قبل مجيء الحطام
عبد الحميد شوقي
" لا تمت بعيدا
عن دمع بلدتك الصغيرة .. ! "
قلتُ لنفسي
وكنتُ أستعد لركوب الضياع ..
" انتظرْ لحظة
كي تفرغ الأشياء من يومياتها
وتصطف لتوديع خطاك المتوارية ..
لا تمت بعيدا
ليس للأرصفة هواء آخر
والنسوةُ القادمات
من جهة السوق
لا يسمعن
غيرَ طنين الذباب
ولا يرين
غيرَ مؤخرات الدواب
وأنت تسعل من البرد
كي تحرق يومك
بين دخان الكلمات
واصفرار الجرائد اليومية ..
انتظر آخر قطار
قد لا يأتي بعد العاشرة
انتظر انطفاء الإنارة
واختفاء آخر سكير
يبول على حائط الحانة القديمة
وسقوطَ آخر نجمة
في فجوات الاندثار ..
لا تسجلْ
في دفترك الحميم
مشهدَ اليوم الآني
حين يشهق البحر
بالأنين البائس
وتردد صفحات الجرائد
ما سيحدث قبل الأمس
من صدام الحضارات
ونهاية التاريخ
على مشارف الحروب الجديدة ..
كنتَ ستبكي
قبل ولادة الأسطورة الحديثة
حين رحل الفرسان
عن مضاربهم
وشدوا عربة الخريطة من سلاسلها
وساروا نحو البحر
ليلقوا عفن الأمكنة في الأعماق ..
كنتَ ستبكي
قبل ارتداد الموجة الأولى
حين استفاق الرملُ المزمن
المقدّدُ في قدور العرب
والمعلّقُ على صدور المضافات
كي يسمع هدير المدافع
على أسوار الإسكندرية
وسقوطَ الفتاوى
في بريق الرجل القادم من الضباب ..
انتظرْ قليلا
صوتَ انكسار الموجة الأولى
لن يأتي القطار
قبل العاشرة
ولن يصعد الركاب
قبل صفير الحارس المبحوح ..
للمنافي في وريدك
ألفُ حكاية
وأدتْها عواصف الغبار
وعشرةُ عصافير
احتبستْ في كهف الوصايا
وجثامينُ سيدات سافرات
رُجمنَ في ساحة البلد ..
في المتاهات التي تأخذك
لكَ ما يشبه عزوف القمر
عن افتتاح بسمته المسائية
حين ترفع الحناجر خناجرَها
في وجه تسامحه الضوئي
لكي تسوّد آل الرمال
على مملكة العطش الأبدية
سوف يأتي نبأ السقوط
في أخبار الثامنة
وأنت تهمُّ باجتياز الجمارك
نحو خطوط التلاشي الحتمي:
أياد تتحطم ..
متون تتفسخ
على جلود المريدين ..
طائرات تجوب المجال
في لاوعي المهزومين ..
لا تغمضْ عينيك
قبل اكتمال النشرة :
صور لانشراخ المرايا
وعبورِ القوارب
نحو سواحل الموت الهلامي ..
صور لفلول المتوارين
في تجاويف الوعي الملغوم
الخطى تدلّ عليهم
والأماكنُ تتفحّم خلف مواسيرهم ..
لا شيء يجعل الوردة
تحتفي بفتوة الأشياء
لا شيء يجعل الطيور
تراقص الموج الصاخب
على أرصفة النهار .. !!
المراثي قابعة
في مراسي الدماء
تنسج رماد الانتظارِ
على مداخل المدائن
وفوق جلود الأجسام الكسيحة
عربات ٌ تحمل جثث الموتى
ومناحات ٌ تصفّر لانغلاق الأيام ..
وحدي كنتُ
حين أكمل الليلُ دورته
وأبى أن يرحل عند الفجر ..
شربت قهوتي على مهلٍ
ودندنتُ بأغنية عابثة
قبل مجيء الحطام
وتمددت على غيم الخيال
كالغرانيق الراحلة صوب الجنوب
وفي رأسي
امرأةٌ تأكل حدوسَ الدهشة
ومُزارِعٌ يمسح لزوجة العفن
عن جبهة التاريخ
وليس في بياض الفصول
ما يدل على وضوح اللذة
وارتعاش الغريزة الأولى
في عيون المقاتلين ..
فكيف تأكلُ شِعْرَك جانبا
وتُلقي للمارة
ببقايا القوافي الموبوءة ..؟!
كيف تكشف عن شياطين عزلتك
ولم تبرأْ سيداتُ الفجر من مراثيك .. ؟!
في وحل الشارع
أفكارٌ تلهو مع الصغار
بكرة القماش
ووجدانٌ يخلد لقيلولة لا تنتهي
زمنٌ يسعل مصدورا
من غبار المتون القديمة
وينكص هاربا من غيوم الآتي ..
لا توقظوا الماعزَ
من غفوته تحت الأشجار
لا تفتحوا الكهف الأفلاطوني
كي لا تزكم رائحة الحقيقة
أنف المكان ..
ها هنا الموتُ
يأكل توت الحدائق
ويسامر صبايا الحي
ويهتف للذاهبين إلى الماوراء .. !
قلتُ لرفيقتي الشمسِ
ونحن نشرب كأسين في حانة الصعاليك :
ليس للشعر
أن يقود رؤى الحالمين
وليس للحلم
أن يضيء ليل الشعراء ..
يا صديقتي
أفرغي كأسك
قبل مجيء الحطام
ربما يغتالني نادل مجنونٌ
يتسكع بين أوردة الظلام
أفرغي كأسك
قبل مجيء الحطام
يا صديقتي
أفرغي كأسك .. !! "
نوفمبر 2007
[/SIZE]
تعليق