العين التي لا تنام
الشمس طفلة مراهقة مُستفِزّة متعفرتة، لا تحترم أحدا، ولا تسمح لأحد أن يرفع نظره نحوها، تقتحم الأماكن بلا استئذان.... والنهار كشارع طويل أوله كآخره يضيع في متاهات المجهول.... والأرض حزينة كئيبة مقهورة، مع أنها تبدو كبساط عجمي مزخرف بألوان شتّى، لا تستطيع أن تلغي تواضعها وسخاءها، تطلب بتواضع وتعطي بسخاء.
هو المعلم في مهنته، فيه الكثير مما في الأرض، عطاؤه وسخاؤه ووجوده وتواضعه.
إنه يدرك هذا، وقد زرع في نفوس طلابه حبهم وانتماءهم للأرض،
في يوم عطلته الأسبوعية قرر أن يذهب للأرض يتنفس هواءها، يشمّ رائحتها، يحييها ، يعايدها ،يتضامن معها، يتنزه معها ....
كان ماء جلده ينزف من كل جوانبه، بإحدى يديه يمسح دموع جلده، واليد الأخرى تتشبث بمعول يرقص رقصة الحياة، حول شجرة تريد الحياة لتعطي الحياة.
عينه التي لا تنام في الليل لا تغفل ولا تنام في النهار أيضا.... يخاف النهار كما يخاف الليل وأكثر .... في الليل يخاف الظلام وكوابيس الأحلام ... وفي النهار يخاف الظلم وجواسيس الاحتلال ....
كان يُرقّّّص معوله حول الشجرة، وعينه تستكشف الدروب من كل الجهات، كأنه يتوقع خطرا يتربص به مع كل تكّة ثانية....كالمقروص الذي يخاف جرّ الحبل !!!
أذنه صاغية كآذان الجدران الالكترونية التي تحرس الغزاة التي تحجب عنهم ضوء القمر وحقيقة الله ..
قد يظهرون في كل زمان ومكان.. في الصبح أو في الظهر أو بعد الآذان .
كالموت ليس لهم مواعيد ولا مواسم ....
عين على الأرض والأخرى عليهم... كالذئب حين ينام ...
هم يخافون أن تعطيه الأرض الحياة.. وهو يخاف أن ينهبوا الأرض مع الحياة ....
هو وابنه ابن الثانية عشرة .. وحدهما في الأرض .. لا يرتدون سوى التاريخ المهشم والانتماء المهدد وحب الأرض والمعول....
ها هم قادمون ... بالعشرات .. يرتدون البنادق والدروع الفولاذية، الطائرات تحميهم، والرادارات تتصدر وتترصد وتتبصر وتتربص، لا أحد يدري من أين جاؤوا ولا كيف يظهرون.... لكنهم قادمون، بثقة قادمون، كأن جيوش الدنيا تحميهم... فوقهم، حتى الشمس المتعفرتة هدأت وصارت أكثر تعقلا فوق رؤوسهم...
اقتربوا منه.. نادوه بلغة لا يفهم منها إلاّ القليل...
ببساطة استجاب لهم، وبسذاجة جاء إليهم ... امسكوا به وقيدوه وإلى ساحة قريتهم أخذوه
سأله أحدهم في الساحة
" ماذا تفعل أيّها"الإرهابي" "؟؟؟
وقبل أن يجيب صفعه على وجهه، فأدماه،
ومع ذلك أجاب " أنا في وطني وعلى أرضي"
" وهل تظن نفسك صاحب هذه الأرض"؟؟
أجاب بانفعال الرجل الذي جرحت رجولته:
"طبعا أنا صاحبها وصديقها وحبيبها وابنها وابن تاريخها وجغرافيتها وتراثها"
أغضبهم جوابه فانهالوا عليهم ضربا...
حاول الصمود تحت شدة الضرب...
خوفه على ابنه طغى على ألمه...
ظلّ يكبت غضبه وألمه ، حتى انهار ...
ثارت به كرامة الأرض والتاريخ والجغرافيا...
ثارت به كرامة الرجولة والأبوة والخوف على ابنه ..
أحسّ من شدة الضرب والمهانة أنه يغوص في الأرض، يعانقها يتلاحم معها ويجدد العهد... مدّ يده ليلتقط حجرا أو حفنة تراب.. لكنه تحت ألم الضرب غاص في ظلمة عميقة بعيدة الأغوار .... رأى نفسه يعوم عاريا، في بحر عالي الموج.. تحيط بِهِ الحيتان والأفاعي المائية ...يحاول التخلص منها .. وهي تسد عليه كل المخارج... لكن موجة عالية جاءت فجأة وحملته إلى الشاطئ، حيث تناولته الأيدي بالرعاية والعناية حتى عاد إليه وعيه.. فتح عينيه فرأى جنودا وضباطا كثيرين، مدججين بالسلاح يروحون ويجيئون.
أخذ يفتش عن ابنه فلم يجده، سأل ضابطا قريبا:
"أين ابني؟؟"
فأجابه الضابط:
" إنه رهن التحقيق والاعتقال "!!!
لم يصدق...
إنه يشكّ في كلّ ما يقولون !!
"أتعتقلون طفلا في الثانية عشرة من عمره"!!؟؟
قادوه إلى الضابط الكبير الذي أمر بحبسه حبسا إداريا إلى أن يقدم للمحاكمة، بتهمة الاعتداء على السكان أثناء تأديتهم أعمالهم اليومية.
في المحكمة صدر عليه حكم بالحبس الفعلي، ومنعه الدخول إلى الأرض، لتعطيله أعمال المواطنين!!!!
الشمس طفلة مراهقة مُستفِزّة متعفرتة، لا تحترم أحدا، ولا تسمح لأحد أن يرفع نظره نحوها، تقتحم الأماكن بلا استئذان.... والنهار كشارع طويل أوله كآخره يضيع في متاهات المجهول.... والأرض حزينة كئيبة مقهورة، مع أنها تبدو كبساط عجمي مزخرف بألوان شتّى، لا تستطيع أن تلغي تواضعها وسخاءها، تطلب بتواضع وتعطي بسخاء.
هو المعلم في مهنته، فيه الكثير مما في الأرض، عطاؤه وسخاؤه ووجوده وتواضعه.
إنه يدرك هذا، وقد زرع في نفوس طلابه حبهم وانتماءهم للأرض،
في يوم عطلته الأسبوعية قرر أن يذهب للأرض يتنفس هواءها، يشمّ رائحتها، يحييها ، يعايدها ،يتضامن معها، يتنزه معها ....
كان ماء جلده ينزف من كل جوانبه، بإحدى يديه يمسح دموع جلده، واليد الأخرى تتشبث بمعول يرقص رقصة الحياة، حول شجرة تريد الحياة لتعطي الحياة.
عينه التي لا تنام في الليل لا تغفل ولا تنام في النهار أيضا.... يخاف النهار كما يخاف الليل وأكثر .... في الليل يخاف الظلام وكوابيس الأحلام ... وفي النهار يخاف الظلم وجواسيس الاحتلال ....
كان يُرقّّّص معوله حول الشجرة، وعينه تستكشف الدروب من كل الجهات، كأنه يتوقع خطرا يتربص به مع كل تكّة ثانية....كالمقروص الذي يخاف جرّ الحبل !!!
أذنه صاغية كآذان الجدران الالكترونية التي تحرس الغزاة التي تحجب عنهم ضوء القمر وحقيقة الله ..
قد يظهرون في كل زمان ومكان.. في الصبح أو في الظهر أو بعد الآذان .
كالموت ليس لهم مواعيد ولا مواسم ....
عين على الأرض والأخرى عليهم... كالذئب حين ينام ...
هم يخافون أن تعطيه الأرض الحياة.. وهو يخاف أن ينهبوا الأرض مع الحياة ....
هو وابنه ابن الثانية عشرة .. وحدهما في الأرض .. لا يرتدون سوى التاريخ المهشم والانتماء المهدد وحب الأرض والمعول....
ها هم قادمون ... بالعشرات .. يرتدون البنادق والدروع الفولاذية، الطائرات تحميهم، والرادارات تتصدر وتترصد وتتبصر وتتربص، لا أحد يدري من أين جاؤوا ولا كيف يظهرون.... لكنهم قادمون، بثقة قادمون، كأن جيوش الدنيا تحميهم... فوقهم، حتى الشمس المتعفرتة هدأت وصارت أكثر تعقلا فوق رؤوسهم...
اقتربوا منه.. نادوه بلغة لا يفهم منها إلاّ القليل...
ببساطة استجاب لهم، وبسذاجة جاء إليهم ... امسكوا به وقيدوه وإلى ساحة قريتهم أخذوه
سأله أحدهم في الساحة
" ماذا تفعل أيّها"الإرهابي" "؟؟؟
وقبل أن يجيب صفعه على وجهه، فأدماه،
ومع ذلك أجاب " أنا في وطني وعلى أرضي"
" وهل تظن نفسك صاحب هذه الأرض"؟؟
أجاب بانفعال الرجل الذي جرحت رجولته:
"طبعا أنا صاحبها وصديقها وحبيبها وابنها وابن تاريخها وجغرافيتها وتراثها"
أغضبهم جوابه فانهالوا عليهم ضربا...
حاول الصمود تحت شدة الضرب...
خوفه على ابنه طغى على ألمه...
ظلّ يكبت غضبه وألمه ، حتى انهار ...
ثارت به كرامة الأرض والتاريخ والجغرافيا...
ثارت به كرامة الرجولة والأبوة والخوف على ابنه ..
أحسّ من شدة الضرب والمهانة أنه يغوص في الأرض، يعانقها يتلاحم معها ويجدد العهد... مدّ يده ليلتقط حجرا أو حفنة تراب.. لكنه تحت ألم الضرب غاص في ظلمة عميقة بعيدة الأغوار .... رأى نفسه يعوم عاريا، في بحر عالي الموج.. تحيط بِهِ الحيتان والأفاعي المائية ...يحاول التخلص منها .. وهي تسد عليه كل المخارج... لكن موجة عالية جاءت فجأة وحملته إلى الشاطئ، حيث تناولته الأيدي بالرعاية والعناية حتى عاد إليه وعيه.. فتح عينيه فرأى جنودا وضباطا كثيرين، مدججين بالسلاح يروحون ويجيئون.
أخذ يفتش عن ابنه فلم يجده، سأل ضابطا قريبا:
"أين ابني؟؟"
فأجابه الضابط:
" إنه رهن التحقيق والاعتقال "!!!
لم يصدق...
إنه يشكّ في كلّ ما يقولون !!
"أتعتقلون طفلا في الثانية عشرة من عمره"!!؟؟
قادوه إلى الضابط الكبير الذي أمر بحبسه حبسا إداريا إلى أن يقدم للمحاكمة، بتهمة الاعتداء على السكان أثناء تأديتهم أعمالهم اليومية.
في المحكمة صدر عليه حكم بالحبس الفعلي، ومنعه الدخول إلى الأرض، لتعطيله أعمال المواطنين!!!!
تعليق