التنهيدة الأخيرة مع الفجر .

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ماهين شيخاني
    أديب وكاتب
    • 03-02-2009
    • 194

    التنهيدة الأخيرة مع الفجر .

    التنهيدة الأخيرة مع الفجر


    قام ذات صباح كعادته دون منبه لاداء فريضة صلاة الصبح ، استغفر ربه ثم تشهد وهو يتثاءب، لا يرغب بمغادرة الفراش،جسمه ثقيل وكأن عظامه متكسرة لقد أمضى يوماً شاقاً في عمله وهو رجل كبير، مسن ، رجليه غير قادرتين على حمل جسده ، قسمات وجهه وتجاعيدها تدل على تعب وشقاء هذا الرجل طوال حياته.
    - فرك عينيه ،...تثاءب ثانية ولكن هذه المرة لفترة طويلة حيث خرجت معها تنهيدة مرهقة في نهايتها ..آخ..آخ .
    استغفر بالله ...نظر إلى زوجته وقد تكورت باللحاف..نهض يفتش عن ثيابه المكومة على الأرض ، وفي إحدى زوايا الغرفةارتدى ملابسه تحت ضوء خافت من النواصة كي لا يزعج أولاده .
    اغلق الباب وراءه بهدوء واتجه نحو الجامع القريب من بيته ليلتحق بصلاة الجماعة ( فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) صدق الله العظيم.
    كان في المراحل الأخيرة من الصلاة ...التحيات...المباركات...الـ…فجأة تذكر عربـته التي يعمل عليها…استعاذ بالله…اكمل الآية والتفت يمينه ويسرة أنهى الصلاة…أسرع نحو الباب ليصل الى حذائه .
    انتبه المصلون الى حالته غير الطبيعية،لانه بالعـادة يبقى آخر من يخرج...لماذا هذه المرة...؟ الله يعلم ما في الصدور .
    انتعل حذاءه ، حاول الاسـراع ، رغم مشيـته البطيئة ، طالت المسافة امامه، تكلم مع نفسه … اترى كانت موجودةأم لا…! اني لم انتبه…عندما اصل الى الشارع سيتبين لي كل شيء…..و اخيراً ها..قد وصلت
    اقترب الشارع ،بضعة أمتار...خطوتان ..وليتأكد من العربـة صدق حدسه حين وصل . وضع يده على جبينه ليمنع انعكاس ضوء الكهرباء الباهر على عينيه... نظر الى مكانها...
    يا الهي...! إنها غير موجودة...أسرع بما فيه من عزم ،وقف في مكانها تماماً ، وضع يده على خاصرته... وقف للحظات ... ثم اتجه نحو الشارع الثاني.
    - ر بما أحد الأولاد أخذها وتركها قريبة من هنا - تمتم مع ذاته -... ليست هنا لانتقل الى الشارع….وهكذا انتقل من شارع الى آ خر ولم يجد لها أثرا حتى أرهق من التعب .
    رجع الى البيت خائباً...
    فتح الباب بغضب،استيقظت زوجته مذعورة .مندهشة لتصرفه اشعل الضوء، بدأ بالسباب والشائم.
    - ماذا حصل...لم هذا السباب ؟(قالت زوجته).
    -اختفت ..اختفت العربة ...مصدر رزقنا ورزق هذه الأشلاء ( مشيراً بيده الى أولاده النائمين الصغار ) ... انهضي من مكانك يا لبرودة أعصابك هه...كأن عربة الجيران قد اختفت.
    - ردًت (بعد ان عرفت سبب غضبه):لعل من احتاجها لعمل ضروري أخذ ها دون ان يوقظنـا من النوم …نم وارتح.
    - نم وارتح( قالهـا بسخرية وهو يقلد صوتهـا وحركة فمها ).
    - كيف سيأتيني النوم يا خانم وأنا اشعر بفقدها ...آه لو أرى الذي أخذ ها...
    - سألعن أباه ...سأخذ منه أجرة مضاعفة...لا.. لا دون أجرة المهم ان يرجعها هذا يكفي.
    - ابدأ سأسلمه للشرطة ...انه سارق وليس بذي حاجة ...المحترمون يستأذنون ، لا يأخذونها دون علمنا
    - كان يغفل حيناً ثم يستيقظ. ، ينهض وينظر من خلال النافذة ، يتخيلها واقفة أمام الباب .. يتجه نحو الباب ، يفتحه بلهفة ولكن ...حتى الخيال اختفى ،.. لا يرى شيئاً امام الباب...يعود الى غرفته متألمـاً متحسراً وكأن حفنة من ملح قد نثرت على جرحه، بقى على هذه الحالةحتى وضح النهار وأشرقت الشمس ، أحضرت زوجته سفرة الفطور ووضعتها امامه،لكنه احس بمعدته تكاد تخرج من فمه وقال بصوت كئيب والحزن باد على سحنته : العربة لم ترجع يا امرأة ...أنها سرقت بالتأكيد خذيها من أمامي لا اشتهي.
    تثاقل بنهوضه،حمل نفسه وخرج الى السوق،يفتش عنها بين العربات..في الازقة في الساحات في الزوايا الميتة ...في الخرائب لعله يجدها، يسأل من يرى في طريقه...ولكن دون جدوى..شعر بنار جهنم تصعد إلى نافوخه ألجم لسانه خارت قواه...رجع الى البيت محموماً... انها قطعة منه..عكاز ته التي يمشي بها...لقد رافقته طوال الست والثلاثين سنة منذ أن تزوج وهي شريكة حياته،لايفارقها لحظة..من البيت الى السوق.الى العمل ثم العودة بها في فترة الليل.. دونها يفقد توازنه...اشتد هذيانه لاختفائها ووقع طريح الفراش...
    زاره الناس، أصدقاء و أقرباء ، فلم يفلحوا في إقناعه،كان دائماً يفكر بها شارد الذهن كرجل عاشق تلظى بنار الفراق،يحن إليها لا يبالي بالزوار...انه فقد قلبه وعقله منذ فقده العربة .
    أجل لقد كانت كل شيء بالنسبة له ودونها فهو لاشيء شحب وجهه وهزل جسده.استدعوا الأطباء ، شكلوا لجاناً لدراسة حالته وصفوا له أدوية ولكن دون فائدة.
    جلس مع طبيب نفساني، جلسات عديدة وبعدها اقترح بجلب عربة تشبه عربته.
    - بشروه برجوعها...
    - قفز من فراشه واتجه صوبها ( ليضمها ويقبل أوتادها ليشم رائحة عرقه وتعبه ... وحين رآها تمحصها . دار حولها ..لمس دوالبيها..ثم ابتعد وصاح:
    اريد عربتي.. شريكتي..هذه ليست لي يا أوغاد..خذوها من هنا..سأحرقها أكسر ها...
    قال احد الحاضرين: ارحموا هذا المسكين ،ارأفوا بحاله،إنه مريض يكاد يفقد صوابه اجلبوا له عربته...فهل ابتلعتها الارض... فتشوا في كل الأماكن اقترح شخص ثان ، بان ينادى من خلال مكبر الصوت في الجامع... واتفقوا على الاقتراح فنادى المنادي :
    يا اهالي البلدة المحترمون
    يا أصحاب النخوة والشهامة...لقد فقدت عربة منذ مدة.فمن رأها أو لديه معلومات عنها فله مكافأة ثمينة.أن صاحبها يكاد يموت من اجلها..ارحموا هذا المسكين 0وأجركم على الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    مرت أيام..وأسابيع ،ولم ترجع العربة،نسي الناس حكاية العربة وصاحبها...لكنه لم ينسها إذ ظل يفكر بها على الدوام،يحلم برجوعها ويقول:
    لابد إنك في يوم من الأيام ستلتقي بعزيزتك ، بشريكة حياتك،بحاملة همومك وأحمالك التي تنقلها من مكان الى آخر ...سترجع إليك...ستدفعها وتدور بها من شارع الى شارع ومن حارة الى حارة وتمزح مع الاطفال ،تحرف اسماءهم بقصد أو دون قصد..فتنادي..ها آنديراغاندي ماذا تفعلين .اصعدي العربة ..واحذري ان تجرحي يديكِ..امري لله لقد اعتدتم على ذلك وانت يا أسمر يا نلسن ما نديلا أيها الشقي اركب مع اختك ولاتخف، غداً عندما تكبر ستصبح (بيشمه ركه).
    ذات صباح وعلى إيقاع صوت المؤذن نهضت زوجته ونهرته في خاصرته،قم الى الصلاة..لقد تأخرت عنها..ماذا بك..صلاة الجماعة و تركتها 0فهل في نيتك هجر الصلاة نهائياً.؟00
    نهرته ثانية…لم يرد رفعت اللحاف عن وجهه...
    صرخت وبصرختها استيقظ الاولاد مرعوبين، هرعوا باتجاه فراش والدهم المستلقي بلا حراك.
    انكبت على صدره أرادت ان تسمع دقات قلبه رفعت يده الباردة مسحت بها وجهها حتى تبللت بالدموع، فلم تصدق إنه قد مات ،ذلك لأن عينيه كانتا مفتوحتين و كأنهما تنظران لصورة عربة في البعيد.
    بقلم : ماهين شيخاني
    السلام عليكم :
    وشكراً لزيارتكم للمدونة
    مع تحيات ماهين شيخاني
    http://azad90.man-blog.net
  • إبراهيم يحيى الديلمي
    عضو الملتقى
    • 24-01-2009
    • 370

    #2
    [align=center]



    راااااااااااائع أخي الأستاذ الحبيب ماهين شيخاني قصة مؤثرة وأعتقد أنها ترمز

    إلى الحق الضائع ولو كان تافها ً والذي يبقى الأمل برجوعه واردا ً بل وأكيدا ً

    وهذا ما أوحت إليه الخاتمة المؤثرة للقصة ...

    تحياتي وتقديري أيها الأخ الحبيب ودمت مبدعا ً..[/align]
    [CENTER][B][SIZE=5][COLOR=Red][SIZE=6][COLOR=Green]( كن في الفتنة كأبن لبون لا ضرعا ً فيحلب ولا جملا ً فيركب )
    [SIZE=5][COLOR=Blue][U]أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)[/U][/COLOR][/SIZE][/COLOR][/SIZE][COLOR=Blue]
    [/COLOR]
    [COLOR=Blue]
    [/COLOR][/COLOR][/SIZE][/B][/CENTER]

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      ماهين شيخاني
      لو أنك عملت على النهاية بطريقة أخرى
      لو إنك لم تكتب هذا السطر الأخير الذي نسخته لك.. وإن شئت احذفه ستكون القصة أجمل
      .
      فلم تصدق إنه قد مات ،ذلك لأن عينيه كانتا مفتوحتين و كأنهما تنظران لصورة عربة في البعيد.
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • سليم محمد غضبان
        كاتب مترجم
        • 02-12-2008
        • 2382

        #4
        الأستاذ ماهين شيخاني: بعد التحية، أورد هنا رأيي كقارئ. قصتك جميلة شدّتني لقراءتها من البداية الى النهاية. لغتك سلسة و موضوعها جيد. دمت مبدعاً.
        [gdwl] [/gdwl][gdwl]
        وجّهتُ جوادي صوب الأبديةِ، ثمَّ نهزته.
        [/gdwl]
        [/gdwl]

        [/gdwl]
        https://www.youtube.com/watch?v=VllptJ9Ig3I

        تعليق

        • ماهين شيخاني
          أديب وكاتب
          • 03-02-2009
          • 194

          #5
          الاستاذ إبراهيم يحيى الديلمي

          أخي الشاعر والأديب الاستاذ :إبراهيم يحيى الديلمي سررت بتشريفكم ومروركم للقصة واتمنى تشريفكم دائما ودمتم .
          السلام عليكم :
          وشكراً لزيارتكم للمدونة
          مع تحيات ماهين شيخاني
          http://azad90.man-blog.net

          تعليق

          • ماهين شيخاني
            أديب وكاتب
            • 03-02-2009
            • 194

            #6
            الاخت الفاضلة عائده محمد نادر

            الاخت الفاضلة الاستاذة :عائده محمد نادر, شكرا لك وملاحظتك قيمة وفعلا اضفت هذا السطر ولكن كما تفضلت وانا معك بحذفه ودمتم .
            السلام عليكم :
            وشكراً لزيارتكم للمدونة
            مع تحيات ماهين شيخاني
            http://azad90.man-blog.net

            تعليق

            • ماهين شيخاني
              أديب وكاتب
              • 03-02-2009
              • 194

              #7
              أخي الاستاذ الفاضل :سليم محمد غضبان , شكرا لكم , سررت بمعرفتكم وتشريفكم للقصة . ودمتم
              السلام عليكم :
              وشكراً لزيارتكم للمدونة
              مع تحيات ماهين شيخاني
              http://azad90.man-blog.net

              تعليق

              • مها راجح
                حرف عميق من فم الصمت
                • 22-10-2008
                • 10970

                #8
                الاستاذ الجميل ماهين شبخاني

                نعم ربماهو الحق الضائع وان كان بسيطا
                اسلوبك جميل وجذاب للمتابعة حتى النهاية

                تحية ود وتقدير
                التعديل الأخير تم بواسطة مها راجح; الساعة 22-02-2009, 22:46.
                رحمك الله يا أمي الغالية

                تعليق

                • ماهين شيخاني
                  أديب وكاتب
                  • 03-02-2009
                  • 194

                  #9
                  الرائعة مها راجح

                  الكاتبة الرائعة الاخت :مها راجح .
                  تحية طيبة : سررت جدا بتشريفكم ومروركم كسحابة ننتظر منها دائما المزيد . ومزيد من النجاح والتألق اخوكم ماهين شيخاني
                  السلام عليكم :
                  وشكراً لزيارتكم للمدونة
                  مع تحيات ماهين شيخاني
                  http://azad90.man-blog.net

                  تعليق

                  • إبراهيم يحيى الديلمي
                    عضو الملتقى
                    • 24-01-2009
                    • 370

                    #10


                    تحياتي لك أستاذي الحبيب ونريدالمزيد من هذه القصص الجميلة..

                    وبورك فيك.
                    [CENTER][B][SIZE=5][COLOR=Red][SIZE=6][COLOR=Green]( كن في الفتنة كأبن لبون لا ضرعا ً فيحلب ولا جملا ً فيركب )
                    [SIZE=5][COLOR=Blue][U]أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)[/U][/COLOR][/SIZE][/COLOR][/SIZE][COLOR=Blue]
                    [/COLOR]
                    [COLOR=Blue]
                    [/COLOR][/COLOR][/SIZE][/B][/CENTER]

                    تعليق

                    يعمل...
                    X