[align=center][align=center]سقط سهواً
نهارها جاوز الضياء، لون رمادي يلون السماء واصفرار يعلو جبين المهاة . لحظات قامت خلالها الأستاذة فاطمة أو" أم يوسف " ـ هكذا تحب أن ينادونها ، فاسم ابنها أحب إليها من اسمها بل هو عندها أحلى الأسماء . ـ قامت وقد أحست بلسعات هواء بارد تلفح ذراعيها وأخذت تجر قدمين نهش الزمن خطوهما بلا رحمة ، أخذت تجرهما نحو مكتبها لعل معطفها يحمي ذراعيها من تلك النسمات الباردة ـ أقصد من تلك السياط ـ إذ لم يعد يناسبها ذلك الجو.وإن كانت تعشقه فكم انسابت ذات يوم خصلات شعرها ـ المهزوم اليوم أمام جحافل السنين ـ وهي تهز كتفيها نشوانة تتراقص قدماها على أنغام حفيف الشجر وصوت فيروز تغني......
أديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس، وتشتي الدني
ويحملوا شمسية وأنا في إيام الصحو
ما حدا نطرني ما حدا نطرني
نغم يخترق شرايين فؤادها ، بل إنه كان يهز بقعة جميلة في جوانح وجدانها ، ومعان ما برحت إلى يومها هذا تناوشها ، تسرق اللحظة من حاضرها كلما جاد الزمان عليها بسماعها ـ عن غير قصد ـ إذ ترى في السماع غضاضة . وكيف تسعى للسماع وقد وقر في داخلها بعد هذا العمر حرمة الغناء لكن رغما عنها فإن ابن آدم ضعيف ـ رغماً عنها تتسمر أذنها تلاحق الكلمات ، تتأود الآه على شفتيها...
وفجأة تختلس النظر حولها ، تتمتم " أستغفر الله ، أستغفر الله كيف أطرب ألا أستحي ؟ ! ماذا أقول لأبنائي ؟ ماذا أقول لبناتي ؟ بل ماذا أقول لطالباتي ؟
بهذه الكلمات أخذت توبخ نفسها وكأنها تعيش حالة سماع لكنها وإن كانت تخجل من السماع لفيروز فإنها لا ترى غضاضة بينها وبين نفسها من أن تناقش معاني الكلمات :
أديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس وتشتي الدني ويحملوا شمسية
وأنا في إيام الصحو ما حدا نطرني ما حدا نطرني .....
نعم لم ( ينطرها ) أحد وكم كانت تتمنى لو فعل ... كم حلمت بذلك الفارس الجميل .. كم حلمت بذلك الرجل ! لم يكن يوماً ليعجبها ذلك المستأنث المترنح كالغواني .. لم يكن يملأ وجدانها إلا نوع معين من الرجال ، ربما لو أرادت أن تخلع عليه رداء مشهور لاختارت خالد بن الوليد . لا بل عمر بن الخطاب لا بل كليهما معاً .
اشتد لسع النسمات ومد الليل بساطه ولابد لها من كوب شاي تحس دفء المكان إذا ما التصقت يداها به . إنه الشتاء ، و إنه عامها الخامس والأربعون .. أخذت أم يوسف تتهادى نحو مكتبتها التي تراها أعظم كنز حرصت عليه عبر هذه السنين الباردة . ! التقطت كتابها المنشود ألقمت أوراقاً على مكتبها ثدي القلم ... لابد أن تبحث ،لابد أن تكتب ، لابد . فطالباتها في الانتظار ...ولابد لها أن تكون سيدة الموقف .. تصول وتجول تشرح حيناً ، تؤنب من تشاغب حيناً تمازح تلطيفاً للجو حيناً ... .تريد بكل جهد أن تكون . .ولا تريد بكل جهد ألا تكون ... تتناغم العلاقة بينها وبين طالباتها ـ أو على الأقل ـ " هكذا كانت تظن " مضت سنواتها العشرون في التدريس سعيدة تزهو بنظرة تلتمع من أعين طالباتها يؤكدن فيها فهمهن لشرحها تسعد غاية السعادة إذا لجأت إحداهن إليها تشرح لها ، تبّوب ، تفند ، تعلّل تناقش . هي بالنسبة لها متعة برغم تكاثر الأعباء وترنح الجسم و الأعضاء . وأم يوسف لا تخفي بين حين وآخر تهالك جسمها ورغبتها في ترك مهنة التدريس ولكنها مازالت سعيدة ، سعيدة وهي ترى طالباتها اللاتي أنست بهن يتخطين المرحلة الثانوية سنة بعد سنة .. لكن دفعة التخرج لهذا العام أقربهن إلى قلبها بل إنها كثيراً ما تستوقف بعضهن ـ وإن تخطين المرحلة التي تدرس ـ تسألهن عن أحوالهن عن ظروف دراستهن ..... شعور قد يبدو غريباً يلازمها يجعلها تظن أنها مسؤولة عنهن إلى اللحظة التي تنبت فيها قوادمهن وتنطلق فيها الأجنحة بالطيران ... لم لا ؟ وقد علمتهن عامين كاملين .، ولم تنفصل عنهن إلا هذا العام بل إنها لا تعتبره انفصالاً فما زالت تسأل عنهن وتفخر بأنها درست بعضهن هكذا كانت تحدث نفسها خاصة وهي تسمع أن الطالبات تستعد لعمل حفل { تفاؤل } بالتخرج .
مضت ليلتها الباردة سريعاً انطلقت نحو يوم جديد وطالبات تنتظر المزيد ............
حصصها كثيرة تنتقل من فصل إلى فصل تخرج وقد غبَر كما تسميه }شرف المهنة } أي ـ الطباشير ـ يديها ولونَها بكل ألوان الطيف ألقت نظرة على الغرفة المجاورة ، ألقت التحية لمن في الغرفة ، لمحت بطاقات على المكاتب ، لم تأبه ، فمن المعتاد أن تدعو طالبة من تشاء من المعلمات إلى حفلة زفاف أختها أو ربما زفافها ولا يعنيها مثل ذلك ... دخلت غرفتها سمعت زميلاتها فيها تتناقش حول التخرج وحول حضور حفل {التفاؤل } بالتخرج ....... التقت بعد تناولها طعام فطورها زميلتها المشرفة على تدريس من كن طالباتها وبرقة النسيم تسألها زميلتها [ مدعوة أنت ؟ ] ..... واستل السؤال إجابة سريعة سرعة النسيان في دنيا البشر [ لااااااااااااااااااااااا ]
هكذا حال الدنيا وحال الناس !!!!
***
*****
******
أم يوسف اليوم سعيدة أكثر مع دجاجات تتراكض نحو الحب تتسابق لا لتقاطه من يدها فتنثره أمامهن ومن ثمَ تمسك إبريقاً صغيراً تسقي به وريدات زرعتها حول بيتها الصغير في بلدها الأم منذ شهور وها هي الآن تجلس على كرسيها الصغير وقرب دجاجاتها ترتشف فنجانا من القهوة .. يتهادى إلى أذنها من مذياع جيرانها صوت فيروز ...
أديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس
وتشتي الدني ويحملوا شمسية
وأنا في إبام الصحو ما حدا نطرني ما حدا نطرني
النوار
الأربعاء : 26 \محرم \1425
الموافق
17\3\ 2004[/align][/align]
نهارها جاوز الضياء، لون رمادي يلون السماء واصفرار يعلو جبين المهاة . لحظات قامت خلالها الأستاذة فاطمة أو" أم يوسف " ـ هكذا تحب أن ينادونها ، فاسم ابنها أحب إليها من اسمها بل هو عندها أحلى الأسماء . ـ قامت وقد أحست بلسعات هواء بارد تلفح ذراعيها وأخذت تجر قدمين نهش الزمن خطوهما بلا رحمة ، أخذت تجرهما نحو مكتبها لعل معطفها يحمي ذراعيها من تلك النسمات الباردة ـ أقصد من تلك السياط ـ إذ لم يعد يناسبها ذلك الجو.وإن كانت تعشقه فكم انسابت ذات يوم خصلات شعرها ـ المهزوم اليوم أمام جحافل السنين ـ وهي تهز كتفيها نشوانة تتراقص قدماها على أنغام حفيف الشجر وصوت فيروز تغني......
أديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس، وتشتي الدني
ويحملوا شمسية وأنا في إيام الصحو
ما حدا نطرني ما حدا نطرني
نغم يخترق شرايين فؤادها ، بل إنه كان يهز بقعة جميلة في جوانح وجدانها ، ومعان ما برحت إلى يومها هذا تناوشها ، تسرق اللحظة من حاضرها كلما جاد الزمان عليها بسماعها ـ عن غير قصد ـ إذ ترى في السماع غضاضة . وكيف تسعى للسماع وقد وقر في داخلها بعد هذا العمر حرمة الغناء لكن رغما عنها فإن ابن آدم ضعيف ـ رغماً عنها تتسمر أذنها تلاحق الكلمات ، تتأود الآه على شفتيها...
وفجأة تختلس النظر حولها ، تتمتم " أستغفر الله ، أستغفر الله كيف أطرب ألا أستحي ؟ ! ماذا أقول لأبنائي ؟ ماذا أقول لبناتي ؟ بل ماذا أقول لطالباتي ؟
بهذه الكلمات أخذت توبخ نفسها وكأنها تعيش حالة سماع لكنها وإن كانت تخجل من السماع لفيروز فإنها لا ترى غضاضة بينها وبين نفسها من أن تناقش معاني الكلمات :
أديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس وتشتي الدني ويحملوا شمسية
وأنا في إيام الصحو ما حدا نطرني ما حدا نطرني .....
نعم لم ( ينطرها ) أحد وكم كانت تتمنى لو فعل ... كم حلمت بذلك الفارس الجميل .. كم حلمت بذلك الرجل ! لم يكن يوماً ليعجبها ذلك المستأنث المترنح كالغواني .. لم يكن يملأ وجدانها إلا نوع معين من الرجال ، ربما لو أرادت أن تخلع عليه رداء مشهور لاختارت خالد بن الوليد . لا بل عمر بن الخطاب لا بل كليهما معاً .
اشتد لسع النسمات ومد الليل بساطه ولابد لها من كوب شاي تحس دفء المكان إذا ما التصقت يداها به . إنه الشتاء ، و إنه عامها الخامس والأربعون .. أخذت أم يوسف تتهادى نحو مكتبتها التي تراها أعظم كنز حرصت عليه عبر هذه السنين الباردة . ! التقطت كتابها المنشود ألقمت أوراقاً على مكتبها ثدي القلم ... لابد أن تبحث ،لابد أن تكتب ، لابد . فطالباتها في الانتظار ...ولابد لها أن تكون سيدة الموقف .. تصول وتجول تشرح حيناً ، تؤنب من تشاغب حيناً تمازح تلطيفاً للجو حيناً ... .تريد بكل جهد أن تكون . .ولا تريد بكل جهد ألا تكون ... تتناغم العلاقة بينها وبين طالباتها ـ أو على الأقل ـ " هكذا كانت تظن " مضت سنواتها العشرون في التدريس سعيدة تزهو بنظرة تلتمع من أعين طالباتها يؤكدن فيها فهمهن لشرحها تسعد غاية السعادة إذا لجأت إحداهن إليها تشرح لها ، تبّوب ، تفند ، تعلّل تناقش . هي بالنسبة لها متعة برغم تكاثر الأعباء وترنح الجسم و الأعضاء . وأم يوسف لا تخفي بين حين وآخر تهالك جسمها ورغبتها في ترك مهنة التدريس ولكنها مازالت سعيدة ، سعيدة وهي ترى طالباتها اللاتي أنست بهن يتخطين المرحلة الثانوية سنة بعد سنة .. لكن دفعة التخرج لهذا العام أقربهن إلى قلبها بل إنها كثيراً ما تستوقف بعضهن ـ وإن تخطين المرحلة التي تدرس ـ تسألهن عن أحوالهن عن ظروف دراستهن ..... شعور قد يبدو غريباً يلازمها يجعلها تظن أنها مسؤولة عنهن إلى اللحظة التي تنبت فيها قوادمهن وتنطلق فيها الأجنحة بالطيران ... لم لا ؟ وقد علمتهن عامين كاملين .، ولم تنفصل عنهن إلا هذا العام بل إنها لا تعتبره انفصالاً فما زالت تسأل عنهن وتفخر بأنها درست بعضهن هكذا كانت تحدث نفسها خاصة وهي تسمع أن الطالبات تستعد لعمل حفل { تفاؤل } بالتخرج .
مضت ليلتها الباردة سريعاً انطلقت نحو يوم جديد وطالبات تنتظر المزيد ............
حصصها كثيرة تنتقل من فصل إلى فصل تخرج وقد غبَر كما تسميه }شرف المهنة } أي ـ الطباشير ـ يديها ولونَها بكل ألوان الطيف ألقت نظرة على الغرفة المجاورة ، ألقت التحية لمن في الغرفة ، لمحت بطاقات على المكاتب ، لم تأبه ، فمن المعتاد أن تدعو طالبة من تشاء من المعلمات إلى حفلة زفاف أختها أو ربما زفافها ولا يعنيها مثل ذلك ... دخلت غرفتها سمعت زميلاتها فيها تتناقش حول التخرج وحول حضور حفل {التفاؤل } بالتخرج ....... التقت بعد تناولها طعام فطورها زميلتها المشرفة على تدريس من كن طالباتها وبرقة النسيم تسألها زميلتها [ مدعوة أنت ؟ ] ..... واستل السؤال إجابة سريعة سرعة النسيان في دنيا البشر [ لااااااااااااااااااااااا ]
هكذا حال الدنيا وحال الناس !!!!
***
*****
******
أم يوسف اليوم سعيدة أكثر مع دجاجات تتراكض نحو الحب تتسابق لا لتقاطه من يدها فتنثره أمامهن ومن ثمَ تمسك إبريقاً صغيراً تسقي به وريدات زرعتها حول بيتها الصغير في بلدها الأم منذ شهور وها هي الآن تجلس على كرسيها الصغير وقرب دجاجاتها ترتشف فنجانا من القهوة .. يتهادى إلى أذنها من مذياع جيرانها صوت فيروز ...
أديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس
وتشتي الدني ويحملوا شمسية
وأنا في إبام الصحو ما حدا نطرني ما حدا نطرني
النوار
الأربعاء : 26 \محرم \1425
الموافق
17\3\ 2004[/align][/align]
تعليق