مزعج ، هذا الجرس الذي لا يدق إلا حين أختار أن أخطف غفوة نهارية أستعيد بها بعض قوة لباقي اليوم ، أفتح الباب بتثاقل ،و أنزل الدرج بغضب لأفتح الباب الخارجي ، و هو كعادته بقدمين صغيرتين و شعر أشعث و ملابس مغبرة يقف وراء الباب بجرأة عجيبة يحدق بي بلا خجل :
- أمي تريد مفتاح جرة الغاز .
- انتظر سأحضره .
أتململ و أصفه و أمه بقلة الذوق ، أصعد الدرج ، و ألاحظ أنه يتبعني بكل هدوء .
- أنتظر في الأسفل .
- أنا في عجلة ، هيا ، أعطني المفتاح .
أحضر له المفتاح من المطبخ أعطيه إياه ، يخطفه من يدي و يركض مغادرا بلا كلمة شكر ولا التفاتة ، أراقبه من النافذة الواسعة التي تبتلع حائطا بأكمله ، أراه يدخل بيته ، أسمع صفعة الباب ، و أراه ينزل راكضا ، يجر نعله بسرعة ، يتعثر ، يقف أمام المنزل القريب من شجرة التين الكبيرة ، ينادي بصوت رفيع عال صديقه عبد ، يصفع الآخر الباب ملحوقا بصراخ أمه ، يصعد الاثنان التلة القريبة و يختفيان .
أعود إلى غفوتي التي تبخرت لأسترجع قليلا منها بلا فائدة ، آخذ فنجان الشاي الكبير الملون و أضعه على حافة الشرفة المطلّة على بيتهم الأخضر الفظّ ، أراه يعود راكضا ... أناديه :
- ألم تنته أمك من مفتاح جرة الغاز ؟؟؟
ينظر إلي ببلاهة، يتجاهلني و يدخل بيته ، يغيب لساعة أراقب أثناءها الطريق و أتسلى بمجلة باهتة، يخرج مع أخيه الكبير ، يمرّ أسفل شرفتي جارّا نعله المتهرئ ، دون أن يلقي بالا إليّ ، حاملا كيسا أسود مليئا بما يمكن أن يكون تفاحا سطا عليه من شجرة تنام خلف بيتي .
يركض صاعدا التلّة و أخاه ، ألحظ أمه تجرّ جسدها الثقيل عبر المطبخ إلى شرفته ، تنادي ابنتها الكبيرة لتحضر لها كرسيا ، تجلس مقابلة لي ، تلف بصعوبة بالغة غطاء رأسها المنسدل على كتفها ، تتأوه ، أنظر إليها بلؤم و شفقة ، أظلّ أفكر في صفاقة طفلها الأحمق . تلمحني ترفع يدها لاهثة ملوحة لي تصرخ :
- كيف حالك ؟
- الحمد لله بخير و أنت ؟؟
- بخير ... إن شاء الله .
ألاحظ أنها تلهث و تتأوه دون توقف ، لا أستطيع إلا أن أرى رأسها يرتخي بين حين و آخر فيتدلى بين كتفيها ، ألمحها تفتح علبتين من الدواء و تبتلع ، تطلب من ابنتها كسرة خبز لتدفع الدواء في مريئها ، أظنها تشتهي محادثتي ، فكرت أن أذهب إليها ثم قررت أن ألتزم شرفتي ، عانقتها طفلتها الصغيرة باكية ، و أظنها همست في أذن الطفلة حتى أسكتتها ، هناك شيء ما اختلف فيها ، لم أعد أسمع زعيقها كما اعتدت . كنت أتفق مع الجارات أنها أشدّنا زعيقا ، و أقوانا شكيمة ، حتى أننا كنا نستعين بها عندما تداهمنا مشكلة ما .... الآن لا أعرف ما الذي حدث ... يبدو أنها فقدت قدرتها على الصراخ فجأة .
الآن أراه يعود باكيا معفّرا ، تشدّ أمه جسدها على حافة الشرفة ، تصرخ به بصوت شاحب لاهث ، تعنّفه ، يصعد إليها ، تجرّ نفسها إلى الداخل ، يختفي هو لدقائق، يهبط الدرج مسرعا وقد بدّل ملابسه وغسل وجهه ، أسمع أخته تحذره من أن يعيد ذلك مرة أخرى ... يعبر أسفل شرفتي لاهيا .... أصرخ به :
- هيه .... أنت .... أعد ما أخذته .
ينظر إليّ بغرابة .... يركض صاعدا التلّة و يغيب .
يا إلهي ، كم من المزعج أن أستجدي ما لي ، الآن أنا في حاجة إلى ذلك المفتاح اللعين ، و ذلك الصغير اختفى اليوم ، حتى أنه لم يقم بجولته الصباحية المعتادة على ثمار أشجار حديقتي المشرعة لكل مارّ ، أدور بين النوافذ ، أبحث عن وجهه الصغير المغبر ، أصغي السمع علّني ألتقط طقطقة نعله الذي يجره صعودا و هبوطا ،ألاحظ حركة غريبة أمام بيته ، أناس يأتون و لا يخرجون ، نسوة يهبطن التلّة مسرعات و هنّ يمسحن بطرف مناديلهن أعينهن ... أهبط الدرج بسرعة ... أفتح الباب الخارجي ... أفاجأ به يقف وراء أخيه الكبير ... يطلّ عليّ بعينين ذاهلتين ... و قدمه الصغيرة بلا نعل ... يمد يده من وراء أخيه ليعطيني مفتاح جرة الغاز ... أما أخوه فيستأذن قائلا :
- لو سمحت ... هل عندكم رفش ؟؟؟
أنظر إليه باستنكار :
- لماذا ... ماذا تريد به ؟؟؟؟
يقف أمامي مشدودا و وجهه خال من أيّ تعبير :
- نريد أن نحفر به قبر أمي .
يلهث الصغير باكيا ... يطوق قدم أخيه بيدين مرتجفتين ... يأخذ الرفش و يمضي .
- أمي تريد مفتاح جرة الغاز .
- انتظر سأحضره .
أتململ و أصفه و أمه بقلة الذوق ، أصعد الدرج ، و ألاحظ أنه يتبعني بكل هدوء .
- أنتظر في الأسفل .
- أنا في عجلة ، هيا ، أعطني المفتاح .
أحضر له المفتاح من المطبخ أعطيه إياه ، يخطفه من يدي و يركض مغادرا بلا كلمة شكر ولا التفاتة ، أراقبه من النافذة الواسعة التي تبتلع حائطا بأكمله ، أراه يدخل بيته ، أسمع صفعة الباب ، و أراه ينزل راكضا ، يجر نعله بسرعة ، يتعثر ، يقف أمام المنزل القريب من شجرة التين الكبيرة ، ينادي بصوت رفيع عال صديقه عبد ، يصفع الآخر الباب ملحوقا بصراخ أمه ، يصعد الاثنان التلة القريبة و يختفيان .
أعود إلى غفوتي التي تبخرت لأسترجع قليلا منها بلا فائدة ، آخذ فنجان الشاي الكبير الملون و أضعه على حافة الشرفة المطلّة على بيتهم الأخضر الفظّ ، أراه يعود راكضا ... أناديه :
- ألم تنته أمك من مفتاح جرة الغاز ؟؟؟
ينظر إلي ببلاهة، يتجاهلني و يدخل بيته ، يغيب لساعة أراقب أثناءها الطريق و أتسلى بمجلة باهتة، يخرج مع أخيه الكبير ، يمرّ أسفل شرفتي جارّا نعله المتهرئ ، دون أن يلقي بالا إليّ ، حاملا كيسا أسود مليئا بما يمكن أن يكون تفاحا سطا عليه من شجرة تنام خلف بيتي .
يركض صاعدا التلّة و أخاه ، ألحظ أمه تجرّ جسدها الثقيل عبر المطبخ إلى شرفته ، تنادي ابنتها الكبيرة لتحضر لها كرسيا ، تجلس مقابلة لي ، تلف بصعوبة بالغة غطاء رأسها المنسدل على كتفها ، تتأوه ، أنظر إليها بلؤم و شفقة ، أظلّ أفكر في صفاقة طفلها الأحمق . تلمحني ترفع يدها لاهثة ملوحة لي تصرخ :
- كيف حالك ؟
- الحمد لله بخير و أنت ؟؟
- بخير ... إن شاء الله .
ألاحظ أنها تلهث و تتأوه دون توقف ، لا أستطيع إلا أن أرى رأسها يرتخي بين حين و آخر فيتدلى بين كتفيها ، ألمحها تفتح علبتين من الدواء و تبتلع ، تطلب من ابنتها كسرة خبز لتدفع الدواء في مريئها ، أظنها تشتهي محادثتي ، فكرت أن أذهب إليها ثم قررت أن ألتزم شرفتي ، عانقتها طفلتها الصغيرة باكية ، و أظنها همست في أذن الطفلة حتى أسكتتها ، هناك شيء ما اختلف فيها ، لم أعد أسمع زعيقها كما اعتدت . كنت أتفق مع الجارات أنها أشدّنا زعيقا ، و أقوانا شكيمة ، حتى أننا كنا نستعين بها عندما تداهمنا مشكلة ما .... الآن لا أعرف ما الذي حدث ... يبدو أنها فقدت قدرتها على الصراخ فجأة .
الآن أراه يعود باكيا معفّرا ، تشدّ أمه جسدها على حافة الشرفة ، تصرخ به بصوت شاحب لاهث ، تعنّفه ، يصعد إليها ، تجرّ نفسها إلى الداخل ، يختفي هو لدقائق، يهبط الدرج مسرعا وقد بدّل ملابسه وغسل وجهه ، أسمع أخته تحذره من أن يعيد ذلك مرة أخرى ... يعبر أسفل شرفتي لاهيا .... أصرخ به :
- هيه .... أنت .... أعد ما أخذته .
ينظر إليّ بغرابة .... يركض صاعدا التلّة و يغيب .
يا إلهي ، كم من المزعج أن أستجدي ما لي ، الآن أنا في حاجة إلى ذلك المفتاح اللعين ، و ذلك الصغير اختفى اليوم ، حتى أنه لم يقم بجولته الصباحية المعتادة على ثمار أشجار حديقتي المشرعة لكل مارّ ، أدور بين النوافذ ، أبحث عن وجهه الصغير المغبر ، أصغي السمع علّني ألتقط طقطقة نعله الذي يجره صعودا و هبوطا ،ألاحظ حركة غريبة أمام بيته ، أناس يأتون و لا يخرجون ، نسوة يهبطن التلّة مسرعات و هنّ يمسحن بطرف مناديلهن أعينهن ... أهبط الدرج بسرعة ... أفتح الباب الخارجي ... أفاجأ به يقف وراء أخيه الكبير ... يطلّ عليّ بعينين ذاهلتين ... و قدمه الصغيرة بلا نعل ... يمد يده من وراء أخيه ليعطيني مفتاح جرة الغاز ... أما أخوه فيستأذن قائلا :
- لو سمحت ... هل عندكم رفش ؟؟؟
أنظر إليه باستنكار :
- لماذا ... ماذا تريد به ؟؟؟؟
يقف أمامي مشدودا و وجهه خال من أيّ تعبير :
- نريد أن نحفر به قبر أمي .
يلهث الصغير باكيا ... يطوق قدم أخيه بيدين مرتجفتين ... يأخذ الرفش و يمضي .
تعليق