أمسية ثقافيــة - قصة فائزة .....

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صالح القاسم
    عضو الملتقى
    • 01-03-2009
    • 20

    أمسية ثقافيــة - قصة فائزة .....

    قصة فائزة بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة في اذاعة ( بي بي سي )، ومنشورة في مجلة العربي عدد كانون الثاني 2009

    أمسية ثقافيــة
    صالح القاسم

    المحاضر يجلس خلف الطاولة ، يعـدِّل وضع الميكروفون المعدَّل والمجرب مسبقاً ألف مرة ومرة لمثل هذه الأمسية ، قبالة المحاضر بعض المدعوين الذين يُعدون على الأصابع ، والذين تم تذكيرهم بموعد المحاضرة من اللجنة المنظمة ، ومن المحاضر شخصيا أكثر من مرة ، مرة عبر التلفون ، ومرة عبر الموبايل بالرسائل الصوتية والكتابية ، ناهيك عن الاعلانات في صحف محلية ومواقع ألكترونية الى غير ذلك من الوسائل .

    جمهور المدعوين – على قلتهم – بعضهم يبحلق في المنصة ، ينتظرون أن يبدأ المحاضر قراءة موضوعه الذي دعاهم إليه ، وبعضهم راحت ذقونهم تسقط فوق صدورهم جرّاء غفوهم المفاجيء بين الفينة والأخرى ، بسبب تسرب الملل فالتئاؤب فالنعاس ، والشخير أحياناً ؛ لقد أرهقهم طول الانتظار ، تماماً ، كما أرهقهم صديقهم المحاضر وهو يذكرهم بموعد الأمسية ، وبضرورة الحضور في الموعد المحدد الساعة السابعة مساءً ، رغم أن الساعة أصبحت تشير الى الثامنة والنصف ولم تبدأ الأمسية بعد ، كرر المحاضرعلى مسامعهم في كل مرة بأن حضورهم تشريف له ، وأن المحاضرة سوف تكون شيئاً جديداً ، وسوف يستمعون حقاً إلى إبداعات جديدة ، إلى غير ذلك من الكلام ، والتنميق والتزويق .
    تسلل بعض الحضور تاركاً الأمسية دون اعتذار ، وكأنه ملّ من طول الإنتظار ، وصدر من بعضهم احتجاجات على هذا التأخير ، رغم أن اللجنة المنظمة إدعت بأن الإنتظار القليل كفيل بحضور جمهور أكثر : ( معلش ) يا أخوان ، هناك زملاء آخرون قد يحضرون .
    لكن هذا القليل تجاوز الساعة ، وجعل فتاة تتدخل – وهي بالمناسبة كانت الوحيدة بين الحضور : ( يا أستاذ تأخرنا ، أنا معزومة على حفلة عرس صارت الساعة تسعة مش معقول ، خلصونا يلله بلشوا ) .

    بعد هذه الفوضى ، شعر بعضهم بأن كيلهم قد طفح ، وراح بعضهم يلحّ على ضرورة البدء لأنهم تأخروا ، تناول عريف الأمسية الميكرفون وراح يرحب ويكيل المديح للمحاضر والحضور ، مدة ربع ساعة تقريباً ، وكرر كلمات الاعتذار عن التأخير أكثر من مرة ، وكذلك عن قلّة عدد الحاضرين هذا المساء ؛ رغم أنه يعرف تماما أن الحضور في أحسن حالاته لا يتجاوز مثل هذا العدد ، ثم انتقل الى المحاضرة ليأخذ نحو نصف ساعة أخرى ، وهو يمجّد ، ويمدح المحاضر الذي راح يعدل من جلسته كلما ذكر اسمه ، لقد كال له الكثير من المديح المكرر على مسامع المحاضرين : أنه مؤلف معروف على مستوى الوطن العربي ، وعلى مستوى العالم ، وأن له العديد من الكتب المنشورة ، والعديد من الدواوين المطبوعة ، وشارك في أمسيات ثقافية لا تعد ولا تحصى ، الى غير ذلك مما لم يسبق لأحد أن سمع به ، لدرجة أن الجميع قال : اففف ف ف ف ف ف .. طويلة جدا.

    انفتحت بعض العيون على اتساعها ، متفاجأة من كل هذا المديح ، وبخاصة من الأصدقاء الذين يعرفون المحاضر حق المعرفة . عدّل المحاضر من جلسته بانتشاء ، وشفط نفساً عميقاً من سيجارته بطريقة شعرنا معها أنه شفط الهواء الموجود في الصالة أيضاً .

    وما أن بدأ المحاضر بقراءة السطور الأولى من الورق الذي أمامه حتى فاجأته ذبابة شغلته ، وشغلت الحضور الذي أخذ هو الآخر يتابعهم بشغف تلك الذبابة ، وهي تحوم بطريقة وكأنها تريد الانقضاض على المحاضر مثلمـا ينقض أســد على فريسة أرهقتــه جدا من المراوغة .

    حاول المحاضر تجاهلها ، لكنها لم تسمح له ، وراح يهشها ، ويتنحنح ، حتى صار تنحنحه يزداد ، وترتفع وتيرته مع كل خبطة تلاحق الذبابة ، وتحاول أن تقتلها ، تحولت الأصوات في القاعــة الى اصوات خبطات متكررة على نحــو مزعج غير مسبوق .

    شكر المحاضر الحضور، وبخاصة من تكبد مشاق القدوم من أماكن بعيدة ، فضلاً عن طول الانتظار ، ولم ينس أن يشكر عريف الأمسية الذي مدحه قبل قليل قرابة ربع ساعة تقريباً ، فكال له من المديح ما يكفي لإصدار ديوان شعر .

    نسـي الجمهور ما جاؤوا لأجله، وراحوا يتابعون بتشوق ما يجـري أمامهم : ما مصير الذبابــة ؟ وما مصير المحاضر ؟

    شغلت الذبابة الجميع عن الهدف الذي جاؤوا من أجله .

    كانت الذبابة تطير ثم تهبـط ، تهبـط مرة على أرنبة الأنف ، ومرة على الخد الأيمن ، ومرة على الخــد الأيســر الى غير ذلك من الأماكن ، وفي كل مرة كان المحاضر يلاحقها بضرباتــه .

    شاهدهـا الحضـور وهي تنتقل بين عينيه ، ولاحظوا بوضوح حيرة المحاضر بين الكـش والخبط .

    ولاحظوا محاولات المحاضر المستميتة في استجماع قوته ليحـافظ على هدوئه ورباطة جأشه . لكن الذبابة أبداً لم تكن تمنحه هذه الفرصة .

    بدا المحاضر مثل بهلوان يرقص في سيرك من كثرة الخبط ، والكش والهش ، والقيام المفاجيء ، ثم الجلوس ثانية على الكرسي ، وهكذا دواليك .

    زادت حدة أصوات الضرب والكـش ، وارتفـعت وتيرتها ، وبخاصـة تلك التي كانت تصطدم بالميكروفون .

    فوجيء الحضور بالمحاضر يخلع قميصه ، ويشرع بملاحقة الذبابة حتى ظهر وكأنه يلوح بالقميص في دبكة لم يسبق للجمهور أن رأى مثلها .

    بقي الجمهور في مكانه يراقب دون اعتراض أو مساعدة ، ولولا إعلان عريف الأمسية انتهاء الوقت، لظلوا في مقاعدهم ينتظرون ما الذي سوف يحدث . وكأنهم في فيلم سينمائي عن كش الذباب ، وينتظرون البطل ماذا سيفعل !!!!!! .
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    الاديب القدر الاستاذ صالح القاسم
    قصة رمزية ربما تحكي عن ضعف التواصل بين الناس والمثقفين
    جاءت بإسلوب سخرية جميلة

    تحية ألق و تقدير
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • صالح القاسم
      عضو الملتقى
      • 01-03-2009
      • 20

      #3
      شكرا مها راجيا الكتابة عنها بتفصيل أكثر وأرحب بأي نقد مهما كنت مختلفا معه

      تعليق

      • ريمه الخاني
        مستشار أدبي
        • 16-05-2007
        • 4807

        #4
        حبذا لو شرحت لنا تفاصيل وصول نصك والاسقاطات والنقد ..
        فلي مع اذاعة البيبيسي جولات كان اولها اذاعة قصتي الاولى والتي تعتبر فاتحة عهدي بالكتابه من 5 سنوات ونيف
        وهي باب الخزانه عنوان اولى مجموعاتي القصصيه واعتبر اذاعة البيبيسي اول من تنبأ لي بمستقبلي الادبي عبر برنامج:
        اوراق والاديبه المتميزة : هاديه سعيد فلها شكري وامتناني..
        قصتك من اللون المحبب لدي
        بالتوفيق لك دوما
        التعديل الأخير تم بواسطة ريمه الخاني; الساعة 02-03-2009, 10:44.

        تعليق

        • صالح القاسم
          عضو الملتقى
          • 01-03-2009
          • 20

          #5
          ريما آسف لأنني للتو اطلعت على تعليقك ، ولم أفهم بالضبط ما الذي تريدينه من خلال قولك: (تفاصيل وصول نصك والاسقاطات والنقد ..
          ). على أية حال شكرا جدا لك .

          تعليق

          • ريما ريماوي
            عضو الملتقى
            • 07-05-2011
            • 8501

            #6

            انفتحت بعض العيون على اتساعها ، متفاجئة من كل هذا المديح ، وبخاصة من الأصدقاء الذين يعرفون المحاضر حق المعرفة . عدّل المحاضر من جلسته بانتشاء ، وشفط نفساً عميقاً من سيجارته بطريقة شعرنا معها أنه شفط الهواء الموجود في الصالة أيضاً .




            صالح أعجبني نصك وهو حقا يستحق الفوز.
            وآآآآآه ثم آآآآآه على القصص وقرائها
            فهي بطريقها للانقراض, ولعمري الجمهور
            صار يستلذ بمشاهدة المصارعة اكثر حتى لو
            كانت المصارعة مع ذبابة ههههه....

            يسلموا الأيادي, أتمنى لك مسيرة
            موفقة مع عالم القص الجميل.
            تحيتي.
            التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 10-07-2011, 08:54.


            أنين ناي
            يبث الحنين لأصله
            غصن مورّق صغير.

            تعليق

            • صالح القاسم
              عضو الملتقى
              • 01-03-2009
              • 20

              #7
              شكرا ريما ريماوي اعتز باعجابك اشد الاعتزاز ويا ريت أعرف اكتب احسن منها ، ما علاقتك بالأديب والصحفي الكبير محمود الريماوي
              التعديل الأخير تم بواسطة صالح القاسم; الساعة 14-07-2011, 13:07.

              تعليق

              • ريما ريماوي
                عضو الملتقى
                • 07-05-2011
                • 8501

                #8
                لا اعرفه شخصيا أخي
                وانت ما علاقتك بسميح القاسم؟
                تحياتي.


                أنين ناي
                يبث الحنين لأصله
                غصن مورّق صغير.

                تعليق

                يعمل...
                X