رياض العشاق / رشيد الميموني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    رياض العشاق / رشيد الميموني

    رياض العشـــــــــــــاق

    ألقيت التحية على بعض الزملاء المتحلقين حول إحدى الطاولات بمقهى كونتننطال ، و اخترت مكانا لي في ركن قرب النافذة العريضة . نظرت إلى ساعتي اليدوية . لا تزال عشر دقائق على موعدي مع فريد . جلست أتصبب عرقا بعد أن وصلت بجهد جهيد إلى الرصيف ونجحت في اجتياز الحواجز المتراصة على جانبي الطريق المؤدية إلى المحطة الطرقية . سيمر الملك بعد قليل . الجماهير بدأت تصطف لرؤيته قادما من Rincon .
    قضيت العشر دقائق في قراءة الجريدة . رائحة الانتخابات تملأ الجو ، و فريد صديقي لم يأت بعد . ما الذي أخره ؟ صرت أشفق عليه في الأيام الأخيرة . تبدل مزاجه وانقلب شخصا آخر رغم أن ميله للانعزال والتكتم صار مألوفا لدي . قال لي إنه سيمر على رياض العشاق . ابتسمت له وقلت مازحا :
    - هيا يا دون خوان ... أرنا شطارتك .
    كنت أعلم أنه وقع بشباك إحداهن ، و أجهدت نفسي في معرفة من هي ، حتى نبهتني خطيبتي إلى أنني صرت مهووسا بذلك . كان فريد ينهض باكرا كل صباح ، وينطلق وحيدا . ربما لم يكن متأكدا من شعور فاتنته أو أنه لمس منها إعراضا ، لكنه تمسك بالأمل وقرر التكتم . نعيش في هذه الأيام فترات حاسمة بعد إعلان التعيينات بمدرسة المعلمين و اطلاعنا على منطقة تعييننا . نشعر نسبيا بالارتياح لقرب القرية التي سنعمل بها من مدينتنا رغم اختلاف الفرعيات .
    الساعة الحادية عشرة . اليوم جميل ، والمدينة تبدو متألقة في انتظار عيد مولد الملك .. يقبل فريد و علامات التجهم بادية على محياه .
    - هيه.. ما الأخبار ؟
    - لا شيء يذكر .. قل لي متى نسافر للبحث عن السكن ؟
    ضحكت و أنا أنظر إلى أحدهم وهو ينهر صبيا يبيع السجائر .
    - أراك متلهفا للسفر ..هل طالت العطلة أم تراك تستعجل عالم التدريس ؟
    - كلا .. بل مللت هذه المدينة ومن فيها .
    - لا عليك .. اجلس وخذ عصيرا .. سوف نتحدث في موضوع السكن عندما تأتي لمياء خطيبتي .
    تنهد فريد ، فعلمت أني وضعت يدي على جرح لا يندمل بسبب فشله في تجربته العاطفية . قلت لأبدد جو الكآبة :
    - أين وصلت في نظم قصيدتك ؟
    لمعت عيناه كأنما ذكرته بشيء كاد ينساه مع توالي الأحداث و الانشغال بالتعيينات وقال :
    - لا زالت تراود مكانها .. لكني قد أضيف أبياتا أخرى .
    - ألا تطلعني عليها ؟
    - عندما أتمها سأنظر في الأمر.
    - قل لي .. هل أعتبرك جميل بثينة أم أنك تقتفي أثر عمر بي أبي ربيعة ؟
    أثرت حماسه فانطلق يقول وقد انتفى عنه الوجوم :
    - أنا لا هذا ولا ذاك .. أو قل.. خليط منهما .
    - لم لا تنشر إنتاجاتك ؟
    نظرإلي برهة وقال :
    - فكرة جيدة لم تخطر لي في البال .. ثم إنك تعرف صعوبة النشر في هذا البلد ..على أية حال .. حينما أنتهي سأفكر في الأمر .
    ارتشف من العصير ثم أردف و هو يرمق ما حوله شزرا :
    - اسمع .. لقد سئمت الجلوس في هذه المقهى .. أحس أن العيون تلاحقني في شماتة واستهزاء ..
    قلت و أنا اربت على كتفه مطمئنا :
    - لا تحمل هما .. هي عادة من يجلس في المقهى ..
    كنت أعلم أنه يتحرق شوقا للجلوس في "رياض العشاق" ، مهد غرامه ، كما يردد دائما في مرارة .. فهناك رأى محبوبته لأول مرة وسقط في شباكها من أول نظرة . وكثيرا ما شدني الفضول إلى معرفة من الفتاة التي هام بها صديقي . فأنا أعرف ذوقه من خلال انتقائه لملابسه و عنايته القصوى بترتيب حوائجه و عنايته بالورد و خطه الجميل . لكن محاولاتي باءت بالفشل . و استعنت بخطيبتي لعلمي باطلاعها على أسرار زميلاتنا من الطالبات المعلمات ، لكنها كانت تجيب ضاحكة :
    - متى تقلع عن عادتك هذه في التجسس على الناس ؟
    - أعوذ بالله من التجسس .. أنا فقط مهتم بصديقي .. و مصلحته .
    لا أنكر أني توجهت يوما ، ربما على غير وعي مني ، إلى رياض العشاق الذي هجرته منذ الصبا لحالته المزرية . كان هناك قرد يتسلى الناس برؤيته . لكنه كان يثير الاشمئزاز و الشفقة لبؤسه و خموله ... الآن ، وقد استعاد الرياض رونقه ، لا أجد حرجا في المرور قرب نافورته الأندلسية . أتفحص الوجوه ، من غير سوء نية طبعا ، لعلي أحدد ملامح الفاتنة المجهولة .. هذه الملامح التي بدأت ترتسم في مخيلتي منذ أن فاجأت فريدا مترنما وهو جالس على ربوة تشرف على الوادي الفاصل بين مقر سكناه و مدرسته التي يعمل بها :
    ونسيت دائي حين جاء دوائي //// من ذا يقاوم نظرة السمراء
    صحت و أنا ألوح بذراعي : " الله... الله... أين أنت يا كاظم...؟
    التفت إلي مرتاعا من صيحتي ، ثم عاد لتأملاته . أمس... أفضيت إلى لمياء بهواجسي وخشيتي على فريد من وحدته و انعزاله :
    - صرت لا أعلم نهاية كل هذا .. بل لم أعد أعرف هل يتكلم عن وعي أم به مس ... يتحدث عن العالم والخيانة و الظلم ، ثم يلعن الدنيا و يهدد بثورة يقودها لتحرير العالم من الأباليس ... ثم فجأة ينهض خطيبا كأنه في البرلمان ويتحدث عن قوانين الحب ومساطر الغرام و مدونات العشق، ثم يدعو النواب للتصويت ويبدأ في التصفيق ...
    - و ما العمل الآن ؟
    - تسألينني .. و أنا كنت أنتظر منك حلا ؟... أليست لديك فكرة عما يجب فعله ؟
    - أسمع ... حل مشكلته بيده ... وهذا طبعا يعتمد على قوة إرادته في النسيان ... عليه أن ينظر إلى المستقبل بتعقل و... يقلع عن تصرفات المراهقة هذه .
    أزعجني رأيها ، لكني وجدته صائبا . وفريد يأبى ذلك ويعيشه . حدثني عن محبوبته التي آلى على نفسه عدم نسيانها رغم صدها له . قال إنه يكفيه العيش على ذكراها واستحضار صورتها كل حين .
    أسر لي أنه سيقضي عطلته الصيفية بإسبانيا . تفاءلت خيرا لعلمي بما قد يحدثه السفر من تغير . حذرته مازحا :
    - احذر أن تقع في شباك الأندلسيات أو الغجريات .
    - لا تخف – رد ساهما – لقد اكتسبت مناعة في العواطف .
    - ثم... لا تطل الغياب .. عد لتحضر زفافنا .. أنا ولمياء .
    نظر إلي مليا . عادت مسحة الحزن تغشى عينيه . قالت لي لمياء إني أخطأت بذكر الزواج أمامه .
    - كيف .. هل أقيم حفلا ولا أدعوه ؟
    - على أية حال .. لا تنتظر حضوره .. فلن يأتي .
    كنت أعلم صحة قولها . و ربما كان اختياره للسفر إلى إسبانيا خلال الصيف ذريعة للابتعاد عن أجواء الاحتفال . فهو يخشى أن يكون محط الأنظار بعد فشله في تجربته الأولى ... و الأخيرة . هكذا قال وهو يودعنا في آخر يوم من السنة الدراسية . حزم حقائبه و أخذ كل أمتعته كمن يروم عدم العودة نهائيا . لم نسأله . أحسست بشيء أفتقده إلى الأبد . بقيت أنا و لمياء نحزم بعض الأمتعة وننتظر أحد البدويين الذي وعدنا بإيجاد سكن جديد لنا . لن أنسى عناقه الحار ونظرته الدامعة إلي ثم إلى لمياء وهو يصافحها ، خجلا من اطلاعها على أسراره ، قبل أن ينحدر إلى أسفل الوادي حيث الطريق الرئيسية .
    في هذا المساء ، و أنا جالس ولمياء على حافة الوادي ، يتنابني شعور غامض من الفرحة والقلق .. بداية العطلة ولقاء الأحبة .. قرب حفل الزفاف و ترتيباته وما يعقب ذلك من حياة جديدة .. رحيل فريد و غموض مصيره .. حتى ساعة الأصيل هذه تزيد في تأجج هذه المشاعر، و الشمس تتخلل أشعتها أشجار الصنوبر المتراصة أمامنا . نظرت إلي لمياء متوجسة وقالت :
    - أراك ساهما .. يبدو أنك ألفت المنطقة ... أم أن رحيل فريد قد أثر فيك ؟
    - صدقت .. لكن انظري ..
    ناولتها كتابا مدرسيا كنت أعرته لفريد كي يحضر درسا منه .
    - ماله ؟
    - افتحيه .
    سقطت ورقة فالتقطتها لمياء . كانت عبارة عن أبيات شعرية ، كلها شكوى و أنين وعتاب . هي القصيدة التي كان فريد يروم إكمالها ونشرها كما نصحته بذلك من قبل . كان آخر بيت يحمل الكثير من الشطب و التعطيل قبل أن يستقر أخيرا كما يلي :
    لو أن كل معاجمي أسماؤها //// عظمت لما جلت عدا لمياء
    التفت إلى لمياء وقد احمرت وجتناها .. لكن سمرتها كانت طاغية وقد مالت الشمس للمغيب .
    التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 31-01-2009, 09:43.
يعمل...
X