قدمان صغيرتان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ريما إبراهيم فائق
    عضو الملتقى
    • 23-02-2009
    • 20

    قدمان صغيرتان

    مزعج ، هذا الجرس الذي لا يدق إلا حين أختار أن أخطف غفوة نهارية أستعيد بها بعض قوة لباقي اليوم ، أفتح الباب بتثاقل ،و أنزل الدرج بغضب لأفتح الباب الخارجي ، و هو كعادته بقدمين صغيرتين و شعر أشعث و ملابس مغبرة يقف وراء الباب بجرأة عجيبة يحدق بي بلا خجل :
    - أمي تريد مفتاح جرة الغاز .
    - انتظر سأحضره .
    أتململ و أصفه و أمه بقلة الذوق ، أصعد الدرج ، و ألاحظ أنه يتبعني بكل هدوء .
    - أنتظر في الأسفل .
    - أنا في عجلة ، هيا ، أعطني المفتاح .
    أحضر له المفتاح من المطبخ أعطيه إياه ، يخطفه من يدي و يركض مغادرا بلا كلمة شكر ولا التفاتة ، أراقبه من النافذة الواسعة التي تبتلع حائطا بأكمله ، أراه يدخل بيته ، أسمع صفعة الباب ، و أراه ينزل راكضا ، يجر نعله بسرعة ، يتعثر ، يقف أمام المنزل القريب من شجرة التين الكبيرة ، ينادي بصوت رفيع عال صديقه عبد ، يصفع الآخر الباب ملحوقا بصراخ أمه ، يصعد الاثنان التلة القريبة و يختفيان .
    أعود إلى غفوتي التي تبخرت لأسترجع قليلا منها بلا فائدة ، آخذ فنجان الشاي الكبير الملون و أضعه على حافة الشرفة المطلّة على بيتهم الأخضر الفظّ ، أراه يعود راكضا ... أناديه :
    - ألم تنته أمك من مفتاح جرة الغاز ؟؟؟
    ينظر إلي ببلاهة، يتجاهلني و يدخل بيته ، يغيب لساعة أراقب أثناءها الطريق و أتسلى بمجلة باهتة، يخرج مع أخيه الكبير ، يمرّ أسفل شرفتي جارّا نعله المتهرئ ، دون أن يلقي بالا إليّ ، حاملا كيسا أسود مليئا بما يمكن أن يكون تفاحا سطا عليه من شجرة تنام خلف بيتي .
    يركض صاعدا التلّة و أخاه ، ألحظ أمه تجرّ جسدها الثقيل عبر المطبخ إلى شرفته ، تنادي ابنتها الكبيرة لتحضر لها كرسيا ، تجلس مقابلة لي ، تلف بصعوبة بالغة غطاء رأسها المنسدل على كتفها ، تتأوه ، أنظر إليها بلؤم و شفقة ، أظلّ أفكر في صفاقة طفلها الأحمق . تلمحني ترفع يدها لاهثة ملوحة لي تصرخ :
    - كيف حالك ؟
    - الحمد لله بخير و أنت ؟؟
    - بخير ... إن شاء الله .
    ألاحظ أنها تلهث و تتأوه دون توقف ، لا أستطيع إلا أن أرى رأسها يرتخي بين حين و آخر فيتدلى بين كتفيها ، ألمحها تفتح علبتين من الدواء و تبتلع ، تطلب من ابنتها كسرة خبز لتدفع الدواء في مريئها ، أظنها تشتهي محادثتي ، فكرت أن أذهب إليها ثم قررت أن ألتزم شرفتي ، عانقتها طفلتها الصغيرة باكية ، و أظنها همست في أذن الطفلة حتى أسكتتها ، هناك شيء ما اختلف فيها ، لم أعد أسمع زعيقها كما اعتدت . كنت أتفق مع الجارات أنها أشدّنا زعيقا ، و أقوانا شكيمة ، حتى أننا كنا نستعين بها عندما تداهمنا مشكلة ما .... الآن لا أعرف ما الذي حدث ... يبدو أنها فقدت قدرتها على الصراخ فجأة .
    الآن أراه يعود باكيا معفّرا ، تشدّ أمه جسدها على حافة الشرفة ، تصرخ به بصوت شاحب لاهث ، تعنّفه ، يصعد إليها ، تجرّ نفسها إلى الداخل ، يختفي هو لدقائق، يهبط الدرج مسرعا وقد بدّل ملابسه وغسل وجهه ، أسمع أخته تحذره من أن يعيد ذلك مرة أخرى ... يعبر أسفل شرفتي لاهيا .... أصرخ به :
    - هيه .... أنت .... أعد ما أخذته .
    ينظر إليّ بغرابة .... يركض صاعدا التلّة و يغيب .
    يا إلهي ، كم من المزعج أن أستجدي ما لي ، الآن أنا في حاجة إلى ذلك المفتاح اللعين ، و ذلك الصغير اختفى اليوم ، حتى أنه لم يقم بجولته الصباحية المعتادة على ثمار أشجار حديقتي المشرعة لكل مارّ ، أدور بين النوافذ ، أبحث عن وجهه الصغير المغبر ، أصغي السمع علّني ألتقط طقطقة نعله الذي يجره صعودا و هبوطا ،ألاحظ حركة غريبة أمام بيته ، أناس يأتون و لا يخرجون ، نسوة يهبطن التلّة مسرعات و هنّ يمسحن بطرف مناديلهن أعينهن ... أهبط الدرج بسرعة ... أفتح الباب الخارجي ... أفاجأ به يقف وراء أخيه الكبير ... يطلّ عليّ بعينين ذاهلتين ... و قدمه الصغيرة بلا نعل ... يمد يده من وراء أخيه ليعطيني مفتاح جرة الغاز ... أما أخوه فيستأذن قائلا :
    - لو سمحت ... هل عندكم رفش ؟؟؟
    أنظر إليه باستنكار :
    - لماذا ... ماذا تريد به ؟؟؟؟
    يقف أمامي مشدودا و وجهه خال من أيّ تعبير :
    - نريد أن نحفر به قبر أمي .
    يلهث الصغير باكيا ... يطوق قدم أخيه بيدين مرتجفتين ... يأخذ الرفش و يمضي .
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2

    الزميلة الرقيقة
    ريما ابراهيم فائق
    أحببت قصتك صديقتي
    كانت بسيطة ولذيذة وفيها شيء من سخرية القدر
    أعتقد بأني اقرأ لك لأول مرة
    أهلا وسهلا بك
    تحياتي وودي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ريما إبراهيم فائق
      عضو الملتقى
      • 23-02-2009
      • 20

      #3
      عائدة محمد:
      أختاه .... شكرا لك على مصافحتك الأولى لقصتي ، أتمنى أن أجد بينكم المتعة و الفائدة .
      سلمت يمناك.

      تعليق

      • زهار محمد
        أديب وكاتب
        • 21-09-2008
        • 1539

        #4
        الأخت ريما
        ما أجمل اهتمام الجيران
        بما يحدث بينهم دون تلصص
        قصة جميلة وهادفة وواقعية
        دمت مبدعة
        [ღ♥ღ ابتسم فالله ربك ღ♥ღ
        حين تبتسم سترى على وجهك بسمة لم ترى أحلى منها ولا أنقى
        عندها سترى عيناك قد ملئتا دموعاً
        فتشعر بشوق عظيم لله... فتهب إلى السجود للرحمن الرحيم وتبكي بحرقة رغبةً ورهبة
        تبكي وتنساب على خديك غديرين من حبات اللؤلؤ الناعمة الدافئة

        تعليق

        • ريما إبراهيم فائق
          عضو الملتقى
          • 23-02-2009
          • 20

          #5
          زهار محمد :
          شكرا لمرورك و قراءتك .
          سعدت بك .

          تعليق

          يعمل...
          X