لم يكن هناك مدى من الأنفاس للسؤال..!!
على دموعها و على شهقة صغارها انتحرت الأسئلة ..
فرحاً بكيس فواكه يحمله باليمنى ولفافة لحم باليسرى ..
لا ضرورة الآن لـ " من أين , وكيف , ومتى , وهل " ..
لاقيمة للمباركة ولا للتفاصيل ..!!
منذ أصبح دخوله إلى المنزل يشكل قيمة كادوا أن يفقدوها بعدما فقد زوجها عمله السابق التافه أساسا والذي كان كفيلاً وقتها بأن يصدر لها ولصغارها لقمة تافهة تمنحهم وزن تافه يكفل بأن يظلوا من الموجودات التى ترى بالعين المجردة .. !!
أوازنهم مؤخراً بدأت تزيد .. منذ انخرط في عمل جديد يخرج إليه من الصباح الباكر ويعود في آخر اليوم محملاً بأصناف الغذاء .. أدركت زوجته بأنه يعمل بأجر يومي يهدي لهم يوما مثخنا بممارسة الأبوة والأمومة والحب .. تلك المشاعر التي عادت تشتعل في بيتهم منذ انتفخت أجسادهم ..
الجوع يخدش الرجولة ويعطّل الحب ويحرج الأمومة .. هذا ما نحت أجسادهم سابقاً حين كانوا أشبه بهياكل متحركة ..
الغريب أن وزن الأم والأبناء في تصاعد ماعدا وزن الأب وحده من كان يهبط ..
فلم يمر عليه شهران في عمله الجديد إلا ونحل جسده أكثر وأصفرّ لونه ولم تعد له قوة تمكنه من حمل أكياس الطعام التي يأوي بها متمايلاً إلى المنزل نهاية اليوم ..
انتهى يوم آخر وبقيت الأم مع الأبناء يتشبثون بالنافذة يرقبون قرع خطواته ..
طال انتظارهم وما جاء .. أصابهم القلق الذي ذكر الأم بأن لامكان تعرفه تستطيع أن تسأل فيه .. فلم يحدث أن سألته عن مقر عمله أو عن ماهيته .. وخاصة عندما كان يشجعها على تجاهل الأمر وهو يقسم لها بقول قاطع :
والله لاتشربون إلا حلالا ..!!
آخر الليل :
عاد الجيران بالحلال ليسلموه لأهله يابساً كرغيف جاف بعدما عثروا عليه ملقى في الزقاق المؤدي إلى خارج حارته ..
سقط لضعفه وربما لفجيعته بعودته إلى البطالة حين أدرك بأنه فقد عمله الجديد لأن جسده ماعاد يحوي شيئاً يستحق أن يمتص ليشرب ..
كان قد استنفذ مؤخراً كل قطرات دمه وهو يطوف بها ..يبيعها للمستشفيات وبنوك الدم ليشتري بثمنها دفقات حياة لأهله .
تعليق