[align=justify]الحر خانق.. والسكون يلف المكان ..الكل نائم ..ومذاكرة الكيمياء العضوية صعبة..الامتحان اقترب ..والشمعة الذائبة فى طريقها للإنطفاء ..سبقتها ثلاث ..وهى آخر ما لديه..فالكهرباء مقطوعة..واسطوانة الكلوب فارغة من الغاز..ولمبة الجاز زجاجتها مكسورة..يا لها من ليلة سوداء توجها غياب القمر..هو يريد النجاح..وابوه يريد التفوق..طلب منه مكتب خشبى يليق بطالب يطلب منه التفوق..فتوفرت له طبلية يستعملها فى غير اوقات الاكل الرسمية..الشمعة تنتهى ..يسود الظلام..يتحسس المكان حوله ..يعثر على القداحة..تمنحه بصيصا من ضوء يمكنه من استيضاح الوقت فى منبهه الصغير ..الثالثة إلا قليل ..النوم حان..والفجر على وشك الأذان..هل ينام أم ينتظر ليصلى..قرر ان ينام والصباح رباح..وخزه ضميره محذرا اياه من تخلى الله عنه إن هو تكاسل عن الصلاة هذه العادة الجديدة التى لازمته اخيرا ولم يألفها بعد..فبرغم من انه ابن رجل يحمل الكتاب حفظا وترتيلا إلا انه لم يكن يجد فلى نفسه ميلا للصلاة..فكثيرا ما ارغمه ابوه عليها صغيرا ونصحه بها كبيرا ودائما ما تكاسل هوعنها..سأم بوه إرغامه ونصحه فاكتفى بأن يدعى له بالهداية التى يبدو انها قد حلت عليه ..فالتزمها اخيرا منزليا آملا ان يدعمه الله ليحظى بالتفوق الذى يرغبه اباه..غالب تردده اخيراوقرر الذهاب لتأديتهافى الجامع لأول مرة منذ امد بعيد ..هو قريب على اية حال..التقط احد جلاليبه الثلاث المعلقة على احد المسامير المثبتة فى الحائط المشروخ..لبسها على عجل ..همّ بالخروج وعن له ان يأخذ مصحفه الاخضر الصغيرمعه فقد تعود الكهرباء وهو فى الجامع فيقرأ بعد الصلاة ما يتيسر له من آيات ..والقراءة فى المصحف عادة اخرى لازمته مؤخرا..مال على الارض باحثا عن القداحة التى كان قد افلتها..تعثرت يده بقلة الماء فانقلبت على ذيل جلبابه مما اشعر قدميه ببعض الانتعاش ..استغنى عن فكرة القداحة مقررا تحسس طريقه الى (الكرتونة)الكبيرة التى يحتفظ فيها بكتبه فهو يعرف مصحفه المميز بحجمه الصغير وسحّابه الانيق .زتحسس الموضع الذى عادة ما يحتفظ به فيه..لم يجده ..تجولت يده فى ارجاء (الكرتونة)..عثر عليه..هل هو اكبر قليلا ..لا ..بل هو ..إنما الظلام يهيئ له اشياء..وضعه فى جيب جلبابه فأحس به يسقط على قدمه ..إذن فهو الجلباب مقطوع الجيب الذى طلب من امه مرارا ان ترتقه ولم تفعل..مال والتقط الكتاب وقبله ثم وضعه على جبينه ..ثم قبلة ثانية ووضعه فى الجيب الآخر السليم ..صوت الآذان يحمله الهواءالى اذنيه آتيا من كفور مجاورة لم تنقطع بها الكهرباء توضأ وخرج الى الجامع محصيا خطواته ضاربا إياها فى عشر فخرج بمحصلة جيدة تضاف الى دفتر حسناته.
صف واحد غير مكتمل وآيات ترتل بصوت لا هو بالردئ ولا بالحسن ..ومصلين يقفون فى خشوع ساعدت عليه اضواء الكلوبات التى صبغت المكان بجو حالم تختلط فيه الظلال بالاضواء ..ميز من الواقفين اثنين ..اولهم الإمام الذى يخطب فيهم ايام الجمع بمواضيع مكررة كثير ما فوت صلاة الجمع بسبب الملل الذى تسببه له هذه الخطب مؤثرا الجلوس فى البيت..اما الثانى فهو زميل دراسته اللدود (خضر خضير الحرباوى) برأسه الكبير وقفاه العريض الذى تمنى كثيرا ان يصفعه..لا يحبه لله فى لله ويبادله الاخر نفس الشعور ..كثيرا ما تنشب بينهم الخلافات وتحتد بينهم المناقشة..لكنه يحرص دائما ان لا يصل الخلاف لحد التشابك والشجار الذى لا قبل له به..فهو مسالم بطبعه والآخر بغل اعطاه الله بسطة فى الجسم دون العلم ..يرجع البعض من زملائهما اصل الخلاف بينهما الى العاكم الماضى ..عندما اختلفا حول واقعة الكنيس..اما من يعرفهما عن قرب فيعرف ان جذور الخلاف تمتد لأبعد من ذلك وان واقعة الكنيسة جاءت لتعمق هذا الخلاف لتصل به الى حد القطيعة بين الاثنين ..اما عن واقعة الكنيسة فقد حدث ان النصارى(كما تنطقها بلدته) او المسيحيين (كما ينطقها هو) شرعوا فى بناء كنيسة خفاء فى بيت احدهم دون اخذ التصاريح اللازمة فما كان من الاهالى المدفوعين بتحريض بعض اعيان البلدة إلا ان توجهوا للبيت المقصود هادمين البناء وهو فى طور التأسيس..وكعادة قريته صارت الحادثة حديث السوق والمقهى ومجتمعه المدرسى الصغير..بل وظهرت كخبر فى احدى الصحف محدودة الانتشار مما حدا بأعضاء المجلس عن الدائرة التابعة لها البلدة بالتدخل لاحتواء الامور قبل ان تتسع دائرتها بما لا يحمد عقباه واعدين الاهالى من الاقباط بالسعى لدى الحكومة لأخذ الصاريح اللازمة لبناء كنيسة لهم على اطراف البلدة بالقرب من منطقة الجبانات لأعفائهم من عناء الذهاب الى الدير البعيد بالجبل لأداء شعائرهم..ولن الفتى كان مفكرا قفد كانت له وجهة نظر فى الموضوع ..اعلن انه كمسلم لا يمانع لأن يكون للمسيحيين كنيسة لا بالجبانات بل فى قلب القرية ..وان ما قام به الاهالى منهدم هو جهل وتعصب قاده بعض الاغبياء لم يعجب قوله زميله اللدودفأبوه(خضير الحرباوى)عين اعين القرية واحد كبار اثريائها هو اول من اكتشف امر الكنيسة واول من حرض على هدمها..(ما كان لكنائس المسيحيين ان تناطح مآذن جوامعنا..ليس فى حياتى على الاقل)..قالها للجموع مختبرا خطابة سيحتاجها آجلا عندما يرشح نفسه فى الانتخابات عندما يشترى ترشيح الحزب لمقعد العمال
سيدفع الكثير لكنه سيجنى الكثير عندما ينجح ..وسينجح ..فما سبق لجمال الحزب ان سمح الحزب
بتخلفها عن ركب المجلس.. ماكان من خضر عندما سمع إهانة ابوه الضمنيةإلا اتهم الفتى محتدا بمناصرة النصارى على حساب اهل دينه.. (فلنفترض انك فى دولة لا تدين بما تدين به..وتريد ان تعبد بربك ولا تستطيع لأن الآخرين يمنعونك ماذا سيكون شعورك؟) قالها الفتى مدافعا عن نفسه وراميا الكرة فى ملعب خصمه الذى لم يجد جوابا فحاول افتعال شجار نأى الفتى بجانبه عنه وانصرف ليدفع ثمن موقفه لاحقا..حدث هذا فى انتخابات امناء الفصول حيث رشح الفتى نفسه كأمين ثقافى والذى مهمته اعداد الاذاعة المدرسية للفصل عندما يحين دوره فى الاذاعة ولبراعته فى ذلك فقد كان ينتخب كل عام لذلك فقد كانت مسألة فوزه مفروغ منها..لكنه فوجئ بخصمه يزاحمه على المنصب ..لم يكترث (فالبعيد لا يعرف السما من العمى) وما فعل ذلك إلا لمضايقته لذلك فلا داعى للقلق فلن ينتخبه احد..هكذا تصور.. وجرى التصويت ليحصل على ثلاثة اصوات من اصل ستين ذهب باقيها لخصمه.. ما استغربه فى الامر ان الثلاثة اصوات التى نالها كانت للثلاثة الذى يحتلون الدكة المنزوية فى الركن بمؤخرة الفصل والمسماة بدكة (الكفاتسة) ..بولا..شفيق.. عماد..هم اعضائها..وهم من يومها اصدقائه.
انضم للصف وكبر تكبيرة الاحرام..عند التسليم عادت الكهرباء .زسلم يمينا ..ثم يسارا لامحا (خضر)ينظر له شذرا..اسند ظهره على العمود خلفه مخرجا مصحفه الاخضر من جيبه ..إكتشف انه ليس بأخضر .زبل ليس بمصحف..إنما ترتسم على غلافه البنى بلون ذهبى علامة زائد كبيرة..صليب..وتذكر.زمصحفه كان موضوعا على الطبلية حيث استفتح ببعض آياته على معادلات الكيمياء عسيرة الفهم..اما ماكان فى الكرتونة وتحتويه يديه الان فهو نسخة من الكتاب المقدس اهداها له بولا منذ زمن تقديرا لموقفه فى موضوع الكنيسة..هو لم يكن يريده..لكنه تحرج من الرفض..فقبله منه شاكرا..وجدها فرصة لإرضاء فضوله حول الدين الآخر ذا الصورة الغامضة كليا على ذهنة الذى يتفتح..اراد ان يرد الهدية بمثلها لكنه لم يفعل حيث(لا يمسه إلا المطهرون) والمطهرون فى قاموس ذهنه كما فهم يوما من شيخ ما تعنى(المسلمون).زإذن لا يحق لبولا ان يمس مصحفه ..ارضى فضوله حتى فتر..ثم وضع الكتاب فى الكرتونة ليغيب تماما عن ذهنه وها هو يعود الآن..يا لها من داهية..بطرف عينه لمح خصمه يتطلع الى ما فى يده..اربكه هذا فأخفى الكتاب فى حجره ثم وضعه فى جيبه وقام مسرعا ناحية الباب..مع اول خطوة شعر بالكتاب عند قدمه إذن فقد فعلها ثانية ووضعه بالجيب المقطوع..هم ان يلتقطه لكنه شعر ان كل الاعين تتجه للشئ الساقط..قرر الهروب..قبل ان يصل الى الباب سمع من ينادى.التفت فوجد الإمام ممسكا بالكتاب باستغراب مشيرا له بالإقتراب..فكر ان يجرى لكنه تذكر (خضر)وما سيحكيه صباحا فى المدرسة ان هو فعل..تقدم ناحية الإمام بخطى مرتبكة..عندما وصل عنده كان المصلين الذين يعدون على اصابع اليدين قد دفعهم الفضول للتحلق حول الإمام لإستطلاع ما فى يده..(الك هذا؟)..اومئ فى تردد..(ابن من انت) سأل الإمام مقطبا جبينه..(انا ابن......)..(ابن كلب كافر)..صاح بها خضر وهو يقبض على رقبته محاولا تخليص القديم والجديد..ثم صرخ محرضا بقية المصلي للانضمام لحفل الضرب(انجيل فى الجامع يا ابن كفتس الكلب)..اتت دعوته اثرها..فالمصلين من ذوى اللحى انضموا على اثر فهمهم من الكلام ان الفتى نصرانى مندس جاء يهزأ بصلاتهم..ومما عزز من فهمهم هذا انه وجه جديد عليهم لم يروه فى صلواتهم من قبل..اما المصلين الاميين فتريثوا قليلا ليفهموا وفى النهاية انضموا بعد ان افهمهم (الشيوخ)_حيث ان كل ذى لحية فى بلدة الفتى هو شيخ_ ان النصرانى الكافلر اتى ليدنس مسجدهم..اما الامام حفاظا على قداسة المكان ووجوب الا يكون بيت الله ان يكون ساحة للشجار فقد حاول تخليص الفتى من القبضات المنهالة..نجح بعد عناء فوضع الكتاب فى يد الفتى طالبا منه ان ينفذ بجلده..فر الفتى مذعورا من الجامع تاركا نعليه ولم يتوقف عن الجرى إلا حينما شعر بنفسه داخل غرفته فتوقف يحاول التقاط انفاسه الهاربة ..شعر انه يرتجف رغم حرارة الجو..تكور على نفسه فى سريره وتدثر بكل الاغطية التى وجدها.
ايقظته لسعة الشمس المتسلل شعاعها من نافذته الصغيرة..فتح عينه على قرصها المبهر يحاذى قمة المئذنة االقصيرة فاستعاد عقله الحادثة فعاودته الرجفة..اولى النافذة ظهره ليج الكتاب البنى ذا الصليب الذهبى مستقرا بجواره على المخدة..اشاح ببصره كلية الى منبهه المستقر على على الطبلية ..وجد انه تأخر قدر حصة إذن لن يذهب اليوم..عاد للنوم محاولا ان يجد فيه مهربا من التفكير فى الواقعة وعواقبها..ايقظته ثانية يد ابيه الرابتة تنباه بانه تأخر كثيرا على المدرسة..قام على مضض محاولا إقناع اباه ان ذهابه لا جدوى منه فنصف الحصص تقريبا قد فاته..بالإضافة الى انهم بالتأكيد قد كتبوه فى دفتر الغياب ..لما لم يقتنع الشيخ بذلك ارتدى الفتى ملابسه واخذ كتبه وخرج..فى الطريق كان يفكر فيما سيروجه خصمه عن الواقعة فى المدرسة..وفيما سيقوله هو لذوى اللحى من المدرسين هو ابن المقرئ الجليل الذى طالما امتدحوه لحلاوة ترتيله فى المآتم و الليالى القرآنيه التى يقيمها احيانا بعض الاثرياء من البلدة..وكيف سيواجه زملائه الذين سيؤلبهم الوغد ضده عندما يروى مهولا..هل يخبرهم الحقيقة؟..هل يصدقوه؟..وهل لديه غير الحقيقة ليخبرهم بها رغم سذاجتها..سيقولها وامره الى الله..وصل فى اسوأ وقت ممكن ان يصل فيه..(الفسحة)..الكل مجتمع فى الفناء والباب مغلق ..(الباب مغلق) حجة جيدة يخبرها لأبوه إذا سأله عن سبب عودته..إذا فليعود..ايعود ويترك يقيم الجميع ضده..استنفر شجاعته وقدرته على المحاوارة والاقناع وقرر ان يدخل ليبرئ ذمته امام الجميع ويصحح الصورة المغلوطة..قفز السور الى الداخل..صافر طويلة آتية من آخر الفناء خلرجة من شفاه خضر تبعتها صافرات اخرى كثيرة..تقدم ناحية الصافرات محاولا الثبات فى مشيته..وقف امام خصمه الذى لم يتوقف عن الصفير ..(ما رأيته فى الجامع اسأت فهمه) ..لم تتوقف الصافرات لقوله..(توقف واسمعنى..سأخبرك بحقيقة ما حدث)..توقف خضر عن الصفير فجأة واشار للباقين فهدأت الصافرات..(حقيقة ماحدث رأيته بعينى وعرفه الجميع..اب يقرأ القرآن مرتزقا منه فى المآتم ليلا
..وابن كافر يقتحم الجوامع فجرا ليدنسها..وجدٌ ابن حرام لا يعرف له ابا ينتسب الى غزية من الغجر ..عائلة وطيئة الاصل ..لا يستغرب منها شئ)..(ماذا تقول ؟) قالها الفتى وهويشعر بالدم الساخن يصعد الى رأسه فاحتقن وجهه وانتفخت اوداجه..(لست انا من اقول ..بل هذا ما قاله الجميع عندما علموا) قالها خصر وعاد للصفير ..سب الفتى ولعن وصرخ..لكن صوته ضاع فى هدير الصفير الرافض للفهم..اصابته لوثة غضب فاشتبك مع خصمه الذى يفوقه محاولا خنقه وانضم اليه عماد وشفيق وبولا الذين كانوا على مشهد من الامرمما زاد من حرج موقفه وثبت عليه تهمة يحاول ان ينفيها..تحلق الجمع حول الرباعى مشبعينهم ضربا..تدخل المدرسين للتفريق حتى نجحوا اخيرا فى تخليص الفتيات الاربعة الذين فروا خارج المدرسة وورائهم الجمع يشيعهم بوابل من الاحجار والسباب..وصل الفتى بيته مقطوع الانفاس ليجد ابوه جالسا(ديوان) البيت وحوله عدد من الضيوف..الإمام والمصلين الذين شهدوا الواقعة..(المصائب لا تأتى فرادى)..عبارة اتت فى باله لا يذكر اين سمعها..حاول التسلل الى غرفته دون ان يلحظه اباه..كاد ان ينجح لولا ان سمع صوت اباه الغاضب مناديا..ذهب اليه وقد سقط قلبه فى قدميه(هل صحيح ما قاله الشيخ)..تلعثم ..ارتبك..تردد..سكت ..(انطق)..بصوت خافت نطق (صحيح لكن حقيقة ما حدث.....) وأدت صفعة غاضبة محاولة شرحه..تبعتها صفعات متوالية اوقفها تدخل شيخ الجامع..جرى على غرفتهااغلقها على نفسه.. تكور فى سريره ..وعاد يرتجف.
ثلاثة ايام لم يذهب للمدرسة ..فصل لأعمال الشغب التى قام بها.زهكذا كتب فى الورقة التى جاءت لأبيه ..هو فقط .زلم يفصل بولا وعماد وشفيق..او حتى خضر..هو الوحيد المشاغب الوحيد الذى يستحق او بالأحرى يمكن فصله..هكذا رأى الناظر..خضر يكرم لأجل ابيه ..خدماته كبيرة وعطاياه كثيرة ..والنصارى لا يأمن مكرهم اذا اشتكوه للأمن سيذهب فى خبر كان..اما ابن المقرئ فمقدور عليه..هكذا سواها فى نفسه..اما ماقاله للأب السائل عن سبب معاقبة ابنه مع التجاوز عن الآخرين .."ابنك من بدأ"..ثلاثة ايام سجن نفسه فى غرفته لم يذق زادا ولم يرضخ لتوسلات امه الباكية او محاولات الاسترضاء من جانب ابيه..طرق شديد على الباب الكبير مصحوبا بصوت ينادى اسمه مستحثا اياه ليفتح هو فقط ما اخرجه من سجنه الاختيارى مهرولا..فتح الباب ليدخل الثلاثى بولا وعماد وشفيق مقطوعى الانفاس مخبرين اياه بالذى حدث.. والذى حدث انهم كانوا ذاهبين الى احد دروسهم مارين امام بيوت عائلة الحرباوى وصادف ان خضر كان جالسا امام بيته..لمزوه ببعض كلام اداروه بينهم قاصدين اياه فما كان منه وبقلم كان فى يده إلا ان رسم رمزهم على كفه ثم بصق عليه .. ثار الفتيان لرمزهم فتكاثروا عليه مشبعينه ضربا ..خرج خضير ليجد ابنه اماما داره فسحب بندقيته الالى وخرج متبوعا برجال العائلة الذين هبوا لمناصرته .؟.ذعر الفتيان ففروا وورائهم الطلقات وجدوا بيت صديقهم فى الطريق فدخلوا محتمين به ..ماكادوا ينتهون من رواية ما حدثللفتى وابوه إلا والطرق الشديد على الباب يصاحب الاصوات المطالبة بتسليم من تجرأ وضرب ابن الحرباوية..خرج الشيخ لهم محاولا تهدئتهم فرفضوا لاعنين اياه هو وابنه الكافر واصلهم الوطئ المنحدر من (غزية) زانية ..غضب الرجل فأعلن انه لن يسلم الفتيانإلا لذويهم ..فكادوا ان يفتكوا به لولا ان جذبه ابنه للداخل واوصد الباب بالترابيس لتنهال على الباب الاحجار وتقذف المشاعل داخل الدار وتنتهى الامور بمقدم سيارات المركز والذى كان آباء الفتيان الثلاثة قد هرعوا الى ضابطه عندما علموا بالأمر مستنجدينه لينقذ ابنائهم ..فر من فر..واوقف من اوقف..واطفئت الحرائق الصغيرة المشتعلة فى البيت وعاد الفتيان الى ذويهم فى حراسة الشرطة..عاد الفتى الى غرفته ودخل وراءه ابوه ..انبه برفق فروى له الولد قصته الساذجة من البداية ..انتهى فسأله (ولماذا تحتفظ بكتابهم)..(كلها من عند الله)..(لكنهم بدلوه فلم يعد ينتمى الى الله)..(ان صح هذا فلنأخذ بما لم يبدل ونقول هو من الله)..(وهل بقى شئ لم يبدل؟!)..(بل بقى ..بقى يا ابى)..(اخشى ان يهتزايمانك)..(بل وجدت فيه ما ثبته يا ابى ..انظر....)..فتح كتابه البنى على صفحة مطوية كان قرأها ضمن ما قرأ يوم عن له ان يستطلع هذا الآخر الغريب وقرأ على الشيخ..
( اسمعوا مثلا آخر : كان انسان رب بيت غرس كرما واحاطه بسياج وحفر فيه معصرة..وبنى برجا وسلمه الى كرّامين وسافر ولما قرب وقت الاثمار ارسل عبيده الى الكرامين ليأخذ اثماره فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بعضا..ثمارسل ايضا عبيدا آخرين اكثر من الاولين ففعلوا بهم كذلك فأخيرا ارسل اليهم ابنه قائلا :يهابون ابنى واما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه لإاخذوه واخرجوه خارج الكرم وقتلوه فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟.. قالوا له "اولئك الاردياء يهلكهم هلاكا رديا ويسلم الكرم الى كرامين آخرين يعطونه الاثمار فى اوقاتها"..قال لهم يسوع( اما قراتم قط فى الكتاب :الحجر الذى رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية؟ من قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى اعيننا لذلك اقول لكم :انه ملكوت الرب ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل اثماره..."
(ألسنا نحن هؤلاء الكرامين الاخرين الذين اعطى لهم الكرم؟ ..السنا نحن هذه الامة؟..اليست هذه هى البشارةيا ابى؟)..نظر اليه الشيخ ثم نظر للكتاب صامتا..(ابى ..هل كان جدى كما يقولون؟)..(كان يا ولدى)..(لهذا اذن كان اسمى ثلاثيا دائما لا يتعدى)..(نعم يا ولدى)..(اكانت امه......) ..(كانت)..(اهذا يعنى اننا.....)..اقتضب الرجل الحوار وهو ينهض مغادرا..(لا تزر وازرة وزر اخرى يا ولدى)..قالها وهو يشعر انه ساقط المثال مهدور القيمة فى عين ابنه بعد انكشاف المستور..(ابى ..من منهم بلا خطيئة فليرمنا بحجر)..قال الولد فاستدار الشيخ مبتسما ثم غادر.
صار البيت منبوذا ..وصار الولد مشهورا.. وصارت قصة ..المقرئ الجليل لا يجد مأتما يقرأ فيه..ليس هذا لكساد السوق..فأمراض الكبد والسكتات القلبية والربو تضمن
لهذا السوق إنتعاشا لا يأفل ..ماافل هونجم الشيخ..لم يعد يطلبه فأغلق بابه عليه..الفتى صار اسما لامعا تتدواله المحطات الفضائية الاخبارية منها او حتى الدينية..حيث اعلنت قناة (خزنة الفردوس) على لسان شيخها الجليل ذائع الصيت كبير القدر والمقام حينما سئل عن ايمان الفتى من كفره ( ان كان قد فعل ..فقد كفر)..واعلنت محطة (الثالوث المقدس) التى تبث من جهة مجهولة على لسان قسها المشلوح( يا اتباع يسوع المخلص ..اصبحت مهمة حماية فتى الحق هذا مهمة كنسية مقدسة..فلا تسمحوا لأيدى الاغتصاب والاضطهاد والكفر بالامتداد بأى سوء ناحيته.. وان استطعتم قطعها فافعلوا)..هكذا اصبح ابن الفقى نجما تتهافت على رواية قصته وكالات الانباء..الفتى من جهته لم يعلم يشهرته إلا حينما فتح تلفازه على غير عادته فى الايام العصيبة الاخيرة..هذا بيته بجدرانه اللبنية وبابه الخشبى العتيق ..وهذا هوطبق استقبال البث الذى اشتراه اباه مؤخرا كى يستمتع بمشاهدة الشيخ كبر القدر والمقام الذى كفر ابنه منذ قليل..فعل هذا بالطبع بعد استفتى امام الجامع فهو لا يريد ان يدخل فى (حرمانية) ما تعكر صفو خاتمته التى يتمنى من الله ان يحسنها فأفتاه الشيخ بجواز ذلك..لم يستوعب الفتى لوهلة ما تراه عينه على شاشة التلفاز..مندوبة المحطة الاخبارية الشهيرة واقفة امام الدارمشيرة للباب خلفها ومن آن لآخر تعدل من وضع مكبر الصوت الصغير المزروع فى فتحة صدرها راوية هى الاخرى قصته..(اما آن للفتنة ان تنتهى ..والى متى ستطل بوجهها القبيح لتفرق شمل هذه القرية الفقيرة الهادئة من قرى هذا البلد العظيم ..من هنا بدأت القصة ولم تنتهى بعد..الفتى المسلم يخرج حاملا كتاب الفئة الاخرى ويقتحم جامع قريته ويصر ان يقرأ من الكتاب على مسمع من المصلين..يقال ان الفتى فعل ذلك مدفوعا بتحريض اصدقائه الاقباط الذين نجحوا فى إقناعه بالدخول فى دينهم فأهداه احدهم كتابه المقدس وطلب منه فعل ذلك ليبرهن على صدق ايمانه بعقيدته الجديدة..ثار المصلين وكادوا ان يفتكوا بالفتى ففر ليذهب فى اليوم التالى لمدرسته ومعه زملائه الاقباط للتشاجر انتقاما من احد زملائهم المسلمين والذى كان من بين المصلين الثائرين..يقال انهم كادوا يقتلوه لولا ان نجحت ادارة المدرسة فى انقاذه وقامت بفصل الفتى الموتور ..لم يرتدع الفتى عند هذا الحد بل قيل انه اخذ ابناء عقيدته الجديدة وذهب لبيت زميله هذا ليتم ما بداه فى المدرسة فثارت ثائرة اهل الفتى ومن ورائهم بقية الاهالى المسلمين فكيف لأقباط يتزعمهم مسلم مشكوك فى ملته ان يعتدوا على ولدهم بالضرب فى قلب بيوتهم..طاردوا الفتية الاربعة فلجأوا الى البيت الموجود خلفنا فحاصره الاهالى محاولين إحراقه لتأتى الشرطة وتفض الحصار وتقبض على عدد كبير من المتجمهرين..الاهالى المسلمون يشكون ظلم الشرطة حيث يعتقدون ان الحكومة تحابى الاقباط على حساب حقوقهم ودليلهم على ذلك انه لم يقبض سوى على ابنائهم..فلم يشمل قرار التوقيف احد من الاقباط او حتى الفتى الموتور المتسبب فى الواقعة ..مسئول كبير فى الداخلية نفى لنا ذلك مؤكدا ان الشرطة بصدد التحقيق مع الفتى وابه وزملائه الثلاثة وذويهم وان قرار التوقيف كان فقط لفض حالة التجمهر والشغب الكائنة ساعتها..الاقباط من جهتهم يروون رواية مختلفة تؤكد ان الاهالى المسلمين هم المعتدين ..حيث ضرب ابنائهم بل كادوا يقتلون واهينت رموزهم الدينية بل ومن قبل هدمت كنائسهم قالوا ذلك مطالبين الحكومة بأن تجد لهم حلا..لم ننجح فى الالتقاء بأيا من اهل البيت الموجود خلفنا..فابو الفتى يرفض اى لقاء مع ايا من وسائل الاعلام مكتفيا بالإختفاء خلف جدران بيته..الاهالى متذمرون والاقباط يخشون على حياتهم ..ليستمر فى النهاية مسلسل الفتنة الطائفية البغيض الذى بات على وشك العصف بهذا البلد الكبير ..والشقيق).
ليست هذه قصته ..هذا إفتراء..اغلق التلفاز غاضبا وخرج لأبيه طالبا منه ان يدعه يخرج ليخبرهم بالحقيقة..(كفانا فضائح يا ولدى ..فلنقر فى بيتنا حتى يجعل الله مخرجا)..نظرة ابيه المنكسرة ..ودموع امه الصامتة..ارغمته على العودة لغرفته..فسريره ..وحزنه..وتكوره على ذاته.
فى مساء كئيب تالٍ استدعى الفتى واباه الى المركز..اول مرة يدخلانه..بوجل يتقدمان وبتمتمات وادعية بأن تكون العوافب سليمة ..فالمركز يعنى الضابط..والضابط يعنى ان لا حساب لقدر او كرامة وهم لن يقابلا الضابط بل المأمور..الطف يا لطيف..يشير لهما العسكرى بالدخول..يدخلان ..تأخذهما هيبة البدلة الميرى بنجمتيها ونسرها .. مع المأمور يجلس رجل له هيئة ونظافة وبدلة السادة المسئولين الذين يظهرون فى التلفاز..(السيد مساعد وزير الداخلية) قال المأمور معرفا بالرجل..يا داهية دقى..اوصلت الامور لهذا الحد..همّ الشيخ ان يبرأ ذمته وابنه مما حدث فبادره الرجل صاحب هيئة ونظافة وبدلة السادة المسئولين الذين يظهرون فى التلفاز(نحن نلم كل شئ)..قالها واخبرهما انه كى ترجع الامور لمجاريها فإن الحكومة ستعقد جلسة صلح تجمع كل الاطراف ويعتذر الولد على رؤووس الاشهاد عما بدر منه وادى لتعكير الصفو العام..وافق الاب..هو منبوذ ..هو مرفوض..هو محاصر فى بته لا يجد قوت يومه..رفض الابن..هو مضروب ..هو مفصول..هومظلوم لم يفعل شيئا..صفعة من الاب على وجه الابن انهت الخلاف واتمت الاتفاق.
فى مساء كئيب تال..اتاه بولا برساله من راهب بالدير البعيد بالجبل تعرض عليه الايواء فى الدير حتى تستقر الاموروتسأله ان كان فعلا قد هداه يسوع..رفض الدعوة واغضبه السؤال..ترك بولا فى الديوان ودخل غرفته معلنا انتهاء الزيارة ضمنيا.
فى مساء كئيب تال..احس بالوحشة والاختناق فقرر الخروج ..لم تثنه توسلات ابيه الخائفة ..خرج ليجد على الباب خفيرا خصصه المركز لحراسة الدار حتى يتم الصلح..بكى..فقد افتقد الامن..سأله الرجل عن سبب خروجه.زاجابه..رفض لدواع امنية..اصر..حاول منعه بالقوة..افلت منه وركض..سار متأملا قريته الهادئة الملعونة النائمة المسكونة بالطيبة واللؤم..بالمرض والفقر..بالإيمان والجهل به..بالله ان كان مع الهوى..وبالشيطان ان عارض الله الهوى..تساءل لماذا لم يخلق الله الناس على ملة واحدة كى لا يختلفوا..وهل كانت الملل يوما سبب حقيقى للإختلاف؟..تساءل..رجح ان الله لم يخلق الناس مختلفين بدليل انه خلقهم من اب واحد وام واحدة..بيد انهم لما ملوا الوفاق واغرتهم لعبة الخلق..قاموا باختلاق الاختلاف ليضيف لحياتهم بعض الاثارة..اخذته افكاره فلم يشعر بقدميه وهى تقوده الى منطقة الحقول ..سيعود الآن فالوقت قد تاخر..لا.زبل ليجلس قليلا على الترعة ثم يعود.
لم يعود..فى اليوم الاول قالوا انه هرب الى الدير البعيد بالجبل ليتنصر ويعمل خادما بالدير..فى اليوم الثانى قالوا انه هرب الى الدر البعيد بالجبل ليتنصر ويعمل خادما فى الدير فتربص به احد رجال الحرباوية فقتله..فى اليوم الثالث وجدوا جثته طافية على سطح الترعة.زوسرت اشاعات..قالوا ان الله سلط عليه النداهة فاغرقته نكالا لما فعل..لكن العقلاء رجحوا انه القى بنفسه فى الماء ليتخلص من حياته..اما المغرضين الكارهين لعائلة الحرباوى جزموا ان رجال العائلة هو من القاه فى الماء..الى الآن لم تعرف الحقيقة..لكن الحقيقة ان الفتى مات..ولأنه مات فيجب ان يدفن..لتدور التساؤلات هل تجوز الصلاة عليه؟ّ!..وهل يدفن فى مقابر المسلمين؟!..فالفتى فى عرفهم قد كفر حيا وميتا..حيا بفعلته الشنعاء..ومتا بإنهائه حياته بيده وفقا للرواية الراجحة..اختلف العامة وقدح الشيوخ اذهانهم للإفتاء ..كفاهم الشيخ ابوالفتى فى النهاية عناء البحث عن اجابة..صلى عليه بمفرده ودفنه فى حوش الدار ..وتم الصلح اخيرا..اتى شيخ..واتى قسيس ..وقبّل الشيخ القسيس وقبّل القسس الشيخ ..وتصافحت ايدى الحضور..وظهر والرجل صاحب هيئة ونظافة وبدلة السادة المسئولين الذين يظهرون فى التلفاز ..ليعلن فى التلفاز عودة الوئام الذى عكرته سحابة صيف عابرة..اما الفتى فبمرور الايام صار قصة يتذكرها البعض ويعتصرالبعض تفاصيلها من اركان الذاكرة الواهنة..صار الفتى قصة..وبتقادم الزمن قد تتحول القصة لأسطورة يُختلف فى روايتها تختلط فيها الحقائق بالأباطيل ..قبل ان يحدث هذا ..ونحن الآن فى الفترة الانتقالية ما بين القصة والاسطورة ..نستطيع ان نؤكد..انه الى الآنلم يثبت انتحار الفتى من عدمه..والى الآن لم يقطع بإيمانه او كفره..والى الآن..لم تبنى الكنيسة.
****************** [/align]
صف واحد غير مكتمل وآيات ترتل بصوت لا هو بالردئ ولا بالحسن ..ومصلين يقفون فى خشوع ساعدت عليه اضواء الكلوبات التى صبغت المكان بجو حالم تختلط فيه الظلال بالاضواء ..ميز من الواقفين اثنين ..اولهم الإمام الذى يخطب فيهم ايام الجمع بمواضيع مكررة كثير ما فوت صلاة الجمع بسبب الملل الذى تسببه له هذه الخطب مؤثرا الجلوس فى البيت..اما الثانى فهو زميل دراسته اللدود (خضر خضير الحرباوى) برأسه الكبير وقفاه العريض الذى تمنى كثيرا ان يصفعه..لا يحبه لله فى لله ويبادله الاخر نفس الشعور ..كثيرا ما تنشب بينهم الخلافات وتحتد بينهم المناقشة..لكنه يحرص دائما ان لا يصل الخلاف لحد التشابك والشجار الذى لا قبل له به..فهو مسالم بطبعه والآخر بغل اعطاه الله بسطة فى الجسم دون العلم ..يرجع البعض من زملائهما اصل الخلاف بينهما الى العاكم الماضى ..عندما اختلفا حول واقعة الكنيس..اما من يعرفهما عن قرب فيعرف ان جذور الخلاف تمتد لأبعد من ذلك وان واقعة الكنيسة جاءت لتعمق هذا الخلاف لتصل به الى حد القطيعة بين الاثنين ..اما عن واقعة الكنيسة فقد حدث ان النصارى(كما تنطقها بلدته) او المسيحيين (كما ينطقها هو) شرعوا فى بناء كنيسة خفاء فى بيت احدهم دون اخذ التصاريح اللازمة فما كان من الاهالى المدفوعين بتحريض بعض اعيان البلدة إلا ان توجهوا للبيت المقصود هادمين البناء وهو فى طور التأسيس..وكعادة قريته صارت الحادثة حديث السوق والمقهى ومجتمعه المدرسى الصغير..بل وظهرت كخبر فى احدى الصحف محدودة الانتشار مما حدا بأعضاء المجلس عن الدائرة التابعة لها البلدة بالتدخل لاحتواء الامور قبل ان تتسع دائرتها بما لا يحمد عقباه واعدين الاهالى من الاقباط بالسعى لدى الحكومة لأخذ الصاريح اللازمة لبناء كنيسة لهم على اطراف البلدة بالقرب من منطقة الجبانات لأعفائهم من عناء الذهاب الى الدير البعيد بالجبل لأداء شعائرهم..ولن الفتى كان مفكرا قفد كانت له وجهة نظر فى الموضوع ..اعلن انه كمسلم لا يمانع لأن يكون للمسيحيين كنيسة لا بالجبانات بل فى قلب القرية ..وان ما قام به الاهالى منهدم هو جهل وتعصب قاده بعض الاغبياء لم يعجب قوله زميله اللدودفأبوه(خضير الحرباوى)عين اعين القرية واحد كبار اثريائها هو اول من اكتشف امر الكنيسة واول من حرض على هدمها..(ما كان لكنائس المسيحيين ان تناطح مآذن جوامعنا..ليس فى حياتى على الاقل)..قالها للجموع مختبرا خطابة سيحتاجها آجلا عندما يرشح نفسه فى الانتخابات عندما يشترى ترشيح الحزب لمقعد العمال
سيدفع الكثير لكنه سيجنى الكثير عندما ينجح ..وسينجح ..فما سبق لجمال الحزب ان سمح الحزب
بتخلفها عن ركب المجلس.. ماكان من خضر عندما سمع إهانة ابوه الضمنيةإلا اتهم الفتى محتدا بمناصرة النصارى على حساب اهل دينه.. (فلنفترض انك فى دولة لا تدين بما تدين به..وتريد ان تعبد بربك ولا تستطيع لأن الآخرين يمنعونك ماذا سيكون شعورك؟) قالها الفتى مدافعا عن نفسه وراميا الكرة فى ملعب خصمه الذى لم يجد جوابا فحاول افتعال شجار نأى الفتى بجانبه عنه وانصرف ليدفع ثمن موقفه لاحقا..حدث هذا فى انتخابات امناء الفصول حيث رشح الفتى نفسه كأمين ثقافى والذى مهمته اعداد الاذاعة المدرسية للفصل عندما يحين دوره فى الاذاعة ولبراعته فى ذلك فقد كان ينتخب كل عام لذلك فقد كانت مسألة فوزه مفروغ منها..لكنه فوجئ بخصمه يزاحمه على المنصب ..لم يكترث (فالبعيد لا يعرف السما من العمى) وما فعل ذلك إلا لمضايقته لذلك فلا داعى للقلق فلن ينتخبه احد..هكذا تصور.. وجرى التصويت ليحصل على ثلاثة اصوات من اصل ستين ذهب باقيها لخصمه.. ما استغربه فى الامر ان الثلاثة اصوات التى نالها كانت للثلاثة الذى يحتلون الدكة المنزوية فى الركن بمؤخرة الفصل والمسماة بدكة (الكفاتسة) ..بولا..شفيق.. عماد..هم اعضائها..وهم من يومها اصدقائه.
انضم للصف وكبر تكبيرة الاحرام..عند التسليم عادت الكهرباء .زسلم يمينا ..ثم يسارا لامحا (خضر)ينظر له شذرا..اسند ظهره على العمود خلفه مخرجا مصحفه الاخضر من جيبه ..إكتشف انه ليس بأخضر .زبل ليس بمصحف..إنما ترتسم على غلافه البنى بلون ذهبى علامة زائد كبيرة..صليب..وتذكر.زمصحفه كان موضوعا على الطبلية حيث استفتح ببعض آياته على معادلات الكيمياء عسيرة الفهم..اما ماكان فى الكرتونة وتحتويه يديه الان فهو نسخة من الكتاب المقدس اهداها له بولا منذ زمن تقديرا لموقفه فى موضوع الكنيسة..هو لم يكن يريده..لكنه تحرج من الرفض..فقبله منه شاكرا..وجدها فرصة لإرضاء فضوله حول الدين الآخر ذا الصورة الغامضة كليا على ذهنة الذى يتفتح..اراد ان يرد الهدية بمثلها لكنه لم يفعل حيث(لا يمسه إلا المطهرون) والمطهرون فى قاموس ذهنه كما فهم يوما من شيخ ما تعنى(المسلمون).زإذن لا يحق لبولا ان يمس مصحفه ..ارضى فضوله حتى فتر..ثم وضع الكتاب فى الكرتونة ليغيب تماما عن ذهنه وها هو يعود الآن..يا لها من داهية..بطرف عينه لمح خصمه يتطلع الى ما فى يده..اربكه هذا فأخفى الكتاب فى حجره ثم وضعه فى جيبه وقام مسرعا ناحية الباب..مع اول خطوة شعر بالكتاب عند قدمه إذن فقد فعلها ثانية ووضعه بالجيب المقطوع..هم ان يلتقطه لكنه شعر ان كل الاعين تتجه للشئ الساقط..قرر الهروب..قبل ان يصل الى الباب سمع من ينادى.التفت فوجد الإمام ممسكا بالكتاب باستغراب مشيرا له بالإقتراب..فكر ان يجرى لكنه تذكر (خضر)وما سيحكيه صباحا فى المدرسة ان هو فعل..تقدم ناحية الإمام بخطى مرتبكة..عندما وصل عنده كان المصلين الذين يعدون على اصابع اليدين قد دفعهم الفضول للتحلق حول الإمام لإستطلاع ما فى يده..(الك هذا؟)..اومئ فى تردد..(ابن من انت) سأل الإمام مقطبا جبينه..(انا ابن......)..(ابن كلب كافر)..صاح بها خضر وهو يقبض على رقبته محاولا تخليص القديم والجديد..ثم صرخ محرضا بقية المصلي للانضمام لحفل الضرب(انجيل فى الجامع يا ابن كفتس الكلب)..اتت دعوته اثرها..فالمصلين من ذوى اللحى انضموا على اثر فهمهم من الكلام ان الفتى نصرانى مندس جاء يهزأ بصلاتهم..ومما عزز من فهمهم هذا انه وجه جديد عليهم لم يروه فى صلواتهم من قبل..اما المصلين الاميين فتريثوا قليلا ليفهموا وفى النهاية انضموا بعد ان افهمهم (الشيوخ)_حيث ان كل ذى لحية فى بلدة الفتى هو شيخ_ ان النصرانى الكافلر اتى ليدنس مسجدهم..اما الامام حفاظا على قداسة المكان ووجوب الا يكون بيت الله ان يكون ساحة للشجار فقد حاول تخليص الفتى من القبضات المنهالة..نجح بعد عناء فوضع الكتاب فى يد الفتى طالبا منه ان ينفذ بجلده..فر الفتى مذعورا من الجامع تاركا نعليه ولم يتوقف عن الجرى إلا حينما شعر بنفسه داخل غرفته فتوقف يحاول التقاط انفاسه الهاربة ..شعر انه يرتجف رغم حرارة الجو..تكور على نفسه فى سريره وتدثر بكل الاغطية التى وجدها.
ايقظته لسعة الشمس المتسلل شعاعها من نافذته الصغيرة..فتح عينه على قرصها المبهر يحاذى قمة المئذنة االقصيرة فاستعاد عقله الحادثة فعاودته الرجفة..اولى النافذة ظهره ليج الكتاب البنى ذا الصليب الذهبى مستقرا بجواره على المخدة..اشاح ببصره كلية الى منبهه المستقر على على الطبلية ..وجد انه تأخر قدر حصة إذن لن يذهب اليوم..عاد للنوم محاولا ان يجد فيه مهربا من التفكير فى الواقعة وعواقبها..ايقظته ثانية يد ابيه الرابتة تنباه بانه تأخر كثيرا على المدرسة..قام على مضض محاولا إقناع اباه ان ذهابه لا جدوى منه فنصف الحصص تقريبا قد فاته..بالإضافة الى انهم بالتأكيد قد كتبوه فى دفتر الغياب ..لما لم يقتنع الشيخ بذلك ارتدى الفتى ملابسه واخذ كتبه وخرج..فى الطريق كان يفكر فيما سيروجه خصمه عن الواقعة فى المدرسة..وفيما سيقوله هو لذوى اللحى من المدرسين هو ابن المقرئ الجليل الذى طالما امتدحوه لحلاوة ترتيله فى المآتم و الليالى القرآنيه التى يقيمها احيانا بعض الاثرياء من البلدة..وكيف سيواجه زملائه الذين سيؤلبهم الوغد ضده عندما يروى مهولا..هل يخبرهم الحقيقة؟..هل يصدقوه؟..وهل لديه غير الحقيقة ليخبرهم بها رغم سذاجتها..سيقولها وامره الى الله..وصل فى اسوأ وقت ممكن ان يصل فيه..(الفسحة)..الكل مجتمع فى الفناء والباب مغلق ..(الباب مغلق) حجة جيدة يخبرها لأبوه إذا سأله عن سبب عودته..إذا فليعود..ايعود ويترك يقيم الجميع ضده..استنفر شجاعته وقدرته على المحاوارة والاقناع وقرر ان يدخل ليبرئ ذمته امام الجميع ويصحح الصورة المغلوطة..قفز السور الى الداخل..صافر طويلة آتية من آخر الفناء خلرجة من شفاه خضر تبعتها صافرات اخرى كثيرة..تقدم ناحية الصافرات محاولا الثبات فى مشيته..وقف امام خصمه الذى لم يتوقف عن الصفير ..(ما رأيته فى الجامع اسأت فهمه) ..لم تتوقف الصافرات لقوله..(توقف واسمعنى..سأخبرك بحقيقة ما حدث)..توقف خضر عن الصفير فجأة واشار للباقين فهدأت الصافرات..(حقيقة ماحدث رأيته بعينى وعرفه الجميع..اب يقرأ القرآن مرتزقا منه فى المآتم ليلا
..وابن كافر يقتحم الجوامع فجرا ليدنسها..وجدٌ ابن حرام لا يعرف له ابا ينتسب الى غزية من الغجر ..عائلة وطيئة الاصل ..لا يستغرب منها شئ)..(ماذا تقول ؟) قالها الفتى وهويشعر بالدم الساخن يصعد الى رأسه فاحتقن وجهه وانتفخت اوداجه..(لست انا من اقول ..بل هذا ما قاله الجميع عندما علموا) قالها خصر وعاد للصفير ..سب الفتى ولعن وصرخ..لكن صوته ضاع فى هدير الصفير الرافض للفهم..اصابته لوثة غضب فاشتبك مع خصمه الذى يفوقه محاولا خنقه وانضم اليه عماد وشفيق وبولا الذين كانوا على مشهد من الامرمما زاد من حرج موقفه وثبت عليه تهمة يحاول ان ينفيها..تحلق الجمع حول الرباعى مشبعينهم ضربا..تدخل المدرسين للتفريق حتى نجحوا اخيرا فى تخليص الفتيات الاربعة الذين فروا خارج المدرسة وورائهم الجمع يشيعهم بوابل من الاحجار والسباب..وصل الفتى بيته مقطوع الانفاس ليجد ابوه جالسا(ديوان) البيت وحوله عدد من الضيوف..الإمام والمصلين الذين شهدوا الواقعة..(المصائب لا تأتى فرادى)..عبارة اتت فى باله لا يذكر اين سمعها..حاول التسلل الى غرفته دون ان يلحظه اباه..كاد ان ينجح لولا ان سمع صوت اباه الغاضب مناديا..ذهب اليه وقد سقط قلبه فى قدميه(هل صحيح ما قاله الشيخ)..تلعثم ..ارتبك..تردد..سكت ..(انطق)..بصوت خافت نطق (صحيح لكن حقيقة ما حدث.....) وأدت صفعة غاضبة محاولة شرحه..تبعتها صفعات متوالية اوقفها تدخل شيخ الجامع..جرى على غرفتهااغلقها على نفسه.. تكور فى سريره ..وعاد يرتجف.
ثلاثة ايام لم يذهب للمدرسة ..فصل لأعمال الشغب التى قام بها.زهكذا كتب فى الورقة التى جاءت لأبيه ..هو فقط .زلم يفصل بولا وعماد وشفيق..او حتى خضر..هو الوحيد المشاغب الوحيد الذى يستحق او بالأحرى يمكن فصله..هكذا رأى الناظر..خضر يكرم لأجل ابيه ..خدماته كبيرة وعطاياه كثيرة ..والنصارى لا يأمن مكرهم اذا اشتكوه للأمن سيذهب فى خبر كان..اما ابن المقرئ فمقدور عليه..هكذا سواها فى نفسه..اما ماقاله للأب السائل عن سبب معاقبة ابنه مع التجاوز عن الآخرين .."ابنك من بدأ"..ثلاثة ايام سجن نفسه فى غرفته لم يذق زادا ولم يرضخ لتوسلات امه الباكية او محاولات الاسترضاء من جانب ابيه..طرق شديد على الباب الكبير مصحوبا بصوت ينادى اسمه مستحثا اياه ليفتح هو فقط ما اخرجه من سجنه الاختيارى مهرولا..فتح الباب ليدخل الثلاثى بولا وعماد وشفيق مقطوعى الانفاس مخبرين اياه بالذى حدث.. والذى حدث انهم كانوا ذاهبين الى احد دروسهم مارين امام بيوت عائلة الحرباوى وصادف ان خضر كان جالسا امام بيته..لمزوه ببعض كلام اداروه بينهم قاصدين اياه فما كان منه وبقلم كان فى يده إلا ان رسم رمزهم على كفه ثم بصق عليه .. ثار الفتيان لرمزهم فتكاثروا عليه مشبعينه ضربا ..خرج خضير ليجد ابنه اماما داره فسحب بندقيته الالى وخرج متبوعا برجال العائلة الذين هبوا لمناصرته .؟.ذعر الفتيان ففروا وورائهم الطلقات وجدوا بيت صديقهم فى الطريق فدخلوا محتمين به ..ماكادوا ينتهون من رواية ما حدثللفتى وابوه إلا والطرق الشديد على الباب يصاحب الاصوات المطالبة بتسليم من تجرأ وضرب ابن الحرباوية..خرج الشيخ لهم محاولا تهدئتهم فرفضوا لاعنين اياه هو وابنه الكافر واصلهم الوطئ المنحدر من (غزية) زانية ..غضب الرجل فأعلن انه لن يسلم الفتيانإلا لذويهم ..فكادوا ان يفتكوا به لولا ان جذبه ابنه للداخل واوصد الباب بالترابيس لتنهال على الباب الاحجار وتقذف المشاعل داخل الدار وتنتهى الامور بمقدم سيارات المركز والذى كان آباء الفتيان الثلاثة قد هرعوا الى ضابطه عندما علموا بالأمر مستنجدينه لينقذ ابنائهم ..فر من فر..واوقف من اوقف..واطفئت الحرائق الصغيرة المشتعلة فى البيت وعاد الفتيان الى ذويهم فى حراسة الشرطة..عاد الفتى الى غرفته ودخل وراءه ابوه ..انبه برفق فروى له الولد قصته الساذجة من البداية ..انتهى فسأله (ولماذا تحتفظ بكتابهم)..(كلها من عند الله)..(لكنهم بدلوه فلم يعد ينتمى الى الله)..(ان صح هذا فلنأخذ بما لم يبدل ونقول هو من الله)..(وهل بقى شئ لم يبدل؟!)..(بل بقى ..بقى يا ابى)..(اخشى ان يهتزايمانك)..(بل وجدت فيه ما ثبته يا ابى ..انظر....)..فتح كتابه البنى على صفحة مطوية كان قرأها ضمن ما قرأ يوم عن له ان يستطلع هذا الآخر الغريب وقرأ على الشيخ..
( اسمعوا مثلا آخر : كان انسان رب بيت غرس كرما واحاطه بسياج وحفر فيه معصرة..وبنى برجا وسلمه الى كرّامين وسافر ولما قرب وقت الاثمار ارسل عبيده الى الكرامين ليأخذ اثماره فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بعضا..ثمارسل ايضا عبيدا آخرين اكثر من الاولين ففعلوا بهم كذلك فأخيرا ارسل اليهم ابنه قائلا :يهابون ابنى واما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه لإاخذوه واخرجوه خارج الكرم وقتلوه فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟.. قالوا له "اولئك الاردياء يهلكهم هلاكا رديا ويسلم الكرم الى كرامين آخرين يعطونه الاثمار فى اوقاتها"..قال لهم يسوع( اما قراتم قط فى الكتاب :الحجر الذى رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية؟ من قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى اعيننا لذلك اقول لكم :انه ملكوت الرب ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل اثماره..."
(ألسنا نحن هؤلاء الكرامين الاخرين الذين اعطى لهم الكرم؟ ..السنا نحن هذه الامة؟..اليست هذه هى البشارةيا ابى؟)..نظر اليه الشيخ ثم نظر للكتاب صامتا..(ابى ..هل كان جدى كما يقولون؟)..(كان يا ولدى)..(لهذا اذن كان اسمى ثلاثيا دائما لا يتعدى)..(نعم يا ولدى)..(اكانت امه......) ..(كانت)..(اهذا يعنى اننا.....)..اقتضب الرجل الحوار وهو ينهض مغادرا..(لا تزر وازرة وزر اخرى يا ولدى)..قالها وهو يشعر انه ساقط المثال مهدور القيمة فى عين ابنه بعد انكشاف المستور..(ابى ..من منهم بلا خطيئة فليرمنا بحجر)..قال الولد فاستدار الشيخ مبتسما ثم غادر.
صار البيت منبوذا ..وصار الولد مشهورا.. وصارت قصة ..المقرئ الجليل لا يجد مأتما يقرأ فيه..ليس هذا لكساد السوق..فأمراض الكبد والسكتات القلبية والربو تضمن
لهذا السوق إنتعاشا لا يأفل ..ماافل هونجم الشيخ..لم يعد يطلبه فأغلق بابه عليه..الفتى صار اسما لامعا تتدواله المحطات الفضائية الاخبارية منها او حتى الدينية..حيث اعلنت قناة (خزنة الفردوس) على لسان شيخها الجليل ذائع الصيت كبير القدر والمقام حينما سئل عن ايمان الفتى من كفره ( ان كان قد فعل ..فقد كفر)..واعلنت محطة (الثالوث المقدس) التى تبث من جهة مجهولة على لسان قسها المشلوح( يا اتباع يسوع المخلص ..اصبحت مهمة حماية فتى الحق هذا مهمة كنسية مقدسة..فلا تسمحوا لأيدى الاغتصاب والاضطهاد والكفر بالامتداد بأى سوء ناحيته.. وان استطعتم قطعها فافعلوا)..هكذا اصبح ابن الفقى نجما تتهافت على رواية قصته وكالات الانباء..الفتى من جهته لم يعلم يشهرته إلا حينما فتح تلفازه على غير عادته فى الايام العصيبة الاخيرة..هذا بيته بجدرانه اللبنية وبابه الخشبى العتيق ..وهذا هوطبق استقبال البث الذى اشتراه اباه مؤخرا كى يستمتع بمشاهدة الشيخ كبر القدر والمقام الذى كفر ابنه منذ قليل..فعل هذا بالطبع بعد استفتى امام الجامع فهو لا يريد ان يدخل فى (حرمانية) ما تعكر صفو خاتمته التى يتمنى من الله ان يحسنها فأفتاه الشيخ بجواز ذلك..لم يستوعب الفتى لوهلة ما تراه عينه على شاشة التلفاز..مندوبة المحطة الاخبارية الشهيرة واقفة امام الدارمشيرة للباب خلفها ومن آن لآخر تعدل من وضع مكبر الصوت الصغير المزروع فى فتحة صدرها راوية هى الاخرى قصته..(اما آن للفتنة ان تنتهى ..والى متى ستطل بوجهها القبيح لتفرق شمل هذه القرية الفقيرة الهادئة من قرى هذا البلد العظيم ..من هنا بدأت القصة ولم تنتهى بعد..الفتى المسلم يخرج حاملا كتاب الفئة الاخرى ويقتحم جامع قريته ويصر ان يقرأ من الكتاب على مسمع من المصلين..يقال ان الفتى فعل ذلك مدفوعا بتحريض اصدقائه الاقباط الذين نجحوا فى إقناعه بالدخول فى دينهم فأهداه احدهم كتابه المقدس وطلب منه فعل ذلك ليبرهن على صدق ايمانه بعقيدته الجديدة..ثار المصلين وكادوا ان يفتكوا بالفتى ففر ليذهب فى اليوم التالى لمدرسته ومعه زملائه الاقباط للتشاجر انتقاما من احد زملائهم المسلمين والذى كان من بين المصلين الثائرين..يقال انهم كادوا يقتلوه لولا ان نجحت ادارة المدرسة فى انقاذه وقامت بفصل الفتى الموتور ..لم يرتدع الفتى عند هذا الحد بل قيل انه اخذ ابناء عقيدته الجديدة وذهب لبيت زميله هذا ليتم ما بداه فى المدرسة فثارت ثائرة اهل الفتى ومن ورائهم بقية الاهالى المسلمين فكيف لأقباط يتزعمهم مسلم مشكوك فى ملته ان يعتدوا على ولدهم بالضرب فى قلب بيوتهم..طاردوا الفتية الاربعة فلجأوا الى البيت الموجود خلفنا فحاصره الاهالى محاولين إحراقه لتأتى الشرطة وتفض الحصار وتقبض على عدد كبير من المتجمهرين..الاهالى المسلمون يشكون ظلم الشرطة حيث يعتقدون ان الحكومة تحابى الاقباط على حساب حقوقهم ودليلهم على ذلك انه لم يقبض سوى على ابنائهم..فلم يشمل قرار التوقيف احد من الاقباط او حتى الفتى الموتور المتسبب فى الواقعة ..مسئول كبير فى الداخلية نفى لنا ذلك مؤكدا ان الشرطة بصدد التحقيق مع الفتى وابه وزملائه الثلاثة وذويهم وان قرار التوقيف كان فقط لفض حالة التجمهر والشغب الكائنة ساعتها..الاقباط من جهتهم يروون رواية مختلفة تؤكد ان الاهالى المسلمين هم المعتدين ..حيث ضرب ابنائهم بل كادوا يقتلون واهينت رموزهم الدينية بل ومن قبل هدمت كنائسهم قالوا ذلك مطالبين الحكومة بأن تجد لهم حلا..لم ننجح فى الالتقاء بأيا من اهل البيت الموجود خلفنا..فابو الفتى يرفض اى لقاء مع ايا من وسائل الاعلام مكتفيا بالإختفاء خلف جدران بيته..الاهالى متذمرون والاقباط يخشون على حياتهم ..ليستمر فى النهاية مسلسل الفتنة الطائفية البغيض الذى بات على وشك العصف بهذا البلد الكبير ..والشقيق).
ليست هذه قصته ..هذا إفتراء..اغلق التلفاز غاضبا وخرج لأبيه طالبا منه ان يدعه يخرج ليخبرهم بالحقيقة..(كفانا فضائح يا ولدى ..فلنقر فى بيتنا حتى يجعل الله مخرجا)..نظرة ابيه المنكسرة ..ودموع امه الصامتة..ارغمته على العودة لغرفته..فسريره ..وحزنه..وتكوره على ذاته.
فى مساء كئيب تالٍ استدعى الفتى واباه الى المركز..اول مرة يدخلانه..بوجل يتقدمان وبتمتمات وادعية بأن تكون العوافب سليمة ..فالمركز يعنى الضابط..والضابط يعنى ان لا حساب لقدر او كرامة وهم لن يقابلا الضابط بل المأمور..الطف يا لطيف..يشير لهما العسكرى بالدخول..يدخلان ..تأخذهما هيبة البدلة الميرى بنجمتيها ونسرها .. مع المأمور يجلس رجل له هيئة ونظافة وبدلة السادة المسئولين الذين يظهرون فى التلفاز..(السيد مساعد وزير الداخلية) قال المأمور معرفا بالرجل..يا داهية دقى..اوصلت الامور لهذا الحد..همّ الشيخ ان يبرأ ذمته وابنه مما حدث فبادره الرجل صاحب هيئة ونظافة وبدلة السادة المسئولين الذين يظهرون فى التلفاز(نحن نلم كل شئ)..قالها واخبرهما انه كى ترجع الامور لمجاريها فإن الحكومة ستعقد جلسة صلح تجمع كل الاطراف ويعتذر الولد على رؤووس الاشهاد عما بدر منه وادى لتعكير الصفو العام..وافق الاب..هو منبوذ ..هو مرفوض..هو محاصر فى بته لا يجد قوت يومه..رفض الابن..هو مضروب ..هو مفصول..هومظلوم لم يفعل شيئا..صفعة من الاب على وجه الابن انهت الخلاف واتمت الاتفاق.
فى مساء كئيب تال..اتاه بولا برساله من راهب بالدير البعيد بالجبل تعرض عليه الايواء فى الدير حتى تستقر الاموروتسأله ان كان فعلا قد هداه يسوع..رفض الدعوة واغضبه السؤال..ترك بولا فى الديوان ودخل غرفته معلنا انتهاء الزيارة ضمنيا.
فى مساء كئيب تال..احس بالوحشة والاختناق فقرر الخروج ..لم تثنه توسلات ابيه الخائفة ..خرج ليجد على الباب خفيرا خصصه المركز لحراسة الدار حتى يتم الصلح..بكى..فقد افتقد الامن..سأله الرجل عن سبب خروجه.زاجابه..رفض لدواع امنية..اصر..حاول منعه بالقوة..افلت منه وركض..سار متأملا قريته الهادئة الملعونة النائمة المسكونة بالطيبة واللؤم..بالمرض والفقر..بالإيمان والجهل به..بالله ان كان مع الهوى..وبالشيطان ان عارض الله الهوى..تساءل لماذا لم يخلق الله الناس على ملة واحدة كى لا يختلفوا..وهل كانت الملل يوما سبب حقيقى للإختلاف؟..تساءل..رجح ان الله لم يخلق الناس مختلفين بدليل انه خلقهم من اب واحد وام واحدة..بيد انهم لما ملوا الوفاق واغرتهم لعبة الخلق..قاموا باختلاق الاختلاف ليضيف لحياتهم بعض الاثارة..اخذته افكاره فلم يشعر بقدميه وهى تقوده الى منطقة الحقول ..سيعود الآن فالوقت قد تاخر..لا.زبل ليجلس قليلا على الترعة ثم يعود.
لم يعود..فى اليوم الاول قالوا انه هرب الى الدير البعيد بالجبل ليتنصر ويعمل خادما بالدير..فى اليوم الثانى قالوا انه هرب الى الدر البعيد بالجبل ليتنصر ويعمل خادما فى الدير فتربص به احد رجال الحرباوية فقتله..فى اليوم الثالث وجدوا جثته طافية على سطح الترعة.زوسرت اشاعات..قالوا ان الله سلط عليه النداهة فاغرقته نكالا لما فعل..لكن العقلاء رجحوا انه القى بنفسه فى الماء ليتخلص من حياته..اما المغرضين الكارهين لعائلة الحرباوى جزموا ان رجال العائلة هو من القاه فى الماء..الى الآن لم تعرف الحقيقة..لكن الحقيقة ان الفتى مات..ولأنه مات فيجب ان يدفن..لتدور التساؤلات هل تجوز الصلاة عليه؟ّ!..وهل يدفن فى مقابر المسلمين؟!..فالفتى فى عرفهم قد كفر حيا وميتا..حيا بفعلته الشنعاء..ومتا بإنهائه حياته بيده وفقا للرواية الراجحة..اختلف العامة وقدح الشيوخ اذهانهم للإفتاء ..كفاهم الشيخ ابوالفتى فى النهاية عناء البحث عن اجابة..صلى عليه بمفرده ودفنه فى حوش الدار ..وتم الصلح اخيرا..اتى شيخ..واتى قسيس ..وقبّل الشيخ القسيس وقبّل القسس الشيخ ..وتصافحت ايدى الحضور..وظهر والرجل صاحب هيئة ونظافة وبدلة السادة المسئولين الذين يظهرون فى التلفاز ..ليعلن فى التلفاز عودة الوئام الذى عكرته سحابة صيف عابرة..اما الفتى فبمرور الايام صار قصة يتذكرها البعض ويعتصرالبعض تفاصيلها من اركان الذاكرة الواهنة..صار الفتى قصة..وبتقادم الزمن قد تتحول القصة لأسطورة يُختلف فى روايتها تختلط فيها الحقائق بالأباطيل ..قبل ان يحدث هذا ..ونحن الآن فى الفترة الانتقالية ما بين القصة والاسطورة ..نستطيع ان نؤكد..انه الى الآنلم يثبت انتحار الفتى من عدمه..والى الآن لم يقطع بإيمانه او كفره..والى الآن..لم تبنى الكنيسة.
****************** [/align]
تعليق