[align=justify] كل يوم فى ذلك الوقت هى معتادة تلك الجلسة المتأخرة من النهار بجانب صفحة الماء الجلية بسفح النهر العجوز ... مدندنة بمقطوعات شجية من الفلوكلور العزيز .. تنتظر الموجة تلو الاخرى لتسرق من العجوز القليل القليل من عذبه الرطب .. فيحنو عليها ويجود بالكثيرالكثير .. ولكن اسفاً لا يسع راحتيها البيضاوان ولا تتسعا الا لجرعات ضئيلة تكفى ذلك الوجة المجعد أن يبتل .. ثم ترجع ثانياً وتنتظر الجواد و تمد راحتيها فيجود .
افترشت العجوز محيطها الاخضر بقليل من العشب و الكلأ و صفت أدواتها وأجلست التراث ... بالتأكيد لم ترتق تلك الادوات لسيدات العصر ، فهن لسن بحاجة لاستعمال ذلك القالب المعالج لكعب القدم ، ولا تلك المكحلة المحتواة على مسحوق حار يذوب فى المقلتين كجذوة الفحم .. سيدات العصر أيضا لا يستعملن ذلك المشط ذو الاسنان العاجية ، فرؤوسهن تدس الى على فى مكواة آلية رقيقة عليهن قد صممتها التكنولوجيا خصيصا لذلك .
ردائها المرتق يحوى رقاع جمة لخامات مختلفة تشهد صراع الحضارات .. فالأولى من نفس خامة الرداء الأصلية و الثانية بنية اللون لخامة أخرى أقل جودة ... أما الرقعة الرابعة .. فداكنة اللون ويقترب لونها من مسحوق المكحلة.. تماما كلون الرقعة الثالثة و مأخوذتان من قطعة قماش كان قد أحضر خامتها جدى من أحد المتاجر الفارهه بميدان رمسيس أثناء عودته الى القرية فى الأجازة الأولى بعدما بعثر مائة وثمانون يوما من عمره مابين الأسلاك الشرقية و الغربية ... ما بين النحيف والسمين من الضباط .. تزامنت عليه كل أنواع النوباتجيات... الصباحية بشمسها اللاذعة و المسائية المعتمة .. وليلية عاقر لا تحبل النهار .
الكلاب العسكرية لا تكرة اللحم ... تلتهمه بنهم و رشاقة من أيدى حضرة الصول المختص والمنفرد الوحيد برعاية تلك االذكور اليافعة التى اعتادت رائحته النتنة كلما جاءها بالوليمة ، مراقصة ذيولها فى سعادة وبهجه... هو أيضا راض عن نفسه على حد قوله (كده بحس انى بعمل حاجة تنفع البلد ) .. مرحبا بها من منزلة شرفية حاز عليها دون غيره باجتيازه الاختبار الذى تخطاه بكل سهولة ويسر ، و بخاصة بعدما كشفت التحريات عن موهبة فذة أفنت عمرها منذ الصغر فى خدمة أبناء الكلاب أكسبته خبرة عميقة كانت لها الفضل فى تنصيبه ( خادم الكلاب ) أو بالضبط مثلما أسماه جدى ( راعى الكلاب ) ..
( الحكاية مش سهلة انتو فاكرينها لعبة ! .. الكلب من دول ممكن ياكل بنى آدم ) ..
تباً لك أيها البصاص كم تمنيت لو تكن أنت هذا البنى آدم أيها النتن .
كلما غدا أو راح .. دوما يرميه جدى بهذة الكلمات - فى سريرته طبعا - فجدى لم يكن جبان ، و لكن كان يتحفظ على طهارة وجهه من نجاسة ( أبو ايد طارشة ) ففى احدى الليالى تسرب الصراخ عبر النوافذ الحديدية ليوقف الكوابيس الملتفة حول أعناق الموتى .. ارتفعت الأذقان وعلت النواظر خلف مصدر الصياح .. انه أحد المستجدين مقيد الأيدى و الأرجل و مطروح أرضا لينتصف دائرة كلابية نصف قطرها لم يتعد الباع الواحد من تصميم النجس ( راعى الكلاب ) بعدما جرده من ثيابه لا يستره سوى عتمة الليل .. و بعد مشهد استغرق ساعة تقريبا – تلك هى الجرعة اليومية لنقاهة الكلاب – أمرأحد المجندين بصوت جهورى ملفوف بدخان التبغ الغامق :
خذوه واربطوه على شجرة وادلقوا عليه مية خلى الناموس ياكله .
تتراجع النواظر و تتدلى الاذقان خلف النوافذ الحديدية و يعود الموتى الى قبورهم لينسجوا كابوس جديد .
خلال ثلاثون ثانية كانت عربة التفتيش العسكرى قد تأهبت واستعدت و بحوزتها مجموعة من محترفى التحرى و احضار المستجدين .. انطلقت السيارة تجر ورائها كل غبار الطرق .. محافظة على الطريق الزراعى بموازاة النهر .. وملتزمة بالخطة الموضوعة لاصطياد أكبر عدد من المشتغلين بالحقول التابعة لأرض الوسية.
فجأة توقفت العربة وقاءت ما بداخلها من طرابيش على سفح النهر ... كل طربوش يعرف موقعه جيدا وبفطنته العسكريه يعرف كيف سيجلب العمم . هى أيضا توقفت عن الغناء و وشوشة النهر ... و بمهارة فذة استطاعت أن تلف جمالها و تحكم أنوثتها فى طرحة حريرية دائما ما تعتادها بنات القرية حديثى الزواج كلما خرجن الى النهر بعد أيامهن الأولى من العرس ... هذا أيضا ما أكد عليه عريس القرية الجديد و ألزمها اياه و أبرزه فى عبارات حاره يفتعلها ليضمن رجولته فى ثناياها الأنثوية اذا خرجت ( بره باب الدار ) .
تقدم نحوها الطربوش الأكبر و سألها بصوت أجش :
- فين الولة جوزك ؟؟ محاولا بطرف عصاه أن يتعدى حدود الله .
- لم نفسك يابو عصايه وبعدين جوزى مش ولد . دا راجل وسيد الرجالة
و لكن أبو عصايه ما زال مصرا على أن يبيح لعصاته ما أكد عليه ( سيد الرجالة ) .
- طيب أنا هعرفك تمن اللى بتعمله ده ايه يا كلب يا ابن الكلب .
و دفعته ليسقط ( كعجل البحر ) و استلت فردة حذائها ( و نزلت طحن على أم رأسه ) حتى ضاعت ملامحها و صارت والحذاء فردة واحدة .
علت التهاليل و الصافرات و التصفيق الحاد لمجموعه من الصغار كانوا يستحمون بمقربة منها .. انطلقت العروس تشق حقول القمح و تركته للطرابيش السليمة لينتشلوا البقية المتبقية من كرامته و يهندمانه من جديد .
لا عجب أن ابنة الشيخ حافظ لديها الجرأة و الثقة فلقد تخرجت من كتاب القرية تحمل ثقافة التعامل .. علمها الشيخ أن العين بالعين و السن بالسن و قلة الادب ( بأقدم صرمة ) .. ولا مانع أن تفقد حذاء عرسها ما دامت هناك رؤوس فى حاجة له .
ذكرت لى ذات ليلة أن عمها الأكبر كان ميت القلب و أقسمت أنها رأته بأم عيناها اللتان سوف يأكلهما الدود و هو يحفر بجانب الساقية المتطرفة أسفل القرية ليدفن أحد الانجليز بعدما فقأعيناه و كبله من الخلف ثم دلاه فى البئر مستبدلا الجرة به .
انطلقت الطفلة تقص لأبيها ما رأت فأقسم بالعلى العظيم أنه رجل ابن رجل .. تماما مثلما أقسم لها هذه المرة ايضا انها أتت من ظهر رجل حتى وان ذهبوا بعريسها الى ( الجهادية ) فهو سيذهب من أجل البلد لا من أجل الانجليز و لابد أن تضع فى مخها :
بأن الغربة للرجالة و ملعونة الأرض اللى متنبتش راجل و ملعونة الست اللى ملهاش راجل .
انتصفت الشمس سقف الدار و بعد مرور ساعة ستمضى القيلولة ... و الأوزة الراقدة على البيض فى ركن السلم تشعر بالقلق .. و السعال الديكى الواضح جدا فى حشرجة ( زور) عربة التفتيش يأرق الكلب الرافض دوما أى نشاط ... و الشاب المقيد حديثا فى سجلات مأذون البلد يلطف من سعير النار المتقدة فى أعلى الجانب الأيسر للزوجة المسكينة التى تعرف جيدا أن حوائط الدار لن تمنع عنها حرارة الشمس بعدما يذهب عنها ظل زوجها .
فى احدى المرات سمعتها تهمس لأمى – و هى الابنة الوحيدة لجدتى - :
ان غاب الراجل غاب الظل و الست اللى من غير راجل زى شجرة التوت الدكر ملاش ظل .
الكحة المزمنة لازمت شكمان العربة التى انطلقت و ألهبت قلوب الأمهات و الزوجات و تركت العدوى فى الشوارع تصيب كل الأنوف المرتطمة بغبار شكمانها الأسود و على متنها العديد من زينة شباب البلد و ذلك الزوج الذى احتبس عبراته أمام زوجته ولم يجد تصريفا لها الا داخل هذا الصندوق المكتظ بالعمم و الطرابيش.
مرت ثلاثة أشهر شمسية و لا أخبار عن زوج ابنة الشيخ حافظ ، و ثلاثة قمرية انقطع عنها الطمث فأكدت لها القابلة أنها صارت من حوامل القرية و سيستقبل الشيخ حافظ صغيره الأول بعد أشهر قلائل .. ثم منحتها مجموعة من الدعوات و عدة وصايا لما ينتاب النساء دائما ما تستعملها فى كل البيوت لتأخذ ما فيه النصيب من طيور أو حبوب ... لمح الشيخ ما فاهت به المرأة لابنته ، فذهب الى المسجد متطوعا الى الله بركعتين و باسطا راحتيه للرزاق أن يعينه على رعاية ابنته التى فقدت أمها منذ الطفولة فلو كانت - رحمها الله - حية و باقية لكان من الجائز أن يستغنى عما سيحصله من معلومات ممن سبق لهن النفاس أو ربما كان سيكتفى بالتكبيرللمولود فى أذنه و ينطقه أسماء الله بعد الفطام ثم يضمه طفلا نجيبا الى الكتاب و يحفظه ما سيتيسر له من كتاب الله .
علم الشيخ حافظ فى صبيحة اليوم التالى أن ابن أخيه رجع بسلامة الله الى القرية بعد صلاة الفجر فأهمل كوب اللبن الذى تعوده كل صباح و انطلق فى الشوارع الفقيرة قاصدا ابن اخيه أو بالتحديد قاصدا اجابة للسؤال الذى أرهق مخ ابنته منذ تسعون ليلة ... أين تمسى عليه شمس الله و أين تصبح ؟ و متى سيرجع ظله ثانيا ؟
و قبل أن يخوض الرجل فى تفاصيل تتخللها السين والجيم - كعادة الكبار من الشيوخ - تقبل التهانى و الوصايا المتدوالة من عواجز الدار لما علمن منه أن ابنته ( حبلى ) حينما سألناه عن حالتها الصحية وتضرعن الى الله أن يتم عليها بالخير والعافية .. و بنظرات مختلسة من حين لآخر تجاه ابن اخيه
- الذى فقد نصف وزنه تقريبا- شعر الرجل أن أهداب الحديث ستستطيل ما بين الحمل و الولادة
و لو تمادى فى الحديث مع العجوز عن النصائح المفترضة لكل شهر لاحتاج انصف نهار كامل .. اقترب الرجل من الشاب قليلا و طبطب على كتفه مرتين و بخبرة أهل الحديث تطرق الى السؤال الذى ينخر فى رأسه مستعلما عن زوج ابنته .. فأجابه الشاب بعدما أخذ نفسا عميقا ثم طرده بصعوبه :
- أنا زيكم ما شفتوش من ساعة ما وصلنا المعسكر .. كل واحد راح منطقة .
توالت الأيام و تلاحمت الجمع لتمر الأسابيع بخطى بطيئة و ثقيلة و ابنة الشيخ تشكو مرارة الانتظار و ضيق الملابس التى بدأت تمتلأ بالحمل شيئا فشيئا .. انقضى شهر و آخر وهى منتظرة قدوم المولود و عودة الأب الذى راح مع العربة المزكومة و غاب أكثر من اللازم .
كثرت الأحاديث و تزايدت الأقاويل عن زوجها و أضحت سيرته على ألسنة كل أنفار الوسية كأنها أغنية يتداركونها من وقت لآخر يجدون فيها لذة ليضيعون بها ساعات اليومية المرهقة الى أن يأتيهم الخولى و يصفهم كالمجندين ويدس فى يد كل واحد منهم الخمسة عشر قرش بدلا من الربع ريال الذى كانوا يتقاضونه فى الموسم الماضى .
ازداد قلق الشيخ و تفاقمت مخاوفه فربما قد يكون أصيب بأذى أو مكروه أو ربما .. لا لا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. يستعيذ الرجل ثم يعود بعد دقائق لهاجسه من جديد ، فكل من امتطى معه صندوق العربة عاد لأهله ثم رجع ثانيا الى وحدته ... لم يترك عائد ممن ذهبوا معه الا وسأله و فى كل مرة لا يجنى الا خيبة الأمل .
بعد أيام قلائل ستخوض ابنته الشهر السادس فالرجل صار لا هم له الا عد الأيام و متابعة القمر
و ابنته المسكينة .. وذات ليلة زارته زوجته فى المنام و أوصته بالصبر ففرج الله قريب .. نهض الرجل من نومه يستغفر الله و سائله أن يرزقه الصبر .. ثم توضأ و قبل أن يذهب لأذان الفجر أيقظ ابنته للصلاة و كعادته كل ليلة يحثها أن تبقى يقظة حتى يفرغ من الصلاة ويعود .. فربما أحد المتسكعين ليلا ينتهز فرصة غيابه عن الدار و يصيبها بأى مكروه.. تأكد الرجل من سلامة باب الدار و احكامه جيدا ثم انصرف الى المسجد .
الابنة وحيدة بالدار و الركلات المتعبة تعوق حركتها قليلا .. فجأة انتبهت الى نباح الكلب الكسلان دائما و الراقد خلف باب الدار .. انتابها القلق فتلك هى المرة الثانية التى يفصح فيها عن حنجرته الرنانة منذ أن فقد جارهم المسكين حماره و رفض أى انسان أن يستجيب لنباحه وضاع الحمار .
تداركت الزوجة الخطر هذه المرة و خاصة و أن النباح يتزايد .. فحاولت أن تستجمع قوتها لتصل الى باب الدار لما سمعت طرقاته الحادة و تأكدت أن الكلب يواجه آدمى بالخارج هو صاحب هذه الطرقات .
- مين ... مين بيخبط ؟! ... استفسرت المرأةعن الطارق بحنجرة ضعيفة و مرتشعة ولما أفصح هذا الآدمى عن هويته و أمرها أن تفتح الباب لم تكن متأهبة جدا ولا ممتلكه القوة الكافية لمقاومة الفرحة العارمة التى فككت كى تستقل الزوج العائد بعد غياب دام ثمانون يوما و مائة ..
فرحة الرجل بزوجته و مولوده المنتظر لم تمنعه من احتباس دمعه هذه المرة ... وفرحة المرأة بزوجها أفقدتها كل أوجاع الحمل و ركلات الجنين .. جلسا الزوجان يشكوان لبعضهما قساوة الأيام الماضية و ثقل خطواتها و يتطرقان من وقت لآخرالى الحديث عن المولود و انتقاء اسم مناسب له أو اما يتركان الاختيار للشيخ حافظ الذى سجد للرحمن شكرا فور علمه بعودة الزوج بسلامة الله .
لم ينس الزوج أنه أحضر لامرأته قطعة من القماش الفاخر .. قد اشتراها من أحد تجار الأقمشة بميدان رمسيس و وعدها بأنه لن ينسى مولوده فى المرة التالية و فى كل أجازة سيشترى لهما ما يروق له من ألوان .
للمرة الأولى يقوم الشيخ حافظ لصلاة الفجر دون حاجة لاحكام الأبواب .
قضى الرجل ستة أيام مع زوجته و مضت الأجازة كأنها لحظات بعدما تشتت هواجس الشيخ و انفرج صدر ابنته من جديد .
عاد الرجل (لراعى الكلاب ) وعادت الزوجة تعانى مرارة الوحدة و قسوة الأيام البطيئة و الشيخ حافظ بدأ ينظم عدها من جديد و لم يكن على الزوجة الا أن تفتح صندوق المقتنيات و تتحسس قطعة القماش التى عطرتها و احتفظت بها من آن لآخر .
غيبة الرجل لم تدم طويلا هذه المرة بل عاد الى قريتة بعدما ذهب الشيخ حافظ مع عربتة التفتيش ليوقع على استلام الجثة التى مزقتها الكلاب العسكرية أثناء الهرب ..
أما الرقعتان الخامسة والسادسة ، فستبحث لها العجوز فى صندوق المقتنيات عن قطعة قماش عالية الجودة .
محمد ابراهيم سلطان[/align]
افترشت العجوز محيطها الاخضر بقليل من العشب و الكلأ و صفت أدواتها وأجلست التراث ... بالتأكيد لم ترتق تلك الادوات لسيدات العصر ، فهن لسن بحاجة لاستعمال ذلك القالب المعالج لكعب القدم ، ولا تلك المكحلة المحتواة على مسحوق حار يذوب فى المقلتين كجذوة الفحم .. سيدات العصر أيضا لا يستعملن ذلك المشط ذو الاسنان العاجية ، فرؤوسهن تدس الى على فى مكواة آلية رقيقة عليهن قد صممتها التكنولوجيا خصيصا لذلك .
ردائها المرتق يحوى رقاع جمة لخامات مختلفة تشهد صراع الحضارات .. فالأولى من نفس خامة الرداء الأصلية و الثانية بنية اللون لخامة أخرى أقل جودة ... أما الرقعة الرابعة .. فداكنة اللون ويقترب لونها من مسحوق المكحلة.. تماما كلون الرقعة الثالثة و مأخوذتان من قطعة قماش كان قد أحضر خامتها جدى من أحد المتاجر الفارهه بميدان رمسيس أثناء عودته الى القرية فى الأجازة الأولى بعدما بعثر مائة وثمانون يوما من عمره مابين الأسلاك الشرقية و الغربية ... ما بين النحيف والسمين من الضباط .. تزامنت عليه كل أنواع النوباتجيات... الصباحية بشمسها اللاذعة و المسائية المعتمة .. وليلية عاقر لا تحبل النهار .
الكلاب العسكرية لا تكرة اللحم ... تلتهمه بنهم و رشاقة من أيدى حضرة الصول المختص والمنفرد الوحيد برعاية تلك االذكور اليافعة التى اعتادت رائحته النتنة كلما جاءها بالوليمة ، مراقصة ذيولها فى سعادة وبهجه... هو أيضا راض عن نفسه على حد قوله (كده بحس انى بعمل حاجة تنفع البلد ) .. مرحبا بها من منزلة شرفية حاز عليها دون غيره باجتيازه الاختبار الذى تخطاه بكل سهولة ويسر ، و بخاصة بعدما كشفت التحريات عن موهبة فذة أفنت عمرها منذ الصغر فى خدمة أبناء الكلاب أكسبته خبرة عميقة كانت لها الفضل فى تنصيبه ( خادم الكلاب ) أو بالضبط مثلما أسماه جدى ( راعى الكلاب ) ..
( الحكاية مش سهلة انتو فاكرينها لعبة ! .. الكلب من دول ممكن ياكل بنى آدم ) ..
تباً لك أيها البصاص كم تمنيت لو تكن أنت هذا البنى آدم أيها النتن .
كلما غدا أو راح .. دوما يرميه جدى بهذة الكلمات - فى سريرته طبعا - فجدى لم يكن جبان ، و لكن كان يتحفظ على طهارة وجهه من نجاسة ( أبو ايد طارشة ) ففى احدى الليالى تسرب الصراخ عبر النوافذ الحديدية ليوقف الكوابيس الملتفة حول أعناق الموتى .. ارتفعت الأذقان وعلت النواظر خلف مصدر الصياح .. انه أحد المستجدين مقيد الأيدى و الأرجل و مطروح أرضا لينتصف دائرة كلابية نصف قطرها لم يتعد الباع الواحد من تصميم النجس ( راعى الكلاب ) بعدما جرده من ثيابه لا يستره سوى عتمة الليل .. و بعد مشهد استغرق ساعة تقريبا – تلك هى الجرعة اليومية لنقاهة الكلاب – أمرأحد المجندين بصوت جهورى ملفوف بدخان التبغ الغامق :
خذوه واربطوه على شجرة وادلقوا عليه مية خلى الناموس ياكله .
تتراجع النواظر و تتدلى الاذقان خلف النوافذ الحديدية و يعود الموتى الى قبورهم لينسجوا كابوس جديد .
خلال ثلاثون ثانية كانت عربة التفتيش العسكرى قد تأهبت واستعدت و بحوزتها مجموعة من محترفى التحرى و احضار المستجدين .. انطلقت السيارة تجر ورائها كل غبار الطرق .. محافظة على الطريق الزراعى بموازاة النهر .. وملتزمة بالخطة الموضوعة لاصطياد أكبر عدد من المشتغلين بالحقول التابعة لأرض الوسية.
فجأة توقفت العربة وقاءت ما بداخلها من طرابيش على سفح النهر ... كل طربوش يعرف موقعه جيدا وبفطنته العسكريه يعرف كيف سيجلب العمم . هى أيضا توقفت عن الغناء و وشوشة النهر ... و بمهارة فذة استطاعت أن تلف جمالها و تحكم أنوثتها فى طرحة حريرية دائما ما تعتادها بنات القرية حديثى الزواج كلما خرجن الى النهر بعد أيامهن الأولى من العرس ... هذا أيضا ما أكد عليه عريس القرية الجديد و ألزمها اياه و أبرزه فى عبارات حاره يفتعلها ليضمن رجولته فى ثناياها الأنثوية اذا خرجت ( بره باب الدار ) .
تقدم نحوها الطربوش الأكبر و سألها بصوت أجش :
- فين الولة جوزك ؟؟ محاولا بطرف عصاه أن يتعدى حدود الله .
- لم نفسك يابو عصايه وبعدين جوزى مش ولد . دا راجل وسيد الرجالة
و لكن أبو عصايه ما زال مصرا على أن يبيح لعصاته ما أكد عليه ( سيد الرجالة ) .
- طيب أنا هعرفك تمن اللى بتعمله ده ايه يا كلب يا ابن الكلب .
و دفعته ليسقط ( كعجل البحر ) و استلت فردة حذائها ( و نزلت طحن على أم رأسه ) حتى ضاعت ملامحها و صارت والحذاء فردة واحدة .
علت التهاليل و الصافرات و التصفيق الحاد لمجموعه من الصغار كانوا يستحمون بمقربة منها .. انطلقت العروس تشق حقول القمح و تركته للطرابيش السليمة لينتشلوا البقية المتبقية من كرامته و يهندمانه من جديد .
لا عجب أن ابنة الشيخ حافظ لديها الجرأة و الثقة فلقد تخرجت من كتاب القرية تحمل ثقافة التعامل .. علمها الشيخ أن العين بالعين و السن بالسن و قلة الادب ( بأقدم صرمة ) .. ولا مانع أن تفقد حذاء عرسها ما دامت هناك رؤوس فى حاجة له .
ذكرت لى ذات ليلة أن عمها الأكبر كان ميت القلب و أقسمت أنها رأته بأم عيناها اللتان سوف يأكلهما الدود و هو يحفر بجانب الساقية المتطرفة أسفل القرية ليدفن أحد الانجليز بعدما فقأعيناه و كبله من الخلف ثم دلاه فى البئر مستبدلا الجرة به .
انطلقت الطفلة تقص لأبيها ما رأت فأقسم بالعلى العظيم أنه رجل ابن رجل .. تماما مثلما أقسم لها هذه المرة ايضا انها أتت من ظهر رجل حتى وان ذهبوا بعريسها الى ( الجهادية ) فهو سيذهب من أجل البلد لا من أجل الانجليز و لابد أن تضع فى مخها :
بأن الغربة للرجالة و ملعونة الأرض اللى متنبتش راجل و ملعونة الست اللى ملهاش راجل .
انتصفت الشمس سقف الدار و بعد مرور ساعة ستمضى القيلولة ... و الأوزة الراقدة على البيض فى ركن السلم تشعر بالقلق .. و السعال الديكى الواضح جدا فى حشرجة ( زور) عربة التفتيش يأرق الكلب الرافض دوما أى نشاط ... و الشاب المقيد حديثا فى سجلات مأذون البلد يلطف من سعير النار المتقدة فى أعلى الجانب الأيسر للزوجة المسكينة التى تعرف جيدا أن حوائط الدار لن تمنع عنها حرارة الشمس بعدما يذهب عنها ظل زوجها .
فى احدى المرات سمعتها تهمس لأمى – و هى الابنة الوحيدة لجدتى - :
ان غاب الراجل غاب الظل و الست اللى من غير راجل زى شجرة التوت الدكر ملاش ظل .
الكحة المزمنة لازمت شكمان العربة التى انطلقت و ألهبت قلوب الأمهات و الزوجات و تركت العدوى فى الشوارع تصيب كل الأنوف المرتطمة بغبار شكمانها الأسود و على متنها العديد من زينة شباب البلد و ذلك الزوج الذى احتبس عبراته أمام زوجته ولم يجد تصريفا لها الا داخل هذا الصندوق المكتظ بالعمم و الطرابيش.
مرت ثلاثة أشهر شمسية و لا أخبار عن زوج ابنة الشيخ حافظ ، و ثلاثة قمرية انقطع عنها الطمث فأكدت لها القابلة أنها صارت من حوامل القرية و سيستقبل الشيخ حافظ صغيره الأول بعد أشهر قلائل .. ثم منحتها مجموعة من الدعوات و عدة وصايا لما ينتاب النساء دائما ما تستعملها فى كل البيوت لتأخذ ما فيه النصيب من طيور أو حبوب ... لمح الشيخ ما فاهت به المرأة لابنته ، فذهب الى المسجد متطوعا الى الله بركعتين و باسطا راحتيه للرزاق أن يعينه على رعاية ابنته التى فقدت أمها منذ الطفولة فلو كانت - رحمها الله - حية و باقية لكان من الجائز أن يستغنى عما سيحصله من معلومات ممن سبق لهن النفاس أو ربما كان سيكتفى بالتكبيرللمولود فى أذنه و ينطقه أسماء الله بعد الفطام ثم يضمه طفلا نجيبا الى الكتاب و يحفظه ما سيتيسر له من كتاب الله .
علم الشيخ حافظ فى صبيحة اليوم التالى أن ابن أخيه رجع بسلامة الله الى القرية بعد صلاة الفجر فأهمل كوب اللبن الذى تعوده كل صباح و انطلق فى الشوارع الفقيرة قاصدا ابن اخيه أو بالتحديد قاصدا اجابة للسؤال الذى أرهق مخ ابنته منذ تسعون ليلة ... أين تمسى عليه شمس الله و أين تصبح ؟ و متى سيرجع ظله ثانيا ؟
و قبل أن يخوض الرجل فى تفاصيل تتخللها السين والجيم - كعادة الكبار من الشيوخ - تقبل التهانى و الوصايا المتدوالة من عواجز الدار لما علمن منه أن ابنته ( حبلى ) حينما سألناه عن حالتها الصحية وتضرعن الى الله أن يتم عليها بالخير والعافية .. و بنظرات مختلسة من حين لآخر تجاه ابن اخيه
- الذى فقد نصف وزنه تقريبا- شعر الرجل أن أهداب الحديث ستستطيل ما بين الحمل و الولادة
و لو تمادى فى الحديث مع العجوز عن النصائح المفترضة لكل شهر لاحتاج انصف نهار كامل .. اقترب الرجل من الشاب قليلا و طبطب على كتفه مرتين و بخبرة أهل الحديث تطرق الى السؤال الذى ينخر فى رأسه مستعلما عن زوج ابنته .. فأجابه الشاب بعدما أخذ نفسا عميقا ثم طرده بصعوبه :
- أنا زيكم ما شفتوش من ساعة ما وصلنا المعسكر .. كل واحد راح منطقة .
توالت الأيام و تلاحمت الجمع لتمر الأسابيع بخطى بطيئة و ثقيلة و ابنة الشيخ تشكو مرارة الانتظار و ضيق الملابس التى بدأت تمتلأ بالحمل شيئا فشيئا .. انقضى شهر و آخر وهى منتظرة قدوم المولود و عودة الأب الذى راح مع العربة المزكومة و غاب أكثر من اللازم .
كثرت الأحاديث و تزايدت الأقاويل عن زوجها و أضحت سيرته على ألسنة كل أنفار الوسية كأنها أغنية يتداركونها من وقت لآخر يجدون فيها لذة ليضيعون بها ساعات اليومية المرهقة الى أن يأتيهم الخولى و يصفهم كالمجندين ويدس فى يد كل واحد منهم الخمسة عشر قرش بدلا من الربع ريال الذى كانوا يتقاضونه فى الموسم الماضى .
ازداد قلق الشيخ و تفاقمت مخاوفه فربما قد يكون أصيب بأذى أو مكروه أو ربما .. لا لا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. يستعيذ الرجل ثم يعود بعد دقائق لهاجسه من جديد ، فكل من امتطى معه صندوق العربة عاد لأهله ثم رجع ثانيا الى وحدته ... لم يترك عائد ممن ذهبوا معه الا وسأله و فى كل مرة لا يجنى الا خيبة الأمل .
بعد أيام قلائل ستخوض ابنته الشهر السادس فالرجل صار لا هم له الا عد الأيام و متابعة القمر
و ابنته المسكينة .. وذات ليلة زارته زوجته فى المنام و أوصته بالصبر ففرج الله قريب .. نهض الرجل من نومه يستغفر الله و سائله أن يرزقه الصبر .. ثم توضأ و قبل أن يذهب لأذان الفجر أيقظ ابنته للصلاة و كعادته كل ليلة يحثها أن تبقى يقظة حتى يفرغ من الصلاة ويعود .. فربما أحد المتسكعين ليلا ينتهز فرصة غيابه عن الدار و يصيبها بأى مكروه.. تأكد الرجل من سلامة باب الدار و احكامه جيدا ثم انصرف الى المسجد .
الابنة وحيدة بالدار و الركلات المتعبة تعوق حركتها قليلا .. فجأة انتبهت الى نباح الكلب الكسلان دائما و الراقد خلف باب الدار .. انتابها القلق فتلك هى المرة الثانية التى يفصح فيها عن حنجرته الرنانة منذ أن فقد جارهم المسكين حماره و رفض أى انسان أن يستجيب لنباحه وضاع الحمار .
تداركت الزوجة الخطر هذه المرة و خاصة و أن النباح يتزايد .. فحاولت أن تستجمع قوتها لتصل الى باب الدار لما سمعت طرقاته الحادة و تأكدت أن الكلب يواجه آدمى بالخارج هو صاحب هذه الطرقات .
- مين ... مين بيخبط ؟! ... استفسرت المرأةعن الطارق بحنجرة ضعيفة و مرتشعة ولما أفصح هذا الآدمى عن هويته و أمرها أن تفتح الباب لم تكن متأهبة جدا ولا ممتلكه القوة الكافية لمقاومة الفرحة العارمة التى فككت كى تستقل الزوج العائد بعد غياب دام ثمانون يوما و مائة ..
فرحة الرجل بزوجته و مولوده المنتظر لم تمنعه من احتباس دمعه هذه المرة ... وفرحة المرأة بزوجها أفقدتها كل أوجاع الحمل و ركلات الجنين .. جلسا الزوجان يشكوان لبعضهما قساوة الأيام الماضية و ثقل خطواتها و يتطرقان من وقت لآخرالى الحديث عن المولود و انتقاء اسم مناسب له أو اما يتركان الاختيار للشيخ حافظ الذى سجد للرحمن شكرا فور علمه بعودة الزوج بسلامة الله .
لم ينس الزوج أنه أحضر لامرأته قطعة من القماش الفاخر .. قد اشتراها من أحد تجار الأقمشة بميدان رمسيس و وعدها بأنه لن ينسى مولوده فى المرة التالية و فى كل أجازة سيشترى لهما ما يروق له من ألوان .
للمرة الأولى يقوم الشيخ حافظ لصلاة الفجر دون حاجة لاحكام الأبواب .
قضى الرجل ستة أيام مع زوجته و مضت الأجازة كأنها لحظات بعدما تشتت هواجس الشيخ و انفرج صدر ابنته من جديد .
عاد الرجل (لراعى الكلاب ) وعادت الزوجة تعانى مرارة الوحدة و قسوة الأيام البطيئة و الشيخ حافظ بدأ ينظم عدها من جديد و لم يكن على الزوجة الا أن تفتح صندوق المقتنيات و تتحسس قطعة القماش التى عطرتها و احتفظت بها من آن لآخر .
غيبة الرجل لم تدم طويلا هذه المرة بل عاد الى قريتة بعدما ذهب الشيخ حافظ مع عربتة التفتيش ليوقع على استلام الجثة التى مزقتها الكلاب العسكرية أثناء الهرب ..
أما الرقعتان الخامسة والسادسة ، فستبحث لها العجوز فى صندوق المقتنيات عن قطعة قماش عالية الجودة .
محمد ابراهيم سلطان[/align]
تعليق