(هاوية الجنون) لـ يحيى الحباشنة: ذبح الروح على عتبات الفلسفة
نورة محمد فرج - الجنون أحد أكثر الصفات جاذبية حين تُستخدم مجازياً، أما حين تأتي مكتوبة في ورقة تشخيصية من عند الطب النفسي فإن تلقيها يرتد بها إلى طبيعتها الأولى: كارثة .
وفي رواية هاوية الجنون ليحيى الحباشنة، تم تشكيل الجنون على نحو ما يمكن أن يطلق عليه كارثة جذابة .
هذه الرواية ابتداءً لا يمكن مقاربتها دون محاولة إعادة تجنيسها سردياً؛ فعلى الرغم من أنها صنفت بوصفها روابة ، إلا أنها تقترب بالمستوى نفسه من السيرة الروائية، وهي أشبه ب نص ذاكرة نظراً للمسافة الزمانية التي تفصل بين الفترة التي جرت فيها الأحداث وفترة تدوين الرواية ونشرها، وهي أيضاً في جزء منها أشبه بمدونة تأريخية حداثية، حيث كان المؤلف يرصد الظروف التي تم إنتاج عدد من المسرحيات فيها على نحو ما يفعل الإخباريون القدماء بتتبعهم أخبار النصوص الشعرية.
إلا أن هذا الرصد السيري- الإخباري لم يكن رصداً بغاية تدوين الأحداث كما يبدو، بقدر ما هو رصد للمسار الفكري للمؤلف، وكان حضور الشخصية الأخرى شبه الرئيسية نبيه ليس بوصفها شخصية مؤثرة في زياد بقدر ما كانت شخصية محفزة له - حتى على مستوى التقنية السردية- في الكشف عن هواجسه ورؤاه الفلسفية.
يمكن للقارئ ملاحظة أن العلاقة بين الشخصيتين متحررة من سطوة ذهنية الشيخ والمريد، على الرغم من الفارق في العمر وفي المنجز الإبداعي لكليهما، والذي قد يوحي عفوياً بعلاقة من هذا النوع، لكن العلاقة التي تنشأ في افتتاحية الرواية وتنتهي بانتهائها واضح أنها علاقة تجاور فكري لا علاقة تبعية.
إعلانات الرفض
تلتقي الشخصيتان في ظرف مطبوع بالرفض؛ رفض المؤسسة الثقافية وتهميشها لكليهما مع اختلاف الأسباب بالطبع بين الصحفي الشاب والمفكر متوسط العمر، غير أننا سنكتشف على مدار الرواية أن هواجس الاثنين لم تكن حول محاولة بناء تصالحية مع العالم واستجداء قبوله، وإنما بإيجاد تأسيس واع لقيمة الوجود وطبيعته. هذا الهدف كان بمثابة المحرك الرئيسي لحركة الاتجاه نحو الداخل بدل الخارج على امتداد الرواية، فالشخصيتان تؤكدان في أول النص انفصالهما عن العالم الثقافي و الإبداعي الذي يتخذ سمة نمطية، هذا الانفصال يأتي في شكل رفض هادئ وتلقائي؛ ويعلن بانتقال الحوار من رابطة الكتاب إلى البيت!.
على مدار النص ثمة تنقل بين الأمكنة، شخصية زياد لا تستقر في مكانها، لا على مستوى الوطن ولا على مستوى الأمكنة داخل الوطن، هذا التنقل المحموم بالرغم من ظاهره الهادئ - علاوة على اللغة الرصدية- يحيل إلى حركة داخل النفس صرح بها السارد بشكل طفيف، خصوصاً عند الحديث عن الأدراج التاريخية؛ فهي معادل للخلود مقابل الفناء الذي هو أصل الكائن البشري الذي يسير عليها، فإن كان الإنسان الذي يظن نفسه محور العالم هو مؤهل دائماً للتجاوز والنسيان، فما هي قيمته الحقيقية مقابل وجود الماديات الأخرى. إن هذه الأسئلة التي تومض خلال عبارات النص هي أشبه برفض للمنطق التقليدي الذي يتأسس عليه الفهم الإنساني لمعنى الوجود.
أسئلةُ الآن:
تبدو حالة القلق الوجودي التي جرى التعبير عنها من خلال حركة التنقل أمراً مفصلياً في تكوين شخصية زياد ، لكن النص حين يطرح الأسئلة الوجودية التي تم تبادلها والكشف عنها من خلال التعاطي مع شخصية نبيه فإنه لا يشير ألبتة إلى الخلفيات التي هيأت لهذا القلق الوجودي أن يحدد شخصية زياد .
إننا لا نعرف طبيعة الصراع الداخلي لهذه الشخصية، ولا نعرف سوى القليل عن تاريخها الفكري والحياتي، لا نعرف سوى أن هناك أسئلة حاضرة الآن (= زمن السرد) في ذهن الشخصية وتقلقها، طبعاً دون البوح بكلمة القلق أو تمثلها، الصراع الداخلي وهذيان الروح الفلسفي يتم إعادة ترتيبه في شكل أسئلة وحوارات نقاشية، أي أنه أخضع لعملية مَنطقة وسيطرة، وفي حين أن الحركة في الأمكنة كان صورة للقلق المسكوت عنه في داخل الروح عند زياد ، فإن القلق نفسه اتخذ هيئة أخرى عند نبيه ، وهي الجنون أو المرض العقلي.
غير أن النص لا يسكت فقط عن الصراع التاريخي المفترض داخل شخصية زياد ، لكنه يسكت أيضاً عن صراع ضروري وحتمي داخل نفس زياد وقت التقائه ب نبيه ، فالأخير على الرغم من أنه يخرج برؤاه بعيداً عن الطروحات الفلسفية الإسلامية الكلاسيكية حين يعارض الطرح الديني للوجود بالطروحات الغربية المعروفة ويعاود إنتاج رؤاه في شكل نصوص أدبية ذات حمولات فلسفية وجودية، غير أن زياد يصرح في نطاق ضيق بأن الرؤى الدينية لا تهمه بحكم انتمائه إلى الماركسية، لكنه فعلياً يتعاطى مع رؤية نبيه للعالم في حيز القبول والإعجاب بل والتواصل والتلاقي وليس الرفض أبداً، بالرغم من الاختلاف الجذري في المنطلق الفكري العقائدي، وهو ما يوجد سؤالاً لدى المتلقي: كيف؟ فهذا القبول يفترض به أن يسلتزم صراعاً نفسياً وفكرياً من أجل الوصول إليه، إن نبيه على باب الإيمان كما صرح هو بنفسه، أما زياد فقد صمت حيال هذا الباب. إذن أكانت هناك أسئلة أكثر وأكثر صراحة وتأثيراً مما تم التصريح عنه داخل النص؟.
عبء الجنون
شخصية الفيلسوف التي تم تقديمها كشخصية مكتملة الأبعاد في النص هي شخصية متصالحة فعلياً مع ذاتها ومع العالم وحتى متصالحة مع رفض العالم لها ومع مرضها، بل إن هذه الشخصية أكثر وعياً بذاتها/مرضها من الأطباء.
إن نبيه يقرر حدود معرفة الطب النفسي بأنه ما يزال يحبو ، على الرغم من أن هذا الطب يتعاطى بالعلاقة بين الأعصاب والعقل والنفس، إلا أنه غير قادر على تحديد المساحات التي تشتغل فيها كل طرف وطبيعة العلاقة التناوبية بينها في تشكيل الشخصية. هذا الجهل العلمي يتعاطى معه نبيه ببساطة، ويتعاطى الآخرون مع شخصية نبيه على أنها شخصية غرائبية طريفة. هذا البناء الغروتسكي للشخصية الذي اعتمد في جزء منه على التنقل بين شخصية رجل وشخصية امرأة بسمات كاريكاتيرية جعل الآخرين يقبلونه، حتى إذا ما تم المساس بوجودهم وبدا أنه يشكل عبئاً مادياً! عليهم يتم تجاهله، فهو أقرب لأن يكون كائناً مثيراً للإعجاب لطبيعة تكوينه الغرائبية، ولكن يصعب أن يتم التعاطي معه على نحو إنساني محايد.
غير أن العبء الآخر ليس هو عبء الجنون، وإنما عبء البحث المحموم والمجنون عن تلك الأسئلة الفلسفية الكبرى، وهو ثقيل الوطأة على المتلقي، سواء المتلقين داخل النص وهم المقيمون والعابرون من حول نبيه و زياد ، والمتلقون خارج النص، إذ تصعب مواجهة هذه الأسئلة دون الانجراف في حرقة البحث عن إجابات لا تكتمل أبداً.
إذن هي الهاوية.
مصائر الجنون
هل كان يجب أن آتي إلى هذا العالم؟ ، هذا السؤال الذي طرحه نبيه بوصفه السؤال الرئيس المحرض له على كتابة نصوصه كلها، والتي اشتغل زياد على المسرحي منها، يكاد يكون محور الرواية، الرواية التي تبدو ظاهرياً هادئة، فيما هي صاخبة في أسئلتها، هي لا تسأل سؤالاً تقليدياً: من أين تأتي الفلسفة؟ ، وإنما إلى أين تذهب بك الفلسفة؟ ، يقدم النص الجواب في العنوان هاوية الجنون .
لكن نبيه لم يعرف الهاوية، لم يمت منتحراً كما توقع الجميع، وإن كان قد عاش في نمط جنون عقلي، لكنه كان متصالحاً معه كما أسلفنا.
إن لم يكن نبيه هو الذي تردى في الهاوية، إذن من الذي تردى فيها؟.
هل يمكن للفلسفة أن تكون من أفاعيل العقل بوصفها حراكاً ذهنياً فوق - طبيعي؟ أم هي طريقة من طرائق القلب في ملامسة ما حوله على نحو فوق - شفاف؟ وهل يمكن لبشري يمارس الحياة على هذا النحو أن يعيش حياة بشرية محايدة، أم إن صيغة المحايدة تبقى ضرورة حياتية، فيما الذي يقبع داخل الجسد، أياً كان اسمه، له تحليقاته الخاصة، ولا يسعه إلا مطاوعتها خشية الموت؟.
@ كاتبة قطرية
نورة محمد فرج - الجنون أحد أكثر الصفات جاذبية حين تُستخدم مجازياً، أما حين تأتي مكتوبة في ورقة تشخيصية من عند الطب النفسي فإن تلقيها يرتد بها إلى طبيعتها الأولى: كارثة .
وفي رواية هاوية الجنون ليحيى الحباشنة، تم تشكيل الجنون على نحو ما يمكن أن يطلق عليه كارثة جذابة .
هذه الرواية ابتداءً لا يمكن مقاربتها دون محاولة إعادة تجنيسها سردياً؛ فعلى الرغم من أنها صنفت بوصفها روابة ، إلا أنها تقترب بالمستوى نفسه من السيرة الروائية، وهي أشبه ب نص ذاكرة نظراً للمسافة الزمانية التي تفصل بين الفترة التي جرت فيها الأحداث وفترة تدوين الرواية ونشرها، وهي أيضاً في جزء منها أشبه بمدونة تأريخية حداثية، حيث كان المؤلف يرصد الظروف التي تم إنتاج عدد من المسرحيات فيها على نحو ما يفعل الإخباريون القدماء بتتبعهم أخبار النصوص الشعرية.
إلا أن هذا الرصد السيري- الإخباري لم يكن رصداً بغاية تدوين الأحداث كما يبدو، بقدر ما هو رصد للمسار الفكري للمؤلف، وكان حضور الشخصية الأخرى شبه الرئيسية نبيه ليس بوصفها شخصية مؤثرة في زياد بقدر ما كانت شخصية محفزة له - حتى على مستوى التقنية السردية- في الكشف عن هواجسه ورؤاه الفلسفية.
يمكن للقارئ ملاحظة أن العلاقة بين الشخصيتين متحررة من سطوة ذهنية الشيخ والمريد، على الرغم من الفارق في العمر وفي المنجز الإبداعي لكليهما، والذي قد يوحي عفوياً بعلاقة من هذا النوع، لكن العلاقة التي تنشأ في افتتاحية الرواية وتنتهي بانتهائها واضح أنها علاقة تجاور فكري لا علاقة تبعية.
إعلانات الرفض
تلتقي الشخصيتان في ظرف مطبوع بالرفض؛ رفض المؤسسة الثقافية وتهميشها لكليهما مع اختلاف الأسباب بالطبع بين الصحفي الشاب والمفكر متوسط العمر، غير أننا سنكتشف على مدار الرواية أن هواجس الاثنين لم تكن حول محاولة بناء تصالحية مع العالم واستجداء قبوله، وإنما بإيجاد تأسيس واع لقيمة الوجود وطبيعته. هذا الهدف كان بمثابة المحرك الرئيسي لحركة الاتجاه نحو الداخل بدل الخارج على امتداد الرواية، فالشخصيتان تؤكدان في أول النص انفصالهما عن العالم الثقافي و الإبداعي الذي يتخذ سمة نمطية، هذا الانفصال يأتي في شكل رفض هادئ وتلقائي؛ ويعلن بانتقال الحوار من رابطة الكتاب إلى البيت!.
على مدار النص ثمة تنقل بين الأمكنة، شخصية زياد لا تستقر في مكانها، لا على مستوى الوطن ولا على مستوى الأمكنة داخل الوطن، هذا التنقل المحموم بالرغم من ظاهره الهادئ - علاوة على اللغة الرصدية- يحيل إلى حركة داخل النفس صرح بها السارد بشكل طفيف، خصوصاً عند الحديث عن الأدراج التاريخية؛ فهي معادل للخلود مقابل الفناء الذي هو أصل الكائن البشري الذي يسير عليها، فإن كان الإنسان الذي يظن نفسه محور العالم هو مؤهل دائماً للتجاوز والنسيان، فما هي قيمته الحقيقية مقابل وجود الماديات الأخرى. إن هذه الأسئلة التي تومض خلال عبارات النص هي أشبه برفض للمنطق التقليدي الذي يتأسس عليه الفهم الإنساني لمعنى الوجود.
أسئلةُ الآن:
تبدو حالة القلق الوجودي التي جرى التعبير عنها من خلال حركة التنقل أمراً مفصلياً في تكوين شخصية زياد ، لكن النص حين يطرح الأسئلة الوجودية التي تم تبادلها والكشف عنها من خلال التعاطي مع شخصية نبيه فإنه لا يشير ألبتة إلى الخلفيات التي هيأت لهذا القلق الوجودي أن يحدد شخصية زياد .
إننا لا نعرف طبيعة الصراع الداخلي لهذه الشخصية، ولا نعرف سوى القليل عن تاريخها الفكري والحياتي، لا نعرف سوى أن هناك أسئلة حاضرة الآن (= زمن السرد) في ذهن الشخصية وتقلقها، طبعاً دون البوح بكلمة القلق أو تمثلها، الصراع الداخلي وهذيان الروح الفلسفي يتم إعادة ترتيبه في شكل أسئلة وحوارات نقاشية، أي أنه أخضع لعملية مَنطقة وسيطرة، وفي حين أن الحركة في الأمكنة كان صورة للقلق المسكوت عنه في داخل الروح عند زياد ، فإن القلق نفسه اتخذ هيئة أخرى عند نبيه ، وهي الجنون أو المرض العقلي.
غير أن النص لا يسكت فقط عن الصراع التاريخي المفترض داخل شخصية زياد ، لكنه يسكت أيضاً عن صراع ضروري وحتمي داخل نفس زياد وقت التقائه ب نبيه ، فالأخير على الرغم من أنه يخرج برؤاه بعيداً عن الطروحات الفلسفية الإسلامية الكلاسيكية حين يعارض الطرح الديني للوجود بالطروحات الغربية المعروفة ويعاود إنتاج رؤاه في شكل نصوص أدبية ذات حمولات فلسفية وجودية، غير أن زياد يصرح في نطاق ضيق بأن الرؤى الدينية لا تهمه بحكم انتمائه إلى الماركسية، لكنه فعلياً يتعاطى مع رؤية نبيه للعالم في حيز القبول والإعجاب بل والتواصل والتلاقي وليس الرفض أبداً، بالرغم من الاختلاف الجذري في المنطلق الفكري العقائدي، وهو ما يوجد سؤالاً لدى المتلقي: كيف؟ فهذا القبول يفترض به أن يسلتزم صراعاً نفسياً وفكرياً من أجل الوصول إليه، إن نبيه على باب الإيمان كما صرح هو بنفسه، أما زياد فقد صمت حيال هذا الباب. إذن أكانت هناك أسئلة أكثر وأكثر صراحة وتأثيراً مما تم التصريح عنه داخل النص؟.
عبء الجنون
شخصية الفيلسوف التي تم تقديمها كشخصية مكتملة الأبعاد في النص هي شخصية متصالحة فعلياً مع ذاتها ومع العالم وحتى متصالحة مع رفض العالم لها ومع مرضها، بل إن هذه الشخصية أكثر وعياً بذاتها/مرضها من الأطباء.
إن نبيه يقرر حدود معرفة الطب النفسي بأنه ما يزال يحبو ، على الرغم من أن هذا الطب يتعاطى بالعلاقة بين الأعصاب والعقل والنفس، إلا أنه غير قادر على تحديد المساحات التي تشتغل فيها كل طرف وطبيعة العلاقة التناوبية بينها في تشكيل الشخصية. هذا الجهل العلمي يتعاطى معه نبيه ببساطة، ويتعاطى الآخرون مع شخصية نبيه على أنها شخصية غرائبية طريفة. هذا البناء الغروتسكي للشخصية الذي اعتمد في جزء منه على التنقل بين شخصية رجل وشخصية امرأة بسمات كاريكاتيرية جعل الآخرين يقبلونه، حتى إذا ما تم المساس بوجودهم وبدا أنه يشكل عبئاً مادياً! عليهم يتم تجاهله، فهو أقرب لأن يكون كائناً مثيراً للإعجاب لطبيعة تكوينه الغرائبية، ولكن يصعب أن يتم التعاطي معه على نحو إنساني محايد.
غير أن العبء الآخر ليس هو عبء الجنون، وإنما عبء البحث المحموم والمجنون عن تلك الأسئلة الفلسفية الكبرى، وهو ثقيل الوطأة على المتلقي، سواء المتلقين داخل النص وهم المقيمون والعابرون من حول نبيه و زياد ، والمتلقون خارج النص، إذ تصعب مواجهة هذه الأسئلة دون الانجراف في حرقة البحث عن إجابات لا تكتمل أبداً.
إذن هي الهاوية.
مصائر الجنون
هل كان يجب أن آتي إلى هذا العالم؟ ، هذا السؤال الذي طرحه نبيه بوصفه السؤال الرئيس المحرض له على كتابة نصوصه كلها، والتي اشتغل زياد على المسرحي منها، يكاد يكون محور الرواية، الرواية التي تبدو ظاهرياً هادئة، فيما هي صاخبة في أسئلتها، هي لا تسأل سؤالاً تقليدياً: من أين تأتي الفلسفة؟ ، وإنما إلى أين تذهب بك الفلسفة؟ ، يقدم النص الجواب في العنوان هاوية الجنون .
لكن نبيه لم يعرف الهاوية، لم يمت منتحراً كما توقع الجميع، وإن كان قد عاش في نمط جنون عقلي، لكنه كان متصالحاً معه كما أسلفنا.
إن لم يكن نبيه هو الذي تردى في الهاوية، إذن من الذي تردى فيها؟.
هل يمكن للفلسفة أن تكون من أفاعيل العقل بوصفها حراكاً ذهنياً فوق - طبيعي؟ أم هي طريقة من طرائق القلب في ملامسة ما حوله على نحو فوق - شفاف؟ وهل يمكن لبشري يمارس الحياة على هذا النحو أن يعيش حياة بشرية محايدة، أم إن صيغة المحايدة تبقى ضرورة حياتية، فيما الذي يقبع داخل الجسد، أياً كان اسمه، له تحليقاته الخاصة، ولا يسعه إلا مطاوعتها خشية الموت؟.
@ كاتبة قطرية
تعليق