اسمي الهام ملهبي ، ميلادي كان بمدينة مراكش بالمغرب في 13 ماي 1975 . عشت طفولتي الاولى بمدينة مراكش ، ثم انتقلنا إلى أكادير ، مدينة البحر و الشمس. عشت طفولة بطعم و رائحة البحر . جميع ألعابنا الطفولية، أنا و إخوتي ، كان مسرحها شاطئ صخري جميل ، نصطاد الأسماك الصغيرة و نضعها في أواني زجاجية ثم نفرح حين نعيدها الى البحر و تسبح فارة للبعيد . نلعب بالسلطعونات ، و نعرف من ألوانها إن كانت خطيرة أم لا . نخترع ألعابا جميلة فوق صخور البحر . نجمع الصدف ، نحاول أن نصنع منه عقودا و نفشل . نرقب النوارس و هي تطير في أسراب كبيرة، و نستمتع كثيرا و نحن نركض لتشتيتها حين تحط على رمل الشاطئ. قالوا لنا إن الموجة السابعة تجلب السعادة ، فأصبحنا نمضي وقتا طويلا ننتظر أن تغمر الموجة السابعة أقدامنا الصغيرة ، أحيانا نخطئ في العد فتختلط علينا الأمور و تربكنا الموجات المتتالية و يضيع طريق السعادة . و أحيانا نركز كثيرا في عملية الحساب حتى تأتي الموجة السابعة جالبة معها زبدا ناعما و احلاما كبيرة تغمر أقدامنا الصغيرة التي تكون قد انغمست في الرمل حتى الكوعين من شدة ما ضغطنا عليها و نحن نعد الموجات الصغيرة.
ثم كبرت قبل الأوان ، دخلت بحرا آخر أكثر شساعة من الأول . إنه بحر الكتب . قرأت روايات عديدة لنجيب محفوظ ، و سهيل ادريس ، و عبد الكريم غلاب ، و مجيد الحبابي... ، أتساءل اليوم إن كنت أفهم تلك الروايات أم لا ، قرأت مثلا " ثرثرة فوق النيل" و عمري عشر سنوات ، عندما اقرأها الآن أكتشف أنها كانت أكبر مني بكثير.
و اكتشفت الشعر ، كان أو ل ديوان اقرأه هو " حصار لمدائح البحر" للراحل العظيم محمود درويش. كانت بداية جميلة سحبتني إلى مدن الشعر برفق و حنان ، أتجول داخلها و أكتشف أسرارها.
قرأت الكثير الكثير ، بنهم و شراهة . تطورت قراءاتي تدريجيا . عشت في عالم حالم معزول عن الواقع . أقرأ "يوميات سراب عفان" فأتمنى لو كنت أنا هي سراب . أقرأ " مأساة ديمتريوس" فأحلم بحب حتمي قدري يجمعني براجع و أكون أنا هي راجعة . أقرأ غابرييل غارسيا ماركيز فيتيه الفكر في عوالم أمريكية لاتينية مجهولة . أقرأ ادوار الخراط فأتيه في حواري مصر و شوارعها و روائحها. أقرأ محمود درويش و يسكنني الحلم الفلسطيني. أقرأ سليم بركات فتنفتح جميع بوابات الخيال في العقل و بوابات اللغة في القلب : " الكون" تأخذني الى عوالم فلكية خيالية لم أعرفها من قبل ، "الريش " تزرع في حلما أبديا بالحرية ، " فقهاء الظلام" تحقنني بأسئلة عن الموت و الحياة، " الجنذب الحديدي" تجعلني أحلم لو كنت ولدا صغيرا يصنع تاريخه في هضاب الخيال و سهوله بسورية. أقرأ بهاء طاهر فتحتقن عروقي بالغضب الفلسطيني. أقرأ " آخر الملائكة" فتظهر في الأحلام شخصيات ملائكية غريبة . أقرأ صنع الله ابراهيم فتنطرح بالذهن الأسئلة عن حلم عربي مزيف. أقرأ عبد الرحمان منيف فيسكن الخيال جسر تركه أناس آخرون قبلي. أقرأ كافكا فتستيقظ في أحلام النوم خيالات عديدة . أقرأ يوكيو ميشيما فتتحرك في الذهن الأسئلة عن يابان لا أعرف عنها شيئا. أقرأ "ألف ليلة و ليلة " فتتشابك أحلامي و تتلخبط بعوالم السحر و العفاريت و المجون . أقرأ عن أساطير الإغريق فتسحرني عوالم غامضة عن الحب و الحروب و السفر الطويل و العقاب الإلهي. أقرأ الماغوط فيبهرني سحر الأدب . أقرأ سركون بولص فتغويني اللغة و سحر الشعر . أقرأ يوسف الخال فيسكنني الشعر مثل جني. و أكتب شعرا فيتفجر في حلم اللغة و يكبر معي حلم الكتابة.
ولن أنسى فيروز ، كان لصوتها الملائكي دوره الكبير في رسم معالم الروح بداخلي.
كتبت الشعر في فترة المراهقة ، كنت أكتب خلسة و كأنني أرتكب جريمة كبرى . ثم بعد ذلك اكتشفت أن ما أقوم به هو أنني أقترف السعادة خلسة . و تساءلت : لم لا أعلن سعادتي أمام الآخرين؟ انتقيت نصوصا و أعطيتها لأخي (قارئي الأول) الذي أعجب كثيرا بنصوصي و شجعني على الإستمرار.
ثم ذهبت إلى الجامعة ، هناك قابلت أشخاصا يشبهونني . قررنا تأسيس جمعية تعبر عنا ، سميناها : " أصدقاء المبدعين الشباب" . كنا نلتقي لنقرأ كتابات بعضنا البعض و نناقشها ، ننظم أمسيات شعرية و أنشطة فنية . نستظيف كتابا و شعراء معروفين. فتحت لي هذه التجربة الباب على مصراعيه للاستفادة من الآخرين ، و لمعرفة إمكانياتي ، و للإحساس بالنضج . كانت انطلاقة جميلة ، غير أنها توقفت عند حدود كونها انطلاقة . لأن قدمي انزلقت نحو السياسة ( و يا ليتها لم تنزلق) ، فمضيت أبني حياتي في اتجاه آخر مغاير تماما لتلك البداية الجميلة .
عشر سنوات من عمري أمضيتها في انتماء سياسي لتيار في أقصى اليسار. في الوقت الذي كان يجب أن تكون الكتابة هي مشروعي الأول و الأخير، و ضعت نصب عيني مشروعا غامضا اسمه "الثورة" . ولم أكتشف إلا بعد زمن طويل جدا أنني وضعت نفسي في مكان ليس لي أبدا . حصرني الانتماء السياسي في زاوية ضيقة جدا ، في حين أن الشاعر يجب أن يكون عصفورا طليقا ، يحط على الشجرة التي يختارها و في المكان الذي يختاره و يسبح في النهر الذي يختاره. غطست وسط صراعات سياسية ، و معارك مع طواحين الهواء ، و أهملت الشعر بداخلي كثيرا . كنت من حين لآخر أستدرك الأمر ، و أحاول أن أقاوم كي أظل أنا ، و حتى لا يحولني الوسط السياسي الى كائن بارد متجمد متحجر . قاومت كثيرا للحفاظ على ذوقي الفني الخاص ، و الحفاظ على ذوقي الأدبي الخاص و قراءاتي الخاصة ، و كان الرفاق يستغربون كثيرا و هم يرونني أقرأ أسماء لا يعرفونها مثل يانيس ريتسوس ، أو سركون بولص ، أو سليم بركات ....
أنهكتني هذه التناقضات كثيرا ، و جدت نفسي شيئا فشيئا صرت أفقد الثوب الذي كنت ألتحفه ، و أبحث لنفسي عن ثياب أخرى ليست على مقاسى و لا على ذوقي. شيئا فشيئا صرت أفقد النقط المضيئة بداخلي . لم أجد في النهاية حلا آخر غير الهرولة باتجاه الذات التي كدت أقتلها في ذلك الوسط . هرولت باتجاه الذات ، عانقتها بشوق و أخذتها معي بسرعة و هربنا خارج ذلك الجمود الذي وضعنا فيه نفسينا طيلة عشر سنين.
لن أقول إن التجربة كانت سلبية بكاملها . استفدت كثيرا ، قرأت ماركس و لينين و انجلز و تروتسكي و سمير أمين و ارنست ماندل و صادق جلال العظم و عفيف الأخضر ....، و اكتشفت كيف يسير هذا العالم و ماهي قواعده . و الأهم من هذا قرأت كولونتاي و كلارا زتكن و أورزولا شوي و زكية داوود و نوال السعداوي و فاطمة المرنيسي... و فهمت كيف تحاك لعبة هذا العالم ضد النساء ، فتحولت من فتاة حالمة الى امرأة تعذبها الذات الأنثوية بداخلها . و يسكنها الغضب كلما رأت أو سمعت بجريمة ضد امرأة من جنسها .
خرجت ، لن أقول منهزمة ، و لكن في حاجة للكثير من الوقت كي أسترجع عافيتي. تطلب الأمر مني سنتين كي أتمكن من تصحيح العلاقة مع الذات ، و تصحيح العلاقة مع العالم . رجع قلمي من جديد فارسا بين أناملي ، يقطع الصحاري و البحار و الوديان و الجبال دون أي كلل أو تعب . فتيقنت أنني مازلت أنا . أنا التي كانت منذ زمن بعيد تعيش هنا . حاولت ترميم حلم الكتابة ، عسى أن لا يتشقق ثانية و ينهار .
و ها أنا اليوم ، مازلت أحيا و أقتات من كل ما هو جميل في هذه الحياة .
ثم كبرت قبل الأوان ، دخلت بحرا آخر أكثر شساعة من الأول . إنه بحر الكتب . قرأت روايات عديدة لنجيب محفوظ ، و سهيل ادريس ، و عبد الكريم غلاب ، و مجيد الحبابي... ، أتساءل اليوم إن كنت أفهم تلك الروايات أم لا ، قرأت مثلا " ثرثرة فوق النيل" و عمري عشر سنوات ، عندما اقرأها الآن أكتشف أنها كانت أكبر مني بكثير.
و اكتشفت الشعر ، كان أو ل ديوان اقرأه هو " حصار لمدائح البحر" للراحل العظيم محمود درويش. كانت بداية جميلة سحبتني إلى مدن الشعر برفق و حنان ، أتجول داخلها و أكتشف أسرارها.
قرأت الكثير الكثير ، بنهم و شراهة . تطورت قراءاتي تدريجيا . عشت في عالم حالم معزول عن الواقع . أقرأ "يوميات سراب عفان" فأتمنى لو كنت أنا هي سراب . أقرأ " مأساة ديمتريوس" فأحلم بحب حتمي قدري يجمعني براجع و أكون أنا هي راجعة . أقرأ غابرييل غارسيا ماركيز فيتيه الفكر في عوالم أمريكية لاتينية مجهولة . أقرأ ادوار الخراط فأتيه في حواري مصر و شوارعها و روائحها. أقرأ محمود درويش و يسكنني الحلم الفلسطيني. أقرأ سليم بركات فتنفتح جميع بوابات الخيال في العقل و بوابات اللغة في القلب : " الكون" تأخذني الى عوالم فلكية خيالية لم أعرفها من قبل ، "الريش " تزرع في حلما أبديا بالحرية ، " فقهاء الظلام" تحقنني بأسئلة عن الموت و الحياة، " الجنذب الحديدي" تجعلني أحلم لو كنت ولدا صغيرا يصنع تاريخه في هضاب الخيال و سهوله بسورية. أقرأ بهاء طاهر فتحتقن عروقي بالغضب الفلسطيني. أقرأ " آخر الملائكة" فتظهر في الأحلام شخصيات ملائكية غريبة . أقرأ صنع الله ابراهيم فتنطرح بالذهن الأسئلة عن حلم عربي مزيف. أقرأ عبد الرحمان منيف فيسكن الخيال جسر تركه أناس آخرون قبلي. أقرأ كافكا فتستيقظ في أحلام النوم خيالات عديدة . أقرأ يوكيو ميشيما فتتحرك في الذهن الأسئلة عن يابان لا أعرف عنها شيئا. أقرأ "ألف ليلة و ليلة " فتتشابك أحلامي و تتلخبط بعوالم السحر و العفاريت و المجون . أقرأ عن أساطير الإغريق فتسحرني عوالم غامضة عن الحب و الحروب و السفر الطويل و العقاب الإلهي. أقرأ الماغوط فيبهرني سحر الأدب . أقرأ سركون بولص فتغويني اللغة و سحر الشعر . أقرأ يوسف الخال فيسكنني الشعر مثل جني. و أكتب شعرا فيتفجر في حلم اللغة و يكبر معي حلم الكتابة.
ولن أنسى فيروز ، كان لصوتها الملائكي دوره الكبير في رسم معالم الروح بداخلي.
كتبت الشعر في فترة المراهقة ، كنت أكتب خلسة و كأنني أرتكب جريمة كبرى . ثم بعد ذلك اكتشفت أن ما أقوم به هو أنني أقترف السعادة خلسة . و تساءلت : لم لا أعلن سعادتي أمام الآخرين؟ انتقيت نصوصا و أعطيتها لأخي (قارئي الأول) الذي أعجب كثيرا بنصوصي و شجعني على الإستمرار.
ثم ذهبت إلى الجامعة ، هناك قابلت أشخاصا يشبهونني . قررنا تأسيس جمعية تعبر عنا ، سميناها : " أصدقاء المبدعين الشباب" . كنا نلتقي لنقرأ كتابات بعضنا البعض و نناقشها ، ننظم أمسيات شعرية و أنشطة فنية . نستظيف كتابا و شعراء معروفين. فتحت لي هذه التجربة الباب على مصراعيه للاستفادة من الآخرين ، و لمعرفة إمكانياتي ، و للإحساس بالنضج . كانت انطلاقة جميلة ، غير أنها توقفت عند حدود كونها انطلاقة . لأن قدمي انزلقت نحو السياسة ( و يا ليتها لم تنزلق) ، فمضيت أبني حياتي في اتجاه آخر مغاير تماما لتلك البداية الجميلة .
عشر سنوات من عمري أمضيتها في انتماء سياسي لتيار في أقصى اليسار. في الوقت الذي كان يجب أن تكون الكتابة هي مشروعي الأول و الأخير، و ضعت نصب عيني مشروعا غامضا اسمه "الثورة" . ولم أكتشف إلا بعد زمن طويل جدا أنني وضعت نفسي في مكان ليس لي أبدا . حصرني الانتماء السياسي في زاوية ضيقة جدا ، في حين أن الشاعر يجب أن يكون عصفورا طليقا ، يحط على الشجرة التي يختارها و في المكان الذي يختاره و يسبح في النهر الذي يختاره. غطست وسط صراعات سياسية ، و معارك مع طواحين الهواء ، و أهملت الشعر بداخلي كثيرا . كنت من حين لآخر أستدرك الأمر ، و أحاول أن أقاوم كي أظل أنا ، و حتى لا يحولني الوسط السياسي الى كائن بارد متجمد متحجر . قاومت كثيرا للحفاظ على ذوقي الفني الخاص ، و الحفاظ على ذوقي الأدبي الخاص و قراءاتي الخاصة ، و كان الرفاق يستغربون كثيرا و هم يرونني أقرأ أسماء لا يعرفونها مثل يانيس ريتسوس ، أو سركون بولص ، أو سليم بركات ....
أنهكتني هذه التناقضات كثيرا ، و جدت نفسي شيئا فشيئا صرت أفقد الثوب الذي كنت ألتحفه ، و أبحث لنفسي عن ثياب أخرى ليست على مقاسى و لا على ذوقي. شيئا فشيئا صرت أفقد النقط المضيئة بداخلي . لم أجد في النهاية حلا آخر غير الهرولة باتجاه الذات التي كدت أقتلها في ذلك الوسط . هرولت باتجاه الذات ، عانقتها بشوق و أخذتها معي بسرعة و هربنا خارج ذلك الجمود الذي وضعنا فيه نفسينا طيلة عشر سنين.
لن أقول إن التجربة كانت سلبية بكاملها . استفدت كثيرا ، قرأت ماركس و لينين و انجلز و تروتسكي و سمير أمين و ارنست ماندل و صادق جلال العظم و عفيف الأخضر ....، و اكتشفت كيف يسير هذا العالم و ماهي قواعده . و الأهم من هذا قرأت كولونتاي و كلارا زتكن و أورزولا شوي و زكية داوود و نوال السعداوي و فاطمة المرنيسي... و فهمت كيف تحاك لعبة هذا العالم ضد النساء ، فتحولت من فتاة حالمة الى امرأة تعذبها الذات الأنثوية بداخلها . و يسكنها الغضب كلما رأت أو سمعت بجريمة ضد امرأة من جنسها .
خرجت ، لن أقول منهزمة ، و لكن في حاجة للكثير من الوقت كي أسترجع عافيتي. تطلب الأمر مني سنتين كي أتمكن من تصحيح العلاقة مع الذات ، و تصحيح العلاقة مع العالم . رجع قلمي من جديد فارسا بين أناملي ، يقطع الصحاري و البحار و الوديان و الجبال دون أي كلل أو تعب . فتيقنت أنني مازلت أنا . أنا التي كانت منذ زمن بعيد تعيش هنا . حاولت ترميم حلم الكتابة ، عسى أن لا يتشقق ثانية و ينهار .
و ها أنا اليوم ، مازلت أحيا و أقتات من كل ما هو جميل في هذه الحياة .
تعليق