رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد النوباني
    أديب وكاتب
    • 26-08-2008
    • 527

    رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة

    مقدمة


    لست من يفلسف العشق أغنية حياة. بل أحاول أن أحاكي تلك التراتيل المنزوية خلف ظلال القادم, حين لا يملك الزمن أية جدارية توحي ببعض ما ستكون عليه أمور المستقبل, وما سترسمه العيون حين لا يكون هناك جذور تنغرس في أرض الزمن الماضي. كم أكره النباتات المزروعة في أوعية زجاجية لأنها لا تملك أي رونق ولا عبق, وترتكز على قدرية السقوط في أية لحظة. هناك شفافية للزمن تحكم معنى التمركز فوق الانعتاق من الأصول, وهناك حلم يتماثل خارج جاذبية المكان والزمان.









    الجزء الأول
    الفصل الأول .... ذاكرة أزلية


    كنت في الليل, ودخان التبغ يحوم كهالات رمادية فوق سهري. تابعتها بعيني, وهي تهاجر كسحب صغيرة باهتة, خارج تلك النافذة المطلة على فضاء داكن وبلا ملامح.
    أوراقي أمامي على الطاولة, بيضاء وبلا حروف, والقلم يغفو فوقها, ويتابع الصمت معي بكل اهتمام. حتى كأننا نغفل عن دقات الساعة ببعض الصمت, وصوت يأتي من بعيد, لحفيف أشجار يداعبها النسيم. ودون أن أدري, تباعدت الجدران من حولي, وتلاشت ملامح الأشياء. فشعرت ببعض البرد, كرعشة الليل على الطرقات الترابية بين الأشجار. أفقت من غفلتي على رطوبة عشب ندي, وكذلك كل ما حولي.أين أنا؟, وكيف هنا, وما هذا الدرب معتماً وصامتاً؟, تصطف أشجاره على جانبيه كالمراسم المسائية. كنت أغفو على ذاك المفترق الترابي, ولأي درب يرسم توجهي؟. أين كنت ومجلسي ذاك والسحب الصغيرة الباهتة ونافذتي؟.
    لم اصدق ملكتني الدهشة, وسرت مع ذلك الدرب المؤدي إلى أنوار بعيدة وخافتة جدا, لعلي أتبين أين أنا, وكيف أتيت, أكان حلماً؟ أم أنني الآن أحلم. بدأت أسير وتقترب الأضواء مني, وتخرج من الصمت حولي كلمات بعيدة, وضحكات خافتة, وكأنها تأتي من رجع ذكرى. بدأت أتذكر الآن. أنا على أعتاب تلك القرية الجبلية حيث يعيش ذلك المدرس, وحيث تبدأ القصة بسرد وقائعها المرسومة على جدران الذاكرة الأزلية.
    صرت عند الساحة الدائرية, ورأيت نافذة مضاءة. كان يجلس هناك مطرقاً برأسه بين كتب وأوراق, يلتفت نحو النافذة ويراقب الحركات العفوية لذاك الليل الهادئ. لم يكن هناك أحد, سوى أولئك الجالسين في المقهى. ضحكات وبعض الهمسات, والتي لا تعني سوى التسامر في الركن الوحيد من القرية, حيث ملتقى الأصدقاء, للخروج من حاجز الصمت والسكون القابع خلف جدران البيوت المتلاصقة على جوانب الدروب.
    اقتربت من المكان أكثر. وكنت بين الحين والآخر, أختبئ خلف الأشجار خوفاً من أن يراني أحد. لم أكن أريد أن أدخل أكثر, وأتلاعب في سير القصة وأحداثها. فجأة لاحظ وجودي أحد الكلاب على باب بيت, وابتدأ بالنباح, فسارعت بالتراجع. تعثرت قدمي بأحجار على الدرب, سقطت وعاودتني الغفلة, لولا النباح الذي أخذ يزداد. جعلني استفيق من جديد, لأجد جسدي على الأريكة أنظر حولي, لا زلت مكاني وتلك الساعة ونافذتي. سيجارتي على أرض الغرفة, و أوراقي مبعثرة أمامي. هي لم تعد بيضاء و بلا حروف. نظرت ملياً, فوجدت كل ما كنت به حلم من كلمات. قرأت القرية والدرب, والأشجار والمقهى. ثم درت برأسي أنظر حولي, فلم أجد أية إجابة. أقفلت النافذة وتركت الضوء, لعلي أتبين أمري ومن أين أبدأ سطوري عن ذاك المكان.

    كان الصباح يولد من ربيع مزهر وعبق. ساحرة تلك القرية حين تستفيق ذابلة العيون, يملؤها الضوء, ويتسلل إليها الانتعاش, وتنسحب الظلال كسلا. بدأ البريق يتلألأ على الأغصان الندية مع تفتح الزهور, وأصوات طيور يطربها الشروق, بدأ الناس على الطرقات يسرعون نحو أشغالهم وكأنهم يخرجون من زمن لآخر, يحيط بأماكن ودروب تحلق فيها ابتسامات وتحيات صباح.
    كان عزيز يرتب المقاعد والطاولات الصغيرة أمام المقهى, يغني كعادته ويقطع غناءه بابتسامة, حين يلقي التحية أو يردها على المارين من أمامه. فتحت تلك النافذة الصغيرة, ونظر أحمد نحو الساحة, يلتفت هنا وهناك مشيراً بيده, ويقول:
    صباح الخير, كيف حالك يا عزيز؟, أراك في غاية النشاط والسرور.
    صباح النور أستاذ أحمد, هل شيئاً من السوق؟
    شكراً, اليوم سأعفيك من هذه المهمة, فلقد تأخرت عن المدرسة قليلاًً.
    عاد يلتفت من جديد نحو المارة. ثم نظر إلى السماء الصافية كي ينساب إليه الشعور بالارتياح, غادر النافذة حين سمع صوت والدته من الداخل وهي تقول:
    هيا, لقد أعددت لك الفطور, ولم يبق هناك وقت.
    صباح الخير يا أجمل أم في الدنيا, ها أنا قادم.
    خرج إلى الحديقة الخلفية للمنزل, وجلس مع والدته, ثم أشعل سيجارة وتناول فنجان القهوة.
    لماذا ابتدأت بالسيجارة؟, ألن تتناول شيئاً قبل ذهابك؟ .
    مستعجل يا أمي, لا أستطيع الآن, أكملي إفطارك.
    أراك لا تتغير أبدا, فدائما تأخذني بابتسامتك, كم أتمنى أن أزوجك, عندها لن تقول لها لا أستطيع. متى يأتي ذاك اليوم؟, حين أراك وزوجتك وأحفادي الصغار يملأون البيت.
    لا تقلقي يا أمي, سيأتي ذاك اليوم, فلست في عجلة من الأمر, أمامي وقت طويل.
    كيف يا بني؟ أصبحت فوق الثلاثين, ولم أراك تفكر بذلك أبداً, كم أتمنى أن يهدأ بالي, وأطمئن عليك قبل أن أموت.
    بعد عمر طويل يا أمي.
    اقترب وقبل يدها وابتسم وهو يغادر. ثم التفت نحو الياسمينة قرب الباب, ولامس أزهارها البيضاء. كانت والدته تتبعه بنظراتها وهي لا تصدق نفسها, فهو وحيدها وليس لها غيره.
    كانت الطريق المؤدية إلى المدرسة ككل دروب الطفولة, تختلف في بعض الملامح, إلا أنها هي نفسها الدروب التي تعيدنا إلى الملعب والدراسة والأصدقاء, حتى المدرسون يملكون نفس الشعور مع اختلاف الوعي, فالمعلم قد أعاد المشهد آلاف المرات حتى أصبح الأمر روتينا وإعادة لمشاهدات يومية ووجوه صغيرة, ومقاعد خشبية أرهقها المكان والزمان.
    غادر البيت واخذ يعبر الساحة الدائرية, ويبتسم لمن يصادفهم في الطريق, كان يحاول أن يستحضر في ذاكرته واجبات اليوم, ويعد النفس لروتين يأخذ جزءاً من يوم يمضيه بين تلك الوجوه الصغيرة, حتى ينتهي الدوام ليفارق ذاك الجزء المعتاد من يوم, و كأنه يخبئه بين الشجيرات الصغيرة على جانب المنعطف, والذي يؤدي إلى خارج القرية حيث حقول القمح الخضراء وذلك المبنى القديم المطل من بعيد فوق التلال الهادئة, بأسواره العالية, وبابه الحديدي الضخم والذي يحمل ملامح المدرسة.
    في الداخل كان كل شيء مهترئاً وهرماً, حتى ذلك المدير الجالس على مكتبه المغطى بأوراق وكتب وأقلام من كل نوع. بعض المعلمين يتحدثون في أمور يومية, وآخر هناك يراجع الأوراق لامتحان شهري.
    دخل وألقى التحية, وتراجع إلى الغرفة الأخرى, ثم جلس ينتظر صديقه حمدي لكي يتناول معه فنجان القهوة المعتاد, قبل أن يقرع الجرس المعلق على الحائط الخارجي, وكأنه معلق هناك من قبل أن تبنى تلك الجدران والأبواب.
    وصل حمدي وقال:
    صباح الخير يا صديقي, أين القهوة ؟ ليرحمنا الله من العمل هنا ومن هذه البلدة, لولاك يا عزيزي لغادرت منذ زمن طويل. فأحلامي تبدأ هنا, لكنها ستسافر معي إلى العاصمة حيث الفرص الجيدة, مدارس أفضل ودروس خصوصية, أتعلم ما تعنيه الدروس الخصوصية ؟ تعني دخلاً أفضل وانطلاقة نحو مستقبل يرحمنا من وجع الفقر والحاجة, فنحن نسير بأحلام تضيع في آخر النهار تحت خطى الغد, ولا ندري؟.
    ضحك أحمد وقال:
    كنت أعلم بأنك ستقول هذا, وكم أصاب بالملل من شكواك المتكررة. فلماذا لا تصبر يا صديقي؟ ما كتب لك سيأتي, ولكن خبئ أحلامك وكن واقعياً, نحن هنا, وهذا هو المكتوب. ألا تستطيع أن ترى أشياء أخرى أجمل من قصيدة الصباح البائسة, تلك التي تحملها معك طوال الطريق إلى هنا؟. اشرب قهوتك ولنسارع إلى قاعة الدرس, ألم تسمع الجرس؟.
    أجل اسمعها الأجراس, فهي تثير أعصابي, و كأنها تهزأ بي في نهاية الأمر, ومن كل ما أقوله وأحلم به.
    لم يكن أحمد بلا طموح, بل كان يتعامل مع الأمور ببعض البرود, هو دائم المتابعة لما حوله بصمت, وكأنه زائر يمارس الحياة بما تتطلبه أمورها البسيطة. يحمل آمالاً اكبر, ولكن ما يشغله الآن هو حبه للتعليم و لوالدته, تلك التي أمضت حياتها وهي تعمل بكل جد, في الأرض التي تركها لهم والده. كانت امرأة نشيطة, علمتها الحياة أن الكفاح مهمتها لتقدر على تكاليف معيشتها وولدها الوحيـــــد, راقبته وهو يكبر, وعلمته القيم التي تحمل, ونشأته بأخلاق حسنة وأغرقته بكل حنانها وحبها. ربما هذا ما جعله يحمل القناعة والتمهل, صارعت الحياة كثيرا لتؤمن دراسته الجامعية في العاصمة, وها هو الآن بجانبها, وهل هناك أمنية أجمل من ذلك.
    اعتاد أن يأتي من المدرسة كي يذهب إلى الأرض ويساعدها في أعمال الزراعة هناك, ثم يعود إلى البيت عند الغروب ليجلس في غرفته, كي يستريح من عناء اليوم. كان يحب القراءة كثيرا, ويحب الذهاب في الليل إلى المقهى ليتحدث مع أصدقائه, ثم يعود من جديد إلى غرفته التي هي جزء من أعماقه, ويحضر واجبات اليوم التالي. ثم يجلس ليكتب خواطره وأشعاره, فهو ينقل ما يحمله في داخله من مشاهدات و أفكار, على أوراق أصبحت كثيرة ومبعثرة هنا وهناك.
    كان في كل يوم يخرج من ضوء الشمس, ومن الوجوه العابرة على الطرقات, ومن الأحاديث والتناقضات, ومن جماليات المكان وأنغام الموسيقا, تلك التي تتنوع حسب الأماكن والأشخاص والزمن. يخرج من ذلك ليدخل في آخر الليل إلى عالمه الخاص, حيث تدور بفكره كل ملامح التواجد ومؤثراتها, فيبدأ بمداعبة الكلمات بأحرفها , وينثر على الأوراق تراتيل وأفكاراً تخرج من وعي آخر, يتملكه بعد رحيل الصوت إلى صمت وتراكيب ظلمة, ونسيم هادئ وعبق ليل, و يصير الكون ملكا له وحده, ليرتقي به حتى يمتزج الحلم بالمشاهدة في آن واحد.
    هكذا تسير الأيام كعربات قطار لا ينتهي, عربات متشابهة تسير إلى ما لانهاية, ليس في تلك القرية فقط , بل في كل القرى والمدن وفي كل تقاسيم العمر, يتخللها بعض المحطات التي تجعلنا نخرج من العربات ولو قليلاً, لندخل في عوالم أخرى, لا تأسرها السكك الطويلة الممتدة على طول السنين.
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد النوباني; الساعة 17-10-2009, 07:46.
    [flash=http://marinamool.com/pic/up/27272685020100501.swf]WIDTH=270 HEIGHT=270[/flash]
  • محمد حسام الدين دويدري
    عضو الملتقى
    • 04-03-2008
    • 165

    #2
    رد: رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة

    خيال ثري وأسلوب شائق
    وفقك الله
    [align=center][size=3][color=#008000]ما كُنتُ يوماً صاخباً لا يركنُ
    بل لستُ ماءً آسناً يتعَفَّنُ

    إنّي أُرَصِّعُ بالمَواجِعِ ثَورتي
    و بكُلِّ حَرفٍ صارِخٍ أَتَزَيَّنُ[/color][/size][/align]
    [color=#FF0000]ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ[/color]
    [align=center][color=#0000FF]رصيف واحد يجمعنا على شواطئ الكلمة
    محمد حسام الدين دويدري[/color][/align]

    تعليق

    • أحمد النوباني
      أديب وكاتب
      • 26-08-2008
      • 527

      #3
      رد: رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة

      المشاركة الأصلية بواسطة محمد حسام الدين دويدري مشاهدة المشاركة
      خيال ثري وأسلوب شائق
      وفقك الله

      أخي محمد

      شكرا على الحضور الجميل

      تحيتي
      [flash=http://marinamool.com/pic/up/27272685020100501.swf]WIDTH=270 HEIGHT=270[/flash]

      تعليق

      • أحمد النوباني
        أديب وكاتب
        • 26-08-2008
        • 527

        #4
        رد: رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة



        الفصل الثاني ... طائرة ورقية



        كان عزيز مليئاً بالحركة لا يستريح, يتنقل من مكان لآخر ويضحك لهذا وذاك, ويلقي بكلمات تجعله يضحك قبل أن يقولها. فلقد كان باعثاً للحيوية في تلك الجلسات المملة. بعضهم على طاولة النرد, والبعض الآخر يلعب الورق, ونظرات ريبة مع بساطتها تضفي بعض الغموض على تلك الجلسة, وآخر يستلقي على مقعده وهو يعانق الدرب لا يلتفت إلا لذلك الرصيف, ولا يرى سوى أحذية سوداء وبنية وبيضاء, وأحيانا يراقب أقدام القطط حين تقف لتبحث عن شيء بين القمامة, ثم تولي مسرعة نحو لاشيء. في الزاوية المطلة على ساحة القرية, يجلس أحمد وصديقه حمدي يتحدثان عن مباراة الغد في المدرسة, وبعض الأمور الأخرى المتعلقة بالتحضير لتلك المناسبة. وفي اللحظة يبتسم حمدي لشخص يعبر الطريق باتجاه المقهى ويقول:
        أهلاً أستاذ فارس تفضل, أريد أن أعرفك على صديقي.
        التفت أحمد, فعرف أنه المدرس الجديد القادم من مدينة أخرى, ذاك الذي انتقل إلى المدرسة حديثا. وقف ثم ألقى التحية. ابتسم فارس وأخذ كرسياً من طاولة أخرى ليجلس معهم, ثم نادى حمدي عزيزاً, فجاء مسرعاً وقال:
        أهلا بالمدرسة ومعلميها ماذا أقدم لكم ؟
        فقال أحمد:
        اسأل ضيفنا ماذا يشرب.
        أجاب فارس:
        فنجان قهوة وسط إذا سمحت.
        استمر الجميع بالحديث, ولم تكن الأحاديث تأخذ أية خصوصية أو تركيزاً على موضوع معين, مجرد كلمات لا تتطرق لشيء يبتعد عن مشاهدات يومية, وأحوال عادية. فكما قلت كان المكان ركناً يمزق حاجز الصمت الذي يسكن الدروب المؤدية إلى المساكن المتلاصقة في القرية.
        سكن الليل, وسكتت معه الأحاديث, وعاد الكل إلى بيوتهم يسلكون الدروب المؤدية نحو سواقي التواجد اليومي
        يدخل أحمد إلى البيت,وكانت والدته تعد العشاء فقال:
        مساء الخير يا أمي.
        أهلاً يا بني, كيف حمدي؟, ألا يزال وذلك الجنون و الشكوى ؟.
        بخير, وكما هو لا يتغير أبداً, كباقي الأمور الأخرى في هذا المكان. آه نسيت أن أقول لك, فلقد دعوته وزميلاً جديداً في المدرسة للغداء عندنا يوم غد, هو شخص لطيف وأحببت أن أقدم له واجب الضيافة.
        كما تريد يا بني, ولكن عليك أن تصحو مبكراً في الغد كي تحضر لي بعض الأغراض اللازمة.
        حاضر يا أمي, أعلم أني أتعبك أحياناً ولكن...
        لا يا بني, فهذا واجب. هيا تعال الآن إلى العشاء.
        حسن يا أمي, ولكن سأغير ثيابي ثم أعود حالاً.
        بعد العشاء عاد إلى غرفته, وأخذ يرتب أشياءه المبعثرة, ثم استلقى على السرير ينظر إلى السقف, هو يبحث عن معنى التواصل مع تلك الأمور اليومية. يفكر بحمدي وفارس وعزيز, ثم يغمض عينيه. يريد أن يقول أشياء كثيرة, ولكن لمن سيقول. أشعل سيجارة وذهب إلى المكتب قرب النافذة, تناول القلم, وبدأ ينساب على الورق بكل ما يثير فكره في تلك الليلة, فهو دائم التساؤل عن معنى الحياة واختلاف أشكال البقاء, فكتب:
        طائرة ورقية
        تحلق في فضاء واسع
        تحسدها الطيور على ألوانها
        وعلى وجهها الكبير
        تحلق
        ترقص للريح
        تتمايل زهواً
        لكنها مربوطة بخيط رفيع
        ويد طفل صغير
        لا تقدر أن تحلق أكثر
        ولا في الأفق تطير
        كانت طائرة ورقية
        إن بللها المطر تذوب
        ولا يبقى منها سوى الخيط
        ويد الطفل الصغير
        فما الأقدار وما المصير.
        ألقى القلم على الأوراق ثم اقترب من النافذة ليستنشق بعض الهواء النقي. تراجع دون أن يطفئ النور, واستلقى على السرير, وترك عيونه تدور وهي تبحث عن قرار أو مصير. كان السقف أبيض وبلا ملامح. أيجد في الحلم شيئاً؟, لم يكن يدري, ولم يملك سوى أن يغمض عينيه.
        في اليوم التالي عاد الجميع من المدرسة إلى بيت أحمد, وأمضوا فترة بعد الظهر هناك, تعرف خلالها فارس على والدته. وابتدأت بينهم في ذلك اليوم صداقة من نوع آخر. حين تقاربت أمور كثيرة تجمع بينهم في طرق التفكير وتلك النظرة للأمور.
        كان يحمل أفكاراً تلقى تقبلاً من فارس, وتجيب على كثير من تساؤلاته, كان الآخر محباً للمعرفة وقد قال بأن نقله إلى هنا أثار فيه الفضول, خصوصا, أنها أماكن جديدة وأناس آخرون, ومشاهدات تحمل طابعاً يختلف عما يجده في مدينته الساحلية. كلا الطرفين له اهتمام مغاير لما تتطلبه الحياة اليومية العادية, من بساطة واقتناع. غادر الجميع المنزل قبل غروب الشمس, وأخذتهم الطريق والأحاديث إلى خارج القرية, حيث الطبيعة الخلابة والحقول المترامية على امتداد البصر. وتراءت لهم خلف التلال المحيطة بالقرية تلك الغابة الكثيفة, كانت داكنة وغامضة, خصوصاً بعد غياب الشمس خلف التلال.
        سأل فارس:
        هل من الممكن أن نذهب إلى تلك الغابة ؟, كم أحب أن أرى ما بداخلها, هل هناك غزلان وحيوانات بريه؟.
        ضحك أحمد وقال:
        ليست كما تتصور يا صديقي, يوجد هناك حيوانات برية, لكنها أرانب وثعالب صغيرة, وأنواع عديدة من الطيور. جميل أن نمضي هناك يوماً من أيام العطلة الأسبوعية, قريبا سنذهب برحلة طوال اليوم, وسترى العديد من الصيادين والحطابين, بعضهم يقصدها للهواية وآخرون لطلب الرزق. وسأعرفك هناك على الرجل العجوز, هو يسكن في ذلك الكوخ الصغير. أترى الضوء بين الأشجار على المرتفع؟, هناك يسكن, فهو يتكفل بحماية الغابة ممن يقطعون أشجارها الخضراء, وممن يغالون بالصيد. ليس موظفا تابعاً لجهة ما لها علاقة بالبيئة, ولكنه اختار المكان هناك لكي يحافظ على الطبيعة, وليجد مسكنا فيه, ولا أجمل من تلك البقعة التي يقطن فيها.
        تابع يقول:
        هيا بنا, بدأ الظلام يحل على المكان, وأمامنا درب طويل للعودة إلى القرية.
        عاد الجميع, ولم يعـد هناك حديث. يسيرون بصمت, ولم يبق سوى أصوات صغيرة تأتي من هنا وهناك, بدأ السكون يرخي بظلاله على الأشياء وكأن الطبيعة تغفو بنوم هادئ وجميل.
        في اليوم التالي, كان أحمد في طريقه إلى السوق لشراء بعض الأغراض اللازمة للأرض, فلقد أوصته والدته على أنواع من البذور وبعض العدد الضرورية. كان يفعل الأمور المطلوبة وبكل الرضا, ليس بآلية التعامل مع الأمور, ولكن لإحساسه الدائم بأن هناك ما يجب أن يكتمل, حتى تأتي أمور أخرى تكون أكثر إثارة. كان يجد في مسير الحــياة اليومية إحساساً وكأنه المخدر, فهو ليس بحاجة إلى الوعي الكامل حتى يستلقي على أريكة, أو يتناول فنجان قهوة, فكل الأمور الاعتيادية أصبحت أموراً عفوية ومتكررة, لا تحتاج إلى أي انفعال زائد, أو أية يقظة حسية. كان دائم الانتظار لمنعطف حاد يصادفه في مسيره على درب الأيام. ولكن, وحتى الآن يتراءى له الدرب وكأنه يمتد على مد الأفق, نحو أبعاد غير مرئية, وخوف دائم من أن يتعدى الأمر تلك الأبعاد نحو قادم مجهول. وبينما هو في تلك الهالة من الأفكار, أحس بيد تلامس كتفه, نظر إلى الخلف وابتسم, فلقد كان فارس.
        اعذرني, بالفعل لم أنتبه, ما هذه الصدفة؟, وإلي أين أنت ذاهب؟
        ليس لمكان محدد, لقد مللت الجلوس في البيت, فأخذت أسير في الطرقات قليلا, أو بالأحرى كنت أقصد المقهى علّي أجدك هناك.
        جيد أني التقيتك, هيا تعال معي, أريد أن اشتري بعض الحاجات, ثم نعود سوية إلى البيت, لترى غرفتي وتجلس عند النافذة وكأنك في المقهى.
        عند المساء, وصل الاثنان إلى البيت, لم تكن والدة أحمد هناك. كانت تقوم بزيارة لبعض الأقارب منذ يومين في قرية أخرى, فهي تريد أن تبحث له عن عروس مناسبة, علها توفق هذه المرة في جعله يفكر بالزواج. فتح باب الغرفة, واقترب من النافذة, ثم وضع كرسياً آخر هناك, وطلب من صديقه الجلوس ريثما يحضر القهوة.
        بدأ فارس يجول بنظره في أرجاء المكان. فهناك يرى سريراً من الخشب, مرتباً وجميلاً, وخزانة لا تحمل فوقها أية حقيبة سفر. ثم شاهد تلك اللوحة المعلقة على الجدار المقابل, كانت لبحر هادئ معتـــم, ومركب تمتد صاريته نحو السماء وبلا شراع, وكأنه مهجور في المكان منذ آلاف السنين, جبال بعيدة سوداء فارقها ضياء الشمس, ومرفأ صغير بلا حراك.
        كانت لوحة لمكان بلا زمن, وكأنها ذكرى البحر والإبحار, كئيبة بعض الشيء, لكنها تحمل معنى للحياة يأتي به الصمت والسكون, وتوحي بإشراقة جديدة ليوم جديد ولزمن آخر. أعجبته الساعة على المنضدة الصغيرة, قديمة كانت ويلازمها الوقت حين يلتزم بالحضور دون ملل. وفي الزاوية القريبة من الباب تمتد أرفف متعددة تحوي العديد من الكتب, تتراكم بلا ترتيب. نظر أمامه, فرأى أيضا طاولة المكتب, مليئة بأوراق مبعثرة وأقلام, وكراسة كتب على غلافها * أيام وكلمات*. وحتى على السجادة الصغيرة أوراق هنا وهناك, ملقاة لم تعبث بها الريح ولا الزمن, راكدة بلا حراك. نظر من النافذة وأخذ يرقب المنظر, أخذته الدهشة حين رأى المقهى والساحة والمارة, فلم يكن يفصله عنهم سوى شجيرات الحديقة الأمامية للبيت, ورأى بدايات الدروب المؤدية نحو الأحياء, وكأن المكان هو انطلاقة الحركة والحياة.
        أحس بأنه بين عالمين, عالم خارج النافذة يتكرر في الأزمان, وفي القرى والمدن, وعالم آخر, يبدأ من داخل تلك الغرفة, ليمتد حتى أعماق ساكنها, فهي ذاكرة النافذة تخبئ ما يحدث في الخارج. أخذ يبتسم حين رأى عزيزاً يتراقص بين الجالسين في المقهى.
        ومع محدودية المكان والجسد, إلا أن الدرب الذي يأخذنا نحو أعماقنا, هو درب بلا نهاية لعوالم أخرى, لا تعترف بالأحجار ولا الأسوار, ولا يحكمها البوح ولا الصمت.
        دخل أحمد وهو يحمل القهوة وقال:
        أهلاً بك, آسف على ما تراه حولك من فوضى, فأنا لا أسمح لوالدتي أن تلمس أوراقي, لأني أعرفها حيث وضعتها, وأتوه عنها عندما تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً. أحس بها تحاكي أعماقي المبعثرة بين الشك و اليقين, وبين الماضي وما سيأتي.
        بالعكس,لم يزعجني شيء, فهي غرفة جميلة ومطلة على عالم أكثر اندماجاً مع واقعنا. أعجبتني اللوحة كثيرا. واراك تحتاج إلى امرأة تغير ملامح هذه الغربة المقيمة بين الأشياء وأعماقك , و إلى أمور أكثر إثارة من جلوسك وحيداً. أظن والدتك تؤيد كلامي, فهي الأخرى بحاجة إلى من يؤنسها طوال النهار, ولمن يساعدها في أعمال البيت.
        ضحك أحمد وقال:
        لا يا صديقي, أمي تمضي معظم يومها في الأرض, وتعود لتكمل أعمال البيت, منتهى السعادة عندها حين تتحرك لتعمل وتنظف, فهي تمارس ذروة الحياة من خلال نشاطها الزائد, ولا تقدر على الجلوس لحظة واحدة دون عمل. تتمنى ما تقوله أنت, كباقي الأمهات, وقد ذهبت بزيارة لتبحث لي عن فتاة. صدقني يا عزيزي, لا أملك في داخلي أي تخيل بأني سأتزوج من هنا, ودائما ما كنت أشعر بأني سأصادف فتاة أحلامي في مكان آخر, مجرد هاجس دائم, لذلك أنا لا أهتم بأي فتاة, وكأني موعود بأمور أخرى لا أعلم ما هي, أحس بأن العالم مليء بأمور لا نفهمها, ولا ندري متى ستأتي كالمنعطف الحاد, لتغير مسيرة الدرب التائه فينا. اشرب القهوة قبل أن تبرد فلقد نسينا أمرها.
        أخذ فارس يرتشف القهوة وهو يتأمل الساحة الحجرية الواسعة, وبقايا لأعمدة تحيط بها, والتي تنتهي عند الطريق المحاط بالأشجار العالية على جانبيه, والذي يمتد إلى خارج القرية, كان بمثابة المدخل لهذا المكان الواقع بين الجبال الخضراء. نظر إلى أحمد وكأنه ينظر من خلاله, لعله يجد الإجابة دون أن يسأل.
        ماذا هناك, بماذا تفكر ؟
        آسف ولكني أستغرب أمراً وأريد أن أسألك عنه منذ أن وصلت هنا, إلى هذا المكان. لم أستطع أن أجد أي ارتباط بين الساحة المرصوفة بشكل متقن, وتلك البقايا لأعمدة وكأنها كانت تحيط بكل تلك الساحة. أراه نظام بناء مختلفا تماما عن باقي المباني هنا, وتلك الأشجار العالية منظمة بطريقة مختلفة أيضا, فلأول وهلة تشعر وكأنك تدخل إلى مكان من زمن آخر وحضارة أخرى, بالطبع ليست آثارا قديمة ولكنها...
        ضحك أحمد وقال:
        بالفعل يا صديقي, فهمت الآن معنى أنك أحببت انتقالك إلى مكان آخر, وهو لأنك تحب أن تعرف أكثر. فقصة هذه الساحة طويلة وقديمة بعض الشيء, وكأني سأبدأ أحدثك عن تاريخ قريتنا. ومع أني أستاذ تاريخ, إلا أني ولأول مرة أحس بأني سأسرد تاريخا مقيماً حولي, لم أكن أعره أي انتباه من قبل, ربما لأني اعتدت على هذه الأمور وعايشتها منذ الصغر.
        أترى ذلك المكان بجانب المقهى؟, كان هناك في الماضي مبنى ضخما أشبه بالقصر, مع اختلاف في الملامح الخارجية فقط. فلقد كان مقرا لتلك الحامية التي بقيت تعسكر هنا في هذه المنطقة, والمقهى وما خلفه من مخازن للحبوب, كانت في الماضي إسطبلات للخيول.
        كان المقر يتكون من ثلاثة طوابق, في الأعلى يقيم قائد الحامية ومكتب القيادة, وفي الثاني مكان إقامة الضباط والجنود والطابق الأرضي كان عبارة عن معتقل, ومخزن للذخيرة والتموين. أما الساحة فكانت الجزء الأمامي للمقر حيث العربات والخيول, ولم تكن بيوت القرية ملاصقة للمكان, فلقد كانت بيوتاً طينية قديمة, أقرب إلى الحقول منها لهذا المكان. كانت تلك الأيام حسب ما قرأت وسمعت من الحكايا, هي أسوأ فترات منطقتنا, حين بني المقر هنا. لأن قريتنا تتوسط قرى كثيرة ومناطق زراعية خصبة وكان الفلاحون عبيداً, مجرد عبيد يعملون بالسخرة حتى في أراضيهم, تثقل كاهلهم الضرائب الكبيرة ومطالب قاسية, لتموين هؤلاء القادمين من مكان آخر, جنس مختلف ولغة مختلفة, حتى الشباب في مناطقنا, كانوا يعملون في البناء والطرق, و يجندون أيضا لمعارك وحروب في أماكن أخرى, كانوا يأخذون كل شيء جميل ولا يبقى لنا سوى البؤس والشقاء.
        غدا سآخذك معي إلى نبع الماء غرب القرية, بنيت هناك أحواض كبيرة لسقاية الخيول, ولتأمين الماء للمقر ومن فيه, ينقلها الفلاحون على الدواب كل يوم, فكثيرون من أهل القرية كانوا يعملون خدماً في هذا المقر. على كل حال تلك كانت فترة بائسة, تتخللها خطايا وظلم, وتضحيات وشقاء, ولم يكن هناك في ذلك الزمن مكان للأحلام, ولا للحب ولا معنى للفرح. كان جدي من الذين ذهبوا إلى الحروب القديمة ولم يعد, ولا أحد يعرف عنه شيء. المهم زالت تلك الأيام وخسرنا الكثير من شباب المنطقة, وهكذا حصل في باقي المناطق الأخرى, وعندما خرج آخر جندي من المقر, أشعل الأهالي النار في المبنى, وبقي مشتعلاً عدة أيام, حتى تهدم وأصبح ركاماً, وأصبحت ذكرياته البغيضة رماداً, سرعان ما تناثر مع الريح في فضاء النسيان. أزيلت تلك الأنقاض ولم يبق لذلك المبنى أي أثر, سوى الإسطبل والساحة وذاك الدرب, وأيضا تلك الأحواض عند نبع الماء, بقيت منذ ذاك الوقت لتستخدم كمشارب للدواب والمواشي.
        كانت تلك الأبنية والساحة والأشجار بدون خطايا, لذلك بقيت, لكي تكفر عما حصل. أما المقر وكل الظلم, فقد توارى خلف الزمن, ولم تستخدم تلك الأرض لأي شيء, هي الآن مجرد ملعب لأطفال القرية حيث الضحكات البريئة والعيون التي تحمل أملاً ورؤيا جديدة لعالم أفضل. للعلم يا صديقي بعد تلك الفترة عم الكساد والفقر, وأصبحت البطالة داء يعم كل المناطق. كنت صغيراً عندما سافر والدي ليعمل في بلد أخرى, تركني ووالدتي وللآن لم يعد, مضت خمس وعشرون سنة ولا نعلم عنه شيئا. لكن الحياة تستمر, ولا تزال الأشجار تثمر وتعبق الزهور, حين بدأت تشرق شمس أخرى, وبقينا نملك مع الاستمرار الأمل.
        لم يكن فارس من عالم آخر, فهو يعرف ذلك التاريخ جيداً. تأثر كثيرا مما سمع, وضع يده على كتف أحمد وقال:
        أنا آسف, لم أقصد أن أحرك الظلال أمام عينيك, وأرجوك أن تقبلني صديقاً, وأخاً مع كل تقديري.
        وأنا يشرفني ذلك.
        نظر فارس إلى الساعة, كانت تتجاوز الثانية عشرة, قام واستأذن بالانصراف, ثم أخذ يعبر الساحة, ومع كل الهدوء المحيط بالمكان, إلا أنه سمع وقع حوافر الخيل, وأصوات الألم من تلك النوافذ ضيقة, هو الصراخ يأتي من بين الأحجار المرصوفة. متقنة وجميلة ولكن للأسف تبقى, تحمل ذاكرة الألم. توالت الأيام, وتناثرت الأحداث خلف جدار الذكريات, فهي تختبئ خلف التغاضي.
        لم تستطع والدته أن ترسم على مخيلته أية فتاة من تلك القرية, كثيراً ما كان يحب أن يمارس الحياة اليومية دون مؤثرات تأتي من منطقيات يصنعها العقل, فهو دائم الانتظار لشيء جديد يأتي, دون ممارسة لتقليد أو عرف قائم, ويرفض أن يخضع لتجربة, كما تسير الأمور مع باقي الناس, بمنتهى الآلية والاقتناع الغريزي. فهو غالبا ما ينظر إلى الحياة بمنظار مختلف, تماماً كأنه إحساس الزائر, مع كامل المسؤولية تجاه التواجد الموروث, دائماً ما كان يريد أن يملك شيئا آخر, كالوعي مثلا. فلقد كان يتوه في المفهوم ولا يناقش أمره مع الآخرين, يفضل الصمت مع ابتسامة دون البوح بأية رغبة أو امتناع.
        التعديل الأخير تم بواسطة أحمد النوباني; الساعة 14-10-2009, 08:38.
        [flash=http://marinamool.com/pic/up/27272685020100501.swf]WIDTH=270 HEIGHT=270[/flash]

        تعليق

        • أحمد النوباني
          أديب وكاتب
          • 26-08-2008
          • 527

          #5
          رد: رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة



          الفصل الثالث ....صمت على الطرقات



          في يوم العطلة خرج من بيته في الصباح, وعبر الساحة مسرعاً, متوجها نحو بيت فارس, كان بحاجة ماسة إلى من يناقشه ويحاوره, والى من يتعايش معه في أمور أخرى, محاولا أن يختلق الأحداث على أن يستسلم لما يحدث.
          دق الباب وخرج فارس قائلا:
          أهلاً.
          صباح الخير, ما رأيك أن نخرج اليوم في نزهة خارج القرية؟, أشعر بالضيق, وأريد أن أمضي اليوم خارج نطاق المألوف.
          فهم فارس من كلامه عن حاجة ماسة للحديث, لذلك أحس بضرورة مرافقته إلى أي مكان يريد, فهو أيضا يحب أن يعرف أكثر عما يجول في خاطر الآخر عن معنى الأشياء, فقال:
          ادخل الآن, سنشرب القهوة ثم نغادر, كم أتمنى أن أرى تلك الغابة, وأن نمر بطريقنا على نبع الماء والأحواض, أريد أن أرى وأعيش تلك الحقبة بكامل المشاهدة والإحساس.
          كان فارس يسكن في غرفة ضمن بيت كبير لعائلة من القرية وله مدخله الخاص, لذلك كان شعوره بالراحة التامة في هذا السكن, خصوصا وأنه يطل على الوادي ذلك الذي تنساب إليه سفوح الجبال المقابلة, منظر جميل وساحر, خصوصاً عند مغيب الشمس, فهو يجلس أمام غرفته ويراقب الكون من مكان آخر, بمنتهى الروية والسكينة.
          خرج الاثنان يسيران نحو الطريق المؤدي إلى نبع الماء, كان أحمد يتحرك بصمت دون أي حديث, والخطوات بكل عفويتها تنسحب نحو المنحدر. ومع أن فارس يحمل سؤالاً, لكنه أيضا يحمل التردد في الحديث, فقد استمر يراقب العربات العائدة من الحقول, ويرى الفلاحين هناك حيث يجلسون تحت الأشجار القديمة, لعلها فترة الراحة بعد عناء العمل, كم تمنى في داخله لو انه معهم,ففي ذلك الوقت الذي يمتد على مر الأزمان, وعبر حياة الأرض وعلاقتها الحميمة بالإنسان, يبقى الكل في خدمة الآخر بمنتهى الحب والعطاء.
          خرج أحمد عن صمته وقال:
          تعال لننزل من هنا, فالطريق أقرب وأسهل, ولم يعد أمامنا الكثير كي نصل إلى نبع الماء.
          تحدثت أخيراً وقلت شيئا؟, بالمناسبة أريد أن أسألك, ماذا فعلت والدتك في تلك القرية؟.
          وماذا ستفعل ! أعجبتها إحدى الفتيات, وأخبرتها بأن تنسى الموضوع نهائياً.
          عجيب أمرك, شاهد الفتاة أولاً ثم بعد ذلك قرر ما تريد.
          للأسف, الأمر بحاجة إلى دافع يأتي من الداخل, وأنا لا أجد بأني أملك ذاك الدافع, لكي يجعلني أفكر في الزواج أو حتى الرغبة في أن أكون تحت المجهر أمام عائلتها, وأن أمارس الانتقاء والمقياس حين أراها.
          عزيزي دائما نحتاج إلى شيء يخاطبنا من داخلنا, ويهجس فينا لنقوم بعمل ما, خصوصاً حين يكون قرار كهذا, استقرار وتغيير نمط حياة, لا يختلف كثيرا عن حياة من سبقوني إلى ذلك, أراهم وليس جميعهم يعيشون حياة رتيبة تحمل مسؤولية وأعباء, دون سعادة كانوا ينتظرونها أن تأتي بعد الزواج.
          على كل حال لن أظلم مبدأ الزواج, فهو سنة حياة, وأظن الأمر يبعدنا عما جئنا من أجله. انظر هناك في الأسفل, تلك هي الأحواض التي حدثتك عنها وذاك هو نبع الماء, هو لم يعد غزيراً كالسابق, ولكنه كباقي السواقي المتناثرة في أرجاء الأرض يعطي دون توقف. تعال وانزل من هنا, فهذه الدرجات عمرها من عمر الأحواض, واحذر أن تنزلق قدماك فالأحجار ملساء ورطبة.
          نزل الاثنان إلى نبع الماء, كان بارداً جداً. غسل فارس يديه ووجهه, وشرب من ذلك الماء وقال:
          الله ما أجمل الطبيعة!
          نظر إلى الأحواض, كانت بالفعل مبنية على نفس طراز الساحة والمقهى, ورأى الأغنام والطيور وهي تشرب من الأحواض.
          قال له أحمد:
          هناك في ذلك المكان كانت تقف العربات, وعلى تلك الصخور كان يجلس الجنود بانتظار ارتواء الخيل, ومن النبع هنا كانت تملأ أوعية الماء, وتوضع على الدواب, ليذهب بها الفلاحون إلى المقر ثم إلى بيوتهم, هو مصدر الماء الوحيد للقرية كلها في تلك الفترة. أما الآن, وبعد أن وصلت المياه عن طريق الخطوط, لم يعد للمكان أهمية كالسابق.
          يأتي بعض الفلاحين, وأحيانا ترى الصيادين الذين يملأ ون بعض الماء قبل ذهابهم للصيد, لو تعلم يا صديقي كم هي الحكايا التي تدور على ألسنة أهل القرية, عن زمن الظلم وعن هذا المكان, فكم حصلت خلافات هنا بين الجنود وأهل القرية بسبب توزيع الماء, وكم شهد المكان العديد من الضحايا من الطرفين. أخبرني الفلاحون بأنهم لا زالوا يسمعون أصوات الخيل, وأمورا أخرى غريبة في المساء, لأشباح وحركات مريبة, وكأن المكان مازال عالقاً بين الحاضر وبين ذلك الماضي القديم.
          تابع أحمد يقول:
          أظنك استرحت من السير, هيا بنا لنكمل نحو الغابة, فالطريق إليها صار قريباً عبر تلك الدرب, هي ليست بعيدة عن تلك التلة المقابلة. سار الاثنان وبقي فارس يلتفت للخلف, عله يدخل في ذاكرة الأماكن, ولكن سرعان ما اختفت الملامح خلف الأشجار, حين ابتدأ صعود التلة نحو الغابة. صارت الطبيعة تأخذ شكلاً آخر كلما تقدما أكثر, فكل ما حولهم ينبع من عفوية لم تتدخل فيها يد الإنسان, بدأت الأشجار أكثر كثافة, وارتفاعها الشاهق نحو السماء يعطي للمكان معنىً آخر, فهو يشعرك بالرهبة
          تنساب خيوط الشمس بين الأغصان المتشابكة بتناغم ساحر, وبتوزيع مدهش للضوء والظل, فكانا كلما تقدما يبتعد العالم من خلفهم,ويصبح للهدوء رونقاً آخر, كانت خطواتهم تدب على أرض طرية, وكأنها تفقد الجاذبية, فتراكم أوراق الشجر مع مرور الوقت, أعطى لطبيعة الأرض مرونة غريبة, ولم يكن من السهل أن يتبينا ملامح المكان دون الانحناء للرؤية من خلال جذوع الأشجار الضخمة, تلك التي تعاند الزمن في البقاء. طيور وتغاريد وبكل أصناف الصوت, عذوبة وسحر, وكأنها احتفالات عالم آخر.
          بين تلك الأغصان, ومع تلقائية النمو, وتلك العفوية والانتقاء, إلا أنك تحس بعبقرية التنظيم, ذاك الذي يتشكل من رؤى مبعثرة, تعني الغابة والعفوية, والطبيعة الساحرة بكل عذريتها. استمرت الخطوات, واستمر الصمت والدهشة للجمال, وكان الارتياح ينساب إلى عقول السائرين نحو رؤية أوسع وأشمل, ونحو صفاء لا يقاوم.
          ينظر إلى صديقه مبتسماً حين يراه مأخوذا بما يشاهد حوله ثم يكمل سيره دون أن يقاطع الاندماج.
          فجأة استدار فارس وقال:
          كم هو ساحر ما حولنا, أليس هذا هو الصمت الحقيقي , أم هو الجمال؟.
          نعم هو جمال وحقيقي, لا تجده دائما, إلا عندما تنسجم مع ما حولك بالكامل,عندها تصبح جزءا من حركة قادرة على تحقيق الرغبة في الامتناع.
          ما هذه التركيبة؟, أراك تخرج عن صمتك إلى حديث لم يكن يصمت في أعماقك.
          أقصد أنك نسيت نفسك مع ما حولك, وبما أنه جميل, ونسيان النفس مع الجمال يؤدي إلى الامتناع عن الرغبة, فالرغبة مع الأنا لها خطايا, حتى ولو كانت صغيرة.
          نظر فارس إليه بإعجاب وقال:
          من أين تأتي بهذا ؟
          لم آت بشيء. هيا بنا فلقد اقتربنا من الكوخ, وأظن صديقي غاضباً مني لأني لم آت لزيارته منذ مدة طويلة, انشغلت مع والدتي في موسم الزرع, مع أني في العطلة الصيفية لا أفارقه أبدا, ولا حتى في العطل الأسبوعية, ولكن لا بأس, هو يعرف ما بيننا جيداً ولن يغضب, أعلم أن الصيادين لا يفارقونه أبدا, فذلك الكوخ هو في طريقهم إلى الغابة, لذلك هو يعتمد عليهم في إحضار حاجياته من القرية.
          حدثني عن الرجل قبل أن نصل إليه, أريد أن أعرف كيف أقابله وأتحدث معه ؟
          هو الرجل الأنقى, حارس الغابة و العفوية, وذاك الحلم الخالي من الخدش والتشويه. كنا نطلب منه في الماضي أن يأتي ليعيش بيننا في القرية, ولكن بعد أن عرفته جيدا, صرت أخاف على ذاك النقاء من صراعات البقاء, تلك التي تبنى على منطق مصطنع. ذلك الرجل أبسط من أن تناقش كيف تحادثه, فله حديث في داخلك دون أن تدري, فقط حين تراه وتصغي إليه ستعرف أكثر.
          نظر فارس أمامه فرأى الكوخ الخشبي. لم يكن صغيراً حسبما تخيل, فهو بناء ينسجم مع رؤيا المكان, وكأنه جزء من تلك الطبيعة المحيطة. سقف مائل ومغطى بألواح خشبية رقيقة, وجدران بنيت من جذوع الشجر, ونوافذ صغيرة ومدخنة ترتفع فوق الكوخ, يخرج منها الدخان, وكأنه يعلن عن وجودها. لاحظ أيضاً ذلك الباب الذي يقف فوق درجات من الأحجار, فقد كان حصيناً كذاك الكوخ, وتدل على ذلك تلك القاعدة من الأحجار الضخمة التي بني فوقها. أمام الكوخ كانت هناك ساحة واسعة تحوي عند احد أطرافها على كومة من الحطب المقطع للموقد. أعجبه المقعد الكبير عند أسفل الدرجات, وكأنه ينتظر أي قادم من مكان ما. اقتربت الخطوات أكثر, فسمع وقعها ذلك الرجل العجوز, كان يتجاوز السبعين من عمره , ويرتدي قبعة من القش عتيقة وكأنها تعود لبقايا الحرب القديمة. كان منشغلاً ببعض الأخشاب حين التفت من تحت القبعة, فكانت نظرة استقصاء تبحث عن القادمين, وعندما عرف بأنه أحمد, عاد للانشغال من جديد.
          ضحك أحمد وقال:
          أعلم أنك غاضب مني, ولكني أملك عذراً لذلك الغياب . فهل تريد استقبالنا؟
          لم يلتفت الرجل, وتابع أحمد يقول:
          حسنا سأعود من حيث أتيت.
          عندها قال الرجل وبدون أن يلتفت:
          أهلاً بكما.
          ثم أشار إلى أحمد وقال:
          أما أنت فأذهب وضع الحطب في الموقد, وحضر لنا الشاي.
          لم ينطق بأي كلمة, وذهب إلى داخل الكوخ. فناداه الرجل:
          أين تذهب؟ تعال إلى هنا.
          عاد أحمد وسأله:
          ألم تقل ...؟
          تابع الرجل :
          كيف حالك يا بني, ومن هذا الذي معك ؟
          هو صديقي فارس, جاء معي ليتعرف عليك.
          ادخل أنت ... ومادام هو صديقك فأهلاً به .
          قام الرجل من مكانه, وذهب إلى حيث فارس ومد يده مصافحاً ثم قال:
          تفضل اجلس, أما أنا فسآتي بمقعد آخر.
          خرج أحمد من الكوخ وهو يحمل الشاي, وكان الرجل يلف لفافة تبغ. ورأى فارساً ينظر إليه وإلى المكان ويتملكه الحياء والحرج, ينتظر قدوم صديقه بفارغ الصبر حتى يكسر ذلك الحاجز من عدم القدرة على البوح أمام الرجل, فهو يملك تقاطيع قاسية نوعا ما, وعدم اكتراث لما حول لفافة التبغ.
          هو لم يكن يعرف, أيسأله عن أحواله؟ أم عن ماذا كان يفعل بتلك الأخشاب؟, أم يصف حالة الطقس. كان إحساس بالارتباك , فكل ما سينطق به لا يناسب القبعة الغريبة, ولا تلك التقاطيع التي تعاند الكهولة. وضع أحمد الشاي أمامهم, وأخذ كأساً ثم جلس على أول درجة من تلك الدرجات الحجرية.
          التفت إليه الرجل وقال :
          كيف والدتك؟, هل هي بخير ؟
          بخير ولا تزال نشيطة كعادتها, ولقد أرسلت لك بعض الكعك, فهي تذكر بأنك قد أحببته حين كنت تزورنا.
          شكرا لها, كم هي امرأة طيبة وقلائل اللواتي مثلها هذه الأيام. ولكن قبل الكعك, هل أحضرت لي بعض ما تكتب؟, فمنذ زمن لم اقرأ لك شيئاً جديداً؟. أتعلم بأن الأوراق التي عندي قد قرأتها عدة مرات, حتى أني أحياناً كنت اقرأها للأشجار, ومنها تلك الشجرة الأم .
          استغرب فارس من كلماته وقال :
          أية شجرة هي الأم, ولماذا؟
          أجاب الرجل :
          تلك هي أكبر الأشجار هنا وأوفرها ظلالاً, ودائما يجلس تحتها الصيادون وتقبل بهم, رغم أنهم يسرقون الفرح من الغابة, تلك التي لها عطاء دون تمييز, كما الطبيعة وكما الأم.
          ضحك أحمد وقال:
          أعلم أنك تفعل ذلك, وأعلمك كم تصبح وحيداً حين يأتيك أحد, أذكر كم حدثتني عن الصداقات بينك وبين الشجر والمطر, والقمر أيضا, وأتذكر كم كنت تتحدث للريح بموال حزين عن الذكريات وعن الربيع.
          كان فارس يقف بين منطق الحديث وجنون المنطق في كلام الاثنين, لكنه بقي يفضل الصمت, فلعل للحديث ملامح أخرى تكون أكثر وضوحاً.
          أخرج أحمد الأوراق, وكراسة يذكرها فارس جيداً عندما زاره في غرفته. تناول الرجل الأوراق والكراسة وقرأ على الغلاف "أيام وكلمات" ثم ابتسم, ولأول مرة يرى فارس تلك الابتسامة وهي تغير معنى التقاطيع القاسية, وتحول الرجل إلى حركة توحي بالارتياح.
          التفت الرجل اليه وقال :
          أعرف أحمد منذ زمن طويل حين رأيته في القرية, فقد كنت أجلس في المقهى لأرتاح من تعب الطريق, رأيته يجلس وحده ويكتب. تأملته وهو بكل قلق وعصبية ينثر حروفا على الأوراق, ومنذ ذلك اليوم دخلت إلى عالمه, فأصبح يأتيني إلى هذا المكان كي نتحدث عن الحياة. كان يحمل هموماً اكبر من أن تعنيه, فهو لازال شاباً صغيرا.ً وجدت فيه التائه عن الحياة وسط الحياة, فعلمته الكثير من حصاد السنين الماضية, ومن هذه الغابة أراه قد تعلم أكثر .
          استدار إلى أحمد وقال:
          هيا اقرأ لي آخر ما كتبت.
          حسن سأقرأ لك, ولكن عن ذاك الصمت القابع في عزلة المكان, فانا أحياناً أكون كما تقول.
          أخذ الأوراق من الرجل وتناول إحداها ثم بدأ يقرأ:
          عن صمت في الطرقات
          وحديث يزرعه الآخرون في الثنايا
          وآخر لا يدري
          فهو يرسم على التلال أغرب التساؤلات
          وحين يعود مبتسماً, تلقاه الغفلة
          لا موقع للغفلة في وعي الآخر
          هو يعلم متى يكون أو لا يكون
          لأنه زائر يهوى العودة للبحر كنقطة ماء
          ولا يهاب النهايات
          كل أغانيه تبدأ هناك
          وتراتيل تعلمها في الصغر, يخبئها لهناك
          مرسوم على الجدار القديم عشق وسفر
          لذلك يستعير جسده من بقايا الأرض
          لكنه سيخرج يوماً, حراً طليقا
          تحلق معه النوارس إلى أفق خلف أفق, وخلف زيارة قصيرة
          كم كان يحلم أن يأخذ معه الأميرة
          فهناك عند الصمت
          تطل نسائم, ويحتفل بالقادمين
          لذلك هو يأتي ويذهب كما يشاء
          ويرسم على التلال أغرب التساؤلات.
          عندما أنهى قراءته كان الرجل ينظر إلى الشجرة الأم, ثم أخذ يلف لفافة تبغ, وطلب منه أن يعيد عليه ما قرأ, فعاد أحمد يقرأ من جديد. وخلال قراءته بدأ فارس يشعر بأن للحديث بين الاثنين مسافات أعمق وأوسع, وأحس بأنه لم يعد يملك الحق في أن يدخل أكثر في تلك العلاقة الرائعة بينهما, فقام عن مقعده وقال :
          اعذراني يجب أن أذهب قبل المساء, سيأتي إلي زوار من هناك, أقصد من مدينتي كنت قد أوصيتهم على بعض الأغراض .
          وتابع يقول لأحمد :
          بإمكانك أن تبقى هنا إن أحببت فأنا أعرف الطريق, وأرى أن تلك التلة هناك هي على أطراف القرية.
          قال الرجل :
          ولماذا لا تبقى معنا؟, فهو سيبقى هنا الليلة, غداً هو يوم عطلة أيضاً, أليس كذلك؟.
          أحس أحمد بالحرج, فهو يحب أن يبقى ولكن, كيف سيترك صديقه يغادر وحده.
          قال فارس :
          سأذهب الآن فأنا أحب أن أسير وحدي قليلاً بين الحقول,
          صافح الرجل مودعاً ثم قال لصديقه:
          أبق أنت وسأخبر والدتك بأنك تنوي البقاء هنا, وداعاً.
          ثم أخذ يسير باتجاه القرية, ووقف أحمد تحت تلك الشجرة يتابعه وهو يبتعد, حينها عاد الرجل من جديد لعمله في تلك الأخشاب, وبقي أحمد يراقب فارساً حتى اختفى خلف التلة المقابلة, ثم عاد إلى حيث كان يجلس, وأخذ الشاي والأوراق إلى داخل الكوخ.
          خاطبه الرجل من الخارج وقال :
          هناك بعض الحساء بجانب الموقد, ضعه على النار. أظنك جائع مثلي, أليس كذلك؟
          وضع الوعاء على النار ثم أخذ ينظر حوله, وكأنه الاشتياق إلى المكان, فهناك السرير الكبير من خشب الغابة, وبجانبه على الطاولة ذلك القنديل النحاسي القديم, فلم تكن هناك كهرباء تصل المكان. أخذ يتأمل الموقد المبني من الطوب الأحمر, وعليه فتحات مغطاة بأغطية معدنية دائرية توضع عليها الأواني للطهي, وبالأسفل مكان لوضع الحطب له باب صغير, وعليه نقوش غريبة الشكل. وبجانب السرير من الجهة الأخرى, وتحت النافذة الصغيرة المطلة على تلك الشجرة, يوجد صندوق خشبي كبير, يضع به الرجل تلك الأشياء التي يحتاج أن يغلق عليها, ليس لقيمتها بل لخصوصيتها. وبجانب النافذة مكان لتعليق الثياب, كانت تغطي أرض الكوخ سجادة قديمة, فكل شيء هنا قديم ولا ينتمي إلى هذا الزمن, لكنه يتناسب مع المكان المنعزل بعيداً عن عيون الحكايات وعن الضجيج.
          بعد أن تناولا الطعام خرج أحمد ليشعل النار أمام الكوخ, فلقد بدأ الليل يلتف حول بقايا الضوء, وكانت النسمات الربيعية باردة بعض الشيء, لكنها تحمل معها عبق الطبيعة.
          تصاعد اللهب عالياً, وبدأت تتراقص الألسنة كالحوريات وهي تشق ظلام الليل لتؤنس وحشة المكان. خرج الرجل وجلس على مقعده الكبير, ثم بدأ يلف لفافة تبغ وهو ينظر إلى النار, فلقد كان هناك حديث آخر ينتظر المساء.
          سأله أحمد:
          ماذا تريد أن تفعل بتلك الأخشاب؟
          أريد أن أعمل أرجوحة وأضعها هناك بجانب الدرجات, فلقد مللت هذا المقعد الهرم. أحيانا أحب الاسترخاء قليلاً وأنا أنظر إلى السماء, وهذه ستكون أرجوحة مريحة وسترى.
          أظنها الشيخوخة بدأت تسري في هذا الجسد, مع أني لا أراه كذلك.
          ضحك الرجل وقال :
          أجل أظنني بدأت أحس بالتعب أكثر من السابق, فلست بأفضل من تلك الأشجار, هي أيضاً تصاب بالتعب والهرم. أسمعها أحياناً وهي تغني بأغصانها مع الريح أغنية حزينة عن الذكريات, ويأتي الربيع لكنه لا يغني لها, فهناك شجيرات اصغر حول المكان تتمايل أغصانها بكل رشاقة وفرح. هيا يا أحمد أخبرني ماذا يدور في عقلك ألم تفكر بعد بأن تجد تلك الفتاة؟, كم أتمنى لقلب أمك أن يهدأ ولقلبي أيضا, ألست الأب الروحي كما تقول دائماً؟, أنا لا أكلمك بأسلوب من لا يعرف ما في أعماقك, ولكني أريدك أن تأتي بقرار, فلم تعد صغيراً, أليس كذلك؟
          نظر أحمد إلى اللهب أمامه وكأنه يختبئ من ذلك السؤال بين ثنايا الظلال, فهو يعود بوعيه نحو أعماقه التي تحمل القلق و الانتظار لشيء لا يعلم ما هو, ولم يتبين بعد أي الدروب سيحمل له بدايات الرؤى, وإلى متى وهذا الضباب على السفوح وعلى الأمل. خرج من بين الأشباح المتراقصة على أطراف المكان, كانت ظلالاً وأضواء, وكأنها الأصداء لتلك النار المشتعلة أمامه وفي أعماقه. ألقى بنظراته المتسائلة على مسامع الرجل وقال:
          كم أحس بك وبتواجدك على دربي, واستأنس بك مع كل غربتي, ولكني لا أقتنع بالانتقاء. أعلم أنه أسلوب الزواج في القرية, ولكن عيوني لم تقع على فتاة أحس بها, وبتلك النظرة التي تلامس غشاء الروح.
          أنت تعلم كم أنا بحاجة إلى الحب, وإلى تلك السكينة حين أجد توأم الروح, فأنا كما قلت لا أحب الانتقاء. ولست أبحث عن زوجة بمقاييس, ولا عن أم لأولاد بشروط أصل ونسب, ولا امرأة قوية قادرة على العمل في الحقل. تعلمني أعف عن حاجات جسدي إذا لم تكن تتبع رغبات الروح أولاً.
          أخذ الرجل عودا من الخشب ووضعه في النار وأشعل لفافة التبغ, نظر إلى أحمد وقال:
          أعلم ما تقوله يا بني, فما للروح ستبحث عنه الروح. أحياناً يأتي حين نحب, وأحيانا يأتي مع الانتقاء دون قصد, وأحياناً لا يأتي طول العمر.
          يا بني, ما تبحث عنه أنت هو العشق, والعشق لقاء روح, وهو ارتقاء لمعنى الاقتران والعشرة. ولكن مع تجربتي أؤكد لك, بأن لقاء الروح بالروح تعانده الطبيعة ويصبح داء مستمراً. وإن حصل فهو العشق ونادراً ما يحصل لقاء بأرض. وإن حصل يكون حلماً جميلاً وساحراً تباركه السماء.
          ما تبحث عنه يا بني, هو أمر يأتي من مكان آخر ومن فضاء آخر, لن تدلك عيونك على دربه ولا حتى أسراب الطيور, فاغمض عينيك تأتيك الرؤى. ولكن ما تبحث عنه والدتك وما أطلبه منك, للأسف هو في آخر دربك هذا. لماذا يا بني لا ترضى برغبات نفسك والجسد؟, ستأخذ حياتك شكلاً آخر إن سرت على نصيحة والدتك, فهي تتمنى لك السعادة قبل أن تغادر هذه الحياة, وهي لن تدوم لك طويلا. أنا أيضا سأفارق هذا المكان إلى بلدي بعد أن أنهي عملي في تلك المحطة, فأنت تعلم أن ابنتي قد تزوجت, ولي أحفاد صغار هناك, سأذهب لأكمل ما بقي من الأيام بينهم, فأنا عما قريب سأحتاج للرعاية أيضا. فكر يا بني بأبسط أساليب الحياة, واعلم أن الروح لن تهدأ أبداً ولكن للجسد عليك حق.
          قاطعه أحمد وسأله:
          لماذا لا أقدر على أبسط أساليب الحياة؟ ولماذا بعد أن أصبحت أعرف أكثر, تصعب علي الأمور أكثر؟ ولماذا لا أقدر أن أختار أي شيء, رغم أني أعرف كل شيء ؟. أنا فقط أمارس الحياة وبكل الرضا, ولكل ما تتطلبه مني أمورها الموروثة والمفروضة. وأين أنا مما يجب أن يكون عليه قراري والمصير؟.
          أخذ يلقي بأحجار صغيرة وسط النار, ليتطاير الشرر في فضاء المكان, وكأنها الحيرة وسط ارتياح الآخرين, أو الصحوة وسط غفلة تدور في أرجاء الزمن.
          كان الرجل مطرق الرأس, ويعلم جيداً معنى خروج القطار عن السكة الحديدية, حينها يصبح القطار سائراً بلا هدى, وسرعان ما تغوص عجلاته الحديدية في التراب, ويبقى كذلك حتى يصبح غير قادر على أن يرسم الدرب الجديد. فالوعي كما العجلات يغوص حتى يتوه في أبسط أساليب الحياة.
          رفع رأسه ونظر إلى وجه أحمد, ذاك الوجه الغائر في ثورة الرماد والشرر وقال:
          أتعلم يا بني, عندما كنت شاباً صغيراً, لم أكن أعي من الأمور أكثر من حاجات ذلك الشاب الصغير. أنهيت الدراسة, وبدأت أساعد والدي في دكانه الصغير, أملك حماس الشباب ولكني لم أكن أفكر بأبعد مما حولي, أخرج مع أصدقائي وأعبث, أجلس عند باب الدكان أراقب المارة, تلك جميلة, وذاك جارنا فلان, وتلك السيدة التي تسكن في ذاك البيت الكبير أنيقة وقبيحة. وانتظر دائما ذلك المجنون حين يأتي في يوم محدد من كل أسبوع إلى السوق, ليطلب قرشاً واحداً فقط, هكذا كان يقول لأي شخص في السوق, ثم يختفي ليعود في نفس الموعد من الأسبوع المقبل, ولم أكن أعلم لما هذا التوقيت؟.
          أعود في المساء إلى البيت لأسمعهم يقولون, لقد كبر الولد ويجب أن نفرح به, وهكذا وبأبسط ما عندي تزوجت. كان انتقاء والدتي, تزوجت تلك الفتاة وعشت معها, كانت عادية طيبة وخجولة قليلاً, كان بقاؤها مع والدتي أكثر من بقائي معها, فأنا آتي في المساء فقط , أما هي فتمضي كل يومها معهم في البيت. مضت السنون ورزقنا بابنة جميلة أسميتها سلمى, كنت أحب أن أعود إلى البيت لأداعب سلمى, حتى كبرت وتزوجت. حينها كنت قد تركت الدكان بعد وفاة والدي وعملت في السكك الحديدية. أمضيت مع زوجتي عمراً كاملاً, ثلاثين سنة, ثم توفيت وشعرت بالحزن والوحدة, فلقد كانت رفيقة عمر. ولا أذكر من تلك الحياة معها سوى الخير والأمور الحسنة.
          انتقلت بعد ذلك إلى هذه المحطة القريبة من هنا, كنا ثلاثة أشخاص نعمل على شكل دوريات واخترت أنا دورة الليل. حتى عملي هنا كان بسيطاً جداً مجرد مفتاح, أتعرف معنى مفتاح؟, كنت أحول السكك عند قدوم قطار أو ذهاب آخر, ولكن بعد أن أغلق المنجم في الشمال من هذه المنطقة, لم يعد هناك أية حركة على السكك, سوى قطار واحد ينقل بعض العمال أو الساكنين في تلك المناطق, يمر من هنا مرة وأحيانا مرتين في الأسبوع, أعني أنه لم يعد لنا عمل كثير ولا قليل, وكأن إدارة السكك الحديدة قد نسيتنا في هذا المكان.
          كنت دائماً أراقب السكك التي تمتد بلا حراك وأراقب المطر, فهو غزير في ليالي الشتاء هنا, وأرقب القطار حين يأتي وأحس بصفق العجلات على السكك, فيزداد الضجيج وتعم الحياة في المكان. وفجأة تتباعد الأصوات كما الحركة, ويعود البرد من جديد, ليصبح المكان وحيداً بارداً وبلا حياة.
          دهشت من كل ما حولي, وصرت أناقش زمني وذكرياتي, أحلام كانت تغفو مهملة في خزائن عقلي أقلقت تلك الروح النائمة في داخلي, فاستفاقت روحي على خريف العمر, ماذا أريد؟, ولماذا أكمل المشوار بالملل والتكرار؟. من هنا بدأت أبحث عن معنى التواجد, فأنا لم أعد أبحث عن حب ولا عن تطلعات لمستقبل واعد, ولم يعد هناك في آخر الدرب سوى خزائن ذكريات غطاها التراب, بعضها مقفل والبعض الآخر تهترئ به الذكريات. عندها فهمت ذلك المجنون , فهو لم يكن بلا عقل فقط , بل كان أيضا بلا أمنيات , كان يملك وضوح الرؤيا مع القناعة تلك التي تحققها البساطة.
          بدأت أفتقد الأشجار والمطر, والقمر أيضا, صرت أحب أن التصق بالتراب أكثر, وكأني مللت السكك والأسواق والوجوه, وحتى السفر بين بلدتي ومحطة بلا قطار. صعدت إلى هذه الغابة, وسرت خلال دروبها, أحسست بذاك الحب المتناغم بين العفوية والقدرة, وبين العذرية والعطاء, فعشقت الطبيعة ورأيت الكوخ وأعجبني. سألت عن أصحابه, لكنه لم يكن ملك احد, فلقد كان يخص الحامية وذاك المقر في الزمن القديم .
          وها أنت يا بني, لو أعرف متى أقلقت تلك الروح في داخلك, أليس من الأفضل لو بقيت على غفوتها؟, وكل هذا الوعي, أتدري ما فعل بك؟. لقد جعلك تطفو, كي تنظر بعينيك نحو آفاق وأمواج, وأسراب طيور قادمة وأخرى مهاجرة, ومراكب تعود وأشرعة تنشر لسفر آخر, وتبقى وتلك الرؤى, دون قدرة على الإبحار, فقدماك تغوصان في القاع, وتبقى أنت تمارس وعي الماء, دون أن تقدر على الغوص أو التنفس كالأسماك .
          [flash=http://marinamool.com/pic/up/27272685020100501.swf]WIDTH=270 HEIGHT=270[/flash]

          تعليق

          • أحمد النوباني
            أديب وكاتب
            • 26-08-2008
            • 527

            #6
            رد: رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة



            الفصل الرابع ....بداية الحلم

            سار أحمد باتجاه البيت, ونظر إلى نافذته المغلقة, فعاوده الحنين إلى الجلوس هناك حيث سكون الليل. فهو يشعر بالارتياح, ولا يتملكه القلق. دخل إلى غرفته, وفتح النافذة وجلس يستمع للموسيقا و بصوت خافت, كانت عينه تنظر إلى الأوراق والى السرير, فهو لا يملك في داخله أي نبض لأفكار تستفيق.
            فاختار أن يستلقي على السرير, وبدون أن يدري غاب في نوم عميق. وكذلك القرية أيضاً, ولم يبق سوى الليل يلقي بظلاله على المكان, وكأنه يخبئه عن عيون الأحاديث خلف السهر. بدأ النسيم البارد يدخل من النافذة التي لم يكن يعنيها النسيم ولا البرودة, فهي مشرعة على فضاء بلا ملامح وبلا أضواء. واستمرت الساعة تدق بلا زمن أو مكان, حتى غابت العيون كما الضحكات خلف نسيان وتراكم صور. وقبل أن يتلمس الفجر طريقه من بين الظلال, تدافعت هبات النسيم تحمل عبق الفضاء الندي, وتراقصت الستائر الصغيرة, وكأن الأشياء أصبحت تمتلك وعياً صغيراً, يستفيق بحركة عفوية.
            أفاق من نومه حين أحس ببعض البرد يتسلل من النافذة مفتوحة, تقدم نحو المقعد وتناول سيجارة ثم أشعلها وهو ينظر نحو الخارج, وأغمض عينيه كي يقفل باب النسيان, فلقد تذكر حلماً كان جميلاً, فهو يشعر وكأنه كان يغفو على سحب تحمل رؤيا غريبة وساحرة. أخذ يستجمع الصور والرؤى تلك الخائفة من اليقظة قبل أن يسافر بها الحلم.
            فتذكر وكأنه كان يسير في طريق يصعد نحو تلة, وأشجار صغيرة مكتظة على جانبيه. ومن خلفها أزهار بيضاء وأخرى بنفسجية تزهو بتناسق مذهل, ومقاعد خشبية على الجانبين ومتباعدة, وكذلك كانت الأشجار العالية, متباعدة أيضا وتظلل تلك المقاعد. يسير بذلك الدرب وهو ينظر أمامه, فيشاهد في آخر الدرب برجاً عالياً يتصاعد نحو السماء, كان أبيض اللون ذلك البرج, ولم يكن أحمد يدري أين هو, فهو مصاب بالذهول مما يرى.
            تذكر أيضاً أن المقاعد لم تكن متقابلة, فقد كانت تلك التي على يسار الطريق تتجه للبحر أيضا. هو يراه لأول مرة, ويرى طيوراً تحلق في السماء وتأتي من جهة البحر, ومراكباً بأشرعة بيضاء. يذكر بأنه كان يشعر بالارتياح, وبكل الدهشة يسير متقدما نحو البرج, حتى لاحظ ذاك الباب الخشبي الكبير, ورجلاً يقف هناك, طويل القامة يرتدي معطفاً أسود يصل حتى قدميه. التفت إلى المقعد المتجه نحو البحر, فرأى فتاة تجلس هناك, لكنه لم يستطع أن يتبين وجهها, فقط شعرها الطويل وذاك الرداء الأزرق. تمهل في السير لعلها تلتفت إليه, لكنها بقيت ونظرتها تسافر في الأفق البعيد, واختفى الرجل ومعطفه الطويل داخل البرج.
            أحس ببعض الخوف مما يرى, وتلاشت الدهشة خلف التساؤل, فالطيور في كل مكان, وتلك الفتاة تنظر للبحر وكأنها مأخوذة للصمت, وكان كلما اقترب من البرج يزداد إحساسه بالبرد, فهي نسائم البحر في ذاك الفجر. فجأة استفاق على نافذته وتراقص الستائر, تساءل عن الحلم وعن البرج وذاك الرجل. هي أشياء غريبة لم يرها من قبل, والفتاة كانت أغرب من كل التساؤلات. أقفل النافذة وعاد للنوم من جديد.
            أفاق في الصباح على صوت والدته وشروق الشمس. لكنه لم ينس الحلم, فقرر أن يسأل والدته عن ذلك, خرج إليها وقال:
            صباح الخير يا أمي.
            صباح النور, أراك قد نمت جيداً؟
            أجل يا أمي نمت جيداً, لكني رأيت حلماً غريباً.
            خيراً, ماذا رأيت؟
            رأيت أماكن غريبة لم أر مثلها من قبل,
            وسرد الحلم على والدته بكل الدقة والتفصيل وكأنه لم يفارق الرؤيا ولا المكان.
            ضحكت والدته وقالت :
            خيراً إن شاء الله , هو درب سعادة مليء بالزهور, وتلك الطيور بشرى خير, والفتاة هل تعرفها؟, هل هي من القرية؟.
            لم أر وجهها, وكيف ستكون من فتيات القرية؟, فهل في القرية برج أبيض وبحر أيضاً؟
            ضحكت, وأنهى سيجارته والقهوة ثم غادر إلى المدرسة, كان يحاول أن يستعيد الحلم قبل أن يتوه بين الضجيج وتلك الوجوه الصغيرة. طوال الوقت كان يشرح للتلاميذ وكأنه يتمنى أن يسرد لهم ذلك الحلم. لم تفارقه السعادة, فهو يشعر بالنشوة من تأثير تلك المشاهد, وتملكه الحيرة حين يتساءل من أين أتت وكيف؟.
            لا أحد يعلم في أي ذاكرة تختزن تلك الأمور, فهي لم تكن في الأصل ذكرى ولا واقعاً ولا مشاهدة, منتهى الحيرة حين تخرج من أعماقنا ملامح لعوالم وأفكار لم تكن, وأحيانا كثيرة لن تكون, فنحن عندما نغفو نفارق الإرادة ومنطق العقل, فمن يقود المركب دون أشرعة, وبلا قبطان أو بحارة؟, أحيانا ينتابنا شعور بالعجز والدهشة حين لا نقدر على الإجابة, وحين يملؤنا الارتياح والأمل دون أي ارتكاز على وقائع أو وعود قادمة.
            في ذلك اليوم وبعد انتهاء الدوام, انصرف الطلاب, واجتمع المدير بالمدرسين. فقد كان موضوع الاجتماع عن اقتراب نهاية السنة الدراسية, ولم يبق سوى شهر واحد, واستمر الحديث عن الترتيبات وعن مستوى الطلاب وكيفية وضع الأسئلة, وانتهى الجميع إلى قرارات تبدأ بالتفعيل من يوم غد.
            بعد أن وصل إلى البيت أحس بحاجته لأن يذهب إلى الحقل لمساعدة والدته, وليجد متسعاً من الوقت والمكان للتفكير بما سيفعله, إذ تمر السنون سنة بعد سنة دون جدوى, فما أن يبدأ العام الدراسي حتى ينتهي, وكذلك العمر. سار في طريقه نحو الحقول, في حين أخذت تزداد الدروب عددا في مخيلته والقرية اتساعا, فهناك الدرب المؤدي إلى البرج الأبيض والبحر, أيصبح الحلم وكأنه جزء من ذاكرة أحمد؟, أم ركناً آخر يلتجئ إليه تماما كغرفته, أو كما الكوخ عند أطراف الغابة؟, ولكن, أين الحقيقة من الخيال؟, نظر حوله فلم يجد هناك أي فرق, فهو يعرف بأن الواقع الذي نعيشه لا يتعدى أن يكون سوى خيال عابر يغيب مع آخر شمس خلف أشجار الغابة, وأحياناً نكون على يقين أيضا بأن كثيرا من المشاهدات الواقعية لا يمكن أن توصف بمنطق العقل, بل تتعدى ذلك لتصبح ضرباً من جنون.
            أخذ يعمل مع والدته وبكل جد حتى يفهم أكثر, معنى التواصل مع الأرض, فهو التعب والجهد المتصل, يصبح أحياناً أداة كما العقل, ويتعدى ذلك ليصبح لغة مشتركة بين الإنسان ووعي الطبيعة. هو يريد أن يتعلم الغوص أكثر من السابق, لكي يتعلم الإبحار أيضاً في يوم ما. كان أحمد يتقن أي عمل يقوم به, و يتقن حب الآخرين. هو قريب من الجميع, مع احتفاظه ببعض المسافات, فهو لا يتقن الانسجام الكامل ومنطق التعايش, ولا يملك قرارات للآخرين, فقط يحمل النصح لمن هم بحاجة إلى ذلك, ويبتعد عمن يجدون في أنفسهم القدرة. كان يشفق على الضعفاء, لكنه لا يقترب للعون كثيراً, فهو يمر عن الأحداث وكأنه خلف زجاج, فيجيب من يسأل ويمد يد العون لمن يعرفهم, ويرى بأن كثيراً من الأمور في هذه الحياة يجب عدم العبث بها, فهي حياة بكل ما فيها, وحرية للآخرين حتى في الألم .
            لم يكن يهمه الظاهر من الأمور بقدر ما يبحث عن الجوهر, يملك عفوية الحديث والاندماج والتفاعل, ولم يكن متواضعاً أو مشاركاً, بل هي عفوية تحسب عليه أحياناً. غالبا ما كان يحتاج إلى قصور في التفكير حتى يستطيع أن يندمج مع أبسط الأمور, ولكن دون جدوى, وهذا ما جعله ينظر للأمور البسيطة أحياناً بمنظار أكبر مما تحتاج, لذلك كان هذا يشعره بالتعب والإرهاق وبالخيبة أحياناً. أصبح يتمنى أن ينتهي اليوم أو أي يوم آخر, حتى يعود إلى غرفته, فهو يحن إلى تلك التجربة مع الحلم, مع اقتناعه الكامل بأن الحياة كلها حلم.
            جلس في تلك الليلة ليكتب, ثم أمسك بالقلم ورسم خطين, وكتب كلمات لا تعني شيئاً, ألقى بالأوراق وعاد إلى نوم جديد, فلم يكن هناك سوى الصمت في تلك المخيلة وفي المكان.
            في الصباح, خرج من البيت مبكراً جدا, وقف في منتصف الساحة لا يعلم إلى أين يتوجه, نظر إلى عزيز على باب المقهى وهو يرتب المقاعد والطاولات الصغيرة, ثم اتجه نحو المقهى وقال:
            صباح الخير.
            صباح الخير, لماذا أنت مبكر هكذا؟, وإلى أين ستذهب الآن؟, فهذا ليس وقت المدرسة ؟
            لن اذهب لأي مكان, هل لي بفنجان قهوة ؟
            جلس إلى الطاولة عند تلك الزاوية, لم يكن هناك أحد حول المكان, سوى عامل النفايات ينظف الرصيف المقابل, وبعض الفلاحين مبكرين في الذهاب إلى عملهم في الحقول. أشعل سيجارة وجلس يفكر بصمت, حينها اقترب منه عزيز يريد أن يحادثه, لكنه لم ينتبه, كان بحالة توتر فقد أشعل سيجارة أخرى وطلب فنجاناً آخر من القهوة. بعد ذلك قام فجأة من مكانه, وغادر مسرعاً باتجاه الدرب المؤدي نحو التلة المطلة على الغابة .
            كان يقصد الذهاب للرجل في الكوخ, وصل إلى الغابة لكنه لم يجده هناك. جلس على المقعد الكبير, وأخذ يتأمل المكان, بدا وكأنه يبحث عمن يحادثه في أمر ما, فهو دائم النظر نحو الدرب ينتظر عودة الرجل من عمله. أخذ يتساءل في أعماقه, لماذا يستطيع ذاك الرجل أن يتحدث إلى الأشجار والريح, وإلى كل ما حوله؟, ولماذا لا يقدر هو أن يسأل تلك الشجرة الأم؟, فلعلها تحمل إجابة لتلك التساؤلات.
            وبينما هو كذلك, سمع صوت الرجل من بعيد يقول:
            أهلاً أحمد, غريب أن أراك هنا وفي هذا الوقت المبكر, ماذا حصل؟.
            صباح الخير, ليس هناك ما يدعو إلى القلق, فقط جئت لزيارتك, ولأستشيرك في أمر ما.
            هل تحمل أخباراً سارة؟ أتذكر, لقد كان هذا طلبي منك.
            لست أدري ما أحمل لك هذه المرة, ولكني بحاجة إلى أجوبة, وتفسير لأمور غريبة تحصل معي. وأظنك أنت من يجيب, ويجعلني أكثر وضوحاً مع ما أحمله بداخلي .
            حسنا, سأعد الشاي وآتيك حالاً. أتريد أن تجلس في الداخل؟.
            غير مهم, أظن أن هنا أفضل.
            جلس الاثنان لشرب الشاي, ولم يتحدث أحمد بأي شيء, بل بقي ينظر إلى الشجرة الأم.
            سأله الرجل :
            لماذا تنظر إلى تلك الشجرة؟.
            كنت أتساءل, إن كنت أستطيع التحدث معها كما تفعل أنت.
            ضحك الرجل وقال :
            ولم لا, تحدث كما تريد, ولكن عليك أولا أن تتعلم الإصغاء.
            تعلم أني أجيد الإصغاء.
            لا يا بني, هناك إصغاء من نوع آخر, إصغاء إلى حديث لا يأتي من تلك الشجرة, بل من داخل أعماقك, فمن هناك يأتي حديث الأشجار والمطر, وحتى حديث الريح. ففي داخلنا درب بلا نهاية, وأحاديث تنتمي لكل المخلوقات, ورؤى وأحلام.
            قاطعه أحمد وقال:
            أجل رؤى وأحلام, هذا ما جئت من أجله. أريد منك تفسيراً لحلم غريب, وأن توضح لي, كيف يمكن أن يتكرر الحلم نفسه؟
            ثم تابع يقول:
            قبل بضعة أيام وفي إحدى الليالي, شاهدت حلماً غريباً, وقد كان بمنتهى الدقة والتفصيل. وفي الليلة الماضية, عاودني الحلم مرة ثانية, وبنفس المشاهد والرؤى. فقد كنت أرى نفسي أصعد عبر طريق يؤدي إلى تلة, وكان الطريق محاطاً بأشجار الأرصفة المتلاصقة, وخلف الشجيرات أزهار منسقة بيضاء وبنفسجية تمتد على الجانبين. وفي آخر الدرب هناك, كان ينتصب برج عال لونه أبيض وله باب خشبي كبير. ورأيت رجلاً يقف أمام البرج, طويل القامة ومعطفه الأسود الطويل ينساب حتى قدميه, وما أن رآني أتقدم نحوه, حتى استدار ليختفي داخل ذاك البرج. نسيت أن أقول بأنه وعلى طول الطريق, كانت هناك مقاعد خشبية على الجانبين, لكنها لم تكن متقابلة, وأشجار عالية تظللها. وعلى الجهة اليسرى, كنت أشاهد البحر يمتد على مد الأفق, ومراكب وأشرعة بيضاء, وطيوراً تحلق في السماء تأتي من خلف الأفق. وعلى أحد المقاعد الخشبية كانت تجلس فتاة ووجهها للبحر, ولم أتبين منها سوى شعرها ورداء أزرق. بعد ذلك أفقت من نومي على برودة ونسائم, فقد كنت قد نسيت النافذة مفتوحة طوال الليل. والغريب في الأمر هو أن الحلم تكرر في الليلة الماضية وبنفس التفاصيل, لولا اختلاف واحد, هو أني لم أر تلك الفتاة على ذاك المقعد, بل لم تكن في الحلم. والدتي لم تلاحظ شيئا في حلمي سوى الفتاة, فسألتني إن كانت من فتيات القرية ومن هي. والآن جئتك لعلي أجد تفسيراً لما يجري.
            خلال السرد لوقائع الحلم, كان الرجل يستمع بكل انتباه وعيونه لا تفارق وجه أحمد, وما أن أنهى أحمد حديثه حتى قام الرجل من مكانه, ونظر نحو السماء, ثم جال بنظره في المكان, وكأنه يبحث عن تفسير لما سمع, ثم قال:
            حقا إنه حلم غريب, وتكراره أغرب. ولا أظنه حلماً عابراً, وأؤكد لك بأنها رؤيا صادقة. أرى يا بني بأنك على أعتاب درب جديد, وجمال ذاك الدرب دلالة على بداية الأخبار السارة, تلك التي كنت تنتظرها في أعماقك وكأنها الرجاء. وذلك البرج والرجل, يحملان لك النداء كي تصل إلى آخر الدرب, فلولا النداء لما شاهدت تلك الفتاة, ولا الطيور القادمة من البحر, فهي بشرى وأحداث وحكايا, تأتي من وراء الأفق. أما عدم رؤيتك للفتاة في المرة الثانية, فهذا ما لم أجد له تفسيرا.
            أرى أن رؤياك خير, وسيأتيك القادم من الأيام بأحداث تنير دربك, فتابع حياتك واستمر في العطاء. وأغمض عينيك حتى تأتيك الرؤى, وسيزول ضباب الدروب. أما الآن, فهيا إلى المدرسة وتابع عملك, فأنا لا أملك لك سوى الدعاء.
            شعر أحمد بالارتياح, فقام مودعاً الرجل ليعود إلى القرية, ولأول مرة بدأ يشعر فعلا بأنه يبحث عن حلم, لكنه يتساءل من أين تأتي الرؤى؟, وهل عيشنا على الأرض هو فقط نوع من رؤى؟. وأين تكمن الحقيقة؟
            أزاح تلك الأفكار عن مخيلته وأسرع نحو المدرسة, فلقد أصبح يتمنى هذه المرة أن يذوب في الضجيج وفي الوجوه الصغيرة, لم يعد يحتمل الفكرة ولا التساؤلات, ولم يعد باستطاعته أكثر بأن يرتكز على حلم فقط. لماذا لا تسير الأمور معه كما هي وبكل بساطتها مع الآخرين؟, ولماذا يكون دائما كمن يسير على حافة تجعل منه الفاصل بين عالمين؟, وكيف بإمكانه أن يكون حقيقيا ملموساً, كباقي الأشياء والآخرين؟. هو يحب أن يبحر, ويحب أن يسافر في المجهول, ويفهم معنى الظلال التي تتحرك على الجدران, ويعلم من أين تأتي. فلماذا تبقى قدماه عالقتين بين أقدام المارة على الطرقات, ولا تملكان هوية المرور نحو أهداف صغيرة؟, ولماذا تلك الأحلام المؤجلة أحياناً؟.
            أصبح يرى نفسه بأبعاد غير منتظمة, ولا مجال له بان يكون من مكعبات الجدار, فتلك المكعبات تحمل بأبعادها الواضحة تشكيلة الجدار, يبقى يتساءل دائما, ويلقي بالتساؤلات على أعتاب الأمل.
            في تلك الليلة دخل إلى غرفته, وفتح النافذة ثم جلس يستمع إلى مؤثرات الليل بكل ما فيها, نظر إلى السماء, ومن تلك النافذة أخذ يتأمل النجوم وذاك الفضاء الواسع, وكم تمنى لو أنه هناك بين تلك النجوم, ليكون شيئا أو أن يكون كوكبا صامتاً.
            من قال أن الكواكب صامتة, ها نحن على كوكب يتراءى للبعيد على أنه صامت وساحر, ويلفه الضباب كما الحلم. ثم تمنى أن يكون مداراً, وغابت عيناه في فضاء واسع, وحين أغمضها تراءت له أنوار غريبة وعوالم لا تنتهي, وجمال يوحي بعظمة الخلق تأخذ العقل لمتاهات, فتمنى أن يكون هناك يجلس على شرفة ليطل منها على الدنيا, كما تطل النافذة على عالمه الصغير. أمسك بالقلم, وبدأ يكتب عن حلم أو عن تشكيلة الجدار, فكتب يقول :
            يغرقون في نوم
            ويتواصلون مع حلم
            استفاق ذاك الحلم منذ أن ناموا
            تفاسير الأحلام لا تستفيق
            أشاهد بريق عيون, ويشاهدون ظلام
            بريق عيونهم لا ينتظر البريق
            خيالات أحداثهم ذكرى
            ويعاودون النوم, كنوع من تشكيلة غفوة
            يدخلون بنقاشات واقعية التشكل
            يقتربون من حالة نسيان كامل لليقظة والحس
            لولا وخز الوعي, ذاك الذي يجعلهم يلامسون أشياء غامضة
            تراهم دائما يرددون, بأن الحياة مجرد حلم
            أحداثهم تتوارى خلف أيامهم لتلتصق بغشاء ذاكرة مؤقتة
            يشعرون بالبرد دون برد, وبالكبت دون كبت
            أحيانا يشاهدون طيوراً تحلق في سمائهم, لا تنتمي إلى طيور الحلم
            كأنه تأثير المخدر
            لذة تلك النشوة حين تتغاضى عن الحقيقة دون ملل
            ودون انفصام أو دهشة
            متى سيخرج منهم ذلك الحلم
            ويعودون لليل ساحر ونهار
            أحاول أن أستفيق
            أن أتجسد خارج النطاق
            فأخاف الأرق
            وأسجل في دفاتر أحلامهم منتحراً
            أحاول أن أغفو بعمق, لعلي أشعر بالراحة
            لكن ذاك الأرق يبقى حائلاً
            فأنا أتواجد على حافة بين عالم أؤكد زيفه
            وعالم لا أرى منه سوى الظلال
            هجين عالمين
            أم مجرد ازدواجي الوعي والظنون
            لست أدري ؟
            أنهى كتابته, وخرج من بين أوراقه ومن السؤال, ليستلقى على السرير, كي يحاول أن يعود إلى ذاك الدرب. من هو الرجل ومعطفه الطويل, ومن تلك الفتاة ورداءها الأزرق, ولماذا البحر؟. ومن أين تأتي الطيور؟, كأنه على موعد مع حديث آخر, أو إجابة تأتي من خلف الليل. ترك النافذة مفتوحة يداعبها النسيم, عل الحلم يأتي من هناك.
            ابتدأ الدرب وكأنه بلا ملامح, والشجيرات تلاشت كما الأزهار. أخذ يسير دون أن يدري, فهو لم يعد يقترب من البرج ليسمع أصوات الطيور. ولم يعد يرى البحر أيضا, وكأن الضباب صار يغطي الرؤى. وفجأة تراءى له من بعيد ذاك الواقف أمام البرج, ويلفه الضباب كما المعطف, كان رمادياً كل ما حوله وبلا ألوان. اقترب يبحث عن مقعد خشبي ورداء أزرق, فابتسم له الرجل حين استدار من جديد نحو البرج, ليختبئ خلف ضباب الحلم.
            التفت أحمد نحو البحر, فرآها تجلس على المقعد وتلتفت إلى الوراء نحو القادم من زمن آخر, أو نحو زائر يسافر عبر حلم رمادي وبلا ملامح. نظر إلى عينيها, فأصابته الدهشة بشيء من المس, فهو لم يكن يحلم بأجمل, ولا بسحر أقوى من تلك النظرة. تبسمت وعادت تنظر للبحر, حينها توقف الزمن أمام النظرة ,ولأول مرة يشعر بأن رعشة خفية تلامس غشاء الروح.
            تناثرت الرؤى خلف الوعي, وخرج الزائر من الحلم على استفاقة فجر وأصوات على الطرقات, حاول أن يعود للنوم كي يتراجع خلف نهار جديد, لكنه لم يستطع أن يكون سوى ذاكرة تحتضن الحلم, فبعض منه يستفيق, والبعض الآخر يبقى هناك, عيناها أخذته نحو البحر دون أن يدري, ولم يبق معه سوى الطيف العالق على ستائر يراقصها النسيم. وتنفس الصباح, وكأنه أول صبح يتناثر على ذاكرة الوعي والمكان .
            خرج إلى حديقة البيت وهو يترنم بأغنية كانت تعلق بذاكرته, وكأنه أصبح يكتشف بداخله أشياء جديدة لم يكن يبحث عنها في السابق.
            خرجت والدته وسمعته يغني فلم تصدق, وقالت :
            صباح الخير, أراك اليوم سعيداً؟. صدقني يا بني, هكذا الصباح يكون أجمل, وكم أفرح حين أراك هكذا.
            صباح النور, كم أحب رائحة القهوة عند الصباح, وكم أحب من عملتها.
            تعال واجلس هنا, أرى اليوم أمامي أحمد آخر, يغني ويبتسم, ويتحدث بكلام جميل. فأين ذهب ذلك الحائر وتلك النظرة الحزينة؟, هل هناك جديد لا أعرفه؟.
            لا يا أمي, ولكنني نمت جيداً وأشعر بالراحة والنشاط .
            قبل يد والدته وخرج من البيت, أخذ يعبر الساحة باتجاه المدرسة كان يرى الأشياء حوله تأخذ طعما آخر, وكأنه يتذوق جماليات الأماكن لأول مرة, فهو يشعر بأن الشمس تضيء أكثر, ويرى الناس وكأنهم أكثر تفاؤلاً وحياة.
            رفع يده ملوحاً لعزيز وقال :
            صباح الخير.
            استغرب عزيز من الصوت القادم من جهة الساحة, فهو لأول مرة يسمعه ويحيه بصوت عال ومن بعيد, ولاحظ تلك الخطوات السريعة, فهو لم يعد يسير متثاقلا كعادته.
            في المدرسة تقابل مع صديقه حمدي وسأله عن أحواله, وقال له بأنه يريده في موضوع مهم.
            فقال حمدي :
            الآن عندي حصة, ما رأيك أن نجلس بعد الحصة الثالثة ونتحدث. ولكن, هل لي أن أعرف ما هو الموضوع؟.
            الموضوع بحاجة لوقت أطول, اذهب الآن وستعرف ما أريده منك حين نتقابل.
            بعد أن ذهب حمدي أحس بالحرج, فهو لا يعرف ما سيقوله, هل سيسأله عن الحلم وتفسيره؟. هو يعرفه يؤول الأحلام, فلقد كان غالباً ما يفسر الأحلام للمدير وللمعلمين, وخصوصاً حين كان يأتي المدير مهموماً ومحبطاً من حلم رآه. فقد كان يخاف من الأمراض ومن الموت, وكان يخفف عنه حين يبدأ بتفسير تلك الأحلام . أو انه يخاف من سخرية حمدي, وكيف يحول الأمور إلى وقائع هزلية لا معنى لها, أو ربما يخاف من أن يكون تفسيره مغايراً لما يحبه هو أن يكون. على كل حال, هو يريد أن يعرف أكثر, فهذه ثالث مرة يتكرر فيها الحلم وبشكل مختلف هذه المرة.
            في فترة الاستراحة جلس الاثنان في غرفة المعلمين, أراد أحمد أن يبدأ بالحديث, ولكنه لاحظ بأن فارسا قد جاء أيضا وجلس إلى مكتبه يراجع بعض الأوراق.
            عند ذلك سأله حمدي :
            ماذا هناك, وعن ماذا كنت تريد أن تخبرني؟ قال ذلك وهو يبتسم.
            رجاء وبدون أي مزاح, فأنا أرجوك أن تأخذ الأمر بجدية أكثر هذه المرة.
            سامحك الله, تعرف بأني دائما ما أكون وبكل الجدية حين أتعامل معك أو أحادثك, فهيا قل ما عندك فلم يعد عندي صبر.
            بدأ أحمد يتحدث اليه وبمنتهى الوضوح والهدوء, أخذ يسرد له الحلم بكل روية ودقه, وكيف تكرر للمرة الثالثة. كان من ينظر إلى عيونه يظنه عاشقاً يتحدث عن تجربة حب, فبريق عينيه وتلك الحيرة على وجهه, جعلت حمدي يدخل في أعماق كلماته, فأحس هو الآخر بالغرابة مما يسمع, وأصابته الحيرة أيضاً فقال:
            غريب تكرار الحلم, ومع أني اعرف بأن الأحلام قد تتكرر, ولكن هكذا وخلال أيام متقاربة, وبنفس التفاصيل والدقة فهذا أمر غريب. لكني أرى بأنها رؤيا خير وأرى بأن ذاك الطريق....
            وقبل أن يكمل قاطع فارس الحديث, فلقد كان يسمع ما دار بينهما, ولم يقدر أن يتمالك نفسه, فترك الأوراق من بين يديه وجاء ليقول:
            آسف على مقاطعتي لكما, أعلم أنه موضوع بينكما, ولكني لم أعد أحتمل ولا أكاد أصدق نفسي !
            قال أحمد:
            ولماذا الأسف, كنت أتمنى أن تشاركنا ولكني رأيتك مشغولاً بالأوراق.
            أرجوك أن تعيد علي كل ما قلته عن الحلم, فهناك شيء غريب... وغريب جدا !
            أعاد سرد الحلم من جديد, كان فارس يستمع وعلامات الاستغراب والدهشة تظهران على وجهه, وبعد أن انتهى أحمد من حديثه, قام فارس من مكانه وقال:
            مستحيل.
            وما هو المستحيل فيما أقول ؟
            أخبرني, هل ذهبت يوما إلى مدينتنا على الساحل قبل الآن, أرجوك أجبني ؟
            لم أذهب قط , ولم السؤال؟
            لأن كل ما وصفته في الحلم هو حقيقي وموجود هناك في مدينتنا , ولكن كيف؟
            فتلك التلة هي على البحر ومنعزلة عن المدينة قليلاً, وتوجد بها منارة بيضاء, والدرب الذي تصفه هو الدرب الذي يؤدي إلى تلك المنارة.
            شعر أحمد برعشة في جسده وقال:
            أرجوك لا تمزح معي, كنت أظن حمدي من سيأخذ الموضوع بسخرية وليس أنت.
            أقسم بأني أقول الحقيقة, فما رأيته أنت في الحلم هو في مدينتنا وبكامل الوصف والمعالم, فتلك الشجيرات على جوانب الدرب, والأزهار المزروعة خلفها هي بيضاء وبنفسجية, والمقاعد الخشبية أيضا بنفس الوصف وغير متقابلة, ولا أظن بأن هناك مقاعد غير متقابلة في حدائق أخرى , والسبب هو منظر البحر والمراكب .
            بدأت أشعر بالخوف مما تقول ومن الحلم.
            كان حمدي يتنقل بعينيه بين حديث فارس ودهشة أحمد, ولا يفقه شيئاً مما يسمع, سوى ضرب من جنون أو خيال.
            ثم تابع فارس يقول:
            وذاك الرجل, هو بالفعل كما تقول عنه, طويل وغالباً ما تراه بذاك المعطف الأسود, يقيم في المنارة و يعمل فيها. بالله عليك أخبرني, هل ذهبت إلى هناك قبل الآن, أم انك رأيت صوراً لمكان كهذا من قبل؟.
            فقال أحمد:
            ما رأيت قط.
            قاطعهم حمدي وهو يقول لفارس :
            وأظنك ستقول بأن الفتاة موجودة هناك على المقعد, وتعرفها.
            لا لن أقول, فأنا لا اعلم عن الفتاة شيئا, دائما يتواجد أناس هناك في تلك المنطقة, ونادراً ما يكونون من أهل المدينة, فأغلبهم من السائحين يأتون لزيارة المنارة وللتصوير.
            بدأت الفترة الثانية من الدروس فقال أحمد لفارس:
            أرجوك أن لا تغادر المدرسة قبلي, فأنا أريد أن أحادثك.
            وأنا أيضا كذلك , وأظن بأني سأصاب بالجنون مما أسمع .
            [flash=http://marinamool.com/pic/up/27272685020100501.swf]WIDTH=270 HEIGHT=270[/flash]

            تعليق

            • أحمد النوباني
              أديب وكاتب
              • 26-08-2008
              • 527

              #7
              رد: رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة



              الفصل الخامس ....دعوة ينسجها الحلم


              خرج الجميع من الغرفة, وكأن الممر المؤدي لغرف الصف يحاول أن يبتلع الفكرة والحلم, لم يستطع أحمد أن يبقى, فقد تلاشت خطواته من المكان وصارت الضوضاء في أبعاد أخرى, حتى حديثه مع مدير المدرسة عندما كان يطلب الإذن بالمغادرة, كان وكأنه يأتي من قاع بئر جافة ومملؤة بالأصداء, فلقد كان حديثاً خافتاً وعميقاً .
              سار في درب العودة نحو القرية, وبدأت تختنق الأفكار وتتلاشى الصور المحيطة بالوعي, ولم يعد يمتلك السيطرة على الحواس, فهو قد بدأ يفقد جزءا من تواجده, حتى الخطوات صارت وكأنها تخطو على سحاب يغطي أطراف الدنيا.
              وصل إلى المقهى, وجلس في مكانه المعتاد, ثم بدأ بحوار مفقود وبلا منطق, مع كل تجربته في هذه الحياة, ومع كل المعاناة في البحث عن الحقيقة. يجد نفسه في منتصف الطريق بين العلم و الجهل, وبين الخوف و الأمل. أخذ يلوم العقل والمعرفة وروحه والبصيرة, وعلى أي مفترق يقف الآن؟, هو لم يكن يحب الضبابية حتى في الشتاء, فكيف إن دخلت عقله والبصيرة.
              تراجع خلف عقله وأغمض عينيه, ثم صرخ في داخله وقال: من يناديني, ومن يرسم النداء كحلم يأتي من خلف الليل؟, من هو أحمد, وما أهمية إنسان كأي إنسان, حتى يأتيه الغد على شكل حلم؟, ومن يأخذني إلى مدن أخرى ومعالم لم أرها؟. بدأ يشك في تشكيلة المنطق أكثر من السابق, وبدأ يكتشف بأنه مجرد من أي سلاح أو عتاد, ويواجه معركة مجهولة وملامح بلا تقاطيع. يعلم بأن العقل لا ينفع مع الحلم, ويعلم أيضا بأن الحكمة لا تحدد وجه القادم من الأيام. بقي على هذه الحال يعانق التساؤل بالحيرة والرغبة بالريبة, وتناثر المكان من حوله, ولم يعد هناك أي ارتباط بين التشكل والأسماء, وبين الانفعال ومصدره, بدا وكأنه يولد من جديد خلف الطاولة الصغيرة.
              ما يحتاجه الآن هو رجع ذكريات أزلية تعلق على جدار الروح, منها فقط يستطيع أن يواجه القادم, وأن يمارس الحلم حقيقة ويصنع من الحقيقة حلماً, أخذ يتذكر كلام الرجل في الغابة عن حديث الأشجار, وكيف يكمن في الإصغاء الجيد لما في الأعماق. ويعلم أيضا بأن خلف الحدود وخلف تقزم الوعي والمنطق يوجد درب بلا نهاية, يمتد من أعماقنا نحو الأبدية والمعرفة والحلم.
              حتى عزيز لم ينتبه لوجوده وهو يجلس في الخارج, لأن أحمد لم يكن وذاك الالتصاق بالمكان, كانت الروح شاردة تبحث عن أشرعة بيضاء في البحر الضبابي, فأحيانا تمر لحظات على الإنسان وكأنها دهر كامل, وكم هو صعب أن يعود إلى دقات الزمن المنتظمة, وذلك التراكم للأحداث وللتكرار.
              جاء عزيز يحمل القهوة وقال:
              لماذا أنت هنا وحدك ؟, أنا آسف, لم أكن أعلم بوجودك, على كل حال جئت بها قبل أن تطلبها.
              نظر إلى عزيز ثم ابتسم دون أية كلمة, نظر إلى الساحة وأشجار الدرب العالية ثم أشعل سيجارة, بدأ يشعر وكأنه شخص جديد واضح الرؤى, بعد أن سقطت الهياكل الوهمية تلك التي كانت تظلل الرؤيا, هو الآن لم يعد يشعر بالملل والحيرة, لقد بدأ وكأنه يولد من جديد على مفترق يمزج الرؤى بالأحداث, وصار يشعر بأنه أكثر استعداداً مما كان عليه من قبل, وكأنه قد هدم في أعماقه جدران التثاقل والرضوخ, وأصبح أكثر شفافية وحياة .
              ظهر فارس متقدما نحو المقهى وبدأ الحديث وقال:
              أين أنت؟ ولماذا غادرت مبكراً, فلقد بقيت أنتظرك عند البوابة, وقد سألت الجميع عنك ولكن لا أحد كان يعلم سوى المدير, فقد أخبرني بأنك كنت متعباً فغادرت.
              تفضل واجلس, وأعذرني لأني لم أخبرك, ولكني لم أستطع أن أبقى في المدرسة, فلقد أحسست بالتعب وبحاجتي لأن أكون وحدي, وذلك ما جعلني أغادر وآتي إلى هنا.
              المهم, كيف أنت الآن؟ أعلم كم هو غريب ما تفكر فيه, بالنسبة لي فأنا لا أحمل أي تفسير ولا أملك منطقاً أحادثك به, كل ما فكرت به هو بأنك يجب أن تأتي معي في العطلة الصيفية لتزور مدينتنا, ولترى تلك المنارة. وستعلم كم هي مطابقة لما رأيته في حلمك, صدقني إلى الآن لم أستطع أن أصدق ما سمعته منك, ولكني أرى بان تفسير رؤيتك يكمن في سفرك معي, حيث ستكتمل الرؤيا حين تشاهد ملامحها تتجسد أمام عينيك حقيقة.
              وكيف أسافر معك؟, فأنا لم أخرج من القرية منذ سنين, أكملت دراستي الجامعية وعدت إلى هنا, ولا زلت وكأني أصبح جزءا من هذا المكان.
              أجل ستسافر معي, لترى أين أسكن ولأعرفك على عائلتي ومدينتي, ولتشاهد البحر و تزور الحلم.
              كم أشعر بالخوف حين أتذكر المنارة والحلم, فلم تعد تلك الرؤيا في مخيلتي فقط , فلقد أصبحت أراها تمتد لتتجسد في عقلك على شكل مدينة وبحر ودروب قادمة من نداء غريب .
              غدا في الصباح نذهب للغابة, يجب أن نسأل الرجل هناك, ويجب أن يعرف لكي نعرف أكثر, ولكن قبل ذلك فأنا أصر على أن أسمع موافقتك على السفر معي.
              دعني أفكر, وكما قلت أنت, سنذهب في الغد إلى هناك فحديث الأشجار يحمله وعي آخر.
              في تلك الليلة دخل البيت, ولم يتحدث بأي شيء, سوى مساء الخير. شعرت والدته بأنه يحمل كلاماً صامتاً بين نظراته, فلم تحاول أن تقرأ أكثر في ذاك الوجه, فهي لا تزال تراه بتلك الطفولة ولم يكبر عن حنانها, أحسته وكأنه يغفو على صدرها, فتركته ينسحب إلى غرفته دون أي سؤال.
              بدأ يبحث عن بقايا الحلم في أرجاء غرفته, نظر إلى الستائر فلم يكن هناك طيف, ترك النافذة مغلقة واستلقى على السرير, وكأنه أحس بأن الرؤية قد خرجت من أرض الحلم لتتجسد حقيقة ودرباً جديدا, أحس بضحكات الحلم وهو يخرج طفلا من بين كلمات فارس في المدرسة عن مدينته والمنارة.
              خرج إلى والدته وجلس بجانبها, وبدأ يحدثها عن كل شيء, وبقيت تسمع حتى انتهى ثم ابتسمت بكل بساطة وحب وقالت:
              اذهب مع فارس إلى مدينته, فأنت بحاجة إلى تغيير وراحة, وإحساسي بأن هذا الشاب هو إنسان طيب ويحبك, وستكون سعيداً معه هناك, والله أعلم بأن تفسير حلمك سيكون هناك, ومن يدري فقد يكون نصيبك بانتظارك أيضا.
              كيف سأذهب وأتركك هنا وحدك؟
              لا تخف علي فالمهم أنت, أما أنا فأفكر بأن أدعو خالتك لتأتي إلى هنا كي تقيم معنا, فهي وحيدة الآن بعد وفاة زوجها وبعد زواج أبنائها, وأنت تعلم كم هي الوحدة والعزلة في المدن الكبيرة, هنا ستشعر بالراحة أكثر وأنا احتاج لأكون معها من جديد بعد هذا العمر, فبيننا ذكريات قديمة وجميلة. أما أنت فستسافر مع فارس.
              سأفكر في الموضوع, أما بالنسبة لخالتي فأنا أيضا أتمنى أن تأتي إلى هنا, سنذهب لزيارتها في الأسبوع المقبل وندعوها, كم أحب حديثها مع أنها لا تتوقف عن الحديث ابداً إلا أن جلساتها ممتعة.
              عاد إلى غرفته ولم ينظر من النافذة نحو الساحة, فقد بدا وكأنه يغادر المألوف, ليبتعد عن الأماكن التي بقيت تسير معه كالظل, بدا وكأنه يشعر باقتراب ذلك المنعطف الحاد, لكنه أصبح خائفا أن يبوح للعقل بما يتملكه في الأعماق, لذلك صار يمارس الانعطاف بكل شفافية وبساطة كما الحلم.
              في اليوم التالي, كانوا ثلاثتهم يجلسون أمام الدرجات الحجرية, ولم يزل المقعد الهرم في مكانه رغم انتهاء العمل في الأرجوحة, تلك المصنوعة بالكامل من خشب الغابة, كان لها سقف ينحني نحو الخلف, ليقي من شمس الصيف القادم. ومشغولة بكل إتقان ومتانة, كأنها ستبقى تتهادى لتحاكي بتأرجحها شمس الشروق والغروب, وتمايل الأغصان مع الريح. دائما ما يكون للأشياء حكايا كما للبشر, وأظن بأن الأرجوحة تنتظر, وستبقى تنتظر تراتيل الأحداث حتى تتهادى معلنة تواجدها بين الذكريات وفي الكلمات.
              كان الرجل منشغلاً بلفافة التبغ حتى اكتملت ثم أشعلها, طريقته في إشعال لفافة التبغ توحي بأن العقل يشتعل أيضا, كانت نظرته إلى الدخان توحي بأنه يقرأ كلمات سينطق بها, وتجبرك على الصمت لإصغاء من نوع آخر.
              نظر إلى أحمد وقال:
              هكذا إذا, رؤياك تسكن على تلال تنظر للبحر وذاك البرج منارة, وفتاتك وتلك النظرة تأخذك للبحر, ألم أقل لك سيأتيك القادم, وأظن الحلم قد أرسل رسوله قبله.
              ماذا تقصد ؟
              صديقك هو رسول الحلم, فلولاه لما أضاء الدرب بقنديل .
              قاطعهم فارس وقال :
              ولكن هل من الممكن أن يحصل شيء كهذا؟ وكأننا في حكايا جدتي والشتاء, كانت تحدثني عن الزمن المسحور وعن حكايا يأتي بها البحر, وعن حوريات وأميرات وقصور.
              ضحك الرجل وقال :
              من قال أنها حكايا الأرض, منذ الأزل تنجب أطفالاً وأحلاماً وصوراً, للقوة على الأرض ألف شكل وللمنطق أيضا, صدقني يا بني بعض الأحلام تأتي من ذاكرة أزلية تكمن في أعماق الروح الإنسانية, وبعضها يتشكل من مؤثرات الواقع والمشاهدة, فالروح تملك الرؤى وتخرجها من الأعماق على شكل حلم لترتسم على ذاكرة العقل, وتتجسد في الأحداث القادمة مع إشراقة فجر جديد.
              إذا عليك أن تقنعه بالسفر معي إلى مدينتي, فهناك يتجسد جزء من الرؤيا ولعل الباقي هناك أيضا.
              نظر الرجل إلى أحمد وقال:
              اذهب معه يا بني واتبع الرؤى, واعرف بأنك لن تخيب. وتحدث إلى الرجل في المنارة, فهو عالق بين البحر واليابسة, وأراه يملك وعياً آخر وأحاديث.
              اذهب فاني أرى أن تلك النظرة أخذتك نحو البحر, ولم يعد في عينيك حزن وحيرة. كم أعرفك جيداً وكم أتمنى لو أنتظر هنا حتى تعود, لكني سأغادر إلى حيث ابنتي وأحفادي, فلم يعد بيني وبين الرحيل سوى أوراق أنتظرها من إدارة السكك الحديدية, سأعرف عنك وعن أخبارك, فحديث الأشجار يسيركما هبوب الريح, وهذا المكان سيبقى والأرجوحة أيضا ,وأنت لابد يوما أن تعود .
              قال أحمد :
              كم يحزنني فراقك, ولكن كيف سأبقى وحدي, وأنت تعلمني كم أحتاجك عندما يفارقني الأمل وتنتابني الظنون, وعندما لا أملك خطاي على الدروب.
              لم تعد وحدك يا بني فلقد خرج الحلم إلى الطرقات, وينتظرك القادم, ولست أدري قد يكون لتلك النظرة وعينيك حوار ومعنى انتظار.
              خرج المكان من الوداع, وبقي الحديث يتهادى كالأرجوحة حتى غاب النهار, وعادت الخطوات إلى الساحة والمقهى ولم يبق سوى أيام حتى تسافر النسائم مع الربيع عن الحقول, فسنابل القمح الصغيرة تكبر وخيوط الشمس تنسج للتلال لوناً جديدا. هي الأيام تصل إلى محطة الارتحال, فعندما تأخذك الريبة من القادم لا تعلم كيف وصلت إلى انتظار قد انتهى, وصار ما كان في البعيد يتماثل كحاضر يسقط فجأة أمام القرار الصعب.
              بعد يومين موعد السفر, ولكن إلى أين وإلى متى تلك الإثارة فيما ينتظر؟, هي تجعلك خارج نطاق التركيز ولا تدري كيف ستبدأ الارتحال.
              أعد حقيبته وبعض الأوراق وكتاباً للطريق, وحلماً يعلق في الذاكرة. كان الجميع وخصوصاً والدته يحملون حزناً يختبئ خلف عيون تظهر التشجيع له, لكي يذهب في رحلة ممتعة وحائرة, ففي داخله كان يحمل فرحاً للقاء, وفضولاً لأشياء تبدأ من تلك الرؤيا ولا يدري أين ستنتهي .
              في تلك القرية حافلة واحدة تغادر في الصباح نحو العاصمة لتعود في مساء اليوم نفسه, فالقرية لا تحتاج لأكثر من حافلة, قلائل هناك ممن يعملون في العاصمة, والآخرون ينزلون على الطريق في بعض القرى, لذلك فالجميع معتادون على موعد المساء, وحافلة تغادر في الساعة الصباحية.
              اجتمع أصدقاءه لتوديعه, كانت كلمات والدته لفارس تكفي لأن يهتم به, كما كانت أيضا تدعو لهم بالتوفيق والسلامة, وهمست له بأن يبحث له عن فتاة هناك, فأمنيتها أن يعود وهو يحمل أخباراً تسرها وتريحها.
              هكذا الوداع, أمنيات بالسلامة على عيون حزينة,فوالدته وخالته وأيضاً هناك عزيز وحمدي وآخرون. فهي أول مره يغادر فيها قريته منذ سنين. وسارت الحافلة بين الأشجار, واختفت عند آخر الدرب كما اختفت الوجوه المودعة, صارت النظرات تتجه نحو الدرب الجديد دون أي كلمات, عيون ترقب الملامح المغادرة للوراء, وغياب كامل لأي ابتداء سوى رجع صور ووداع, وتذكر كلمات الرجل بالأمس حين ودعه وقال:
              * لن تكون بداية دون انتهاء, كم تملكنا الدروب وتسير بنا نحو مجهول, حين نفارق تواصلنا وما اعتدنا عليه وكأنه جزء من تواجدنا. دائما لا نملك حق السؤال حين لا تكون الإجابة على جوانب الإدراك, وحين يفصلنا عنها جدار يخفي خلفه ضبابية القادم والمصير*.


              نهاية الجزء الأول

              سأكمل بقية الأجزاء بملف مرفق للرواية كاملة
              [flash=http://marinamool.com/pic/up/27272685020100501.swf]WIDTH=270 HEIGHT=270[/flash]

              تعليق

              • أحمد النوباني
                أديب وكاتب
                • 26-08-2008
                • 527

                #8
                رد: رواية سارة ونافذة الآخر .... كاملة

                رابط التحميل للرواية


                4shared is a perfect place to store your pictures, documents, videos and files, so you can share them with friends, family, and the world. Claim your free 15GB now!
                [flash=http://marinamool.com/pic/up/27272685020100501.swf]WIDTH=270 HEIGHT=270[/flash]

                تعليق

                يعمل...
                X