر العربية وهي شاعرة وكاتبة رواية وقصة قصيرة لها نشاطات متعددة في المجالات الأدبية والصحفية والجمعيات الثقافية والأدبية ببلدها ، وعلى المستوى العربي .
وسوف أناقش الكتاب والكاتبة في المحاور التالية :
- القاموس اللغوي الذي تحاول إيجاده في كتابة القصة القصيرة .
- تعدد النهايات لقصصها وتنوعها بشكل صادم لفكر القارئ .
- تدخل الكاتبة بشخصيتها في أبطال قصصها .
- الأبعاد الإنسانية في قصص الكاتبة وملامح شخصيتها الإنسانية .
للبحث في القاموس اللغوي للكاتبة يشعر المرء برهبة التشابك العجيب بين المفردات بحيث يلفت نظر الدارس المدرك لحقائق اللغة وتحميل الألفاظ فوق طاقة معانيها يجد الباحث نفسه حائرا كم استطاعت مزج الألفاظ مزجا أدائيا ليخرج الناتج الجديد مولودا معدل الوراثات بشكل عجيب للغاية .
وللولوج لعالمها اللغوي أجد لزاما علي مناقشة ماكينة مدخلات ألفاظها ومخرجاتها لنتعرف عمليا على جمال إبداع فكر وخيال الكاتبة :
استعملت الكاتبة عدة أساليب منها ، ربط مالا يربط من الألفاظ لمصادمة ذهن القارئ أو ربط النقائض لإنتاج حركة تعاكسية لولبية الإعصار تقتلع الفكر لمكان ما تريده الكاتبة ، أو إسناد اللفظ لما لا يسند إليه عادة ، فهي تقول في قصتها الأولى ( مملكة الدموع ) : مضغ شبابه ، ابتلع عمره ، أجمع إمضاءات رحيله ، أحجار الشجن ، انسلخ عن جدرانه ، كأن يده على معصم لساني .
وفي قصة (حاجز أنوثتي ) : أغرق في بحر خجلي ، تتغير تضاريس جسدي على خريطة نموي ، حاجز أنوثتي .
وفي قصتها ( الخادمة ) : تجرح فم مشاعري ، غبار الفقر عن أولادي ، أوزع بريق قوتي علي بيوتهن ، أرجل سني لم تعد تحملني ، الغضب يجلس على مقاعد وجهه ، خلعت أبواب الرزق وبنيت بدلا منها جدارا بأحجار راحتك ، يقفز الشيطان على وجهه .
وفي ( جداريات ) : بدأ الاجتماع ، يعتدل الجدار الكبير في جلسته ، يقوم المرشحون بلصق صورهم فوق أجسادنا ، وظمأ الشعب لكسرة خبز .
وفي (باطل ) : أغلق أبواب حجرات قلبه في وجه مشاعري ، لا أسمع حروف اسمي تتأرجح فرحا على لسانه / في فراشه عشت مع ظهره ليال طوال ، تخزني أشواك أرقي ، تناثرت حبات حياتنا ، يهرب من خريفي بعد أن أكل كل ثمار ربيعي ، امتص رحيق أزهاري ، ليتحمل كل مساحات سنينه ، تتلاطم فوق صخرة غيرتي منها .
وفي ( سبب شقائي ) : نجهز عشنا بأعواد الحب وقش المودة ، استعمرني الإهمال ، فـأغسل ملابس نبتي بدموعي ، سربلني ببصقة ازدراء .
وفي ( عبق تأخر ) : تبعثرت أمامه ، أضاء دروب وقاره ، بات معي فوق وسادات دككت نفسي داخل ملابسي ، عقلي ، أتأبط خجلي ، نبع انتظاري .
وفي ( الرحيل إلى ) : خرجت أجمع ما تهدل من باقي كرامتي ، أسهر والدموع تغسل دروبي قبل أن تطأها قدم حزني ، أرى لوحة على عينيك تشكو من هم يضرب كل مدن ثباتك ، أكفان صمت يلفني ، الخجل محا كل سطور حياتي .
وفي (دائرتان) : أغلق جفني أذني ، أتأكد من شكله بعين نبتت لي في راحة كفي ، ترتمي على شواطئ وجهي ، أشم رائحة اندهاشها ، تحتضن يداها يدي بمذاق الحب ، هناك عين نبتت بداخلي رواها صوته هناك – أقصى الشمال – لها جفن لا يرف طريقه الظلام ، لقي داخلي ولم تلفظه عيناي ، قلمي الكفيف لا يخطئ ، فيفتح ملاجئ الحروف ، تملأ شوارع صفحاتي ، ومن خلف باب العمى .
وفي هذا الأسلوب الابتكاري أرى آلية لغوية جديدة تحاول الكاتبة إدخالها لقاموس اللغة الخاصة بالقصة القصيرة ، هذه اللغة التي تذهب بك يمينا بعد أن توحي لك بالانعطاف يسارا وتذكرني بلاعب الكرة البرازيلي الفذ بيليه الذي كان ينفذ ضربات الجزاء فيرسل الكرة بعكس اتجاه حارس المرمى في كل حالة .
والقدرة على تنوع النهايات عند الكاتبة قدرة مذهلة ، حيت تنوعت ما بين النهاية الطبيعية والنهاية المفتوحة والنهاية التصادمية ، والنهاية بلا نهاية ، والنهاية المنطقية ، والنهاية المضادة للمنطق والمعاكسة لنتائج الأسباب ، هذه النهايات توضح بأن للكاتبة قدرة لا متناهية في توجيه الفكر بحيث تريد وتشرك القارئ في صياغة القصة بتصوره النهاية التي يريدها بعد أن تترك الكاتبة الحدث معلقا ، وتترك للقارئ تخيل اتجاه الحدث فتكون النهايات المتعددة التي أعتبر الكاتبة صاحبة ابتكار لهذه الطريقة .
وقد تدخلت الكاتبة أحيانا بشخصيتها وفكرها وفهمها طبيعة الحياة لتوجه النتائج بما يتفق والخلق والعادات العربية والتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها ، فكانت مصلحة اجتماعية ، وموجهة بلطف وبوعي وبدون عنف الوعظ والتخويف لما يتفق وتربية الكاتبة وتهذيب أخلاقها ، متناغمة مع المجتمع لا متصادمة معه ولا مع فكره بصورة مباشرة .
كما ظهرت إنسانية الكاتبة بتنوع أبطال قصصها فلم تختر أبطالا كما في أفلام السينما رجالا متأنقين ، ولا من رجال المجتمع المعروفين ، ولا نساء باهرات الجمال ، تلتوي الرقاب لتتابع خطواتهن ، فهي اختارت أبطالها من الناس العاديين ، وغيرت نمط البطولة فجعلتها في الدفاع عن الشرف أو العطف على فقير ، أو الدفاع عن إنسانية امرأة عادية لا مواصفات خاصة بها ، دخلت الحواري ، والمنعطفات ، وأحياء يعشش بها الفقر ، وهكذا وسعت مسرح الكتابة ليشمل كافة فئات الشعب وأعمارهم ، فهناك البطل طفل وطفلة وشابة مراهقة ، وشيخ عجوز لم يفكر أحد في إدخاله إلى خشبة المسرح قط .
هذه المجموعة القصصية رسمت ملامح صابرين الصباغ ، فقاموسها اللغوي متسع اتساع الأفق الكبير ، وصدق حروفها يجعل من نبضات قلبها مداد الكلمات ، ويجعل قلبها الرقيق الكبير يتسع لكل مجتمعها وأبناء وطنها الكبير لا مصر فقط ، ويجعل من كاتبتنا ليست كاتبة مصرية فحسب وإنما كاتبة عربية مبدعة تطرق باب العالمية بقبضة قادرة قوية ، لتفتح لنا أبوابا مغلقة في الفكر والأدب الإنساني الراقي .
تحيتي لك صديقتي وأختي صابرين الصباغ ، فأنت ليس فقط أمل مصر لا بل أمل أمتك لترفعي اسم عروبتك في المحافل الأدبية العالمية ، ونحن معك قلوبا وعيونا وأكفا مصفقة .
إلى الأمام يا سيدة الكلمة صابرين !!
تعليق