صرخة هادئة ...!!!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم عبد المعطى داود
    أديب وكاتب
    • 10-12-2008
    • 159

    صرخة هادئة ...!!!

    صرخة هادئة
    تطاير فى جو العمارة نبأ هام بأن العم المسافر منذ عشرين عاما قد عاد ...
    تلقًت النبأ فى المطبخ .. شحب وجهها الصافى ولاحت فى عينيها الخضر اوين نظرة حزينة ..
    علا صوت امها تحثها أن تطفىء نار الموقد لتذهب معها للسلام عليه كبقية الأهل والجيران .. لامفر إذا من مقابلته بل ومصافحته .. سرت فى بدنها قشعريرة ..حاولت أن تتلكأ قليلا ولكن ماذا يجدى وراء الحاح والدتها المستمر ...
    قصدت شقته المجاورة مع أمها فى رداء محتشم .. وقف فى الصالون يستقبل الأهل والجيران وبجواره زوجته وطفلتيه .. طويل القامة ..ذو وجه أسمر وأنف مدبب وعينين جاحظتين .. تقدمت فى خطى خفيفة مركزة عيناها على الأرض متحاشية النظر نحو وجهه ثم مدت يدها ..ماذا تقول ..؟ بحثت بسرعة عن لفظ واحد تنطق به ولكنها خرست ..! ترى ماذا لاح فى عينيه ..؟ مالذى دار فى مخيلته ..؟
    صافح يدها الرقيقة بيده الضخمة وقال بصوت هامس :
    - أشكرك
    استدارت بسرعة ومضت بقامتها الرشيقة .. وعلى أول مقعد فى شقتها جلست متهالكة وصدرها يعلو ويهبط ..
    وتساءلت الأم :
    - لماذا أنت شاحبة هكذا ..؟
    قالت بايجاز :
    - لاشىء
    قصدت الأم المطبخ فتمتمت فى سرها :
    - انه من الجنون أن أطرح الموضوع الآن ..!
    بعد الطعام أوت الى حجرتها ...طاف الزمن البعيد فى خيالها .. زمن لاتستطيع أن تنساه تماما .. كيف ينسى ومطرقته تدق قلبها وجسدها وتجتاح كيانها كله .. فتحت عينيها على الحياة لتجده فى الشقة المجاورة تناديه ب"عمو" يحملها ..يهدهدها ..
    يقبلها .. يضحك لضحكتها .. يجزع لبكائها .. وكلما أشفقت عليه أمها من حنانه الدافق أجاب ضاحكا :
    - لو تزوجت لكان لى ابنة فى مثل سنها تماما ..
    وتتركها الأم وتنصرف وهى تقول فى توكيد :
    - أنت مثل والدها تماما ..!
    ولكن فى سن الرابعة عشر .. حدث ماحدث !! لم تفطن فى أجواء براءتها المترامية وسذاجتها الطاهرة الى أى تغيير فى سلوكه لتأخذ حذرها .. انفرد بها ذات يوم ووقع المحظور .. تساءلت فى فزع "ماذا حدث ياعمو ..!؟"
    همس لها "لاتخافى ..احتفظى بسرك ولا تخبرى أحدا ".
    وبعدها باسبوع طار الى بلاد الخليج ...
    ومع كرور السنين بلغت درجة من النضج أتاحت لها ادراكا لأبعاد مأساتها ..وتكشًفت لها الحقيقة المرًة ...,لكن مالحيلة ..؟؟
    تلفتت حولها ..أبوها رحل عن دنياها منذ عامين ..وامها لاحول لها ولا قوة ..
    فانطوت على نفسها واجتهدت فى دراستها ..وقررت اغلاق باب الأمل الى الأبد
    ياله من موقف يدفع الانسان دفعا الى مايكره ..أصبحت جميلة بل فاتنة .. يضرب بها المثل فى الأدب الجم والبهاء الحسن .. لكنها عقدت العزم وانتهى الأمر ...
    فى الجامعة تجنبت الحب وخافته ..,وزهدت فى العاطفة وعافتها .. صممت أن تمضى بكل قواها فى الحياة بهدوء وبدون ضجة .. مطمئنة بوحدتها .. سعيدة بحاضرها .. تلح على اقناع روحها بأن السعادة لاتنحصر فى الحب والزواج والأمومة .. وكلما جاء عريس هزت رأسها بالنفي فتزعق أمها فى حزن وحسرة :
    - لماذا ياابنتى ..انه مناسب لك
    فتجيب أجابة قاطعة :
    - أنا أدرى بمصلحتى ياأمى ...!
    وكلما دعيت الى حفل زفاف صديقةأوقريبة..عادت أكثر تصميما .. وهان عليها أن تضحى
    بالزواج وألفة السنين وتاج الحياة .. وقالت أن الوحدة فى رفقة الكبرياء ليست وحدة .. فلم تندم قط على قرارها الصلب ..
    من يدرى ...ماذا يخبىء لها الغد ..؟
    حقا ..
    انها تأسف لظهوره فى حياتها من جديد .. لقد جعل من الماضى حاضرا أليما ..
    وصرخت من أعماق ذاتها :
    - انى أكره الماضى كراهية الأرض للدم .. ولكن ماالحيلة ..؟
    وفى اليوم التالى ندت عنها زفرة أسى وقالت لأمها فى صوت كالأنين :
    - أمى .. هيا بنا نبحث عن مكان آخر غير هذه العمارة الملعونة .
    أجابت الأم فى استسلام :
    - كما تريدين حبيبتى ..
    ثم
    ثم قررت أن تركض فى دروب الحياة بعقل واع .. وقلب مكلوم .. وجسد ميت .
    ********************
  • جلال فكرى
    أديب وكاتب
    • 11-08-2008
    • 933

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة ابراهيم عبد المعطى داود مشاهدة المشاركة
    صرخة هادئة
    تطاير فى جو العمارة نبأ هام بأن العم المسافر منذ عشرين عاما قد عاد ...
    تلقًت النبأ فى المطبخ .. شحب وجهها الصافى ولاحت فى عينيها الخضر اوين نظرة حزينة ..
    علا صوت امها تحثها أن تطفىء نار الموقد لتذهب معها للسلام عليه كبقية الأهل والجيران .. لامفر إذا من مقابلته بل ومصافحته .. سرت فى بدنها قشعريرة ..حاولت أن تتلكأ قليلا ولكن ماذا يجدى وراء الحاح والدتها المستمر ...
    قصدت شقته المجاورة مع أمها فى رداء محتشم .. وقف فى الصالون يستقبل الأهل والجيران وبجواره زوجته وطفلتيه .. طويل القامة ..ذو وجه أسمر وأنف مدبب وعينين جاحظتين .. تقدمت فى خطى خفيفة مركزة عيناها على الأرض متحاشية النظر نحو وجهه ثم مدت يدها ..ماذا تقول ..؟ بحثت بسرعة عن لفظ واحد تنطق به ولكنها خرست ..! ترى ماذا لاح فى عينيه ..؟ مالذى دار فى مخيلته ..؟
    صافح يدها الرقيقة بيده الضخمة وقال بصوت هامس :
    - أشكرك
    استدارت بسرعة ومضت بقامتها الرشيقة .. وعلى أول مقعد فى شقتها جلست متهالكة وصدرها يعلو ويهبط ..
    وتساءلت الأم :
    - لماذا أنت شاحبة هكذا ..؟
    قالت بايجاز :
    - لاشىء
    قصدت الأم المطبخ فتمتمت فى سرها :
    - انه من الجنون أن أطرح الموضوع الآن ..!
    بعد الطعام أوت الى حجرتها ...طاف الزمن البعيد فى خيالها .. زمن لاتستطيع أن تنساه تماما .. كيف ينسى ومطرقته تدق قلبها وجسدها وتجتاح كيانها كله .. فتحت عينيها على الحياة لتجده فى الشقة المجاورة تناديه ب"عمو" يحملها ..يهدهدها ..
    يقبلها .. يضحك لضحكتها .. يجزع لبكائها .. وكلما أشفقت عليه أمها من حنانه الدافق أجاب ضاحكا :
    - لو تزوجت لكان لى ابنة فى مثل سنها تماما ..
    وتتركها الأم وتنصرف وهى تقول فى توكيد :
    - أنت مثل والدها تماما ..!
    ولكن فى سن الرابعة عشر .. حدث ماحدث !! لم تفطن فى أجواء براءتها المترامية وسذاجتها الطاهرة الى أى تغيير فى سلوكه لتأخذ حذرها .. انفرد بها ذات يوم ووقع المحظور .. تساءلت فى فزع "ماذا حدث ياعمو ..!؟"
    همس لها "لاتخافى ..احتفظى بسرك ولا تخبرى أحدا ".
    وبعدها باسبوع طار الى بلاد الخليج ...
    ومع كرور السنين بلغت درجة من النضج أتاحت لها ادراكا لأبعاد مأساتها ..وتكشًفت لها الحقيقة المرًة ...,لكن مالحيلة ..؟؟
    تلفتت حولها ..أبوها رحل عن دنياها منذ عامين ..وامها لاحول لها ولا قوة ..
    فانطوت على نفسها واجتهدت فى دراستها ..وقررت اغلاق باب الأمل الى الأبد
    ياله من موقف يدفع الانسان دفعا الى مايكره ..أصبحت جميلة بل فاتنة .. يضرب بها المثل فى الأدب الجم والبهاء الحسن .. لكنها عقدت العزم وانتهى الأمر ...
    فى الجامعة تجنبت الحب وخافته ..,وزهدت فى العاطفة وعافتها .. صممت أن تمضى بكل قواها فى الحياة بهدوء وبدون ضجة .. مطمئنة بوحدتها .. سعيدة بحاضرها .. تلح على اقناع روحها بأن السعادة لاتنحصر فى الحب والزواج والأمومة .. وكلما جاء عريس هزت رأسها بالنفي فتزعق أمها فى حزن وحسرة :
    - لماذا ياابنتى ..انه مناسب لك
    فتجيب أجابة قاطعة :
    - أنا أدرى بمصلحتى ياأمى ...!
    وكلما دعيت الى حفل زفاف صديقةأوقريبة..عادت أكثر تصميما .. وهان عليها أن تضحى
    بالزواج وألفة السنين وتاج الحياة .. وقالت أن الوحدة فى رفقة الكبرياء ليست وحدة .. فلم تندم قط على قرارها الصلب ..
    من يدرى ...ماذا يخبىء لها الغد ..؟
    حقا ..
    انها تأسف لظهوره فى حياتها من جديد .. لقد جعل من الماضى حاضرا أليما ..
    وصرخت من أعماق ذاتها :
    - انى أكره الماضى كراهية الأرض للدم .. ولكن ماالحيلة ..؟
    وفى اليوم التالى ندت عنها زفرة أسى وقالت لأمها فى صوت كالأنين :
    - أمى .. هيا بنا نبحث عن مكان آخر غير هذه العمارة الملعونة .
    أجابت الأم فى استسلام :
    - كما تريدين حبيبتى ..
    ثم
    ثم قررت أن تركض فى دروب الحياة بعقل واع .. وقلب مكلوم .. وجسد ميت .
    ********************
    تنساب قصتك كما ينساب الماء فى سلاسة
    سلم القلم ويد تحمله ..يا ابن بلدى
    بالحب نبنى.. نبدع .. نربى ..نسعد .. نحيا .. نخلد ذكرانا .. بالحقد نحترق فنتلاشى..

    sigpicجلال فكرى[align=center][/align]

    تعليق

    • وائل عبد السلام محمد
      عضو أساسي
      • 25-02-2008
      • 688

      #3
      ما أقرب الخيانة والخونة ... منا ...
      وما أضعفنا عند لحظة الحسم
      تحياتى / أ ابراهيم
      وائل عبد السلام محمد

      تعليق

      يعمل...
      X