حركة الكتابة بين مد الأنين وجزر الحنين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن العابدي
    • 05-10-2008
    • 9

    حركة الكتابة بين مد الأنين وجزر الحنين

    حركة الكتابة بين مد الأنين و جزر الحنين
    في "ناس و ناس"* لحفيظة غويلة- زجل -


    - إرهاص و تخمينالتقيت حفيظة غويلة ثلاث مرات, فيما أذكر. و أرهفت السمع لأشعارها.
    كانت أولاها بمهرجان ربيع الشعر قبل بضع سنوات بمدينة زرهون, و الفضل راجع إلى الصديق, الشاعر و الفنان محمد بنعلي مشكورا على إنسانيته, و طيبة قلبه, و صفاء معدنه.
    و ثانية بإحدى المناسبات الثقافية بمكناس.
    و ثالثة من خلال باكورتها الشعرية – ناس و ناس- التي وصلتني ذات جمعة من أواسط أبريل 2007 , امنة مطمئنة. تحمل توقيع صاحبتها بعبارات رقيقة و اسرة.
    و ها أنا ذا اليوم القى الشاعرة مباشرة, و مجددا بثلة مباركة من أصدقائي الأدباء و الشعراء على مائدة هذا اللقاء الثقافي الميمون, لأرفع لها التحية باسمي الخاص. و بكف هذه الورقة النقدية أحييها بحرارة.
    و في كل مرة نلتقي, أجد حفيظة غويلة كعادتها هادئة و حزينة, تقرأ ما حولها بصوت جهير. حولته الكتابة إلى مضمون يستوطن نصوص "ناس و ناس", هذه المرة.
    فمن شرفه الكتابة الزجلية المغربية, و بملامح ممعنة في الحزن, أطل علينا وجه خفيظة غويلة. و بنبرة يحشرجها الشجى طفقت تخاطبنا. و بأنامل شعرية متناهية في الرقة و الحساسية دست بين أيدينا صورة واقع موبوء صدرت عنه الكتابة.
    بطاقة تعريف, و بعض الصور الشعرية المحمضة متفاوتة الحجم, مشكلة الألوان بعد تركيب الصور بشكل دال يتبين من ملابسات الأحوال و شريط اللغة و سياق الكلام أن مؤسسة المجتمع المتواطإ عليه بالمدني, لم تستطع أن تقدم شيئا ملموسا , و بالأحرى أن يكون ذا بال, يستجيب في شروطة الدنيا لانتظارات المجتمع المغربي على صواعد عدة بالنظر لمتطلبات و أولويات المرحلة.

    - مد و أنـــــين

    لذلك طلقت الذات بما هي وعي فردي- كل شيء خارجها, و ارتدت إلى الداخل, مستمسكة بتلابيب الكلام, تغازل أطياف الحلم , و تناجي زمن الطفولة و سوالف الأعوام.
    و بعبارة لاذ صوت الكتابة بالكتابة, و أقام مملكتة بين دوال اللغة, يغترف من مجال البوح رقراقا أمده باتساع البقاء, و من أنسام الأمل ما أنعشه بالصفاء.
    بهذا المعنى تحول الواقع في بعده الذاتي و الإجتماعي إلى كتابه تلامس واقعين:
    1- واقع مرفوض, صدرت عنه, و لا تتجرح من الإشارة إليه بأصابع النقد, و نسميه بمفردات الاتهام.
    2- واقع بديل تتوق إليه, و تنمذجه على كيفها, تحلم به على طريقتها و يتأسس خارج الزمن و الإمكان, تؤثثه وجوه بشرية أخرى أكثر إنسانية, و تؤطره شروط اجتماعية و ثقافية أكثر إيجابية و نضجا.
    لا غرو ان تزداد حدة توتر الكتابة الشعرية- و صوتها محسوب على وعي مؤنث و حساسية شعرية رقيقة, داخل مناخ اجتماعي يمد افراده باسباب التمزق و القطيعة و تضارب المصالح.:
    و لا يمدهم بأسباب الوعي, و الحرية و الكرامة, و مشتقات الإنسانية الحقيقية و حليب العيش الكامل الدسم.
    تشير أنملة الكتابة من خلال نافدة العنوان الى مجال اشتغالها عامة وهو المجال الأجتماعي.
    وتحدد موضوعها من خلال العطف بين وحدتين معجميتين لهما نفس المدلول اللغوي: (ناس و ناس). لان مادة الاجتماع البشري وموضوعه هو الناس اشتاتا ومجتمعين. هذا معطى بديهي , انطلقت منه الكتابة لتقيم على أساسه تصنيفها لافراد المجتمع إلى نماذج وأصناف.أو بالأحرى لتقرر حالا من أحوال الناس, وأوضاعا من أوضاعهم القائمة مسبقا, سابقة لصوت الكتابة.
    ناس يتقاطعون في أمور, و يفترقون في أخرى, افتراقا بينا, يضعهم على طرفي نقيض و من صلب هذه المعادلة و ترائبها خرجت عبارة العنوان لتضع المفارقة التالية:
    ـ ناس إيجابيون في مقابل ناس سلبيين.
    وبقدر ما تؤدي الواو وظيفة الربط بين دالين لهما نفس المدلول المعجمي، على مستوى الظاهر ، فإن هذه الواو على مستوى المضمر التركيبي للجملة، تستدعي توصيفا فارقا بين المدلولين، ينضاف إلى أحدهما لتميزه عن الثاني . وإلا كانت عبارة العنوان دليلا لا يناقض في صيغته مدلول الصيغة التالية:
    ناس هكذا فقط، مع إسقاط الواو وما بعدها أو قبلها من تركيبة العنوان. وهذا خيار لم تأخذ به استراتيجية الكتابة، وعدلت عنه إلى ذاك.
    وإذن فالواو تؤدي وظيفة الفصل بين شيئين متمايزين .
    وعلى بضع خطوات شعرية من عتبة العنوان في اتجاه نصوص المجموعة، تستوقفنا مفردات ـ ناس ـ بتويصف سلبي (بئس الناس) في مقابل ـ ناس ـ بتوصيف إيجابي (نعم الناس) .
    1 – ناس بلا إحساس ، تنهش فعراض الناس ص11
    ساكن راسها وسواس, ناس يتملكها الخوف ص20
    ناس فظلمة واقفة, ناس من حبابها عايفة.
    ناس الكذب و الخيانة و نكث الوعود . 25
    ناس متمرسة بالخداع, و أساليب المداورة و طرق الإيقاع بالآخر
    ناس مجبولة على الغدر, حكاية غدر37
    2- ناس ما تعرف فالضيق هروب,تصمد لقطيع الراس, ذات مبادي بركايز و ساس.
    الملاحظ أن معيار التصنيف ينبني على أساس قيمي, يشتغل انطلاقا من تفاعل الذات مع متغيرات اجتماعية و ثقافية معينة, في ضوء ما تراكم لدى الوعي من تجارب تؤكد بالملموس على انحراف المجتمع عن الأهداف النوعية التي تجمع أفراده بعضهم ببعض و منها انتاج واستهلاك الجميل من القيم في أطرافهم مع الحياة في معناها الصحيح.
    و بنفس التوصيف الإيجابي يحضر محكي الذات في قصائد الولف43 ثم ياك أنا و انت واحد 54 و مثلهما مصير اللي يحب 60 . و هي محكي يعلن انتماءه إلى الصنف الإجابي من الناس ترشحه لذلك مواقف معينة يحضر فيها الحب – الوفاء – الثقة – التسامح كعلامات مضيئة و درجات ممتازة على السلم القيمي.
    و إمعانا منها في تنفيذ برنامجها, توسل صوت الكتابة بضميرين سرديين متحالفين :
    1- ضمير المتكلم, أنا و إبدالاته. و هو ضمير يضاعف صوت الكتابة, بالنظر إلى أن الأنا الساردة هي المسرودة في قصائد مخصوصة من قبيل:
    - حكاية غدر37
    - يا السايل إل تسال46
    - حروف الكاس 63
    - كنت و مسيت 15
    2- ضمير الغيبة: هو/هي , بارزا و مستترا, المحيل إلى الآخر, على اعتباران صوت الذات أو محكي الأنا الساردة مداخل للحديث عن الآخرين , و الكل يواجه واقعا مشتركا .
    و بدون هذا الآخر لا تقوم معادلة الإجتماع البشري. و من هذه الزاوية, تنظر الذات إلى نفسها كحليف طبقي و إنساني و اجتماعي لاخر في معاناته و صموده, يتماهيان و يعكس كل منها الآخر وجوديا و قيميا.
    يكتسي هذا الاخر بعدين:
    1- وطني: و يقع في معترك الحياة اليومية الموشومة بالعجز و الإحباط و السقوط:
    - حكاية عاطل 34: أعلى شواهد الإفلاس الإجتماعي مع توصية بالإنتحار.
    - للا و مالي : ملهاة السمو على مسرح العبث لمخرجين شابين
    2- قومي : في صراعه ضد الإمبريالية و الصهيونية و سائر أشكال المحو و الإلغاء الحضاريين .
    و الإشارة هنا صريحة حسب منطوق عناوين القصائد التالية إلى:
    - الطفل الدرة 68 : المشهد الأخير من ملحمة الكرامة العربية المهدورة
    - فلسطبن أم الشهداء 77: اللا زمة التقليدية الحزينة في نشيد الهزيمة القومية.
    يا أرض مسقية بدم الجدود71: فصيلة دموية نادرة محفوظة في اللسان و أرشيف التاريخ .

    - جزر الحنين

    • في كل هذا و ذلك, يطبع البوح صوت الكتابة بطابع غنائي شفيف – بما هو- أي البوح- شكل من أشكال مواجهة الذات بالذات أمام الذات, بين يدي الكتابة كمرآة تمتد إلى مناطق خاصة و حميمية جدا, و ترتاد أقاليم نائية و حصينة من كينونة الأنثى . و باسترسال واضح, تمتد نصوص المجموعة الزجلية في بعضها تيماتيا لتؤلف نشيدا مفتوحا لحن قراره الأنا في تداخلها و تخارجها مع الآخر. وعلى طول مساحة البوح . و تلقي الذات بظلال رومانسية كثيفة على المعجم و الدلالات و الصور. و تقدم نفسها كنبتة برية كانت و ما تزال تقارع قدرها المحتوم عزلاء في صحراء الواقع و جفاف القيم . و لا تملك إلا أن تشرئب بأعناق الحلم إلى آفاق ندية, متراحبة , ترفدها باسباب البقاء و تغريدها:
    كنت لبارح زهرة برية, نصبح و نمسي بالندى مسقية
    كانت حلامي تتعدى لحدود
    و حيث أن شفرة الواقع أمضى و قبضته أقوى , يرتد صدى الأحلام زبدا يسربل الكتابة بالأنين و يضمخها بالحنين الى زمن وردى, و هكذا يعزف صوت الكتابة على يوتوبيا ضائعة تقرأ المصير على أطلال الذات و خراب الزمن:
    حالي حال ما يشبه أحوال
    واش نرجع للاول ؟ هذا محال.
    و بين مد الأنين و جزر الحنين تطفو هواجس مقنعة , لها شكل التضرع و لون الابتهال لكنها مشحونة بطاقة يلعب عائدها المعنوي دورا فعالا في تمنيع الذات من عدوة, كما من أية إصابة محتملة من إصابات السقوط و التردي.
    - في واقع سريالي يشتغل خارج مدار العقل و جاذبية المنطق و قوانين العلم, و خارج الرفيع من القيم و المبادئ . لابد أن تدفع قواه الطاردة بالإنسان نحو هوامش اليأس و متاهات الظنون أو الإنتحار و الجنون كما إلى القلق و التطرف و الإنطوء و المجون .
    - في مجتمع لغته كلام في كلام مفرغ من محتواه, ركيك في ميناه, ولا شييء خارج الكلام يستفاد في معناه إلا الكذب و الهراء و التفاق:
    الحروف رجعات بلا ترتيب
    و الكلام صار هدرة و تقرقيب
    - في واقع بلا خرائط تضبطه, يستهلك كل شيء: الفاسد و المقلوب و الملون من القيم و الأفكار و المبتكرات, حتى المرأة يستهلكها بشراهة , و لا يعمل على انتاجها كقيمة ....
    - في مثل هذا التوقيت الحرج من الزمن المغربي الرديء, تلمست الكتابة طريقها بخطى ثابتة, و بعصامية نادرة, استطاعت أن تسمع صوتها للناس بالناس و بكلام الناس على لسان حفيظة غويلة. و اختارت الكتابة أن يكون الزجل منبرا لها . و لذلك بدا صوت الكتابة عند الشاعرة و هو صوت أنيث , أصيلا و صادقا , منسجما , يهادن و لا يداهن موغلا في الذات يمتح من معجم شفاف مغسول بماء اللغة الأولى من الاهداء إلى الياء .
    - إذا كان لي أن أختار من بنات إبداع الشاعرة واحدة , قدمت قصيدة " متعة الشوق"فهي في ملتي النقدية و اعتقادي الفني نص جدير بالقراءة , يشد قارءه أكثر في غيره إلى أفق اشتغاله بخيوط فنية ناعمة مدوفة بحرير الرؤية .
    في صوت الكتابة الخارجي بتوتره و شبوبه , و نبضها الداخلي الأمين لوجيب الحياة و دبيبها, ما يقوم دليلا على أن الإبداع شكل من أشكال التسامي الروحي و الإنسجام النفسي و ضرب من ضروب السمو بالذات إلى مدارج الكمال و التجدد .
    و تلك لعمري حال من مسه طائف من شيطان الشعر, فلم يستعذ من وسواسه ولكن من دنيا ناسه. و أنى له الخلاص و قد ذاق من عسيلة الكتابة ما يرغبه في طلب المزيد , و لا يزهده في دنيا الناس فيضرب بينه و بينهم سورا من حديد
    تقول شواهد طبق أصل المعنى السابق من " حروف الكاس" 67 ثم قصيدة " متعة الشوف" 83 على التوالي :
    1- عن وجودي رحلت و غفيت
    و لسان الحال نطق, و دويت
    2- حلاوة الطلوع ما يدوقها خاوي مخلوع
    غير اللي داق و لقم...
    3- حلاوة الطلوع بلا زرورة, بلا دفوع
    يا صاح افهم درجة, درجة...
    فمزيدا من التألق و العرفان – أختي الشاعرة – صعدا على مدارج التوفيق, و إلى معراج شعري آخر ممتع كنظيره هذا و شائق.
    " اللي راكب حروف الحلال , ما عندو لاش يخاف "
    " ادريس المسناوي- مجاج الريح, تمريغة فتراب النفس ص:67
    على سبيل الختم:
    من موقع اللغة الواصفة, و صاحبها واحد من العشاق المنصوص عليهم في عتبة الإهداء بما نصه:
    " و لكل راوي عاشق يروي الحروف"
    يسعدني أن أحول الى حساب الشاعرة الزجلي , و المفتوح لإول مرة تحت عنوان:
    " ناس و ناس" ط1 2007 عن مطبعة السعادة بمكناس, برصيد إبداعي قوامه24 نصا حسب كشف الفهرسة , قابل للإستثمار و التنمية.
    أقول يسعدني غاية السعادة, أن أحول لحفيظة غويلة, و بالعملة النقدية الصادقة و المحبة الخالصة , المبلغ النقدي المتواضع التالي:
    1: العناية بالجملة الشعرية كإطار دلالي تنصهر في بوتقتة عناصر التركيب و الدلالة و الإيقاع و الصورة,
    مطلب فني و جمالي عمدة في الإبداع, قبل أن يتحول إلى إنجاز يكتفي بالإشتغال باللغة, و لا يعمل على تشغيلها و الإشتغال عليها. فالكتابة الشعرية كقؤانين لغوية كيميائية خاصة, تتحرك على مهاد القوانين اللغوية العامة , لكن تنزاح عنها....
    2- منازلة إديولوجيا الواقع بإديولوجيا المضمون وحده عاريا من أدوات الفن مغامرة غير مضمونة النتائج شعريا. و تحتاج إلى خلفية نصية صلبة تؤطرها.
    3- يبدوا ستنزال نصوص مجموعة "ناس و ناس" مشروطا بالتباعد الزمني الفاصل بين مخاضات سابقة و أخرى لاحقة, و من هذا التفاوت الفني الملحوظ بين نص و آخر, تفاوتا طبع معظم النصوص المرتبة في آخر المجموعة الزجلية, بسمات فنية مفتقدة في ما عداها من النصوص التي تصدرت الترتيب. و عليه يبقى التحكيك و التنخيل و معاودة النظر في النصوص مبدأ نقديا و مزية و جمالية ملابسين لعملية الإبداع, قبل حصول النصوص على شهادة ميلاد رسمية و جواز سفر دائم....

    *كتاب في الزجل المغربي -
يعمل...
X