الرحـلـة .. بقلم يزيد ال مشرف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يزيد آل مـشـّرف
    عضو الملتقى
    • 13-02-2009
    • 31

    الرحـلـة .. بقلم يزيد ال مشرف

    حكا لي أحد الأشخاص عن قصة .. ولقد اخترتك أيها القارئ الكريم لتكون الرفيق الثالث الغير مرئي - الغائب الحاضر- في رحــلة .. وقد تكون هذه الرحـلة مفيدة وذات عـبر وتستطيع أن تدرك إن كانت واقعية أم خيالية .. فهل ترغب أن تكون ذاك الرفيق ؟



    أتركك مع قصة هذا الرجــــل حيث يقول ..





    تبدأ الرحلة عندما اخترت في أحد الأيام ، أن ترافقني فتاة غير واضحة الملامح لمشوار طويل .. وقد كانت حينذاك من أفضل ما اخترت..


    رحلتي معها هو لعلمي بأن أجدادنا منذ قديم الزمن كانوا يكتشفون حقيقة الإنسان بمصاحبته في سفر أومن خلال موقف معين .. وكنت أراها نِعمَ الصاحب والرفيق.. لا سيما أنني كنت على يقين بأن طموحها وحبها للمغامرات وخوض تجارب الرحلات وإثارتها سيدفعانها إلى مرافقتي في هذه الرحلة وقد كان ما أردته..



    رحلتي إلى مكان تكسوه الرمال الذهبية وهذه أرضهُ وذاك سَماه .. مزيج بين وهج النهار ودفء الشمس وبين سكون الليل ووضوء القمر وليس للنبات فيه من مكان إلا من قبل مجموعة متناثرة تتحدى الجفاف ولا تكاد تُذكر .. إنها الصحــــــــــراء


    بدأنا المشوار وركبنا صهوة جوادين .. نشق طريقنا في هذه الصحراء المترامية الأطراف ولدى كل منا طاقة وحيوية وعنفوان من كل حدب وصوب مما يكفي لتحويل هذه الصحراء إلى جنات غنـّاء وكنت أجد رفيقتي أروع من أي إنسان في هذه الدنيا سيما عندما أنظر إليها وهي ممشوقة القوام بجانبي ممتطيةٌ صهوة الجواد كالفارسة..



    وأدركتُ حينها أن عقلي عندما اختارها من بين نساء الدنيا قد كان على حق ودون أن تعلم .. لقد أختارها لعدة جوانب ومنها حُسن نواياها والصدق وحديثها عن أهمية وجود الثقة الكاملة ونظرتها الراقية عن الخصال الإنسانية ومنها الوفاء..




    وبعد فترة طويلة من الوقت تاهت بنا الخطى عبر الدروب حتى وصلنا إلى قلب الصحــراء .. فتوقفنا لأن اتجاهاتها الأربع تداخلت وباتت مثل بعضها وليس لديها سواي وليس لدي سواها ولكل منا رأي حول سبل النجاة في لحظات يشتد فيها النقاش فنسمع صدى أصواتنا في الفضاء .. عندها نصمتُ فلا نسمع إلا سكون الفيافي تتناغم مع هدوء الرياح مما يُشعِرُنا بأننا الوحيدين في غياهب الصحـــــــــراء..


    يا الله .. ويا لجمال هذه اللحظاااااات




    ثم ألتفتت إلي تنظر بعينيها الجميلتين الشقيّتين ، نظرات الترقب والهلع وعندما رأت ملامح وجهي وعمّقت النظر في عينيي ، أحسست أنها تُخفي بداخلها ابتسامةُ رضا خجولة ، ويبدو أنها ابتسامة الاطمئنان والأمان لأنها بمعيتي .. استذكرت حينها أقوال الفلاسفة " عندما تُغرم المرأة فهي تعرفُ أدق تفاصيل وجه الرجل"



    ثم فكّرتُ بأن النجاة في أيدينا عن طريق اختيار الاتجاه الصحيح ولذلك لابد من التنازل لبعضنا أو التنازل عن بعض الآراء الغير متوافقة بيننا..



    كيف لا أتنازل ؟! وقد كنت أشعر بأنها ظلالي وقت الهجير .. وأنها مائي وقت الظمأ .. حتى السراب من بعيد جعلته لي قطرات ماء عذبٌ مذاقه..




    رائعـةٌ تلك الصحراء التي معها عـشتُ أوقات نهارها الدافئة وليلها البارد معها .. وكنت أبني من رمالها قصور وبساتين معطرة بأصدق المشاعر وكانت خوفاً من برودتها تكسيني بكلماتها الدافئة والحالمة حتى جعلتني


    " شهريارُ " عصره ومَلِكُ زمانه ..




    ويَحينُ غروب الشمس الذي ينعكس شعاعه على حبات الرمل فتبرق كالذهب .. ثم يأتي الليل ويا لها من ليالي صحراء جميلة يُضيء فيها نور وجه الرفيقة الساطع علينا وعلى خصلات شعرها الطويل كما الريفال ..



    كنت أنتظرها بفارغ الصبر من أجل أن تناجيني تلك الرفيقة بأحاديث الليل العفيفة حتى ساعات السحر .. وبالرغم أن عقلي كان ينبهني بأن أرضنا رمال لا يُبنى عليها شيء ولا يبقى فيها شيء إذ سرعان ماتزول مع أول هبة ريح ..



    وخلال الليل عندما نلقي بظهورنا على كثبان الرمال ،كنا نلتحف السماء ، ونجومها المضيئة ترقبنا من العوالي بعيونها البراقة التي تشع بنورها كالثريا المتلألئة في عرض السماء، فتسأل بعضها البعض..



    ما الذي أتى بهذين الرفيقين إلى هذه الصحراء ؟! وما هي وجهتهما ؟!



    وفي ليلٍ أكتمل بدره وظهر بريقه في حالكِ الظلام ليطرح الأجوبة حول أسئلة النجوم .. وهو ينظر بكل شموخ وثقةٍ كنظرة شيخ عالم ! فيقول

    لا شك أن " النية مطية " ولكن أين سينتهي بهما المطاف ؟!



    كنت خلال هذه الرحلة أسامرها واقصص عليها أجمل القصص والقي عليها أحلى القصائد لأنسيها طول المسافة وكنت أحّول كل ما يحيط بها إلى عالم آخر جميل لأشعرها بذاك الاطمئنان ..



    وأيقنت حينئذٍ بأنها تَشعر بي وإحساسها المتدفق يُلمّح بمعاني الغرام على استحياء، عندها تمنيتها شريكة حياة بدلاً من أن تكون شريكة رحــلـــة فقط..




    تخّيلت العيش معها في أي مكان حتى لو كان في هذه الصحراء ، لأنها أشعرتني بجنتي التي تجعلُني بقوة أمانيهاااا أتخيل أن كل شي يقع عليه نظري .. مـروجٌ وأزهـــار!


    ثم قررت مواصلة المسير وأبذل ما بوسعي لأنقذها ونفسي مما نحن فيه.. وأن هذه الرحلة تتطلب من الطرفين العطاء والإيثار والسماحة والحكمة والحلم والصبر.. واختارت هي الاتجاه أو بالأحرى تركتُ لها حرية الاختيار ووعدتها بداخل نفسي بالحفاظ عليها مع مشاعرنا من التيهان حتى نهاية الرحـلة..


    وأثناء الرحلة تحّملت شكوكِها ، حيث كانت تتوجس الخوف - لعلها كانت تظن بأني سأتركها وحيدة لأنقذ نفسي - ناهيك على أنها لا تخلو من غموض وأسرار، زاد عليها سموم زواحف الصحراء .


    لقد منحتها كاهلي كظلال تستند عليه ، وبدني كظلال تستظل به ، وروحي نسمات باردة بعبيرها تُنعشُ رئتها من غبار الصحراء ، وعيناي لترى بها كل ما هو جميل فيبعد عنها تلكم وحشة المكان ..


    كنت أطعُمها شهد العسل عندما تجوع ، وأسقيها الماء السلسبيل عندما يشتد عليها العطش . تذكرت لهفتها لسماع قصصي وإحساسي لتبديد خوفها وشكوكها حول الأمان ..



    ويستمر بنا الطريق إلى مالا نهاية وهي تبدو سعيدة معي مما يشعرني بالسعادة كذلك مع أني كنت أترقب وأتهيأ مواجهة المصاعب بدلاً عنها بدون أن أشعرها بذلك كي لا تهرع . وفجأة إذ بنا نصادف في عرض الصحراء ما لم يكن بالحسبان .. إنها عاصفة هوجاءٌ كالهيجاء ، مُقفِرةٌ لا تبُقي ولا تـَذر ..




    ماذا تتوقع أن حل بنا ؟ لا تجزع لم نمت ولم ندفن أحياءً !! إنها معادلة صعبة وحلها في نهاية هذه الرحلة..


    مع أننا خرجنا بفضل الله من تلك الصعاب سالمين إلا أن الماء الذي لدينا قد نفذ ونحن عطشى ومع ذلك واصلنا السير بحثاً عن النجااااة ، وكانت الشمس ترمي بسهامها الحارقة علينا ،ورمال الأرض تلعب بنا وكأنها موج هائج وبحر ليس له قرار..يلهو بنا السراب حتى يتراءى لنا أنها واحة غناء . فتسألني رفيقتي وهي تنتظر الإجابة على عجل عبر شفتاي التي جفت من شدة العطش ..




    هل ترى ما أراه ؟! لا أكاد اصدق عيناي ! إنها واحة على مشارف قرية..




    نعم يا سيدتي هي القرية في وسط الصحراء ولعلها القرية التي كنت أقصص عليك حكايات أبطالها عندما كنت " الشهريار "!!



    أتعلم أيها القارئ الكريم ما بهذه الواحة ؟ إنها واحة نصف سكانها فتيات عذارى من أروع ما خلق الله ،يتنافس أهلها على تزوجيهن لفرسان القوافل بعد بلوغهم كل هذه المسافة سالمين ومتجهين نحو البئر الوحيدة التي تقع بجانب باب القرية..



    والعجيب في الأمر أن رفيق هذه الفارسة لم يلتفت إليهن لأنه رأى رفيقته أروع من هؤلاء العذارى..



    والأعجب أن تلك البئر الوحيدة مسكونة ، ويُحاك حولها أبشع القصص والحكايا ، قالوا يتحكم بها الجان ، وأن من يسقط بها لا أمـل بعودته ..




    عند باب القرية شخص يحمل الأخبار ، يحرس بابها ليبّشر بوصول النساء ، إنهن الفارسات اللاتي يجتزن مصاعب هذه الصحراء وأهوالها ، يدخلن من باب القرية . ويقدم لهّن الملذات وما يرغبن من الرجال الذين يمتلكون الكمال في الخلقة - بغض النظر عن الأخلاق الحميدة -ليسامروهّن في دجى الليالي ..




    ومن المؤسف لا يدخله الرجال ولا حتى الفرسان إلا من أكتشف سـر هذا البئر حيث يسمح له بالولوج من الباب إلى القرية ويقدم له الجواري الحسان وكل ما لذ وطاب ، وأما من عجز عن اكتشاف السر فيُرمى في غـَيابة الجـب ..





    ويقول .. بقيتُ استرسل لها الحديث حتى وصلنا باب القرية ، وفجأة تحولت رفيقتي بمجرد وصولنا الباب إلى شخص غريب مارد من الإنس ! حتى بتُ أرى في إحدى عينيها الإنسانة الفارسة التي أحلم بالعيش معها في سعادة غامرة ، وأرى في العين الأخرى سوء النوايا وغدر الوفاء !!




    لقد أصبحت إنسانة مختلفة !! صار حديثها خلال مشوار الرحلة عن أفكارها وقناعاتها الوردية عبارات سراااب .. ولم تكن مثلما تصورت ، فارسة أحلام أو حتى حمامة سلام !!





    أيقنت أن قصصنا وحكايانا قد كانت خيالية !! حيث أن فارساتها غرتهن حياة المتعة واللهو وتنكرن لمن رافقوهن ورعوهن وأوصلوهن سالمين فحافظوا عليهن .. سبحان الله





    بيد الجميل ، أن كل من يعرف لغز هذا البئر ومغزى معانيها .. يحيا مرة أخرى وقد كسب مغانم هذه الرحلة الطويلة ..





    "ضاقت فلما أستحكمَت حلقاتُها* فُرجـت وكنت أظنها لا تُفـرجُ"






    نعم .. عرفت حل هذا اللغز وأدركتُ معنى الصدق والثقة والوفاء ورأيتُ الحياااة بصورة أوضح مما كانت عليه قبل هذه الرحلة ولم ندفن أحياء ..




    أما رفيقة الرحلة أقصد من حسبتها الفارسة فقد اختارت البقاء مع


    أهل القرية .. إنها حياة الزيف والبهرجة ، بالطبع هي سكرة الحياة وسرعان ما تستفيق لواقعها مثل أي إنسان قد غرّه حياة القرية ..





    لذا .. انصرفت عنها تاركاً لها حرية الاختيار ولم أدخل القرية داعياً لها بالتوفيق حيث لم تدع لي مجالاً لأنقِذها من تلك القرية وما فيها ، ولأن خيارها هذه المرة قد لامس كبريائي ..





    وواصلت مسيرة الرحلة بدونها وبكل إيمان وعنفوان وانطلاقة إلى ..


    حياة أفضل حيااااة الفرساااان ...








    انتهى ،،





    ( ذكر أسماء الرفيقين أبطال هذه القصة ما بين سطورها )






    بقلم أبو أحمد آل مشّرف


    التعديل الأخير تم بواسطة يزيد آل مـشـّرف; الساعة 18-01-2011, 20:53.
    [COLOR="Navy"][SIZE="4"][align=center]
    أجمل الكتب لم نقرأها بعد ..

    أجمل الورود لم نرها بعد ..

    أجمل أيام حياتنا لم تأتِ بعد ..

    تذكرون أن بداية القراءة حرف ، ثم كلمة ، ثم تكون المعرفة .. [/align][/SIZE][/COLOR]
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    يزيد آل مشرف
    قصتك فيها من روح الحكايات الطويلة باع طويل
    جميلة رأيتها وهي تتحفنا مرة بألغاز وأخرى بتشبيهات للمكان والزمان رائعة
    بصورة عامة قصتك أعجبتني
    تحياتي لك
    وهلا وغلا بك معنا
    نورت

    أكره ربيع
    http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67177
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • يزيد آل مـشـّرف
      عضو الملتقى
      • 13-02-2009
      • 31

      #3
      [align=center]

      سيدتي الأديبة القديرة عائدة محمد نادر

      وعذرا على تأخير الرد نظرا لإبتعادي فترة طويلة
      عن هذا الصرح الأدبي الكبيررررر

      وأشكرك على ابداء رأيك القيّم حول القصة ..
      وبلا شك أن نقدك الهادف يهمني لا سيما إن
      كان إيجابيا من أديبة قديرة بمثل شخصك الكريم ..

      قراءتك العميقة فيما طرح بهذا الملتقى ينم عن إعتزازي
      بالمستوى العالي للمسئولين والمشرفين الذي يزخم به
      هذا الصرح الفكري .. وأنتِ بالطبع في مقدمتهم ..

      مروركم الراقي لا يسعني شكركم عليه ..

      مع تحيتي وتقديري ،،

      حفظكم الباري ،،


      أبو أحمد آل مشرف
      [/align]


      [COLOR="Navy"][SIZE="4"][align=center]
      أجمل الكتب لم نقرأها بعد ..

      أجمل الورود لم نرها بعد ..

      أجمل أيام حياتنا لم تأتِ بعد ..

      تذكرون أن بداية القراءة حرف ، ثم كلمة ، ثم تكون المعرفة .. [/align][/SIZE][/COLOR]

      تعليق

      يعمل...
      X