طائر بلا جناح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • آيات شعبان
    أديب وكاتب
    • 19-07-2008
    • 77

    طائر بلا جناح


    طائر بلا جناح


    [align=justify]أزلتُ تلك الستائر الثقيلة المحملة بالأتربة... نفضتُ الغبار المتراكم عليها منذ تسع سنوات.... تذكرتُ يومي الأول في هذه الزنزانة ... تذكرتُ أبشع شجار دار بيني وبين زوجي الراحل بلا رجعة... عندما قدم من عمله ووجد النافذة مفتوحة...
    تذكرت تسع سنوات مضت ولم أر فيها ضوء النهار ولا عتمة الليل... فقط أرى هذه الستائر الكحلية الثقيلة التي تمنع مرور أشعة الشمس ونسمات الهواء....

    أما أبواب المنزل فقد كانت منطقة محرمة ممنوع الاقتراب منها... اتذكر المرات القليلة التي خرجت فيها من باب هذا المنزل... والتي كان آخرها أمس، خرجت لأشيع جنازة زوجي...

    تسع سنوات مضت في الأسر... ربما كان العون في انقضائها الأعباء الملقاه على عاتقي، والتي كنت أفني فيها جل وقتي...

    اليوم أول يوم تُفتح فيه النوافذ والأبواب على مصراعيها بعد وفاة السجان....

    واليوم ولأول مرة منذ تسع سنوات سيدخل بيتنا ضيوفا لا حصر لهم؛ فعائلتنا كبيرة...

    يا للعجب حتى هؤلاء البشر القادمين إلينا اليوم، كم بتُ أحلم بأُنسي من وحشة وحدتي بهم، وكم اشتقتُ لسماع صوت إنسيا يتردد صداه في هذه الزنزانة...

    الآن باتت الزنزانة تعج بصنوف من البشر، يتردد فيها صوت نحيب ونواح وعويل النسوة الموشحات بالسواد...

    أرغب أن أغمض عيناي كي لا أراهم، أرغب أن أسد أذناي كي لا اسمع صوت نواحهم...

    أرغب في لحظات من الهدوء كي أُلملم شتات نفسي، أضمد جروحي، استجمع قوتي، أدبر حالي... حالي الذي أصبح يُرثى له !!!

    تبدل الحال... فالشوق الذي كان يراودنى لرؤية ما خلف الستائر أختلط مع خوفي من مصيري المجهول الذي تحجبني عنه تلك الستائر، فربما كان مصيري مثل مصير زوجي الراحل!!!

    ربما كانت تلك الزنزانة تحميني من حر الصيف وبرد الشتاء، من تحمل المسئولية خارجها، من البشر، وربما من غيرهم!!!
    لكنها لا تستطع أن تحميني وأبنائي اليوم من الجوع القارص، عندما ينفذ أخر طعام في ثلاجتنا بعد بضعة أيام... لكن ماذا أفعل؟؟؟

    لي تسع سنوات لم أر شكل النقود... لا أعرف قيمة الأشياء... حتى رغيف الخبز الذي كان متوفرا بالأمس... ربما في الغد أجده بعيد المنال....

    تركني أسيرة سجنه القديم ، لم أعد استطع الفكاك من أسره حتى بعد موته... نعم مات، وتركني وحدي بعد أن قص جناحاي، وقلم أظافري، وربط لساني بحجر ...
    حتى موتته البشعة لم تقدم لخلاصي، بل قدمت لترغمني على البقاء خلف الستائر المنسدلة، خلف الأبواب الموصدة..

    مات الحارس .... لكني أظن أن النوافذ والأبواب ستظل مغلقة... والستائر الغامقة ستظل منسدلة....ربما بسبب الخوف الذي عشش في قلبي...

    أصبحتُ أخشى الخروج بوابة المنزل، ربما لكون بيتنا في زاوية معزولة عن البشر......
    ففي تلك المنطقة الخاوية تماما من البشر، لم أسمع قط صوت مؤذن يُنادي ولا صوت ناقوس يدق... ربما سمعتُ نهيق وصهيل عربات اليد التي تمر من خلف الأسوار متجهه نحو السوق الذي يبعد عنا بكثير... حتى شوارد الكلاب والقطط تأبي أن تأتي إلى هذا المكان كي لا تموت جوعا وعطشا... فقط الذئاب تعوي من ناحية الجبل.....

    لكن لابد أن أخرج... ولكن كيف لي أن أخرج ؟؟
    حتى تلك السيارة التي تراكم عليها تراب الخماسين الأصفر لا استطع أن أُحرك عجلاتها...
    ربما "عبد الله" و"إيمان" عيناي التي كنت أرى بها العالم الخارجي وأذناي التي أسمع بها كل ما يجري خلف تلك الأسوار... سوف يظلان هنا... لأني لا أعرف طريق مدرستهم... بل ربما لا أعرف طريق العمار...

    ففي المرات القليلة التي خرجت فيها من منزلي كنت أخرج موشحة بالسواد معصوبة الجبين... الستائر السوداء ذات الطوابق الثمانية المنسدلة على وجهي كانت تشوش الرؤية... والغبار الذي كان يكسو زجاج السيارة من سرعتها كان يمنعها تماما... فكيف لي أن أرى!!!

    السكون يخيم على أرجاء المكان... غادر المقرئون المكان ... لم أعد أسمع سوى صوت نعال النسوة الخارجات بلا رجعة... وحوقلات الرجال من هذا الحادث المؤلم... يتجهون نحو سياراتهم... السيارات تتباعد شيئا فشيئا....

    فقط يتردد في هذا المنزل آخر ما نطق به المقرئ "يا أيتها النفس المطمئة أرجعي إلى ربكِ راضية مرضية"

    لم يبق معي سوى أخت زوجي؛ تلك الخرساء التي تعاني من نوبات صرع....

    كنا ولازلنا لا حيلة لنا... ربما آن الوقت الذي أمحو فيه صدأ تلك الرأس... وأحاول أن أدبر أحوال هؤلاء الثلاثة... مصائرهم الآن معلقة في رقبتي....

    تبا لك يا "عاصم"... لماذا جعلتني هكذا؟

    بتُ أتساءل مرات ومرات عن الوازع الذي جعله يفعل بي هكذا... حتى وجدت أنه لا وازعا دينيا ولا أخلاقيا ولا حتى عرفيا يبرر فعلته... فقط دافع الغيرة والشك، وربما تفكيره في الخيانة...
    فلقد ورث ثأر أبيه؛ الذي انقض بالسكين على زوجته الخائنة... وورثه ثأرا من كل النساء…. نظرات الازدراء التي كانت تطل من عينيه لم تكن تفرق بيني ولا بين أخته المسكينة ولا بين "إيمان" الطفلة الصغيرة...

    موروثات كان يجب أن تستأصل شأفتها وتجتث من جذورها... جعلت رجلا في الخمسين يتزوج من ابنة عمه اليتيمة التي على مشارف العشرين... التي رباها وظل طيلة عمره يراقبها.... وتزوجها وزجها في زنزانة بعيدة عن أعين البشر... الآن هى في أمس الحاجة لمن يعينها... ولا تجد في هذه الصحراء من يعينها...

    جنى علينا... ولم يفكر قط في يوم رحيله... ربما تسببت هذه الحادثة المفاجئة في لخبطة حساباته... فللقدر حسابات أخرى... ربما كان يعد العدة ليسلم "عبد الله" الراية... ويسلمه قبلها موروثاته... حمدا لله إنه لازال صغيرا

    الآن قد أرخي اليل سداوله بظلمته وكآبته.... وتطاول حتى قلتُ ليس بمنقضي... ليلا دامسا لا نجم فيه ولا قمر...
    هيهات أن تفارقني تلك الظلمة، ويملأ شعاع الشمس الأفاق وأأنس بقبس من نورها...

    حتى بعد طلوع الشمس لا زلتُ واقفة خلف النافذة ... لعلي أعد جموع الطيور الخارجة من أعشاشها خماصا تبحث عن أرزاقها.... وأنا لا حول لي ولا قوة، مكبلة، ليس لي جناح كي أطير مثلهم.... أشعر الآن وكأني أنزلق إلى الهاوية إن لم أجد مخرجا!!!

    لكن كيف لي أن أخرج وشبح عاصم يطاردني... وإن استطعت الفكاك من شبحه... فقد يطاردني شبح قاتله... شبح الذئب الذي فتك به ومزق جسده إربا إربا، وأبي أن يأكل من لحمه المر إلا النذر اليسير...

    استغاث وظل يتغيث حتى فارقت الروح الجسد... ربما الأبواب المغلقة هي التي منعتنا من إغاثته... ربما الخوف المزروع بداخلنا هو الذي منعنا من الاقتراب من الأبواب المغلقة...

    لولا الرصيد الباقي في تليفونه المحمول ما استطعت أن أدفنه، أن أأخذ عزائه....


    [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    كانت ليلة العزاء النقطة المركزية ، المنطقة التى يبدأ منها الكشف .. و لحظة الإبداع .. ليكون التنوير من خلال الحداث ، أو السرد فى حال الرواية .. و بالفعل كان القص يحوم حول هذه المنطقة ، دافعا بتل عريض من ذواكرها ، ليعطينا الكثير من حدود الشخصية التى يتناولها .. و قد قال الكثير .. و دفع بصور متعددة .. ليقول .. عن هذا السجان .. الزوج .. كثيرا من حدود سجنه .. و لم كان ؟
    العين التى تعودت العتمة من الصعب عليها اعتياد النور .. فليأتى الأمر تدريجيا .. و كأننا أمام وليد/ وليدة تحبو.. و تخرج للحياة .. لأول مرة .. وتتعرف على الأشياء رويدا .. رويدا !!
    القصة سيدتى شيقة .. و كان من الممكن .. أو المستطاع أن تكون أجمل و أدهش .. بما تحمل فى طياتها .. بعيدا عن تكرار بعض الحديث الذى ينم عن فرحة المسجون بانفراج سجنه .. لكن هكذا شئت .. ليكن .. !!
    هناك الكثير من الأخطاء و عليك بالمراجعة مرة ومرة ومرة
    أشكرك سيدتى على هذه القصة التى تحمل بالفعل الكثير و الكثير .. إنها تشبه نهاية كل ظالم .. كل سجان .. ربما .. و لكن اختلفت النهاية .. و لو ركزت عليها قليلا .. لأحدثت الكثير من الدهشة الحية !!
    دمت بخير و إبداع
    تحيتى و تقديرى
    sigpic

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميلة الرائعة
      آيات شعبان
      هل قلت لك سابقا بأنك تمتلكين روح القص
      وإنك تمتلكين أدوات القصة
      فكرة
      سرد
      لغة
      لكنك أغفلت بعض الأشياء الصغيرة
      منها أخطاء صغيرة نرتكبها دون قصد في بعض الأماكن
      لكن ومضة الأبواب المغلقة كانت رائعة بزخم من المشاعر الرهيبة والجائزة جدا
      سيكون لك شأن آيات صدقيني
      أنت متمكنة فقط تمهلي وراجعي كثيرا
      تحياتي لأداء رائع ولك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • ايهاب هديب
        طائر السماء المقعد
        • 31-12-2008
        • 184

        #4
        لكن كيف لي أن أخرج وشبح عاصم يطاردني... وإن استطعت الفكاك من شبحه... فقد يطاردني شبح قاتله... شبح الذئب الذي فتك به ومزق جسده إربا إربا، وأبي أن يأكل من لحمه المر إلا النذر اليسير...

        استغاث وظل يتغيث حتى فارقت الروح الجسد... ربما الأبواب المغلقة هي التي منعتنا من إغاثته... ربما الخوف المزروع بداخلنا هو الذي منعنا من الاقتراب من الأبواب المغلقة...

        لولا الرصيد الباقي في تليفونه المحمول ما استطعت أن أدفنه، أن أأخذ عزائه....

        وكم لنا من أهل واخوان وأصدقاء لم نستطع
        أن نأخذ عزاءهم رغم أننا موجودون وبقوة
        في قلب هذا العزاء !!!

        أختي آيات شعبان أشكرك على هذا النص الجميل
        ( طائر السماء المقعد !!)
        ايــهــاب هـديــب

        تعليق

        • آيات شعبان
          أديب وكاتب
          • 19-07-2008
          • 77

          #5
          الأستاذ ربيع عقب الباب
          سلام الله ورحمته وبركاته عليكم

          أسعدني مروركم الكريم، ملاحظاتكم جديرة بالاعتبار سوف أضعها في الحسبان.

          ويسعدني قراءة رأيكم في الأعمال القادمة إن شاء الله

          لكم مني جزيل الشكر والتقدير
          التعديل الأخير تم بواسطة آيات شعبان; الساعة 24-01-2009, 20:58.

          تعليق

          • آيات شعبان
            أديب وكاتب
            • 19-07-2008
            • 77

            #6
            أختي عائدة سلام الله ورحمته وبركاته عليكِ وعلى كل أهل العراق

            شكرا لمروركِ الكريم، يسعدني دائما معرفة رأيكِ في كل ما أكتب

            مع خالص تحياتي ومودتي

            تعليق

            • آيات شعبان
              أديب وكاتب
              • 19-07-2008
              • 77

              #7
              أخي إيهاب
              سلام الله ورحمته وبركاته عليكَ
              شكرا لمروركَ الكريم

              وصدقت والله بقولكَ "وكم لنا من أهل واخوان وأصدقاء لم نستطع
              أن نأخذ عزاءهم رغم أننا موجودون وبقوة
              في قلب هذا العزاء !!! "

              ونحن لا نملك إلا الدعاء
              رحم الله جميع أموات وشهداء المسلمين، وشهداء أهلنا في غزة وأسكنهم الله فسيح جناته
              اللهم تقبل

              تعليق

              • محمود عبدالرحيم عاصى
                أديب وكاتب
                • 03-02-2009
                • 155

                #8
                نجحت فى التصوير



                [align=center]صورة مرة لواقع أشد مرارة .

                لاشك أن أفضل مافى الحياة الإحساس بالأمان و الحرية .

                و إذا فقدهما الإنسان فقد الحياة و ربما كان الموت أفضل من حياة البؤس التى يمكن أن يعيشها .


                عيشة فقط فيها قلب ينبض ـ ذلك النبض الذى هو الفرق بين الحى و الميت ـ الذى لا معنى له و لا إحساس من ورائه سوى المرارة .

                التى تمثل نتيجة فقدان الأمان و الحرية .

                و الذى كان ثمرة الشك و ما ترتب عليه

                .
                الأستاذة الفاضلة / آيات شعبان

                دمت بالخير و فيه

                محمود عبدالرحيم عاصى

                [/align]
                إنحر أعداءك بزيادة معرفتك
















                تعليق

                • آيات شعبان
                  أديب وكاتب
                  • 19-07-2008
                  • 77

                  #9
                  [align=center]أستاذنا محمود عبدالرحيم سلام الله ورحمته وبركاته عليكم

                  أسعدنى انضمامكم إلى أسرة الملتقى
                  وأسعدني أكثر قراءة تعقيبكم على قصتي المتواضعة
                  انتظر رأيكم في الأعمال القادمة

                  مع خالص شكري وتقديري لشخصكم الكريم[/align]

                  تعليق

                  • الشربيني المهندس
                    أديب وكاتب
                    • 22-01-2009
                    • 436

                    #10
                    الاستاذة آيات وعنوان معبر تماما كدلالة المثل البلدي طير مكسور الجناح
                    القصة وان طالت بعض الشئ استطاعت تصوير المنولوج الداخلي للبطلة بصورة جيدة
                    اعتقد ان مسألة الذئب زائدة فموت السجان يكفي لمناسبة العنوان والدلالة الذكية خلال السياق من فقدان الحرية التي سلبها السجان رغم موته مع التظاهر بنيلها وفتح الستائر رمز حجب الضوء والشمس والحرية بمجرد الموت
                    مع خالص تقديري

                    تعليق

                    • آيات شعبان
                      أديب وكاتب
                      • 19-07-2008
                      • 77

                      #11
                      الأستاذ الشربيني المهندس سلام الله ورحمته وبركاته عليكَ

                      شكرا لمروركم الكريم، أسعدني قراءة تعقيبكم على قصتي المتواضعة،
                      وأرجو أن تتقبل اعتذاري لتأخري في الرد عليكم

                      مع خالص تحياتي

                      تعليق

                      • عبد الحميد عبد البصير أحمد
                        أديب وكاتب
                        • 09-04-2011
                        • 768

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة آيات شعبان مشاهدة المشاركة

                        طائر بلا جناح


                        [align=justify]أزلتُ تلك الستائر الثقيلة المحملة بالأتربة... نفضتُ الغبار المتراكم عليها منذ تسع سنوات.... تذكرتُ يومي الأول في هذه الزنزانة ... تذكرتُ أبشع شجار دار بيني وبين زوجي الراحل بلا رجعة... عندما قدم من عمله ووجد النافذة مفتوحة...
                        تذكرت تسع سنوات مضت ولم أر فيها ضوء النهار ولا عتمة الليل... فقط أرى هذه الستائر الكحلية الثقيلة التي تمنع مرور أشعة الشمس ونسمات الهواء....

                        أما أبواب المنزل فقد كانت منطقة محرمة ممنوع الاقتراب منها... اتذكر المرات القليلة التي خرجت فيها من باب هذا المنزل... والتي كان آخرها أمس، خرجت لأشيع جنازة زوجي...

                        تسع سنوات مضت في الأسر... ربما كان العون في انقضائها الأعباء الملقاه على عاتقي، والتي كنت أفني فيها جل وقتي...

                        اليوم أول يوم تُفتح فيه النوافذ والأبواب على مصراعيها بعد وفاة السجان....

                        واليوم ولأول مرة منذ تسع سنوات سيدخل بيتنا ضيوفا لا حصر لهم؛ فعائلتنا كبيرة...

                        يا للعجب حتى هؤلاء البشر القادمين إلينا اليوم، كم بتُ أحلم بأُنسي من وحشة وحدتي بهم، وكم اشتقتُ لسماع صوت إنسيا يتردد صداه في هذه الزنزانة...

                        الآن باتت الزنزانة تعج بصنوف من البشر، يتردد فيها صوت نحيب ونواح وعويل النسوة الموشحات بالسواد...

                        أرغب أن أغمض عيناي كي لا أراهم، أرغب أن أسد أذناي كي لا اسمع صوت نواحهم...

                        أرغب في لحظات من الهدوء كي أُلملم شتات نفسي، أضمد جروحي، استجمع قوتي، أدبر حالي... حالي الذي أصبح يُرثى له !!!

                        تبدل الحال... فالشوق الذي كان يراودنى لرؤية ما خلف الستائر أختلط مع خوفي من مصيري المجهول الذي تحجبني عنه تلك الستائر، فربما كان مصيري مثل مصير زوجي الراحل!!!

                        ربما كانت تلك الزنزانة تحميني من حر الصيف وبرد الشتاء، من تحمل المسئولية خارجها، من البشر، وربما من غيرهم!!!
                        لكنها لا تستطع أن تحميني وأبنائي اليوم من الجوع القارص، عندما ينفذ أخر طعام في ثلاجتنا بعد بضعة أيام... لكن ماذا أفعل؟؟؟

                        لي تسع سنوات لم أر شكل النقود... لا أعرف قيمة الأشياء... حتى رغيف الخبز الذي كان متوفرا بالأمس... ربما في الغد أجده بعيد المنال....

                        تركني أسيرة سجنه القديم ، لم أعد استطع الفكاك من أسره حتى بعد موته... نعم مات، وتركني وحدي بعد أن قص جناحاي، وقلم أظافري، وربط لساني بحجر ...
                        حتى موتته البشعة لم تقدم لخلاصي، بل قدمت لترغمني على البقاء خلف الستائر المنسدلة، خلف الأبواب الموصدة..

                        مات الحارس .... لكني أظن أن النوافذ والأبواب ستظل مغلقة... والستائر الغامقة ستظل منسدلة....ربما بسبب الخوف الذي عشش في قلبي...

                        أصبحتُ أخشى الخروج بوابة المنزل، ربما لكون بيتنا في زاوية معزولة عن البشر......
                        ففي تلك المنطقة الخاوية تماما من البشر، لم أسمع قط صوت مؤذن يُنادي ولا صوت ناقوس يدق... ربما سمعتُ نهيق وصهيل عربات اليد التي تمر من خلف الأسوار متجهه نحو السوق الذي يبعد عنا بكثير... حتى شوارد الكلاب والقطط تأبي أن تأتي إلى هذا المكان كي لا تموت جوعا وعطشا... فقط الذئاب تعوي من ناحية الجبل.....

                        لكن لابد أن أخرج... ولكن كيف لي أن أخرج ؟؟
                        حتى تلك السيارة التي تراكم عليها تراب الخماسين الأصفر لا استطع أن أُحرك عجلاتها...
                        ربما "عبد الله" و"إيمان" عيناي التي كنت أرى بها العالم الخارجي وأذناي التي أسمع بها كل ما يجري خلف تلك الأسوار... سوف يظلان هنا... لأني لا أعرف طريق مدرستهم... بل ربما لا أعرف طريق العمار...

                        ففي المرات القليلة التي خرجت فيها من منزلي كنت أخرج موشحة بالسواد معصوبة الجبين... الستائر السوداء ذات الطوابق الثمانية المنسدلة على وجهي كانت تشوش الرؤية... والغبار الذي كان يكسو زجاج السيارة من سرعتها كان يمنعها تماما... فكيف لي أن أرى!!!

                        السكون يخيم على أرجاء المكان... غادر المقرئون المكان ... لم أعد أسمع سوى صوت نعال النسوة الخارجات بلا رجعة... وحوقلات الرجال من هذا الحادث المؤلم... يتجهون نحو سياراتهم... السيارات تتباعد شيئا فشيئا....

                        فقط يتردد في هذا المنزل آخر ما نطق به المقرئ "يا أيتها النفس المطمئة أرجعي إلى ربكِ راضية مرضية"

                        لم يبق معي سوى أخت زوجي؛ تلك الخرساء التي تعاني من نوبات صرع....

                        كنا ولازلنا لا حيلة لنا... ربما آن الوقت الذي أمحو فيه صدأ تلك الرأس... وأحاول أن أدبر أحوال هؤلاء الثلاثة... مصائرهم الآن معلقة في رقبتي....

                        تبا لك يا "عاصم"... لماذا جعلتني هكذا؟

                        بتُ أتساءل مرات ومرات عن الوازع الذي جعله يفعل بي هكذا... حتى وجدت أنه لا وازعا دينيا ولا أخلاقيا ولا حتى عرفيا يبرر فعلته... فقط دافع الغيرة والشك، وربما تفكيره في الخيانة...
                        فلقد ورث ثأر أبيه؛ الذي انقض بالسكين على زوجته الخائنة... وورثه ثأرا من كل النساء…. نظرات الازدراء التي كانت تطل من عينيه لم تكن تفرق بيني ولا بين أخته المسكينة ولا بين "إيمان" الطفلة الصغيرة...

                        موروثات كان يجب أن تستأصل شأفتها وتجتث من جذورها... جعلت رجلا في الخمسين يتزوج من ابنة عمه اليتيمة التي على مشارف العشرين... التي رباها وظل طيلة عمره يراقبها.... وتزوجها وزجها في زنزانة بعيدة عن أعين البشر... الآن هى في أمس الحاجة لمن يعينها... ولا تجد في هذه الصحراء من يعينها...

                        جنى علينا... ولم يفكر قط في يوم رحيله... ربما تسببت هذه الحادثة المفاجئة في لخبطة حساباته... فللقدر حسابات أخرى... ربما كان يعد العدة ليسلم "عبد الله" الراية... ويسلمه قبلها موروثاته... حمدا لله إنه لازال صغيرا

                        الآن قد أرخي اليل سداوله بظلمته وكآبته.... وتطاول حتى قلتُ ليس بمنقضي... ليلا دامسا لا نجم فيه ولا قمر...
                        هيهات أن تفارقني تلك الظلمة، ويملأ شعاع الشمس الأفاق وأأنس بقبس من نورها...

                        حتى بعد طلوع الشمس لا زلتُ واقفة خلف النافذة ... لعلي أعد جموع الطيور الخارجة من أعشاشها خماصا تبحث عن أرزاقها.... وأنا لا حول لي ولا قوة، مكبلة، ليس لي جناح كي أطير مثلهم.... أشعر الآن وكأني أنزلق إلى الهاوية إن لم أجد مخرجا!!!

                        لكن كيف لي أن أخرج وشبح عاصم يطاردني... وإن استطعت الفكاك من شبحه... فقد يطاردني شبح قاتله... شبح الذئب الذي فتك به ومزق جسده إربا إربا، وأبي أن يأكل من لحمه المر إلا النذر اليسير...

                        استغاث وظل يتغيث حتى فارقت الروح الجسد... ربما الأبواب المغلقة هي التي منعتنا من إغاثته... ربما الخوف المزروع بداخلنا هو الذي منعنا من الاقتراب من الأبواب المغلقة...

                        لولا الرصيد الباقي في تليفونه المحمول ما استطعت أن أدفنه، أن أأخذ عزائه....[/align]
                        [align=justify]

                        [/align]
                        لم أرى نص تتسارع نبضاته هكذا!..أكاد أشعر باغماءة ..يا إلهي
                        لايسعني سوى أن أقول:تقبلي عزائي
                        شكراً لحضرتك
                        الحمد لله كما ينبغي








                        تعليق

                        • دينا نبيل
                          أديبة وناقدة
                          • 03-07-2011
                          • 732

                          #13
                          أ / آيات شعبان ..

                          لم أقرا لكِ من قبل للأسف ..
                          ولم يقدر لي أن أصافح نصكِ لولا أن أ / أحمد فريد كتب عليها تعليقا لتعود للصفحة الأولى من جديد ..


                          أ / آيات ..
                          الفكرة تم تداولها كثيرا في الأدب الغربي قبل العربي ، حتى صارت أحد أهم موضوعات الأدب النسوي ..

                          لكن المعالجة في هذه السردية جاءت مختلفة إلى حد كبير .. فهي تركز على ما بعد وفاة الزوج السجّان .. والمعاناة التي بانتظار تلك الزوجة المحبوسة ..


                          لقد تم طرح الفكرة بوجهتي نظر مختلفتين هنا وكأن الشخصية الرئيسة قد حدث لها انفصام بالشخصية ؛ فصارت كمن تتكلم وتجيب نفسها .. وهذا أراه موفقا جدا خاصة لمن وقعت تحت وطأة صدمة كبيرة متمثلة في موت الزوج حتى وإن كان سجّانا !

                          لذا فاستخدام السرد بأسلوب المونولوج وضمير المتكلم كان له الأثر الكبير في نقل المشاعر الداخلية صادقة للمتلقي ..

                          اللغة كانت سهلة لكن أرى أنه تم تكرار بعض الأفكار فيها مما أثّر على عنصر التكثيف الهام في القصة القصيرة ..

                          تحياتي لكِ على النص المتميز ..

                          وتحياتي لكِ أ / فريد على الذائقة الراقية



                          تعليق

                          يعمل...
                          X