قصة فائزة بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة في اذاعة ( بي بي سي )، ومنشورة في مجلة العربي عدد كانون الثاني 2009
أمسية ثقافيــة
صالح القاسم
المحاضر يجلس خلف الطاولة ، يعـدِّل وضع الميكروفون المعدَّل والمجرب مسبقاً ألف مرة ومرة لمثل هذه الأمسية ، قبالة المحاضر بعض المدعوين الذين يُعدون على الأصابع ، والذين تم تذكيرهم بموعد المحاضرة من اللجنة المنظمة ، ومن المحاضر شخصيا أكثر من مرة ، مرة عبر التلفون ، ومرة عبر الموبايل بالرسائل الصوتية والكتابية ، ناهيك عن الاعلانات في صحف محلية ومواقع ألكترونية الى غير ذلك من الوسائل .
جمهور المدعوين – على قلتهم – بعضهم يبحلق في المنصة ، ينتظرون أن يبدأ المحاضر قراءة موضوعه الذي دعاهم إليه ، وبعضهم راحت ذقونهم تسقط فوق صدورهم جرّاء غفوهم المفاجيء بين الفينة والأخرى ، بسبب تسرب الملل فالتئاؤب فالنعاس ، والشخير أحياناً ؛ لقد أرهقهم طول الانتظار ، تماماً ، كما أرهقهم صديقهم المحاضر وهو يذكرهم بموعد الأمسية ، وبضرورة الحضور في الموعد المحدد الساعة السابعة مساءً ، رغم أن الساعة أصبحت تشير الى الثامنة والنصف ولم تبدأ الأمسية بعد ، كرر المحاضرعلى مسامعهم في كل مرة بأن حضورهم تشريف له ، وأن المحاضرة سوف تكون شيئاً جديداً ، وسوف يستمعون حقاً إلى إبداعات جديدة ، إلى غير ذلك من الكلام ، والتنميق والتزويق .
تسلل بعض الحضور تاركاً الأمسية دون اعتذار ، وكأنه ملّ من طول الإنتظار ، وصدر من بعضهم احتجاجات على هذا التأخير ، رغم أن اللجنة المنظمة إدعت بأن الإنتظار القليل كفيل بحضور جمهور أكثر : ( معلش ) يا أخوان ، هناك زملاء آخرون قد يحضرون .
لكن هذا القليل تجاوز الساعة ، وجعل فتاة تتدخل – وهي بالمناسبة كانت الوحيدة بين الحضور : ( يا أستاذ تأخرنا ، أنا معزومة على حفلة عرس صارت الساعة تسعة مش معقول ، خلصونا يلله بلشوا ) .
بعد هذه الفوضى ، شعر بعضهم بأن كيلهم قد طفح ، وراح بعضهم يلحّ على ضرورة البدء لأنهم تأخروا ، تناول عريف الأمسية الميكرفون وراح يرحب ويكيل المديح للمحاضر والحضور ، مدة ربع ساعة تقريباً ، وكرر كلمات الاعتذار عن التأخير أكثر من مرة ، وكذلك عن قلّة عدد الحاضرين هذا المساء ؛ رغم أنه يعرف تماما أن الحضور في أحسن حالاته لا يتجاوز مثل هذا العدد ، ثم انتقل الى المحاضرة ليأخذ نحو نصف ساعة أخرى ، وهو يمجّد ، ويمدح المحاضر الذي راح يعدل من جلسته كلما ذكر اسمه ، لقد كال له الكثير من المديح المكرر على مسامع المحاضرين : أنه مؤلف معروف على مستوى الوطن العربي ، وعلى مستوى العالم ، وأن له العديد من الكتب المنشورة ، والعديد من الدواوين المطبوعة ، وشارك في أمسيات ثقافية لا تعد ولا تحصى ، الى غير ذلك مما لم يسبق لأحد أن سمع به ، لدرجة أن الجميع قال : اففف ف ف ف ف ف .. طويلة جدا.
انفتحت بعض العيون على اتساعها ، متفاجأة من كل هذا المديح ، وبخاصة من الأصدقاء الذين يعرفون المحاضر حق المعرفة . عدّل المحاضر من جلسته بانتشاء ، وشفط نفساً عميقاً من سيجارته بطريقة شعرنا معها أنه شفط الهواء الموجود في الصالة أيضاً .
وما أن بدأ المحاضر بقراءة السطور الأولى من الورق الذي أمامه حتى فاجأته ذبابة شغلته ، وشغلت الحضور الذي أخذ هو الآخر يتابعهم بشغف تلك الذبابة ، وهي تحوم بطريقة وكأنها تريد الانقضاض على المحاضر مثلمـا ينقض أســد على فريسة أرهقتــه جدا من المراوغة .
حاول المحاضر تجاهلها ، لكنها لم تسمح له ، وراح يهشها ، ويتنحنح ، حتى صار تنحنحه يزداد ، وترتفع وتيرته مع كل خبطة تلاحق الذبابة ، وتحاول أن تقتلها ، تحولت الأصوات في القاعــة الى اصوات خبطات متكررة على نحــو مزعج غير مسبوق .
شكر المحاضر الحضور، وبخاصة من تكبد مشاق القدوم من أماكن بعيدة ، فضلاً عن طول الانتظار ، ولم ينس أن يشكر عريف الأمسية الذي مدحه قبل قليل قرابة ربع ساعة تقريباً ، فكال له من المديح ما يكفي لإصدار ديوان شعر .
نسـي الجمهور ما جاؤوا لأجله، وراحوا يتابعون بتشوق ما يجـري أمامهم : ما مصير الذبابــة ؟ وما مصير المحاضر ؟
شغلت الذبابة الجميع عن الهدف الذي جاؤوا من أجله .
كانت الذبابة تطير ثم تهبـط ، تهبـط مرة على أرنبة الأنف ، ومرة على الخد الأيمن ، ومرة على الخــد الأيســر الى غير ذلك من الأماكن ، وفي كل مرة كان المحاضر يلاحقها بضرباتــه .
شاهدهـا الحضـور وهي تنتقل بين عينيه ، ولاحظوا بوضوح حيرة المحاضر بين الكـش والخبط .
ولاحظوا محاولات المحاضر المستميتة في استجماع قوته ليحـافظ على هدوئه ورباطة جأشه . لكن الذبابة أبداً لم تكن تمنحه هذه الفرصة .
بدا المحاضر مثل بهلوان يرقص في سيرك من كثرة الخبط ، والكش والهش ، والقيام المفاجيء ، ثم الجلوس ثانية على الكرسي ، وهكذا دواليك .
زادت حدة أصوات الضرب والكـش ، وارتفـعت وتيرتها ، وبخاصـة تلك التي كانت تصطدم بالميكروفون .
فوجيء الحضور بالمحاضر يخلع قميصه ، ويشرع بملاحقة الذبابة حتى ظهر وكأنه يلوح بالقميص في دبكة لم يسبق للجمهور أن رأى مثلها .
بقي الجمهور في مكانه يراقب دون اعتراض أو مساعدة ، ولولا إعلان عريف الأمسية انتهاء الوقت، لظلوا في مقاعدهم ينتظرون ما الذي سوف يحدث . وكأنهم في فيلم سينمائي عن كش الذباب ، وينتظرون البطل ماذا سيفعل !!!!!! .
أمسية ثقافيــة
صالح القاسم
المحاضر يجلس خلف الطاولة ، يعـدِّل وضع الميكروفون المعدَّل والمجرب مسبقاً ألف مرة ومرة لمثل هذه الأمسية ، قبالة المحاضر بعض المدعوين الذين يُعدون على الأصابع ، والذين تم تذكيرهم بموعد المحاضرة من اللجنة المنظمة ، ومن المحاضر شخصيا أكثر من مرة ، مرة عبر التلفون ، ومرة عبر الموبايل بالرسائل الصوتية والكتابية ، ناهيك عن الاعلانات في صحف محلية ومواقع ألكترونية الى غير ذلك من الوسائل .
جمهور المدعوين – على قلتهم – بعضهم يبحلق في المنصة ، ينتظرون أن يبدأ المحاضر قراءة موضوعه الذي دعاهم إليه ، وبعضهم راحت ذقونهم تسقط فوق صدورهم جرّاء غفوهم المفاجيء بين الفينة والأخرى ، بسبب تسرب الملل فالتئاؤب فالنعاس ، والشخير أحياناً ؛ لقد أرهقهم طول الانتظار ، تماماً ، كما أرهقهم صديقهم المحاضر وهو يذكرهم بموعد الأمسية ، وبضرورة الحضور في الموعد المحدد الساعة السابعة مساءً ، رغم أن الساعة أصبحت تشير الى الثامنة والنصف ولم تبدأ الأمسية بعد ، كرر المحاضرعلى مسامعهم في كل مرة بأن حضورهم تشريف له ، وأن المحاضرة سوف تكون شيئاً جديداً ، وسوف يستمعون حقاً إلى إبداعات جديدة ، إلى غير ذلك من الكلام ، والتنميق والتزويق .
تسلل بعض الحضور تاركاً الأمسية دون اعتذار ، وكأنه ملّ من طول الإنتظار ، وصدر من بعضهم احتجاجات على هذا التأخير ، رغم أن اللجنة المنظمة إدعت بأن الإنتظار القليل كفيل بحضور جمهور أكثر : ( معلش ) يا أخوان ، هناك زملاء آخرون قد يحضرون .
لكن هذا القليل تجاوز الساعة ، وجعل فتاة تتدخل – وهي بالمناسبة كانت الوحيدة بين الحضور : ( يا أستاذ تأخرنا ، أنا معزومة على حفلة عرس صارت الساعة تسعة مش معقول ، خلصونا يلله بلشوا ) .
بعد هذه الفوضى ، شعر بعضهم بأن كيلهم قد طفح ، وراح بعضهم يلحّ على ضرورة البدء لأنهم تأخروا ، تناول عريف الأمسية الميكرفون وراح يرحب ويكيل المديح للمحاضر والحضور ، مدة ربع ساعة تقريباً ، وكرر كلمات الاعتذار عن التأخير أكثر من مرة ، وكذلك عن قلّة عدد الحاضرين هذا المساء ؛ رغم أنه يعرف تماما أن الحضور في أحسن حالاته لا يتجاوز مثل هذا العدد ، ثم انتقل الى المحاضرة ليأخذ نحو نصف ساعة أخرى ، وهو يمجّد ، ويمدح المحاضر الذي راح يعدل من جلسته كلما ذكر اسمه ، لقد كال له الكثير من المديح المكرر على مسامع المحاضرين : أنه مؤلف معروف على مستوى الوطن العربي ، وعلى مستوى العالم ، وأن له العديد من الكتب المنشورة ، والعديد من الدواوين المطبوعة ، وشارك في أمسيات ثقافية لا تعد ولا تحصى ، الى غير ذلك مما لم يسبق لأحد أن سمع به ، لدرجة أن الجميع قال : اففف ف ف ف ف ف .. طويلة جدا.
انفتحت بعض العيون على اتساعها ، متفاجأة من كل هذا المديح ، وبخاصة من الأصدقاء الذين يعرفون المحاضر حق المعرفة . عدّل المحاضر من جلسته بانتشاء ، وشفط نفساً عميقاً من سيجارته بطريقة شعرنا معها أنه شفط الهواء الموجود في الصالة أيضاً .
وما أن بدأ المحاضر بقراءة السطور الأولى من الورق الذي أمامه حتى فاجأته ذبابة شغلته ، وشغلت الحضور الذي أخذ هو الآخر يتابعهم بشغف تلك الذبابة ، وهي تحوم بطريقة وكأنها تريد الانقضاض على المحاضر مثلمـا ينقض أســد على فريسة أرهقتــه جدا من المراوغة .
حاول المحاضر تجاهلها ، لكنها لم تسمح له ، وراح يهشها ، ويتنحنح ، حتى صار تنحنحه يزداد ، وترتفع وتيرته مع كل خبطة تلاحق الذبابة ، وتحاول أن تقتلها ، تحولت الأصوات في القاعــة الى اصوات خبطات متكررة على نحــو مزعج غير مسبوق .
شكر المحاضر الحضور، وبخاصة من تكبد مشاق القدوم من أماكن بعيدة ، فضلاً عن طول الانتظار ، ولم ينس أن يشكر عريف الأمسية الذي مدحه قبل قليل قرابة ربع ساعة تقريباً ، فكال له من المديح ما يكفي لإصدار ديوان شعر .
نسـي الجمهور ما جاؤوا لأجله، وراحوا يتابعون بتشوق ما يجـري أمامهم : ما مصير الذبابــة ؟ وما مصير المحاضر ؟
شغلت الذبابة الجميع عن الهدف الذي جاؤوا من أجله .
كانت الذبابة تطير ثم تهبـط ، تهبـط مرة على أرنبة الأنف ، ومرة على الخد الأيمن ، ومرة على الخــد الأيســر الى غير ذلك من الأماكن ، وفي كل مرة كان المحاضر يلاحقها بضرباتــه .
شاهدهـا الحضـور وهي تنتقل بين عينيه ، ولاحظوا بوضوح حيرة المحاضر بين الكـش والخبط .
ولاحظوا محاولات المحاضر المستميتة في استجماع قوته ليحـافظ على هدوئه ورباطة جأشه . لكن الذبابة أبداً لم تكن تمنحه هذه الفرصة .
بدا المحاضر مثل بهلوان يرقص في سيرك من كثرة الخبط ، والكش والهش ، والقيام المفاجيء ، ثم الجلوس ثانية على الكرسي ، وهكذا دواليك .
زادت حدة أصوات الضرب والكـش ، وارتفـعت وتيرتها ، وبخاصـة تلك التي كانت تصطدم بالميكروفون .
فوجيء الحضور بالمحاضر يخلع قميصه ، ويشرع بملاحقة الذبابة حتى ظهر وكأنه يلوح بالقميص في دبكة لم يسبق للجمهور أن رأى مثلها .
بقي الجمهور في مكانه يراقب دون اعتراض أو مساعدة ، ولولا إعلان عريف الأمسية انتهاء الوقت، لظلوا في مقاعدهم ينتظرون ما الذي سوف يحدث . وكأنهم في فيلم سينمائي عن كش الذباب ، وينتظرون البطل ماذا سيفعل !!!!!! .
تعليق