الشاعرية بين الشعر والنثر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    الشاعرية بين الشعر والنثر

    الشاعرية بين الشعر والنثر



    مدخل: حرب المصطلحات

    بين خلط المفاهيم ودمج أوراق يحلو لبعض العابثين التستر وراء المصطلحات لقصف البنايات المحكمة وإزالة نقوش رونقها، وجمالية كمالها، لما أعوزتهم الحيلة لإدراك عليائها وبلوغ منتهاها، فعمدوا إلى رشقها، بأوصاف تباهي زينتها، دون موسيقاها، وإيقاعها، ونظم عباراتها.
    وأوصى القرآن الكريم بضبط المصطلحات وتحديد المفاهيم حتى لا ينجر المرء إلى مخطط لا يدرك له أبعادا، ولا يعلم له حدودا، فقال سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة : 104] وما عبارات {واسمعوا} إلا تأكيدا على أهمية الأمر، وإلحاحا على العناية به، حتى لا نأخذ على حين غرة. وبالرغم من كون {راعنا } و{انظرنا} تحملان نفس الدلالة اللغوية فأن من معاني المراعاة تخفيف الأحكام ، بينما يكون معنى " انظرنا " الإمهال .
    ومن الغريب أن يعمد فقهاؤنا إلى قاعدة " لا مشاحة في المصطلح " فإن مشرف أبو هواش له رأي مخالف إذ يقول : "من غير الجائز إذن أن نعمم هذه المقولة الشرعية الخاصة، لأن المقصود بها هو المصطلح أو الاصطلاح الشرعي، ويكون تمامها هكذا: (لا مشاحة في الاصطلاح الشرعي)، فحين يكون المصطلح الشرعي) غير معارض للنصوص (الشرعية)، يمكن أن نقول (لا مشاحة في ذلك الاصطلاح). ولا يجوز بالتالي أن نعمم هذه المقولة على عموم المصطلحات الأخرى، لأن هناك مصطلحات غير شرعية شائعة كثيرة، مصطلحات غربية أو علمانية أو لا دينية مناقضة للشرع الإسلامي، ولا يمكن أن تنطبق عليها هذه المقولة، بل يمكن أن يكون كل منها مثالا وشاهدا حيا على عكس ذلك، أي على (إمكانية المشاحة في الألفاظ والمصطلحات). ولا يصح أن نجعل من مقولة شرعية مثل (لا مشاحة في الاصطلاح) مبررا لاستعمال الكثير من المصطلحات الغربية غير المشروعة والتي تتعارض صراحة مع الشريعة الإسلامية."[1]
    ومن جملة ما أراد بعض الأدباء دمجه وتخليط دلالاته مصطلح الشعر والشاعرية:


    بين الشعر والشاعرية

    - الشاعرية تلألؤ أمواج الجواهر وتلاطم شكلها ومبناها بين ضفتي الفن والجمال.
    - والشعر ليس هو النظم المقفى ذي معنى في ربى الفن والجمال فقط.
    تقول الشاعرة نبيلة الخطيب[2]: جوابا عن سؤال : " ما رأيك فيما يكتب اليوم من كتابات نثرية تنسب إلى الشعر رغم افتقادها إلى أبسط قواعد الشعر وضوابطه؟ فكان جوابها : " الشعر هو الشعر والنثر يبقى نثرا حتى لو كتبناه بشكل طولي أو عرضي. أقول إن الكتابات النثرية إذا أتقنت كتاباتها تصبح أدبا جميلا أو نصوصا قد تكون بديعة ولكن لبست شعرا."[3]
    ومهما صدقت فحالفها التوفيق أو خالفها، فليست لأقوالها مصداقية القرآن، لكن القرآن يشد على أقوالها؛ إذ القرآن الكريم قول جميل أفحمت بلاغته البلغاء وزادته شاعريته بهاء ونورا يضيء أرجاءه، ومع ذلك كله يشهد له ربه بقوله {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة : 41].

    وحتى نستبين من الأمر تأتي هذه المقاربة لرفع الستر عن كل متستر وراء المصطلحات كي نرد كل أمر إلى بابه ومفهومه.
    فما عسى أن تكون شاعرية الشاعر؟ أيكتب الشاعر نظما، أم شعرا ؟ أو يكتب الناثر كتابة شاعرية تأخذ بتلابيب العقول وبأحاسيس النفس وتدغدغ القلوب لتهتز من أعماق باطنها فتقبل إقبال المحب وتدبر إدبار العشاق...
    وقبل أن نتناول أقوال الأدباء بالنقد والتوضيح لماهية الشاعرية كي نستبين من أمرنا نمر مر الكرام على أبيات ازدهت بلاغة ونشرت جمالها وانتشت نشوتها من جراء ما بها من ثقل الإحساس الشعري.وأبيات لنلمح الجواهر تتلألأ من بعد بعيد، في تلاحم للمعنى والمبنى بين ضفتي الفن والجمال.

    يقول د. حسن الأمراني : في مطلع قصيدة بعنوان : حيراء

    لقد لثمت شفاههم الثـــربا ويلثم قلبي النور المذابا
    رحلت إلى الضياء وقد أقاموا ومن رضي الهدى اجتاز السحابا
    وما سيان قلب مطمئـــن وقلب راح يضطرب اضطـرابا
    ولي بالمصطفى نسب عــــــريق ولا آلـــــو بحبه انتسابا
    إذا ما جئت روضــــته بقلب مشوق يسكب الدمـع انسكابا....

    ولنفتح مسامعنا للأستاذ د. الرباوي في قصيدة بعنوان حبيبي ألقاها بمناسبة أمسية شعرية احتفالا بالمولد النبوي :
    حــــــــبيبي
    د. الرباوى

    بمر تمر الغزالة فجرا فتنشر في الرمل مسكا و سحـرا
    فريم عشق الغزالة بالقلب إذ شق في مدغل العمر غمـرا
    ورش عظامي أريج الحبيب فصيرني الشوق في القفر نهـرا
    حبيبي ... بهذا الزمان انكسر فكيف أعيد مع الدجن بـدرا
    وهذا الحرب الكثيف رهيب يهدد كالموت صدرا فصـــدرا
    حبيبي ... بأرض الجزيرة شيدت حصنا هدمناه سرا وجهرا
    نشرت الكتاب وقلت اجعلوه ربيعا لكل القلوب و عطـرا
    هجرناه هجرا رهيبا ورحنا إلى الروم نطلب شمسا و بدرا
    ملأت حياتك بالكوثر العذب رتلها القلب ليلا وفجـرا
    ونحن ملأن الحياة عجاجا شربنا بأكوابها الخمر جـمرا
    هجرت إلى الشمس تطلب نورا طهورا وتطلب ســترا
    ونحن إلى الغرب نطلب دنيا فضاعت فلسطين شبرا فشـبرا
    ............................

    فمن يغص إلى أنفاس هذه النفائس، يجد لؤلؤا متناثرا ودررا فياضة، وجواهر كريمة تملأ الأكوان نورا مبينا.

    وبين من يهيم في معان وأحاسيس الشعرية لهذه الأبيات، وبين من راح يستشف النوادر البلاغية وجمالية للتعبير بحر عميق؛ فالشعر هز للنفس الشاعرة وعزف على أوتارها الحساسة، والكلام الجميل قد يكون نظما كما قد يكون نثرا ولا يسمى أبدا شعرا.
    وكي نستبين الفرق هذه أبيات جميلات للأستاذ عبد السلام ياسين في المنظومة الوعظية:

    حيث قال : " هذه منظومة وعظية حذََوتُ فيها حذو بيتين عثرت عليهما، نسبهما أبو العباس المقرى للإمام البخاري رحمه الله .ذكر ذلك المحبي في - خلاصة الأثر- قال الإمام البخاري:

    اغنتم في الفراغ فضلَ ركــــــــــوعِِ فعسى أن يكون موتُك بغتة
    كم من صحيح قد مات قبل سقيم ذهبت نفسه النفيســــــة فلتَه

    ******
    وقلت ناسجا على المنوال :

    وعزيزِِ في سربه مطـــــــــــمئــِن سلتته منه المـــــنيَّة سَلـــــــــتَه

    كم من خطيبِ فـوق المـنابر يشـدو أسكتته للآجال أيـــــــــّة سكتَه

    كم رئيس على العــــــــباد تمطَّــى مدَّدَتهُ المَنونُ جيــــــــــفَةَ مَيتَة

    فاغتنم فـضل ليلـــــــــــــة ونهـارِِ وكأنَّ مضجع الفِــــــراق رأيتـه

    وكأنَّ قد سمـــــــعت نوح البواكـي وكأن عَلقم الفجــــــــــيعة ذقتـه

    وكأنَّ الأكفَــــــــــــان قد أحضروهـا وكأنَّ الغسّال يُخفِتُ صــــَوتـه

    وكأنَّ الفــؤوس للأرض تــــــهوِي شقت القبر عرضَ شبر قدَرتَـهُ

    حملوا النعش مســــــــرعين خفافا هو ذا مَوعد التَّوَسُّــــــــدِ جئتَـه

    طرحوا، أنزلوا، وَوَارَوا شُــخَيصاََ ذهبت نفسه النفـــــــــيسةُ فــلتَه

    *******

    يا لروعة التعبير ويا لجمالية الألفاظ ، ويا لجلال الإيقاع الموسيقي تتمازج وتتماوج في بحر الجمال بعيدا عن دواوين الشعر وأحاسيسه.

    ومن هنا يدفعنا الفضول للبحث عن الشعر والشاعرية، وفي هذا الصدد نسوق أقوالا لنضعها في محك التمحيص عسى أن تنكشف ألوان صدقها وتتمايز عن بهرجها: ونبدأ بتعريف الشعر : فما الشعر إذا؟

    يقول سامي البارودي : " لما كان الشعر من حيث هو فيض الشعور والوجدان نتيجة اهتزاز أوتار النفس البشرية أمام الحياة الكامنة في الأشياء، فإنه على قدر الاهتزاز وقوته يكون على مقدار عمق الشاعرية في الشعر؛ ذلك أن الهزة التي تستولي على نفس الشاعر كلما كانت قوية تكشفت أسرار الحياة ومعانيها لوجدان الشاعر في حقيقتها، فتجعل الشاعر قادرا على النفوذ عن طريق وجدانه إلى ما وراء المظاهر الخارجية للأشياء.
    ومن هنا يمكن أن يقال بأن الطبيعة تلقي جانبا من معانيها الخالدة لنفس الشاعر في اهتزازات أوتار نفسه أمامها. فالشاعر أشبه بآلة موسيقية أمام الطبيعة، والطبيعة كالأنامل التي توقع عليها، والأنغام كالشعر الذي يفيض به وجدان الشاعر" ( II-167).[4]

    *******

    هكذا يبرهن البارودي بأن شعر الشاعر يكمن في شاعريته، والتشبيه الذي ساقه، وإن أبان المراد منه، يتعقبه بحث طويل قد يخرجنا مما نحن بصدده.

    *******

    ويقول الوزاني : في تعريف الشعر :
    " لا تنظر إلى الشعر على أنه بيت موزون مقفى، ولكن انظر إليه على أنه روح وطبع قبل كل شيء؛ إذ من هذين العنصرين يتكون موضوعه الحقيقي، وبدونهما يكون قد فقد معناه, وبقي مبناه لا تتعدى دلالته أن تكون كدلالة إطار لا صورة فيه, أو قيثارة ليس فيها وتر واحد يعطيها بعض معناها, ولا تنظر إلى الشعر على أنه ألفاظ وعبارات قد خف نغمها, واستقام وزنها، ولكن انظر إليه على أنه أصل من أصول الحياة الإنسانية الروحية التي بجماليتها ينمو الكيان الروحي للإنسان ؛ فالألفاظ الخلابة, والعبارات الشائقة؛ إنما هي نظام ومعرض لنفوسنا الإنسانية الشاعرة, فهي أصل من أصول الصناعة الفنية, وليست أصلا من أصول وجودنا الروحي الذي نطلق على إثره اسم "الشعر"، ويظهر من كلامنا أن الشاعر لا يجيد القول إلا إذا استوحى طبعه وروحه مخليا لهما الطريق في الجود والإيحاء, متوخيا الطرق التي توسع من مجال طبعه وروحه حتى يكون شعره أحسن وأتم. وهنا تعرض لنا مسألة طالما عرضت لتفكير الكثيرين من الأدباء وأرباب الأقلام, ولا زال مجال القول فيها متسعا لأكثر مما قيل, تلك هي مسألة التماس عذوبة الشعر عن طريق التزام "البلاغة", وتمثل قواعدها للذهن حين قول الشعر، فهذا خطأ يظهر بوضوح متى عرفنا كيف يقال الشعر. وبذلك الالتزام وبهذا التمثل ننسى طبعا الذي لا يغنينا عنه شيء في الأعمال الفنية والأدبية، وحينئذ نكون قد بالغنا في الصنعة، فلا نصنع إلا غرابة قوية بين نفوسنا وطبائعنا وبين ما نسميه الشعر ؛ وبذلك نكون قد جردنا الشعر من الطابع الذاتي, والملامح الشخصية. ولعمري إن شعرا هذه صفته لكذب صراح على الشعر وحريته، الحرية الشعرية التي هي ناموس يفرض علينا القانون الفني أن نحفظ له مزاياه, ونقدس منه سره، ولعمري لا حياة للشعر إلا بهته الحرية, ولا وجود لجماله إلا بوجودها واشتمالها على الجو الذي يتنفس فيه الشاعر.
    والعذوبة غرض هام من أغراض صناعة الشعر، وإلا ففيم عناية الشعراء بجمال ألفاظهم ومعانيهم، وفيم اهتزازنا حينما نسمع الشعر الجيد، ولكن أين نلتمس هذه العذوبة ؟ في اللفظ أم في المعنى أم فيهما معا ؟ ها هنا مفترق الطرق، فهناك من يذهب إلى أن اللفظ هو وحده الذي يجب اختياره ومراعاة جماله, وإحلاله المكان اللائق به ؛ لأنه لا جمال للمعنى إلا بجماله، والمعنى إذا كان رديئا وأبرز في لفظ جميل أنيق اكتسب من جماله جمالا لم يكن فيه. وهناك من يتمذهب بمذهب المعنوية فيرى أن المعنى هو كل شيء, وليس اللفظ شيئا إلى جانبه ؛ لأنه لو لم يكن الفكر لما كان اللفظ. وهناك من يقسم العناية بينهما قسمة عادلة فينظر إلى القيم الجمالية في اللفظ كما ينظر إليها في المعنى, وهذا الاتجاه هو الصحيح ؛ فجمال المعنى وصحته لا جلاء لهما إلا في اللفظ الجميل الصحيح، واللفظ الجميل الخلاب لا قيمة له ما لم يستكن تحته المعنى البديع. وبالجملة فإن الصورة الأدبية الجميلة هي التي اقترن فيها جمال اللفظ بجمال المعنى، فلا غنى لهذا عن ذاك في الإشعاع والعذوبة والحسن.
    إذا عرفنا هذا أمكننا أن نكشف عن بعض المواد التي تحصل باستيفائها عذوبة الشعر ؛ وذلك أن هذه العذوبة تتوقف على أشياء، منها قوة الشاعرية، وصفاء الطبيعة الفنية, ورقة الإحساس, وصقل النفس, وتهذيب الذوق, وجمال الأحلام, وبلاغة الخيال. هذه أشياء شخصية ذاتية، وهناك أشياء أخرى تتعلق بالصناعة، وهي في الجملة صحة اللفظ, وأصالة المعنى, وتناغم الأسلوب. فصحة اللفظ ملاءمته لحياة العصر اللغوية، فالصواب تجنب اللفظ الذي وقفت به الحياة في فترة من فترات التاريخ اللغوي، والتماس اللفظ الذي له معناه في الحياة اللغوية العصرية، وأن يكون – أي اللفظ – أليفا للنفس تستأنس به, وتنعطف إليه ؛ فبهذا الاستئناس وهذا الانعطاف تتهيأ له في النفس حياة كبرى هو عينها النضاخة، وحياة الألفاظ إنما هي في حياة النفوس ؛ فاللفظ إذا كان غامضا على الذوق عجز عن النفاذ إلى النفس، وكان له من سخافته ما يصده عنها فلا يتجاوز طاقة الأذن، فهو لفظ ميت جاف ؛ إذ لا مؤاخاة بينه وبين النفس التي هي المادة الكبرى في حياة الألفاظ. فتعاشق اللفظ والنفس فيه ضمان لانفعال كل منهما بقوة الآخر، وفي هذا أكبر الفائدة للتمدن اللغوي، وأن يكون – أي اللفظ – عاملا من عوامل توسيع دائرة المعنى، فلا يكون ضعيف الدلالة, ضئيل الأثر في النفس, ضيق الجوانب ؛ فالصواب أن يكون على المعنى أدل, وبه أليق, وللذكريات النفسية أحسن مثير."[5]

    *******

    ويبرز الوزاني رغم أنه لم يثبت عنه كتابة بيت من الشعر لكنه ذواقة حتى النخاع؛ فهو يضيف إل ما تقتضيه صنعة الشعر من نظم وقافية : اصطفاء الألفاظ والهيام في بحر الشاعرية ليتذوق المتذوق عذوبة الشعر ولذته التي تهتز له الأنفاس قبل النفوس ويستوحيها القلب قبل الشعور.
    وصحيح بأن الشعر من غير شاعرية لا يعني إلا أنه كلام منظوم مقفى ذي معنى؛ لكنني أستشف من تركيزه على جانب الشاعرية والتذوق وجمالية الألفاظ والابتعاد عن اللفظ الهجين والذي ينفر منه الطبع قبل النفس، كل هذا ليسبغ دلالة الشعر على الكلام المنثور ذي الشاعرية المتوثبة...

    وهل صحيح ما جادت به القريحة واستنبطه الحدس من إيحاءات معالم كتابته عن الشعر وتركيزه على الشاعرية بالخصوص، هو خلط بين الشعر والشاعرية؟ ولهذا نسأله ثانية : ما الشعر ؟

    *******
    فيجيب الوزاني :
    "وهل الشعر في حاجة إلى تعريف ؟ أليس هو هذه العواطف والخواطر والفكر انتظمت في فن من القول يجمع بين الجمال والنظام ؟ ألم تتسع صفحات الكتب لتعريف الشعر مرارا حتى لم تبق زيادة لمستزيد ؟ ألم تبلغ تعاريف الشعر من التنوع إلى حد أنها قسمت إلى تعاريف فلسفية, وتعاريف منطقية, وأخرى فنية خالصة, ورابعة نفسية ؟ ألم نجدها تتنوع ما بين ضيقة شديدة الضيق, تنحصر في القصيدة, ومتسعة قليلا تشمل جميع فنون الأدب, وفضفاضة تمتد إلى جميع الفنون الجميلة, بالغة السعة, تشمل كل الخواطر والتأملات الجميلة بقطع النظر عن شكلها, قالبها, فيدخل في الشعر بهذا المعنى مناغاة الأم لرضيعها لينام, وترنم الخادمة لتذب عنها عناء العمل, ومناجاة العبد ربه في لحظات الإشراق والخشوع... وما إلى ذلك من كل لفظ عذب يصدر عنا في حالات الاهتياج العاطفي, والتأثر النفسي, والصفاء الفكري ؟[6].
    *******

    فالتنصل من الإجابة ليس موقفه الخاص بل موقف كل من إسماعيل أدهم، وإن تراجع عنه في آخر الأمر، واقتبسه منه العقاد ومن هؤلاء رضع الوزاني ألبان شاعريته.
    وحينما أجاب أبان عما يكتنف فكره من غموض وما يلتبس عليه من أمر الشعر والشاعرية؛ بل ها هو يوضح بجلاء ما تنطوي عليه جوانحه معربا بصريح اللفظ الذي لا يترك التباس:
    "كون الشاعرية في معناها العملي التطبيقي هي عواطف أصيلة صادقة مصوغة في قالب جميل مؤثر له إيقاع، وهي بهذا التعريف البسيط تتحقق عند من نسميه شاعرا، وقد تتحقق حتى عند من نسميه ناثرا."

    *******

    وبهذه الأقوال للوزاني لا يبقي لنا أدنى شك بخلطه بين ما هو شعر وما هي كتابة نثرية. وها هو يؤكد هذه الحقيقة بنفسه

    *******

    ولنتركه الآن يعرفنا بالشاعرية : "وظاهر أن الشاعرية هي قبل كل شيء ملكة روحية تعتمد على الأصول الطبيعية في ذات الشاعر, فتقوى وتضعف تبعا لحظ تلك الأصول من القوة والضعف.
    وهذه الأصول التي تقوم عليها الشاعرية قد فرغ الناس من القول بأنها هبة من هبات الطبيعة ؛ فطبيعي أن تكون الشاعرية التي ترتكز عليها هي الأخرى توهب بالفطرة, وإذا لم توجد أصولها في الطبع فلن تستطيع أية وسيلة أن تخلقها وتكونها."[7]
    *******

    يقول عبد الواحد الخفاجي[8] سيرا على درب الوزاني في الخلط بين الشعر والشاعرية: " الشاعرية : اللغة التي يغيب فيها المعنى لصالح الدلالة، وتغيب فيها الدلالة المباشرة والصريحة لصالح الدلالة الإيحائية،-التخييلية- ، كما يتأكد اعتناؤها بالمقصدية الواعية لدى منتج النص إلى مجاوزة الأساليب المعهودة، أو السائدة، أو السائد من المعهود اللغوي، أو بالمعنى هي تؤكد على طموح منتج النص/ المبدع إلى انجاز نص شعري أمثل، متفوق على غيره من النصوص، ومن هنا يكفي الناقد لنفي الشاعرية عن النصوص تحديد الشائع من الأساليب أو استخدامات لغوية مستهلكة".
    *******


    بين النثر البديع والنثر الشاعري


    يقول مصطفى صادق الرافعي : " والفقيه الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق وحظ الدنيا ـ هو الفقيه الفاسد في خيال الناس، يفهمهم أول شيء ألا يفهموا عنه؛ إذ حرصه فوق بصيرته، وله في النفوس رائحة الخبز، وله معنى خمس وخمس عشرة...وكأن دنياه وضعت فيه شيئا فاسدا غريبا يفسد الحقيقة التي يتكلم بها، ولست أدري ما هو الشيء، ولكني رأيت فقهاء يعظون ويتكلمون على الناس في الحرام والحلال وفي نص كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ثم لم أجد لكلامهم نفعا ولا ردا، إذ يلهمون الناس بأرواحهم غير المعنى الذي يتكلمون فيه؛ فتسخر الحقيقة منهم ـ على ـ خطرهم وجلال شأنهم ـ بذات الأسلوب الذي تسخر به من لص يعظ لصا آخر فيقول له : لا تسرق..."[9]

    إنه نثر بديع تستلهمه العقول قبل كل شيء، فيه من جمال البيان، وفيه رد الصدر على العجز من البديع، وفيه من الأمثال، وفيه من المقابلات، وفيه المطابقة وفيه... وفيه... ولكن لا شاعرية فيه. فما عسانا أن نسمي هذا النص غير نثر جميل وأي فرق بينه وبين نص ذي شاعرية إن قلنا عن الجميع نثر جميل؟ إنه سؤال يحتاج إلى تأمل حتى نأتي بجواب جامع مانع شامل.

    وخلاصة القول

    فليس في اعتبار الشعر النظم ذي معنى وقافية فقط، إنما الشعر إضافة إلى ذلك أحاسيس تهز أوتار القلوب وتعرب بشاعرية تبدي تلألأ الجواهر الكريمة في تلاحم وتلاطم أمواج المبنى على المعنى بين ضفتي الفن والجمال.

    وتنكر الشاعرة نبيلة الخطيب مميزات شاعرية النثر، ألا يعد موقفها تطرفا ما دام موقفها ردة فعل على من يخلط بين الشعر والشاعرية؟ ولنا مساءلتها عما هو القرآن؟والله جل وعلا ينفي عليه صبغة الشعر، وطبعا إن سايرناها فيما ذهبت إليه هل نكون قد أنصفنا القرآن بقولنا نثر جميل؟ وهذه صوره تتباهى في حليها البهي{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [17] وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [18] }التكوير.

    والتعريف إن لم يكن جامعا مانعا يوحي بعدم استقرار فكر صاحبه، أو بعدم استكمال الرؤية، وطبعا كان السؤال ارتجالي، والإجابة كذلك أيضا؟.

    والشاعرية تلك الأنامل العازفة على أوتار العواطف والمشاعر لتسمع نبرات قيثارتها وتؤجج نارها لتضطرم في الأحشاء، أو يتولد حماسا ويتوقد، كأنما يتمطى ويستفيق من نوم عميق، وفي كلتا الحالتين ينبعث من تلك النقوش نورا يضيء الأرجاء معلنا بداية فجر جديد يبعث الأمل لدى المظلومين والمحرومين، كما يزرع شوك والقتاد في سبيل الظالمين والمفسدين.

    فهل نسويها بالنثر الجميل، فقد يكون النثر جميلا بتجواله في ربى الفن والجمال، دون أن يستقي تصوراته من بحر الشاعرية؟ فهل يعي نفاة الشاعرية في النثر خطأهم، ولا يهمنا آنئذ قول قائل بأن كل تطرف لا بد أن يواجه بتطرف مثله؛ لكوننا أمة الوسطية ولا يهمنا انحراف المنحرفين فسرعان ما يحصد كل ما زرع.

    وبين الشعر والشاعرية مسافة النظم والقافية والإيقاع الموسيقي فضلا عن ترابط المبنى بالمعنى في شاعرية تتناهى في عبارات قليلة، والشعر يسكن أبيات تميزه عن المقاطع، بينما الشاعرية تسرح وتمرح وتسبغ الجو عبقها في مروج الشعر وحدائق النثر، حيث تضفي عليها ألحان البلابل الموسيقى والإيقاع، التي عهدته في الشعر ولم تعهده في النثر.

    ولئن جالت الشاعرية جولتها بين شارعي الفن والجمال، وهي حاملة ثقل رسالتها في صمت الكلمة المكتوبة، وغليان الماء الفوار مدغدغة العاطفة وعازفة على أوشاجها ومحركة زناد وقودها ليغوص القارئ في بحبوحة التغيير نفيا للظلم والفساد، وشدا على أيدي البناء والتشييد.
    وخارج حدود الفن والجمال تتمطى ألفاظ، وتتعالى عبارات، بجرسها المؤدي أو بصوتها الخافت،؛ لكنها لن تدخل بيت الأدب، مهما بلغ طمعها.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [1] . موقع الجمعية العربية للمترجمين http://www.wataonline.net/site/modul...hp?topic_id=99

    [2] -أردنية،عضو رابطةالأدب الإسلاميالعالمية، ورئيسة أدبيات المكتب الإقليمي في الأردن، عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو اتحاد كتاب العرب.....لها ديوان ومض الخاطر 2004، وديوان عقد الروح، وديوان صلاة النار...

    [3] - مجلة المشكاةالعدد 46 سنة 1426/2005ص 161.

    [4] -

    [5] - الوزاني " في ميدان الشعر وعذوبته" مقال نشر بصحيفة السعادةع 7968. س 47. بتاريخ 6 أكتوبر 1950

    [6]- تأملات في مفهوم الشعر

    [7] -

    [8] - دراسة لديوان " النفخ في الرماد للشاعر سعد عبد الرحمن" عن موقع: www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=8687

    [9] .. وحي القلم ج2 ص186 فقرة تحت عنوان الدنيا والدرهم. دار الكتاب العربي بيروت لبنان.
    ا
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 13-03-2009, 18:05.
    http://www.mhammed-jabri.net/
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    [align=center]الأستاذ الجابرى
    اشفق على أناملك
    و أشكر تلك الدرر الفياضة و الجواهر الكريمة
    كما نراك دوماً
    لكن :

    هل بتطرقكم للشعر المنتثور أو للنثر الشاعرى ـ يثبت رأيكم عن تهميش صفة النثر كشعر ؟أو بالأحرى هل تنكر قصيدة النثر؟
    رغم انى قرأت أجمل الشعر كان فى المنثور ![/align]
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • محمد جابري
      أديب وكاتب
      • 30-10-2008
      • 1915

      #3
      أخي المفضال محمد إبراهيم سلطان،
      فليس الأمر إلى ما ذهبت إليه، فالوزاني كتب نصه قبل أن تظهر قصيدة النثر والتي طلت علينا حسب علمي في 1960، ومع ذلك، فقد أثبت البحث الشاعرية لمقال النثر؛ لأميزه عن النثر الجميل، فبالأحرى ما هو الشعر، على أنه لا يسمى الشعر شعرا إلا إذا فاضت شاعريته بين ضفتي الفن والجمال.
      ولا أخفيك أخي الكريم فقد قرأت كتابات لإبراهيم انيس وغيره عن هذا النمط من الشعر الحر أو قصيدة النثر منذ زمن ولم يستطع ان يخرق أسواري إلا مؤخرا حيث فرضت علي بعض نسائمه لذة وبخاصة كتابات بعض الشعراء في ملتقى البلاغيين والنقاد العرب، أما في هذا الموقع فأجمل ما تذوقته من هذا القبيل خاصة كتابات أخينا علي متقي، ولا أنفي ما تنسمته من شعر رفيع.
      حفظنا الله من كل تطرف وانحراف، وجعلنا أنصارا للحق حيثما حل وارتحل.
      http://www.mhammed-jabri.net/

      تعليق

      • محمد سلطان
        أديب وكاتب
        • 18-01-2009
        • 4442

        #4
        [align=center]الرائع محمد الجابري
        الأستاذ
        إضافات ممتعة
        ولحظات ففضة
        استطعت أن أسرقها منك
        كى أزداد أدباً فوق ادبٍ
        وجمال على جمال

        كنت نعم المدرس و المعلم
        بكل صباح العطر
        أشكرك[/align]
        صفحتي على فيس بوك
        https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

        تعليق

        • محمد جابري
          أديب وكاتب
          • 30-10-2008
          • 1915

          #5
          الأستاذ محمد إبراهيم سلطان

          زادنا الله وإياك علما وحكمة وفهما وهو على كل شيء قدير، سبحانه
          التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 23-08-2009, 21:26.
          http://www.mhammed-jabri.net/

          تعليق

          • علي المتقي
            عضو الملتقى
            • 10-01-2009
            • 602

            #6
            [align=justify]الأخ الكريم محمد جابري :السلام عليكم : قرأت مقالكم الطويل ، ولي معه وقفة متأنية وطويلة قريبا إن شاء الله ، لأنه سيتطلب مني وقتا طويلا ومجهودا كبيرا لا أستطيع توفيره في بداية الأسبوع لالتزاماتي المهنية والعائلية . تحياتي [/align]
            [frame="1 98"][align=center]أحبتي : أخاف من كل الناس ، وأنتم لا أخافكم، فالمجيئ إليكم متعه، والبحث عنكم فتنة ولذه، ولقاؤكم فرحة تعاش ولا تقال.[/align][/frame]
            مدونتي ترحب بمن يطرق أبوابها:
            http://moutaki.jeeran.com/

            تعليق

            • منى كمال
              أديب وكاتب
              • 22-06-2007
              • 1829

              #7
              شكرا أستاذ محمد جابري على هذا المقال الرائع

              وأجدني معك في قولك أن قصيدة النثر قد أخذت مناحي جديدة من حيث الصياغة والصور جعلتها أقرب للذائقة الأدبية عن ذي قبل..

              شكرالهذا الفيض الرائع

              منى كمال

              مدونتى

              تعليق

              • علي المتقي
                عضو الملتقى
                • 10-01-2009
                • 602

                #8
                الأخ جابري : السلام عليكم ، وبعد :سأقسم موضوعك إلى فقرات لنتحاور في كل فقرة على حدة .
                فيما يخص الفقرة الأولى والمتعلقة بالمصطلح .
                ـ علم المصطلح علم قائم الذات له مصادره ومراجعه النظرية التي لا بد من العودة إليها ليكون كلامنا أكثر علمية و أكثر أكاديمية .
                ـ تحدتث يا سيدي على أن هناك مصطلحات غربية علمانية و أخرى لا دينية وغير شرعية، ويجب أن نحتاط ونحن نتعامل مع هذه المصطلحات . وهو كلام يحتاج إلى توضيح ،خصوصا وانت تتحدث عن مصطلحات أدبية .
                إن المصطلح عامة آلة من آليات الارتقاء بالكلام إلى مستوى العلم ، وهي آلة محايدة لا شرقية ولا غربية .
                صحيح أن المصطلح ينشأ ويتخذ صيغته ودلالاته في بيئة ثقافية محددة ، وعندما ينتقل من ثقافة إلى ثقافة أخرى يجب تكييفه وتطويعه ليلائم البيئة الثقافية الجديدة . فالشعر هو الشعر في الشرق وفي الغرب ، في الإسلام وغير الإسلام ، تجربة إنسانية في صياغة فنية فقد جاء الإسلام ، وقال إن امرئ القيس حامل لواء الشعراء إلى النهار ، ولم ينف عنه الشعرية ، فانتقد أخلاقه وفسقه ، واعترف له بشعريته وشاعريته. فهل نقول إن هذا المصطلح غربي أو شرقي ، ديني أو لا ديني ؟ وهل قصيدة النثر الذي جاءتنا من الغرب مصطلح علماني أو لاديني ، صحيح إنها كتبت من طرف شعراء يتوسلون بالمخدرات أحيانا ليغيبوا عن الوعي ويعطلوا الحواس .حتى يكتبوا قصيدة نثر خالصة نابعة من صميم اللاشعور، لكن عندما انتقلت إلى الثقافة العربية ، لا أحد من الشعراء العرب بما فيهم الملحدين والمسيحيين دعا إلى ما استعمله الغربيون لكتابة قصيدة شعر أصفى وأنقى ، وإنما تحدثوا عن التجربة الصوفية التي يعطل فيها المتصوف حواسه وعقله ويعيش تجربته بعقله وقلبه معا . وهذا ما تحدث عنه أدونيس مقارنا بين الصوفية والسوريالية في القدرة على تعطيل الحواس .
                2 ـ
                يصح أن نجعل من مقولة شرعية مثل (لا مشاحة في الاصطلاح) مبررا لاستعمال الكثير من المصطلحات الغربية غير المشروعة والتي تتعارض صراحة مع الشريعة الإسلامية."[1]
                ومن جملة ما أراد بعض الأدباء دمجه وتخليط دلالاته مصطلح الشعر والشاعرية:



                1 تحدثت في هذه الفقرة عن مصطلحات غربية تتناقض مع الشريعة الإسلامية ، ولم تشر إلى أي مصطلح من هذه المصطلحات، وكيف تتعارض مع الشريعة ، مما يخلق لبسا في الموضوع .
                2 قلت :ومن جملة ما أراد بعض الأدباء دمجه وتخليط دلالاته مصطلح الشعر والشاعرية:
                من هذا البعض الذي يخلط بين مصطلحين مختلفين ، وكيف يخلط بينهما ، فالنقد واضح في التمييز بين المصطلحين ، والبنية الصرفية أيضا تميز بينهما . فالشعر تجربة إنسانية في صياغة فنية . والشعرية مجمل الخصائص و المقولات التي تجعل من نص ما نصا شعريا في ثقافة معينة ، و الشاعرية الملكة التي يمتلكها بعض الناس للارتقاء بتجاربهم اليومية إلى مستوى التجربة الشعرية . فكيف نخلط بين المصطلحات الثلاث ؟
                على الرغم من ضبايبة اللغة الاستعارية التي عرفت بها الشاعرية ، فإذا فهمتُ قصدك ، فأنا لا أتفق معك ، فما عرَّفته هو الشعرية بمفهومها أعلاه .
                و إذا كانت اللغة المجازية مطلوبة ومرغوبة في كلام الإبداع ، فإن النقد الأكاديمي يقتضي أن تكون لغتنا علمية واضحة حتى نتمكن من التفاهم وتوصيل ما نريد توصيله .
                وعلى الرغم من أنك حاولت تعريف الشاعرية ، فإنك لم تعرف الشعر. فما قلته هو أن الشعر يبقى شعرا و النثر يبقى نثرا ، وأعيد طرح السؤال ما هو الشعر وماهو النثر ؟ وما هي الحدود الفاصلة بينهما ؟ وهل الشاعرة نبيلة الخطيب حجة قطعية يكفي الاستشهاد بها لنقتنع أن الشعر يبقى شعرا والنثر يبقى نثرا دون أن نطرح عليها الأسئلة نفسها التي طرحتها عليك .
                لقد أكدتَ أن كلامها ليست له حجية القرآن ، لذلك فهو يؤخذ ويرد ، ورده سهل . واستشهادك بالقرآن ليس في محله ، فلا مجال للمقارنة بين النص القرآني والنص الشعري قديما وحديثا ، فقديما كتب على طريقة مخالفة لطريقة الشعر حتى ولو تضمن بعض خصائص الشعر كالوزن في بعض الآيات و التشبيه والاستعارة ... وقد ميز القرآن الكريم الفرق الجوهري بينه و بين كلام الشعراء فهم في كل واد يهيمون و يقولون ما لايفعلون ووظيفة اللغة فيه مخالفة لوظيفة الشعر وطبيعته ، وحديثا صنف القرآن باعتباره كتاب بيان وكتاب إقناع و كتاب وعظ وجدال وحكمة ، والشعر ابعد من كل هذا ، فهو تجربة فردية متخيلة لا غاية لها إلا الكلام الجميل . فلا يكفي لتوجد بعض خصائص الشعر في الكلام العادي أيضا لنصنفه ضمن الشعر. فهذه الخصائص وإن وجدت فقد وجدت ووظفت لغاية تواصلية أو إقناعية محضة ، وفي الشعر توظف لغاية شعرية محضة ، ولا تخفى عليك أهمية المقاصد في موضوعنا هذا .
                إن المشي والرقص يستعملان الأعضاء نفسها ، لكن المشي يستعملها لغاية الوصول إلى مكان محدد، وحتى ولو كان المشي يتضمن بعض خصائص الرقص، فإن مقصدية الانتقال في المكان هي المهيمنة ، و الرقص يستعملها لغاية جمالية حتى ولو كانت مصحوبة بانتقال في المكان . ولا يختلط على أحد الفرق بين المشي والرقص . والمهيمنة مصطلح معروف في النقد الحديث .
                تقول الشاعرة نبيلة الخطيب إن الشعر يبقى شعرا والنثر يبقى نثرا لأن النثر يفتقد إلى أبسط قواعد الشعر وضوابطه . فلنتفق أولا على قواعد الشعر وضوابطه .
                قد تقول لي إنها معروفة . لا ياسيدي : القواعد المعروفة هي قواعد الشعر العمودي وليست قواعد مطلق الشعر ، وقواعد الخمسينيات هي قواعد الشعر التفعيلي، وليست قواعد الشعر المطلق . وكثيرة هي الشعوب الذي لها كلام غير موزون وغير مقفى وتسميه شعرا . ومقاييس الجمال ليست نهائية وتتجدد بتطور الذوق والمعرفة .
                إن شباب اليوم لا يفضلون الاستماع إلى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، فهل نقول إن هؤلاء ليسوا فنانين ؟ لا ، هؤلاء فنانون كبار، لكن ذوق الشبا تغير وتطور ،فلكل جيل ذوقه ومقاييس جودته ، فلنحترم أذواق الناس . مع العلم أن الأذواق الجديدة لا تقصي الأذواق القديمة ،وإنما تغنيها وتتعايش معها ، فلا أحد ينكر أن القصيدة العمودية ليست شعرا جميلا ، فلماذا تنكرون على قصيدة النثر حقها في الوجود بدعوى أنها غربية ؟
                أخي محمد : لقد استرسلت في الكلام ، فأرجوا أن تتفهم كلامي في حدود الحوار الهادئ الذي لا أريد من ورائه إلا الدفاع عن وجهة نظر أومن بها . أما ذوقي فهو يميل إلى القديم والتفعيلي دون أن يعني ذلك أنني لا أجد نصوصا جميلة في ما هو قصيدة نثر .
                احتراماتي وتقديري .
                التعديل الأخير تم بواسطة علي المتقي; الساعة 07-05-2009, 19:38.
                [frame="1 98"][align=center]أحبتي : أخاف من كل الناس ، وأنتم لا أخافكم، فالمجيئ إليكم متعه، والبحث عنكم فتنة ولذه، ولقاؤكم فرحة تعاش ولا تقال.[/align][/frame]
                مدونتي ترحب بمن يطرق أبوابها:
                http://moutaki.jeeran.com/

                تعليق

                • محمد جابري
                  أديب وكاتب
                  • 30-10-2008
                  • 1915

                  #9
                  أ‌.د. علي متقي،
                  سلام عليك ورحمة الله وبركاته
                  شكر الله لك اهتمامك بالموضوع، وعناية الناقد مسحة بارع على لوحة مبدع، وتحملت المتاعب لصون الموضوع عن ترف الكلم...

                  جاء ردكم دفقا متدفقا يفيض على القلوب بأنسه، قبل أن تبتل الأجسام بروائه، وانصب الهطول على المصطلحات تلميعا وبيانا للدلالات. فمرحى بعطر الربيع وما يبثه من أريج الحقول والزهور.

                  فتقت عباراتك رتق ما انخدعت له، - بل وانقادت له كبار النقاد إعجابا وإكبارا -، وقد أضلهم بخار كلماتي، وانتشوا برذاذه ونطقت سلامة صدورهم بما عليه انطوت ووصفت المرآة ما رأت، ظنا منهم أنه تعقيب على عبير كلماتي.

                  وقبل نبش ما انهمرت سيوله من أناملك، وعطرته نبضات روحك، أرى الوقوف مع المصطلحات فكا لطلسمها وبيانا لدلالاتها.

                  جنح فقه المصطلحات بعيدا في سماء علوم المناطقة حفاظا على أصالته وسلامة التعبير وصونا له عن الخلط والتلبيس، ورغم رهافة حسك وسمو دلالات الكلمات، وحسن الظن، فقد عضنا كلب الدهر من بابه عضا ظلت من أجل دفعه العيون ساهرة، حذرة متيقظة، وما هذا بتخمين ولا ضرب لأخماس في أسداس، فكيف بمن شهد لصدقه القرآن شهادات {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة : 217].

                  ودب داء تعدد القراءات وتطاول أناسه على المقدس، بفهم مدنس. واكتفيت بقول الهواش دون أن أنبش التعاريف علما بأن تحريرها يتطلب جهدا خاصا.

                  وعلم المصطلح اليوم انبثق من ضرورة التواصل بين الأجناس البشرية. واغتر به بعضهم فشق له طوائف أكاديمية وأبحاث جامعية قطعت السبيل عن أبحاث جادة...

                  في جلسة مع الأستاذ حسن الأمراني تساءلت عن كشف لمكنون الجواهر ودافقات الفيض الشاعري من شعر ونثر، فأومأ للمتلاعبين بالمصطلحات في محاولة لطمس المعالم ولبس التعاليم.

                  وجاء هذا الفيض مبرزا ما النظم؟ ليس تعريفا بل إشارة إليه ويرحم الله ابن مالك فقد رئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ قال : غفر لي، قيل : وبم؟ قال بقولي: أعرف المعارف اسم الإشارة بعد الله جل جلاله.

                  ما النثر الجميل من غير شاعرية؟، وما النثر الشاعري؟، وما الشعر المقفى والموزون ذي الشاعرية والخيال ألموار؟ هذه الأجناس رفع المقال عنها الالتباس. وبالمثال اتضح المقال.

                  واستفسرت، سيدي، عن تعريفي للشعر وأراك كإمام تصر على إنصاف قصيدة النثر وإن كنت محبا للشعر العمودي وهنا يناصرك تعريف المختار السوسي رحمه الله القائل:

                  ( أنقله زرعا لوردة وسط حصيد لعل فوحها يلطف الجو)


                  [align=center]لــــم لا أقول الشعر كيف أريد؟ = وأنا بنيران الشعور وقود
                  ما الشعر موزون بقافية له = معنى بأسماع الجليس سديــد
                  لكنما الشعر الذي إن جاء في = الأسماع يذهب بالفتى ويعود
                  ويرن أثناء الضمير برنـة = نغماتها يحيي بها الموءود
                  فيثير مكنون الضمـير كأنـه = وحي من أكناف السماء جديد
                  ويبث روحا في الشعوب فينثنــي =" عاد" إلى عليائها و" ثمود"
                  هذا هو الشعر الذي أختــاره = ويروق لي وأوده وأريــــــــد
                  [/align]
                  لكن مدارس الأصالة ترفض علينا تحريف التعريفات ودلالات المصطلحات التي جاء بها الأوائل.

                  والملاحظ أن دعاة تجديد الشعر اغتروا بالجانب الإنساني للشعر، ولم يراعوا الأسس والتي جاءت على مقاس الشعراء الغربيين مثل ميلتون، وبايرون، وشكسبير في الأدب الأنجليزي، وفيكتور هيكو، ولامرتين في الأدب بفرنسا وقد اتخذوا من فلسفة هيكل وكانت مبدأ ومن روحانية المسيحية الدالة على فردية الأديب وغربته في الوجود منهجا أضف إلى ذلك من تبعوهم من أصحاب قصائد النثر؟

                  هكذا يتنسم دعاة الأصالة نسائم مرهفة تدقق المعاني وتراعي المباني وتحفظ الأصول، ولا يلبس علينا غيرنا نهجنا، فالمحجة اللاحبة عنوان الصدق وبرهان السلامة. ولا يعني هذا الانغلاق في دائرة، إنما تستفيد أصالتنا من أسلمة كل لون، وبنائه وفق معطيات الأصالة والمعاصرة.

                  كل الدواعي تتلبس بالألفاظ العامة من خصائص الإنسانية، والمزايا المشتركة وطبعا مع السم في الدسم.

                  وهكذا لبست مدرسة الأدب الإسلامي زيها وتزينت بزينة حددتها روح التشريع الإسلامي.

                  وفي الجانب الإنساني مجال التباري قد يفوق الداعي إلى الخير فاعله كما جاء في الحديث النبوي فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

                  [ لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل]

                  إنه لا يفلح حاضر لا يورث ما بعده، كما ورث ما قبله، وما حاضر الإنسانية إلا جزء من عمل الناس في استمرار فضائلهم باقية، نامية. ومن تراه حارصا بمعوله لنقش على لوحة المجتمع مفاخر الهمم والأخلاق العالية غير العلماء والأدباء؟

                  فكيف بالعامي إن لبس هؤلاء لبوس العجم؟

                  وهذا الوزاني يبين لنا مكونات تحريك الضمائر وهز أعمدتها إذ يقول:

                  "والأديب الذي يتصدى لتوجيه شعبه، يجب أن يعتقد أن لا نجاح له إذا اعتمد على الخيال الشعري والانطلاقات العاطفية فحسب، فمثله يحتاج إلى مواد كثيرة في مهمته من تفكير اجتماعي، وشعور قومي، وإيمان بالواجب، وسلوك فاضل، وقدح معلى في البيان، فيكون قدوة حسنى، ومثالا يحتدا، وطبيبا متمكنا من علمه، فمجرد الاعتماد على التنميق والتزويق غير خليق بإثارة الهمم، واستنهاض العزائم، وإنما هو مداعبة خيال، وإيماء إلى عاطفة، وأين هذا من الوطأة الأدبية الشديدة التي تهز أعمدة الضمائر، وتكشف عمياء البصائر، وترهف صماء الآذان ؟ "

                  وبكل هذا هل تناسج الفكر وتصافح؟

                  وهذا قولك: " فلنحترم أذواق الناس . مع العلم أن الأذواق الجديدة لا تقصي الأذواق القديمة ،وإنما تغنيها وتتعايش معها ، فلا أحد ينكر أن القصيدة العمودية ليست شعرا جميلا ، فلماذا تنكرون على قصيدة النثر حقها في الوجود بدعوى أنها غربية ؟"

                  أترى السؤال وجد جوابا؟

                  وسبق في حوار سابق بيان أن الفكر الإسلامي لا يتبنى الإقصاء لأي شيء، ولأي شخص لكون إرادة الله تعلقت بنصرة المستضعفين.

                  ولئن اقتصرت إشاراتي على الشاعرية والشعر فقد أضفت مشكورا مصطلح الشعرية.

                  وإني لم أتطرق لمعنى الشعر والشاعرية بعد؛ وإنما أثرت الغبار حوال هذه المعاني.

                  أخي الكريم بارك الله فيك، وشكرا على تفضلك وجهدك وعنائك لمدارسة النص.

                  والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
                  التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 10-05-2009, 15:44.
                  http://www.mhammed-jabri.net/

                  تعليق

                  • محمد جابري
                    أديب وكاتب
                    • 30-10-2008
                    • 1915

                    #10
                    أ. د. علي متقي؛
                    سلام عليكم ورحمة الله وبركاته تلقيت ردا من د. ظافر العمري على تعليقك أعلاه أنشره كما جاء.

                    اقتباس:
                    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد جابري مشاهدة المشاركة
                    . واستشهادك بالقرآن

                    ليس في محله ، فلا مجال للمقارنة بين النص القرآني والنص الشعري قديما وحديثا ، فقديما كتب على طريقة مخالفة لطريقة الشعر حتى ولو تضمن بعض خصائص الشعر كالوزن في بعض الآيات و ... التشبيه والاستعارة وقد ميز القرآن الكريم الفرق الجوهري بينه






                    أخي القدير الناقد محمد جابري

                    هذا الجزء من رد الأستاذ متقي يظهر منه أنه لم يتنبه إلى موطن استشهادك بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا)

                    فقد ظهر من حديثه عند هذه الجزئية موازنة عامة بين الآي والشعر ، وما في الآية يدل على أن المرء يتخير من اللفظ ما لا لبس فيه ولا تمويه مضلل،

                    أما القرآن والشعر فلا مجال للموازنة أو المقارنة بينهما، وليس في حديثك ما يدل على أنك وازنت بين الشعر والقرآن أو فاضلت بينهما

                    غير أن الأستاذ متقي ذهب يوجه الاستشهاد بالآيات على أنه موازنة بين الشعر والقرآن وليس في ذلك موازنة أو مفاضلة بوجه.

                    الأستاذ متقي يزعم أن الذوق العربي كان ينظر للشعر على أنه كلام موزون مقفى، والحق أن الذوق العربي (لا أقول النقد العربي لأن الحديث عن الشعر في النقد العربي يحتاج لوقفات أطول) وإنما أقول الذوق العربي يؤمن بأن الشعر أكبر من أن يوقف عند الوزن والقافية وإن كانتا من صلب الإبداع الشعري، إنه لايصح أن نحمل الشيء على بعض صفاته، فإذا وصف بعض نقاد العرب الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى فهو تعريف إشاري ليس تعريفا علميا ، والنقاد بعد قدامة نفوا أن يكون الشعر لا يعدو هذا التعريف.

                    إن الشعر العربي الأصيل هو الذي يجمع إلى عناصر الشعر المتعلقة بتكوينه الشعري الصادر عن الشعور والوجدان، يجمع إليها كلا من الوزن والقافية. فإن خلا من الوزن والقافية خلا من عنصرين رئيسين في تكوينه لأن الوزن والقافية ـ كما يرى حازم القرطاجني ـ يتصلان بعمق التجربة الشعورية ولا ينفك أحدهما عنها، وهو يكاد يختص بالتجربة الشعرية في اللغة العربية.

                    فإن الشعر متى اكتملت أدواته الموسيقية كان من الروعة والجمال بما لايسابقه أي فن قولي إنساني.

                    لقد احتكم الأستاذ علي متقي في الذوق إلى غيره، ولا يصح أن يتذوق الإنسان بحواس غيره، فإذا كان من الأجيال المتأخرة من يميل إلى فن دون آخر فإنه ليس يلزم الأديب الأصيل أن يغير ذوقه ويستعير حواس غيره ووسائطهم الإداركية ليتذوق كما يتذوقون. ولم نعلم أن أحدا استحسن أمرا ذوقيا لأن غيره استحسنه. ومن يستحسن الشيء بناء على ذوق غيره فهو ممن لا إحساس عنده ولا مشاعر ولا ذوق . وإنما هو مقلد لا يعتد برأيه.

                    وكم نجد في المنتسبين للأدب العربي ونقده من ذهب يستحسن قصيدة النثر لأنه رائجة في مجتمعها الذي نشأت فيه ولأنها مناسبة للغة التي صدرت عنها.
                    وهذا من النقص في الذوق والمشاعر وهو مما أصاب الذوق العربي بالمسخ والانحراف عن الأصالة .

                    إن من أدرك وتشرب لغة العرب، وخالطة دماءه وعروقه وجوانحه وجوارحه فإن ذوقه لن يخنع ولن يتنازل عن سموه ورفعته بعد أن ذاق حلاوة شعر المتنبي وعظمة شعر امرئ القيس وجلالة قدر شعر البحتري ورقة النسيبيات وجزالة الفخريات وفخامة المديحيات ، حتى إذا وقع في سمعه شيء من النثر المسمى شعرا لم يجد له مكان في الذوق بعد أن خالطه ذلك الشعر الخالد العظيم

                    أما من تربى ذوقه على شعر الغناء المعاصر وأدب الصحافة، ونبرات النثر المستشعر فإنه سيقبل ويستحسن المرذول

                    شكرا لك أخي محمد جابري وللأستاذ علي
                    __________________


                    dhafamri@hotmail.com
                    رد مع اقتباس
                    http://www.mhammed-jabri.net/

                    تعليق

                    • علي المتقي
                      عضو الملتقى
                      • 10-01-2009
                      • 602

                      #11
                      السلام عليكم ورحمة الله، وبعد : أبى أخي الكريم محمد جابري إلا أن يحمل إلي رأيا لأحد الفضلاء يرد على تعليق لي على كلامه في هذه الصفحة . وإذ أشكره وأشكرالأخ الكريم ، ليسمحا لي معا أن أوضح بعض الأمور قبل أن أواصل الحديث في الموضوع .1 ـ


                      أخي القدير الناقد محمد جابري

                      هذا الجزء من رد الأستاذ متقي يظهر منه أنه لم يتنبه إلى موطن استشهادك بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا)
                      فقد ظهر من حديثه عند هذه الجزئية موازنة عامة بين الآي والشعر ، وما في الآية يدل على أن المرء يتخير من اللفظ ما لا لبس فيه ولا تمويه مضلل،

                      أما القرآن والشعر فلا مجال للموازنة أو المقارنة بينهما، وليس في حديثك ما يدل على أنك وازنت بين الشعر والقرآن أو فاضلت بينهما. انتهي كلام السيد العمري


                      السيد ظافر العمري : السلام عليكم ، وبعد : لقد قرأت مقال السيد جابري بهدوء وتأن ، وانتبهت إلى كل شاذة وفاذة فيه ، ولم يخف علي ما أشرتَ إليه ، لكنني لا أقصد بذلك استشهاده بالآية الكريمة، بل تعليقه على قول الشاعرة نبيلة الخطيب . ، اقرأ قول الشاعرة وتعليق السيد جابري، وسترى أنني (لا أزعم )و إنما أصف ما هو موجود وأعلق عليه .
                      ماذا قالت الشاعرة نبيلة ، وبماذا علق السيد جابري ؟
                      تقول نبيلة: إن الكتابات النثرية إذا أتقنت كتاباتها تصبح أدبا جميلا أو نصوصا قد تكون بديعة ولكن ليست شعرا.
                      فكان جواب ذ جابري :القرآن الكريم قول جميل أفحمت بلاغته البلغاء وزادته شاعريته بهاء ونورا يضيء أرجاءه، ومع ذلك كله يشهد له ربه بقوله {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة : 41].
                      أولا : أنا شخصيا لن أقبل أن يوصف القرآن بالشاعرية أو الشعرية ، لأن الشاعرية هي الملكة التي يهبها الله للشعراء . والشعرية ما يجعل من نص ما نصا شعريا . لذا لا بد من ضبط المصطلح حتى لا يختلط الفهم ، ويوصف الكلام بما ليس فيه ، وبما لا يقصد قوله .
                      ثانيا : إن نبيلة الخطيب ترى أن النثر نثر والشعر شعر ولكل مقاييسه ، ولا يجب الخلط بينهما ، بمعنى أن قصيدة النثر ليست شعرا لأنها لا تتمتع بضوابط الشعر . والضابط الوحيد الذي لا تتمتع به قصيدة النثر هو الوزن والقافية ، أما الإيقاع والإحساس الشعري والتخييل والبلاغة والتعبير عن التجربة، فقد فاقت فيه قصيدة النثر االجيدة كل الأشكال السابقة. فجاء تعليق السيد جابري ليزكي كلام الناقدة نبيلة بقوله: إن القرآن كلام جميل ببلاغته وشاعريته ومع ذلك ليس بشعر (لأنه يفتقد ضوابط الشعر) . فعلقت على قوله بقولي : إن استشهادك بالقرآن ليس في محله ، لأن هناك فرقا كبيرا بين مقاصد القرآن وطبيعة لغته ووظيفتها ، وبين مقاصد قصيدة النثر التي سئلت عنها الناقدة ورفضتها، وقالت إنها نثر جميل وليس شعرا . ذلك أن الفرق بين قصيدة النثر ولغة القرآن ليس فرقا في الدرجة ، وإنما في الطبيعة و الوظيفة .
                      2 الآية التي استشهد بها ذ جابري في حديثه عن المصطلح فيها إشكال كبير ، ذلك أن راعنا وانظرنا كلمتان عاديتان ولا ترقيان إلى درجة المصطلح ، وعندما نهى الله عز وجل المؤمنين من استعمال راعنا وأن نستبدل بها انظرنا ، فلأن هذه الكلمة فيها سخرية وتفيد في العبرية معنى غير المقصود بها في العربية ، جاء في مفاتيح الغيب للإمام الرازي :

                      جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله: { رٰعِنَا } لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهاً، أحدها: كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي «راعينا» ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون: راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: { ٱنظُرْنَا } ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء:
                      { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ }
                      [النساء: 46]، وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية، وثانيها: قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها، وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها، ورابعها: أن قوله: «راعنا» مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال.
                      من هنا ، فليس علميا ولا أكاديميا أن نستشهد بظاهرة لغوية على ظاهرة مصطلحية مخالفة لها ، إذ لا قياس . مع العلم أن مايقوله الأستاذ جابري من ضرورة ضبط المصطلح وتدقيقه أمر بدهي ، ولا يناقشه أحد أو يناقضه ، ولا يحتاج إلى استشهاد عليه بالقرآن الكريم.
                      3 ـ جاء أيضا في رد السيد العمري : الأستاذ متقي يزعم أن الذوق العربي كان ينظر للشعر على أنه كلام موزون مقفى، والحق أن الذوق العربي (لا أقول النقد العربي لأن الحديث عن الشعر في النقد العربي يحتاج لوقفات أطول) وإنما أقول الذوق العربي يؤمن بأن الشعر أكبر من أن يوقف عند الوزن والقافية وإن كانتا من صلب الإبداع الشعري، إنه لايصح أن نحمل الشيء على بعض صفاته، فإذا وصف بعض نقاد العرب الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى فهو تعريف إشاري ليس تعريفا علميا ، والنقاد بعد قدامة نفوا أن يكون الشعر لا يعدو هذا التعريف.

                      هذ الفقرة تحتاج إلى كلام كثير ،
                      ـ ليس من النقد العلمي والأكاديمي استعمال كلمتي يزعم ... والحق ، فالزعم مخالفة الحقيقة، والحق قول الحقيقة ، فمن جعل كلامي زعما ومن جعل كلام السيد العمري حقا؟ . هل هناك مقياس يتفق عليه النقاد و يقاس عليه ليجعل كلامي زعما وكلامه حقا . ولو كنت مكانك لقلت : يرى الأستاذ المتقي .... وأرى غير ذلك للمبررات الآتية . وفرق كبير بين القولين .
                      ـ لنناقش الآن الزعم والحق .
                      يقول السيد العمري والحق أن الذوق وليس النقد ، فما الفرق بين النقد والذوق؟ ، وهل وصلنا ذوق خارج النقد؟ عندما نتحدث عن الذوق فإننا نتحدث عنه انطلاقا من النقد .
                      ـ إن القول بأن الشعر أكبر من الوزن و القافية ليس كلام الذوق العربي ، بل هو كلام معاصر قال به نقاد القرن العشرين وشعراء القرن العشرين ، أما القدماء فلم يتصوروا الشعر بلا وزن و إن تصوروه بلا قافية. لما قال أحد النقاد الفلاسفة المتأخرين وهويتحدث عن الشعر وهو عند العرب مقفى .
                      أتفق معك شخصيا أن الشعر أكبر من الوزن والقافة ، ولكن بعد أسطر تعود لتؤكد:
                      إن الشعر العربي الأصيل هو الذي يجمع إلى عناصر الشعر المتعلقة بتكوينه الشعري الصادر عن الشعور والوجدان، يجمع إليها كلا من الوزن والقافية. فإن خلا من الوزن والقافية خلا من عنصرين رئيسين في تكوينه لأن الوزن والقافية ـ كما يرى حازم القرطاجني ـ يتصلان بعمق التجربة الشعورية ولا ينفك أحدهما عنها، وهو يكاد يختص بالتجربة الشعرية في اللغة العربية.
                      فإذا لم يكن ممكنا أن ينفك أحدهما من الآخر، كيف يمكن أن يكون الشعر شيئا آخر غير الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى ؟ هذا القول تعطي لنفسك الحق في أن تراه غير علمي و أنه من باب الإشارة فقط . لا يا سيدي : إنه كلام نقدي علمي في عصره وفي مرحلته . وهكذا كان النقد يتصور الشعر .وطبيعي جدا أن يتغير الذوق والنقد في مراحل أخرى من مراحل تطور الإبداع والتأثر و التأثير بالثقافات العالمية .
                      4 يقول السيد العمري : فإن الشعر متى اكتملت أدواته الموسيقية كان من الروعة والجمال بما لايسابقه أي فن قولي إنساني. انتهى
                      من قال غير ذلك ، لكن السؤال المطروح: ما معنى اكتمال الأدوات الموسيقية ؟ هل الأدوات الموسيقية هي الوزن والقافية التي ترى أن الشعر أكبر منهما ؟ إن قصيدة النثر لها أدواتها الإيقاعية أيضا ولها بناؤها ولها شكلها ولها تخييلها ، ولا يمكن تصور الشعر بلا إيقاع ، ولكن يمكن تصوره بلا وزن أو قافية .

                      ـ 5 ـ يقول السيد العمري : لقد احتكم الأستاذ علي متقي في الذوق إلى غيره، ولا يصح أن يتذوق الإنسان بحواس غيره، فإذا كان من الأجيال المتأخرة من يميل إلى فن دون آخر فإنه ليس يلزم الأديب الأصيل أن يغير ذوقه ويستعير حواس غيره ووسائطهم الإداركية ليتذوق كما يتذوقون. ولم نعلم أن أحدا استحسن أمرا ذوقيا لأن غيره استحسنه. ومن يستحسن الشيء بناء على ذوق غيره فهو ممن لا إحساس عنده ولا مشاعر ولا ذوق . وإنما هو مقلد لا يعتد برأيه.
                      تتهمني إلى أنني أحتكم إلى ذوق غيري ، وأنني مجرد مقلد ، وأرى بحواس غيري ، وأن لا إحساس لي ولا يعتد برأيي . وهذا كلام لا يقوله ناقد ،لأن من لا إحساس له ولا يعتد برأيه لا يُرد عليه ولا يلتفت إلى كلامه، فلماذا تتعب نفسك في التعليق على كلام لايعتد به ولا يقوله إلا من لا إحساس له ؟ .وتعود إلى القول : يصح ولا يصح ، و هوكلام غير نقدي ، لأن مقياس الصحة في النقد ، ليس هو مقياس الصحة في الدين ، فالدين هناك نص يقاس عليه ، وفي النقد هناك رأي ورأي مخالف وهما معا على قدمي المساواة ما لم يتضمن أيا منهما تناقضا داخليا بين مسلماته ونتائجه . ثم تقول: إنني أطالبك بأن تغير ذوقك الأصيل . وهذا أيضا (بلغتك )غير صحيح ، فمن جعل ذوقك أصيلا وذوق غيرك غير أصيل ؟ومن طالبك بأن تغير ذوقك ـ أصيلا كان أم غير أصيل ـ ؟ لن تجد في كتاباتي المتعددة المنشورة على الجرائد أو في كتبي أوفي المنتديات ولا في دروسي أنني أطالب بتغيير أذواق الناس ، وإذا سألت عني طلبتي فستعلم أنني أكثر الأساتذة قبولا للاختلاف . بل الأكثر من هذا ، أقول ويقول معي أدونيس وكثير من النقاد ، إن قصيدة النثر شكل تجريبي لم يأت بديلا للقصيدة العمودية ولا لقصيدة التفعيلة ، وإنما هو شكل كباقي الأشكال يغني الأشكال الموجودة و يزيد من حرية الشاعر لكي يعبر بحرية أكبر عن عمق تجاربه . وأكرر: لكل شاعر الحق في أن يكتب بالشكل الذي يرتاح له . وللقارئ أن يقرأ النص الذي يرتاح له عموديا كان أم غير عمودي . فأنا في الإبداع أومن بأن الذوق فرداني وليس ذوقا جمعيا ، وإن كان هناك ما هو مشترك بين الأذواق ، ففي القصيدة العمودية ، قصائد إنسانية راقية ، وفيها قصائد رديئة ، ولا يحكم على الشكل العمودي بالقصائد الرديئة ، وإنما بالقصائد الجميلة ، وفي قصيدة النثر أيضا تجارب رائدة وتجارب أكثر رداءة ، لكن عينك لا ترى إلا الرداءة في الجديد والجودة في القديم ، في حين أن عيني ترى الجيد و الرديئ هنا وهناك . إذن ، فأنت من يقصي أذواق الآخرين بدعوى أنها غير أصيلة ، وتتهمهم بأنهم يرون بعيون الآخرين ، وكأن الآخرين ليسوا بشرا ولا يتكلمون شعرا أو لهم عواطف غير العواطف والإحساسات الإنسانية التي لنا . الإنسان يا سيدي هو الإنسان ، والذوق لا يولد مع الإنسان و إنما هو شيء يكتسب ، فإذا تربى ذوقك في أحضان النقد القديم ، فلا أحد يلزمك بأن تهتم بغير ذلك ، وليس ذلك عيبا ، لكن العيب كل العيب ، أن تحصر الأدب العربي في جزيرة حتى لا يصاب بأنفلونزا قصيدة النثر ، وتجعل ذوقك مقياسا للتصنيف، و تصنف آراء الناس إلى ما هو زعم وماهو حق ، وكأنك أنت وحدك تمتلك الحقيقة .
                      فيما يخص مفهوم الأصالة ، الأصالة ليست هي التقليد و الحفاظ على آراء القدماء كما هي والاستشهاد بها بدعوى أنها مقدسة ، كما أن المعاصرة ليست في تقليد الغرب . إن الأصالة و المعاصرة معا وجهان لعملة واحدة هي أن نبدع كما أبدع أسلافنا وفق مقاييس عصرنا . فأنت تقبل بأن يقول النقاد المتأخرون قولا مخالفا لقول قدامة، ولا تقبل بأن نقول قولا مخالفا لآرائهم ، وكأن الاجتهاد والإبداع وقف عند حازم والسجلماسي .

                      ـ ـ 6 ـ يقول السيد العمري : وكم نجد في المنتسبين للأدب العربي ونقده من ذهب يستحسن قصيدة النثر لأنها رائجة في مجتمعها الذي نشأت فيه ولأنها مناسبة للغة التي صدرت عنها.
                      وهذا من النقص في الذوق والمشاعر وهو مما أصاب الذوق العربي بالمسخ والانحراف عن الأصالة .

                      إن من أدرك وتشرب لغة العرب، وخالطة دماءه وعروقه وجوانحه وجوارحه فإن ذوقه لن يخنع ولن يتنازل عن سموه ورفعته بعد أن ذاق حلاوة شعر المتنبي وعظمة شعر امرئ القيس وجلالة قدر شعر البحتري ورقة النسيبيات وجزالة الفخريات وفخامة المديحيات ، حتى إذا وقع في سمعه شيء من النثر المسمى شعرا لم يجد له مكان في الذوق بعد أن خالطه ذلك الشعر الخالد العظيم.

                      أما من تربى ذوقه على شعر الغناء المعاصر وأدب الصحافة، ونبرات النثر المستشعر فإنه سيقبل ويستحسن المرذول

                      هذا كلام لا أجيب عليه لأنه سباب وليس نقدا .
                      [frame="1 98"][align=center]أحبتي : أخاف من كل الناس ، وأنتم لا أخافكم، فالمجيئ إليكم متعه، والبحث عنكم فتنة ولذه، ولقاؤكم فرحة تعاش ولا تقال.[/align][/frame]
                      مدونتي ترحب بمن يطرق أبوابها:
                      http://moutaki.jeeran.com/

                      تعليق

                      • محمد جابري
                        أديب وكاتب
                        • 30-10-2008
                        • 1915

                        #12
                        الأستاذ د.علي متقي، حفظك الله؛
                        تلقيت ردا من الدكتور ظافر العمري على نقدك لمقاله

                        وجزاكما الله خيرا لمناقشتكما جوهر الفن الشعري بذوق رفيع لأدباء بارزين:

                        الأخ الناقد محمد جابري أشكر لك إيجاد حلقة تواصل مع الدكتور علي المتقي.

                        وإليك الرد على ما نقلته عنه وأملي أن يصله شاكرا لك وله هذا العطاء الأدبي.



                        الدكتور علي المتقي
                        وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

                        ماذكرته من اختلاف القرآن عن الشعر هو ما أردته أنا بقولي السابق ويبدو أن الحوار بينك وبين الفاضل محمد جابري كان أوسع مما دار حول الآية، ولذلك فسأقتصر في الرد على ما تناولته أنت من كلامي.

                        قولك: (ليس من النقد العلمي والأكاديمي استعمال كلمة يزعم ... والحق، فالزعم مخالفة الحقيقة، والحق قول الحقيقة ، فمن جعل كلامي زعما ومن جعل كلام السيد العمري حقا؟. هل هناك مقياس يتفق عليه النقاد و يقاس عليه ليجعل كلامي زعماوكلامه حقا . ولو كنت مكانك لقلت : يرى الأستاذ المتقي .... وأرى غير ذلك للمبررات الآتية . وفرق كبير بين القولين .
                        ـ لنناقش الآن الزعم والحق) .انتهى كلامك


                        فأقول بتوفيق الله وفضله: الكلمتان (يزعم.. والحق) هما من النقد الأكاديمي والعلمي وذلك لأن كلمة (زعم، يزعم) التي وصفت أنا بها كلامك هي بمعنى (قال، يقول) لأن الزعم في اللغة هو القول حقا كان أو باطلا، فكيف تحمله أنت على أنني أردت به الباطل وتنسى الوجه الأكثر أشراقا والأولى بحسن الظن وهو الزعم الحق، ولو عدت للمعاجم لوجدت أنهم يحملون الزعم تماما على معنى القول فإن زعم بمعنى قال. فكيف تحصره في مخالفة الحقيقة، وكان يسعك أن تحمله على المعنى الحسن، كما هو شأن أهل، فحين جعلت من كلامك زعما فإنني أردت به القول تماما. وحملك الزعم على أنه مخالفة للحقيقة هو مثل من يحمل القول على أنه مخالفة للحقيقة. لذا فقد كان الأولى بك هو حسن الظن.

                        وأما قولي: (الحق) فحين أرى رأيا فإني لا أقول به إلا وقد اعتقدته حقا حتى لو كان في نظر غيري باطلا. وليس من المنطق أن أقول برأي وأنا أعتقده باطلا.
                        وهذا الجزء من رد الدكتور علي يدل منذ البدء على استهلاله بلغة مشحونة كان في غنى عنها لو أنه تأمل (الزعم، والحق)،و أخشى مع هذه اللغة المشحونة أن يفقد لغة الحوار، فيرى في كلامي غير ما أريد، ولعله يتذكر هذا القول حين يصل معي إلى نهاية المقالة فيرى كيف سرى أثر هذه اللغة المشحونة في مقالته كلها.

                        ثانيا يقول الأستاذ المتقي:
                        (يقول السيد العمري والحق أن الذوق وليس النقد ، فما الفرق بين النقد والذوق؟ ،وهل وصلنا ذوق خارج النقد؟ عندما نتحدث عن الذوق فإننا نتحدث عنه انطلاقامن النقد) .

                        وجوابي هو:
                        الفرق بين النقد والذوق بين لا خفاء فيه،وهو أن النقد أوسع من الذوق، فإن الذوق جزء من أدوات النقد، ولو حصرنا النقد في الذوق لحجرنا واسعا. وأنا قد فرقت بين الذوق والنقد من هذا المنطلق، لأني أردت الحكمة من جهة الذوق خاصة لا من جهة عموم النقد، والفرق بين الحكمين لا يخفى عليك، إلا إن كنت ترى أن النقد ليس إلا الذوق ولا تنظر لسائر الأدوات. وليس في كلامي ما يدل على أنني اعتبرت الذوق خارج النقد، ألم أقل: والحق أن الذوق العربي (لا أقول النقد العربي لأن الحديث عن الشعر في النقد العربي يحتاج لوقفات أطول )
                        وهذا يدل على أنني أرى في حكم النقد العربي أكثر وأوسع مما أراه في حكم الذوق العربي. ولا أقول إن الذوق العربي ليس من النقد.

                        وأنت تقول إننا حين نتحدث عن الذوق نتحدث عنه انطلاقا من النقد، فهل يعني هذا أن من تحدث عن الإبداع الشعري بذوقه أنه استوفى كل أدوات النقد؟! لا أحسبك تقصد هذا.

                        ثالثا تقول:
                        (إن القول بأن الشعر أكبر من الوزن و القافية ليس كلام الذوق العربي ، بل هو كلام معاصر قال به نقاد القرن العشرين وشعراء القرن العشرين ، أما القدماء فلم يتصورواالشعر بلا وزن و إن تصوروه بلا قافية. لما قال أحد النقاد الفلاسفة المتأخرين وهويتحدث عن الشعروهو عند العرب مقفى) أ.هـ.


                        وأنت بهذا _يادكتور علي _ تتهم الذوق العربي وتنفي عنه أن يكون قد حكم بأن الشعر أوسع وأكبر من الوزن والقافية، فأين أنت من قول شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه حين دخل عليه ابنه عبدالرحمن ،وهو طفل يبكي فقال : له ما أبكاك؟ فقال : (لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة) فقالحسان) : يا بنيقلت الشعر وربالكعبة)، فهل وجد حسان في كلام ابنه وزنا أو قافية حتى يحكم عليه بأنه شعر؟!!!!

                        كلا! لقد حكم حسان على كلام ابنه بأنه شعر، أو أنه قال شعرا أو سيقول شعرا، فهل نظلم أسلافنا فنحكم عليهم بأن ذوقهم لم ير الشعر إلا وزنا وقافية.
                        ولا يحق لأحد أن يستخرج من كلامي أنني أضع من شأن الوزن والقافية. وقد قلت في مشاركتي ما نصه (الشعر أكبر من أن يوقف عند الوزن والقافية وإن كانتا من صلب الإبداع الشعري).

                        لأنني أعني بذلك أن الشعر له خصائص أخرى غير الوزن والقافية مع أهميتهما فهو مشتمل على غيرهما، فوصفي للشعر بالكبر لأنه يشمل أكثر منهما شمول الكل لبعض أجزائه، والكل أكبر من الجزء. وهذا يكفي في الدلالة على أنني لا أريد تحقير الوزن والقافية حين قلت إن الشعر أكبر منهما. وهو يدل أيضا على أنني حين قلت: إن الشعر العربي الأصيل هو الذي يجمع إلى عناصر الشعر المتعلقة بتكوينه الشعري الصادر عن الشعور والوجدان، يجمع إليها كلا من الوزن والقافية.
                        فإن خلا من الوزن والقافية خلا من عنصرين رئيسين في تكوينه لأن الوزن والقافية ـ كما يرى حازم القرطاجني ـ يتصلان بعمق التجربة الشعورية ولا ينفك أحدهما عنها، وهو يكاد يختص بالتجربة الشعرية في اللغة العربية
                        لم أرد الفصل بين الشعر من جهة وبين الوزن والقافية من أخرى، لأنني حين ميزت بين الشعر وبين الوزن والقافية إنما هو تمييز بين الكل وبعض أجزائه التي تدخل في تكوينه ولا يتم إلا بتلك الأجزاء كما هي أعضاء الجسد الواحد حين تميزبعضها عن بعض فإنك لا تنفيها عن عموم الجسد، ولا تخرجها منه. بل هو تمييز بقدر الإيضاح والبيان لغرض التعريف بمكونات ذلك الجسد.

                        وأحسب أن الأستاذ علي المتقي فهم من كلمة (أكبر) معنى التفضيل ، وأنا لم أرد التفضيل وإنما أردت الحجم والشمول، فإن كلمة (أكبر) تدل مرة على التفضيل كأن يقال: (زيد أكبر من اللحن) أي أنه لا يتصف به. وفي هذه العبارة تفضيل لزيد عن مقام اللحن. والمعنى الآخر مثاله: (جزيرة العرب أكبر من السعودية) ومعناه أن الجزيرة العربية تشمل السعودية وغيرها من الدول.
                        والمعنى الذي أردته بقولي: (الشعر أكبر من أن يوقف عند الوزن والقافية) هو المعنى الثاني وليس الأول.

                        فكيف تقولني ما ألم أقله وتفسر كلامي على وجه يوافق رأيك وتستخرج منه ما ليس له به صلة حين تقول:
                        .
                        (أتفق معك شخصيا أن الشعر أكبر من الوزن والقافة ، ولكن بعد أسطر تعود لتؤكد:
                        فإذا لم يكن ممكنا أن ينفك أحدهما من الآخر، كيف يمكن أن يكون الشعر شيئا آخر غير الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى ؟ هذا القول تعطي لنفسك الحق في أن تراه غير علمي و أنه من باب الإشارة فقط . لا يا سيدي : إنه كلام نقدي علمي في عصره وفي مرحلته . وهكذا كان النقد يتصور الشعر .
                        ألا ترى أنني لم أجعل الوزن والقافية شيئا غير الشعر؟! وأنت تفرق بين طرفي كلامي الطرف الأول أن الوزن والقافية من عمق التجربة الشعورية، وهما من صلب الشعر، والطرف الثاني أن الشعر أكبر من الوزن والقافية، ولاتنا قض بين الطرفين، بل هو تكامل ، غير أنك حملت التكامل على التناقض. فقلت عبارتك السابقة.

                        ثم يمضي الأستاذ الدكتور علي قائلا: (وطبيعي جدا أن يتغير الذوق والنقد في مراحل أخرى من مراحل تطور الإبداع والتأثر و التأثير بالثقافات العالمية)

                        وأفهم منه أن النقد العربي لم يعد الشعر بأنه أكبر من الوزن والقافية إلا من خلال اتصاله بالثقافات العالمية. وهو عجيب من الأستاذ الفاضل، لأن الاستقراء يدل على أن النقد العربي خلال مراحله المختلفة منذ القرن الثاني الهجري ناقش أسس الشعر وعناصره وتوصل إلى كثير من خصائص الشعر التي توقف عندها النقد الحديث ولم يزد عليها. وفي الدراسات العربية المعاصرة في نقد الشعر ما يدل على سبق النقاد العرب إلى كثير من ذلك.

                        ثم يقول الدكتور علي:
                        يقول السيد العمري:
                        (فإن الشعر متى اكتملت أدواته الموسيقية كان من الروعة والجمال بما لايسابقه أي فن قولي إنساني.انتهى

                        من قال غير ذلك ، لكن السؤال المطروح: ما معنى اكتمال الأدوات الموسيقية ؟ هل الأدوات الموسيقية هي الوزن والقافية التي ترى أن الشعر أكبر منهما ؟ )
                        سؤالك المطروح عن اكتمال الأدوات الموسيقية يستلزم أن تجيب على سؤالك بنفسك لأن في كلامي الذي استخرجت منه السؤال جوابا لما أردته، وذلك في قولي (اكتملت) لأن الاكتمال يدل على أن المكمِّل (بكسر الميم) معه مكملات أخرى. غير أن هذا العنصر المكمِّل لا يعني أنه زائد عن الحاجة بدليل أنني جعلته متصلا بعمق التجربة الشعورية فغيابه يعني النقص في أصول وأسس الشعرية. وبذلك فإني أؤكد أن في القصيدة العربية موسيقى لها مستويات مختلفة ، كيف لأحد أن ينكر هذا واللغة العربية لغة موسيقية في أصواتها ومفرداتها وتراكيبها فضلا عن أشكالها الأدبية المتعددة، وفي آداب اللغة العربية شواهد عظيمة على وجود مستويات الموسيقى الأخرى.

                        ثم يقول الأستاذ الدكتور علي:
                        (إن قصيدة النثر لها أدواتها الإيقاعية أيضا ولها بناؤها ولها شكلها ولها تخييلها ، ولا يمكن تصور الشعر بلا إيقاع ، ولكن يمكن تصوره بلا وزن أو قافية) .
                        تقول يا دكتور علي: (إن الشعر يمكن تصور الشعر بلا وزن أو قافية)

                        وفيما ذكرته في مقالتي السابقة عن حازم القرطاجني ما يرد على هذا، لأن الوزن والقافية يضربنا بجذورهما في عمق التجربة الشعرية وهذا عند حازم وعند كثير من النقاد العرب.

                        أما ما يسمى بقصيدة النثر فإنها ناقصة الإيقاع ضعيفة البناء الموسيقي مهلهلة البنية، حتى لو كان لها أدواتها الإيقاعية وشكلها وتخييلها فإنها تبقى دون مستوى القصيدة العربية الأصيلة ذات المستويات الموسيقية المتعددة. وإذا كان هذا النوع الأدبي النثري مناسباً للغة غير العربية وأدب غير الأدب العربي فإن الأنسب للعربية وأدبها وذوقها وفنها هو القصيدة الأصيلة.

                        ثم يقول الأستاذ علي:
                        (ـ 5 ـ يقول السيد العمري : لقد احتكم الأستاذ علي متقي في الذوق إلى غيره، ولا يصح أن يتذوق الإنسان بحواس غيره، فإذا كان من الأجيال المتأخرة من يميل إلى فن دون آخر فإنه ليس يلزم الأديب الأصيل أن يغير ذوقه ويستعير حواس غيره ووسائطهم الإداركية ليتذوق كما يتذوقون. ولم نعلم أن أحدا استحسن أمرا ذوقيا لأن غيره استحسنه. ومن يستحسن الشيء بناء على ذوق غيره فهو ممن لا إحساس عنده ولا مشاعر ولا ذوق . وإنما هو مقلد لا يعتد برأيه.

                        تتهمني إلى أنني أحتكم إلى ذوق غيري ، وأنني مجرد مقلد ، وأرى بحواس غيري ، وأن لا إحساس لي ولا يعتد برأيي . وهذا كلام لا يقوله ناقد ،لأن من لا إحساس له ولا يعتد برأيه لا يُرد عليه ولا يلتفت إلى كلامه، فلماذا تتعب نفسك في التعليق على كلام لايعتد به ولا يقوله إلا من لا إحساس له ؟ و هوكلام غير نقدي ، لأن مقياس الصحة في النقد ، ليس هو مقياس الصحة في الدين ، فالدين هناك نص يقاس عليه ، وفي النقد هناك رأي ورأي مخالف وهما معا على قدمي المساواة ما لم يتضمن أيا منهما تناقضا داخليا بين مسلماته ونتائجه )..وتعود إلى القول : يصح ولا يصح ،
                        وأقول للأستاذ علي: إن وصفي لك بأنك احتكمت إلى ذوق غيرك راجع إلى قولك: ( إن شباب اليوم لا يفضلون الاستماع إلى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، فهل نقول إن هؤلاء ليسوا فنانين ؟ لا ، هؤلاء فنانون كبار، لكن ذوق الشباب تغير وتطور ،فلكل جيل ذوقه ومقاييس جودته ، فلنحترم أذواق الناس)
                        فهل في كلامك ما يدفع كلامي، إذ إنك حين أردت أن تستشهد على تحول الذوق إلى (قصيدة النثر) جعلته تابعا لتحول شباب اليوم عن أم كلثوم ومعاصريها إلى مغنين من الجيل المعاصر، فليت شعري كيف ألتمس لك عذراً في أنك لم تستعن بذوق غيرك، ولم تحتكم إلى أدواته ووسائله الذوقية بعد كلامك هذا؟!!! بعد أن جعلت الذوق الغنائي متبوعا بالذوق الأدبي.. وكيف يكون الأدب الذي هو ذوق الخاصة؟! كيف يكون تابعا لذوق العامة. لأن الغناء يستحسنه العامة أكثر مما يستحسنون الأدب، وأما الأدب فإن له أهله مبدعين ومتلقين، ولا مقارنة بين ذوق ميدانه الأدب وذوق ميدانه الغناء. ولستُ هنا بصدد الحديث عن شرعية غناء أو أدوات موسيقية فلا يـُحملنَّ كلامي على غير مقصده لأنه ليس هذا مجال الحديث هنا.

                        والعجيب أنك أدخلت في الحوار مسألة وسلكت واديا لم نسلكه ، ولم نتعرض له وتلك هي مسألة الصحة في الدين، فهل في مقالتي شيء من ذلك؟!! وهل في مقالتي أنني وازنت بين الصحة في الدين والصحة في النقد، أو أنني جعلت مقاييس النقد ملزمة لمن خالفني؟!! إنني حين أتحدث عن قناعاتي وما أدركته من المعرفة وما توصلت إليه بالنظر، إنني أتحدث عن ذلك بقناعة توجب أن أراه صوابا، ولو علمت فيه خطأ لما دافعت عنه لأنني لست مغالطاً، والمغالط الجدلي يدافع عن رأيه حتى لو علم أنه خطأ وغيره صواب، وأنا أبرأ إلى الله من أن أدافع عن أمر أعلم خطأه.

                        وأما قول الدكتور علي:
                        (ثم تقول: إنني أطالبك بأن تغير ذوقك الأصيل . وهذا أيضا (بلغتك )غير صحيح ، فمن جعل ذوقك أصيلا وذوق غيرك غير أصيل ؟ومن طالبك بأن تغير ذوقك ـ أصيلا كان أم غير أصيل ـ ؟ لن تجد في كتاباتي المتعددة المنشورة على الجرائد أو في كتبي أوفي المنتديات ولا في دروسي أنني أطالب بتغيير أذواق الناس ، وإذا سألت عني طلبتي فستعلم أنني أكثر الأساتذة قبولا للاختلاف . بل الأكثر من هذا ، أقول ويقول معي أدونيس وكثير من النقاد ، إن قصيدة النثر شكل تجريبي لم يأت بديلا للقصيدة العمودية ولا لقصيدة التفعيلة ، وإنما هو شكل كباقي الأشكال يغني الأشكال الموجودة و يزيد من حرية الشاعر لكي يعبر بحرية أكبر عن عمق تجاربه . وأكرر: لكل شاعر الحق في أن يكتب بالشكل الذي يرتاح له . وللقارئ أن يقرأ النص الذي يرتاح له عموديا كان أم غير عمودي .

                        فأنا في الإبداع أومن بأن الذوق فرداني وليس ذوقا جمعيا ، وإن كان هناك ما هو مشترك بين الأذواق ، ففي القصيدة العمودية ، قصائد إنسانية راقية ، وفيها قصائد رديئة ، ولا يحكم على الشكل العمودي بالقصائد الرديئة ، وإنما بالقصائد الجميلة ، وفي قصيدة النثر أيضا تجارب رائدة وتجارب أكثر رداءة ، لكن عينك لا ترى إلا الرداءة في الجديد والجودة في القديم ، في حين أن عيني ترى الجيد و الرديئ هنا وهناك . إذن ، فأنت من يقصي أذواق الآخرين بدعوى أنها غير أصيلة ، وتتهمهم بأنهم يرون بعيون الآخرين ، وكأن الآخرين ليسوا بشرا ولا يتكلمون شعرا أو لهم عواطف غير العواطف والإحساسات الإنسانية التي لنا . الإنسان يا سيدي هو الإنسان ، والذوق لا يولد مع الإنسان و إنما هو شيء يكتسب ، فإذا تربى ذوقك في أحضان النقد القديم ، فلا أحد يلزمك بأن تهتم بغير ذلك ، وليس ذلك عيبا ، لكن العيب كل العيب ، أن تحصر الأدب العربي في جزيرة حتى لا يصاب بأنفلونزا قصيدة النثر ، وتجعل ذوقك مقياسا للتصنيف، و تصنف آراء الناس إلى ما هو زعم وماهو حق ، وكأنك أنت وحدك تمتلك الحقيقة .
                        فيما يخص مفهوم الأصالة ، الأصالة ليست هي التقليد و الحفاظ على آراء القدماء كما هي والاستشهاد بها بدعوى أنها مقدسة ، كما أن المعاصرة ليست في تقليد الغرب . إن الأصالة و المعاصرة معا وجهان لعملة واحدة هي أن نبدع كما أبدع أسلافنا وفق مقاييس عصرنا ). .


                        ففيه قضايا:

                        الأولى: كيف تقول إنني ألزمك بذوق غيرك مع أنك نقلت بنفسك عني أنني لمت من يستعير ذوق غيره ويتذوق بحواس غيره وأدواته الذوقية؟!! ارجع قليلا إلى ما كتبتُه وستجدني بريئا من ذلك.

                        الثانية: لا نقبل بتسمية القصيدة العربية التراثية الأصيلة (قصيدة عمودية) لأن العمودية فيها إشارة من بعيد إلى الشكل لا إلى المضمون وكأن القصيدة الأصيلة لا يظهر منها إلا الشطران العموديان.

                        الثالثة: أن من يرى ما يسمى بـ (قصيدة النثر) شعرا فإن له رأيه ولكن لا يحق له أن ينال من القصيدة الأصيلة ولا من النقد العربي والذوق العربي ولو تتبعت كتابات من عنوا بـ (قصيدة النثر) لرأيتهم يقللون من الشأن القصيدة الأصيلة، وفي كلامك ما يدل على هذا ألست تعد الوزن والقافية قيدا يحد من الإبداع؟!!! وفي هذا ما يكفي من التنقص من القصيدة الأصيلة وتفضيل (قصيدة النثر) عليها.

                        الرابعة: حكمت بأنني أرى جميع الشعر الأصيل جيدا ، وهذا ما لم أقله ولا أراه، لأن الشعر العربي على مر العصور فيه الجيد والرديء بل الشاعر المبدع قد يكون له قصائد وأبيات دون الجودة.

                        لكنك قد خرجت بهذا عن موطن الخلاف بيننا. لأننا اختلفنا في مسألة الوزن والقافية ومكانتهما في الشعر، وهذا المناط هو مصدر انحطاط منزلة (قصيدة النثر) عن الشعر الأصيل. فأما أن أُقيم موازنة بين جيد الأصيل وجيد الدخيل وبين رديئيهما فهو مالا أفعله لأنني لم أكن ممن يستحسنون (قصيدة النثر) لخلوها من العنصر الشعري المهم (الوزن والقافية). فلا أدخلها في سباق مع القصيدة الأصيلة وقد اختلف مضمار النوعين. وعندي أن ما يسمى (قصيدة النثر) ليست شعرا في الأصل، فإن حكمتُ على شيء منها بأنه حسن فإني أحكم عليه من جهة أنه قول فني بعيد عن الشعر، لاختلال شعريته. لأن الشعر عندي متلبس كل التلبس بالوزن والقافية.

                        الخامسة: ليس من النقص أن يتربى الذوق في أحضان النقد القديم بل هو شرف وفضيلة لأن من عرف وألم بما في تراثنا فإنه لا يحقره ويقلل من شأنه، ولا يعني هذا أننا لا نفيد مما عند غيرنا من الأمم ولكن ذلك مشروط بألا نبخس تراثنا أو نقلل من شأنه.

                        إن الاطلاع على آداب الأمم الأخرى ودراساتها اللغوية واللسانية والنقدية لا يضير المثقف العربي ولا ينقص من تراثه، وإنما الذي ينقص من تراثنا أن نتهم الشعر العربي بالنقص والقصور حتى لا يرأب صدعه ويشفي علته إلا أن نأتي بقول نثري نسميه (قصيدة النثر) فنعالج به قصور الشعر العربي.

                        لا تنس يا دكتور علي أن مزاحمة (قصيدة النثر) للشعر الأصيل، وإدخالها في مجال الشعر إنما هو على حساب الشعر الأصيل.

                        وإذا نحن أفدنا من الدراسات النقدية الحديثة عند غير العرب، فإن ذلك لا يبرر لنا أن ندخل فنا من النثر إلى الشعر ونزاحم به القصيدة الأصيلة والشعر الأصيل، ثم لا نلبث أن نرمي القصيدة الأصيلة بالتقييد والتحجير ونجعل مساحة الحرية الإبداعية لذلك الدخيل.

                        إن الأسلم للتراث العربي والأدب العربي والذوق العربي أن نبقي (قصيدة النثر) في ميدان النثر ولا نقحمها في ميدان الشعر. وتكون بذلك كأي فن قولي اكتسبناه من آداب الأمم الأخرى وسعته لغتنا واستساغه أدبنا، لكننا نشترط أن يبقى في محيط النثر الفني ولا يدخل في الشعر.

                        الخامسة: حكمت بأن الأصالة هي التقليد، وعجيب منك أن تنتقد التقليد وقد وقعت في شراكه وتعلقت بشباكه، فهل قصيدة النثر شيء سوى التقليد ولكنه تقليد لغيرنا. إن الأصالة التي نجدها في شعرنا التراثي هي منبع إعجابنا به ، ولإن كان استحسان تراثنا الأصيل تقليدا فإن تقليد سمت قومي وأدبهم وتراثهم خير لي من تقليد غير قومي. والارتماء في أحضان تراثي وثقافة أمتي خير لي من الارتماء في تقليد ثقافة أمة أخرى ما دمت أجد في تراث قومي ما يغنيني عن غيره.
                        عفوا يا دكتور علي لقد رميتني بدائك.. فأنت من عظَّم (قصيدة النثر) وهي ليست من تراث قومك إنما هي تقليد للآخر.

                        السادسة: قولك : (فأنت تقبل بأن يقول النقاد المتأخرون قولا مخالفا لقول قدامة، ولا تقبل بأن نقول قولا مخالفا لآرائهم ، وكأن الاجتهاد والإبداع وقف عند حازم والسجلماسي)
                        هذا اتهام من اتهاماتك ، فقول قدامة في الشعر رده كثير من النقاد العرب بعده، بل إن من قبل قدامه أقوالا تفيد أن الشعر ليس مجرد الكلام الموزن المقفى، ولا غرابة بعد ذلك أن تتهمني بأنني أرى أن الاجتهاد والإبداع وقف على حازم والسجلماسي.

                        إنني ذكرت حازما في معرض الحديث عن نقادنا الذين لهم رأي أصيل في علاقة الوزن والقافية بالشعر، وهو رد على زعمك أن العرب ونقادهم لم يعرفوا الشعر إلا بتعريف قدامة، فبينت لك أن في تراثنا تعريفات للشعر أوسع من تعريف قدامة. وارجع إلى كلامك حين تزعم أن اتصالنا بالثقافات المعاصرة هو الذي علمنا أن الشعر أوسع من تعريف قدامة فعلك تتبين موطن الاستشهاد.

                        وأخيرا فلعل الناظر في تسمية الدكتور علي بعض كلامي سبابا يدرك أنني لم أوجه له القول في العبارة التالية، وإنما وصفت ما أصاب الذوق العربي من الانحراف والمسخ الذي جعله يستحسن الرديء فإن من المنصفين من يوافقني على أن الذوق العربي لم يعد كما كان بل تحولت أذواق طائفة من أبنائه إلى ما لا يحسن أن نعتد به في ثقافتنا وأدبنا وخير شاهد ما نراه مما يقذف به الإعلام المرئي باسم الأدب العربي، ولولا شح الفطرة وكساد البضاعة لما أظهر لنا الإعلام ما أظهره على أنه من الأدب والذوق. ثم إن الكلام ليس موجها له بل هو كلام عن الذوق العربي عموما، ولو تأمل لوجد أن الكلام الذي وجهته له كنت أستهله بذكر اسمه أما حين كان حديثي عن الذوق العربي عموما فإنك لا تجد في كلامي شيء يخصك يادكتور علي. ولو تأملت قليلا لما حملته على السباب ولكنها اللغةا المشحونة التي استهللت بها مقالتك .

                        أشكرك يادكتور علي وأشكر الأخ المفضال محمد جابري.






                        __________________


                        dhafamri@hotmail.com
                        http://www.mhammed-jabri.net/

                        تعليق

                        • علي المتقي
                          عضو الملتقى
                          • 10-01-2009
                          • 602

                          #13
                          فأقول بتوفيق الله وفضله: الكلمتان (يزعم.. والحق) هما من النقد الأكاديمي والعلمي وذلك لأن كلمة (زعم، يزعم) التي وصفت أنا بها كلامك هي بمعنى (قال، يقول) لأن الزعم في اللغة هو القول حقا كان أو باطلا، فكيف تحمله أنت على أنني أردت به الباطل وتنسى الوجه الأكثر أشراقا والأولى بحسن الظن وهو الزعم الحق، ولو عدت للمعاجم لوجدت أنهم يحملون الزعم تماما على معنى القول فإن زعم بمعنى قال. فكيف تحصره في مخالفة الحقيقة، وكان يسعك أن تحمله على المعنى الحسن، كما هو شأن أهل، فحين جعلت من كلامك زعما فإنني أردت به القول تماما. وحملك الزعم على أنه مخالفة للحقيقة هو مثل من يحمل القول على أنه مخالفة للحقيقة. لذا فقد كان الأولى بك هو حسن الظن.

                          وأما قولي: (الحق) فحين أرى رأيا فإني لا أقول به إلا وقد اعتقدته حقا حتى لو كان في نظر غيري باطلا. وليس من المنطق أن أقول برأي وأنا أعتقده باطلا.
                          وهذا الجزء من رد الدكتور علي يدل منذ البدء على استهلاله بلغة مشحونة كان في غنى عنها لو أنه تأمل (الزعم، والحق)،و أخشى مع هذه اللغة المشحونة أن يفقد لغة الحوار، فيرى في كلامي غير ما أريد، ولعله يتذكر هذا القول حين يصل معي إلى نهاية المقالة فيرى كيف سرى أثر هذه اللغة المشحونة في مقالته كلها.


                          السلام عليكم. وبعد ،
                          ليسمح السيد العمري أن يكون ردي على رده ، مجزءا ومقتضبا لطول الحوار:
                          فيما يخص الزعم والحق ، إن كانت الكلمتان في لسان العرب تفيدان معا معنى القول ، فهما تداوليا لا تفيدان المعنى نفسه ،فإحداهما تفيد معنى عاما هو القول ، وثانيهما تفيد معنى خاصا . فالزعم الكلام المشكوك في صحته ، ولا تستعمل إلا في هذا المعنى ، حتى عندما يستعملها المتكلم فيقول : أزعم (ومن المستحيل في حق كلام الله عز وجل أن نقول : يزعم الله تعالى في سورة البقرة بمعنى يقول حتى ولو توفر لدينا حسن الظن .)

                          فيما يخص حسن النوايا ، إننا في مجال اللغة وفي حقل معرفي علمي لغته لا مجال فيها للنوايا ، وإنما للمنطوق والمفهوم .

                          أما العلمية والأكاديمية ، فلكل حقل معرفي أسلوبه العلمي ومفاهيمه التي يجب استعمالها استعمالا صحيحا في الوقت المناسب .


                          وعندما قلت إنه ليس من النقد العلمي والأكاديمي استعمال كلمتين مختلفتين لوصف رأيين متساويين ، فلأنهما استعملتا في حقل ليس الحقل الذي تستعمل فيه كلمة يزعم ، ولم أنف معناها اللغوي . فالزعم صفة تقال في ما يمكن أن نثبته و نؤكده بمطابقته للواقع ، أو قياس على نص يتضمن حقيقة مطلقة، كالنص القرآني و السنة النبوية . أما في مجال الأدب وفي مجال الأفكار ، فالأراء لا واقع لها تقارن به ولا حقيقة مطلقة تقاس عليها ، وإنما هي أفكار متساوية تتصارع و تتعايش دون أن يلغي الواحد منها الآخر . فمنذ الخمسينيات والصراع قائم بين الشعر القديم والشعر الحديث ، وقبله بين الشعر القديم والشعر المحدث دون أن ينتصر هذا الرأي على ذاك ، أو ذاك على هذا .

                          من هنا ، فالمسألة مسألة أذواق نابعة من خلفيات فلسفية لمفهوم الإبداع وتصوره، فأنت ترى الإبداع في ما رآه فيه القدماء ، وأنا أرى الإبداع في الخروج على المألوف في الثقافة العربية ، ولو عدنا إلى النقد القديم نفسه، وهو نقد تصح فيه استعمال كلمة يزعم لأنه نقد مبني على حقائق مطلقة لخصها عمود الشعر ، لوجدت أن النقاد لا يصفون آراء غيرهم بهذه الكلمة ، وإن وجدت فستجدها في سياق يصح فيه الحديث عن الزعم .

                          فيما يخص الحق والباطل : إننا في حقل معرفي ليس فيه حق ولا باطل ، الحق والباطل لا يكونان إلا قياسا على قاعدة لغوية أو شرعية أو قانونية . أما في مجال الأفكار ، فهناك الاعتقاد بالرأي وبنائه والدفاع عنه بالحجة والمنطق ومحاولة إقناع الآخر به . و محاولة دحض الرأي النقيض بالجدل و إثبات تناقض مسلماته مع نتائجه ، وفي غياب ذلك يبقى الرأي القائم صحيحا، كما الرأي المضاد صحيح .



                          مع تحياتي
                          [frame="1 98"][align=center]أحبتي : أخاف من كل الناس ، وأنتم لا أخافكم، فالمجيئ إليكم متعه، والبحث عنكم فتنة ولذه، ولقاؤكم فرحة تعاش ولا تقال.[/align][/frame]
                          مدونتي ترحب بمن يطرق أبوابها:
                          http://moutaki.jeeran.com/

                          تعليق

                          • علي المتقي
                            عضو الملتقى
                            • 10-01-2009
                            • 602

                            #14
                            الأخ العمري المحترم : فيما يخص علاقة الشعر بالوزن والقافية تقول :


                            وأنت بهذا _يادكتور علي _ تتهم الذوق العربي وتنفي عنه أن يكون قد حكم بأن الشعر أوسع وأكبر من الوزن والقافية، فأين أنت من قول شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه حين دخل عليه ابنه عبدالرحمن ،وهو طفل يبكي فقال : له ما أبكاك؟ فقال : (لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة) فقالحسان) : يا بنيقلت الشعر وربالكعبة)، فهل وجد حسان في كلام ابنه وزنا أو قافية حتى يحكم عليه بأنه شعر؟!!!!

                            كلا! لقد حكم حسان على كلام ابنه بأنه شعر، أو أنه قال شعرا أو سيقول شعرا، فهل نظلم أسلافنا فنحكم عليهم بأن ذوقهم لم ير الشعر إلا وزنا وقافية.
                            ولا يحق لأحد أن يستخرج من كلامي أنني أضع من شأن الوزن والقافية. وقد قلت في مشاركتي ما نصه (الشعر أكبر من أن يوقف عند الوزن والقافية وإن كانتا من صلب الإبداع الشعري).

                            لأنني أعني بذلك أن الشعر له خصائص أخرى غير الوزن والقافية مع أهميتهما فهو مشتمل على غيرهما، فوصفي للشعر بالكبر لأنه يشمل أكثر منهما شمول الكل لبعض أجزائه، والكل أكبر من الجزء. وهذا يكفي في الدلالة على أنني لا أريد تحقير الوزن والقافية حين قلت إن الشعر أكبر منهما. وهو يدل أيضا على أنني حين قلت: إن الشعر العربي الأصيل هو الذي يجمع إلى عناصر الشعر المتعلقة بتكوينه الشعري الصادر عن الشعور والوجدان، يجمع إليها كلا من الوزن والقافية.
                            فإن خلا من الوزن والقافية خلا من عنصرين رئيسين في تكوينه لأن الوزن والقافية ـ كما يرى حازم القرطاجني ـ يتصلان بعمق التجربة الشعورية ولا ينفك أحدهما عنها، وهو يكاد يختص بالتجربة الشعرية في اللغة العربية
                            لم أرد الفصل بين الشعر من جهة وبين الوزن والقافية من أخرى، لأنني حين ميزت بين الشعر وبين الوزن والقافية إنما هو تمييز بين الكل وبعض أجزائه التي تدخل في تكوينه ولا يتم إلا بتلك الأجزاء كما هي أعضاء الجسد الواحد حين تميزبعضها عن بعض فإنك لا تنفيها عن عموم الجسد، ولا تخرجها منه. بل هو تمييز بقدر الإيضاح والبيان لغرض التعريف بمكونات ذلك الجسد.

                            وأحسب أن الأستاذ علي المتقي فهم من كلمة (أكبر) معنى التفضيل ، وأنا لم أرد التفضيل وإنما أردت الحجم والشمول، فإن كلمة (أكبر) تدل مرة على التفضيل كأن يقال: (زيد أكبر من اللحن) أي أنه لا يتصف به. وفي هذه العبارة تفضيل لزيد عن مقام اللحن. والمعنى الآخر مثاله: (جزيرة العرب أكبر من السعودية) ومعناه أن الجزيرة العربية تشمل السعودية وغيرها من الدول.
                            والمعنى الذي أردته بقولي: (الشعر أكبر من أن يوقف عند الوزن والقافية) هو المعنى الثاني وليس الأول.

                            فكيف تقولني ما ألم أقله وتفسر كلامي على وجه يوافق رأيك وتستخرج منه ما ليس له به صلة حين تقول:
                            .
                            (أتفق معك شخصيا أن الشعر أكبر من الوزن والقافة ، ولكن بعد أسطر تعود لتؤكد:
                            فإذا لم يكن ممكنا أن ينفك أحدهما من الآخر، كيف يمكن أن يكون الشعر شيئا آخر غير الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى ؟ هذا القول تعطي لنفسك الحق في أن تراه غير علمي و أنه من باب الإشارة فقط . لا يا سيدي : إنه كلام نقدي علمي في عصره وفي مرحلته . وهكذا كان النقد يتصور الشعر .
                            ألا ترى أنني لم أجعل الوزن والقافية شيئا غير الشعر؟! وأنت تفرق بين طرفي كلامي الطرف الأول أن الوزن والقافية من عمق التجربة الشعورية، وهما من صلب الشعر، والطرف الثاني أن الشعر أكبر من الوزن والقافية، ولاتنا قض بين الطرفين، بل هو تكامل ، غير أنك حملت التكامل على التناقض. فقلت عبارتك السابقة.


                            وأفهم منه أن النقد العربي لم يعد الشعر بأنه أكبر من الوزن والقافية إلا من خلال اتصاله بالثقافات العالمية. وهو عجيب من الأستاذ الفاضل، لأن الاستقراء يدل على أن النقد العربي خلال مراحله المختلفة منذ القرن الثاني الهجري ناقش أسس الشعر وعناصره وتوصل إلى كثير من خصائص الشعر التي توقف عندها النقد الحديث ولم يزد عليها. وفي الدراسات العربية المعاصرة في نقد الشعر ما يدل على سبق النقاد العرب إلى كثير من ذلك.


                            المسألة يا أخي ليست مسألة أكبر أو أصغر ، المسألة هل قال الشاعر العربي كلاما شعريا خاليا من الوزن و القافية ؟ هل هناك تعريف في النقد العربي يعرف الشعر دون الإشارة إلى الوزن خاصة ؟

                            في حدود علمي الوزن والقافية مكونان أساسيان من مكونات الشعر في تصور النقد العربي . لذا رفضت أن تسميَ رأي قدامة مجرد إشارة ، وقلتُ: إنه وصف علمي للشعر في مرحلته التي لم يكن يُتصور خارج الوزن والقافية .
                            وقول حسان ـ وغيره من الأقوال كثير ـ لا يفيد بشكل مطلق أن الشعر يمكن أن يكون خاليا من الوزن والقفاية ، وإنما يفيد أن علامات قول الشعر ظهرت في قدرته على الوصف .فقد قال حسان قال ابني الشعر ورب الكعبة ، ومعنى القول تداوليا سيقول الشعر . ولم يقل حسان : هذا شعر .
                            كما أن قولي لا يمكن تصور الشعر في النقد القديم دون الوزن والقافية ، لا يعني أبدا ولا يفهم منه أن الشعر محصور في الوزن والقافية ، وإنما يفهم منه أنهما ركنان من أركانه . فالإسلام ليس محصورا في الصلاة مثلا ، مع العلم أنه لا يمكن تصور الإسلام بدون الصلاة أو أي ركن من أركانه .
                            يضاف إلى ذلك أن كلمة اتهام لا معنى لها في لغة النقد ، فنحن نناقش أفكارا، ونحدد خصائص دون أن يعني ذلك الرفع أو التنقيص من قيمة هذه الخصائص أو مقارنتها بغيرها ، وقد نخطئ ونصيب ، ولا نتهم أو نبرئ.والفرق بين رأيي ورأيك أن ترى الوزن و القافية في الشعر كالصوم والصلاة في الإسلام لا يمكن قبوله إلا بتوفرهما ، وأرى العكس . فالوزن والقافية اليوم لم يعودا مكونين محوريين من مكونات القصيدة المعاصرة ،لأن الوظيفة التي كانا يشغلانها وهي الوظيفة الإيقاعية صارت تؤديها مكونات أخرى دخلت عالم الشعر ، فصار للشعر المعاصر إيقاعه الخاص ونظرياته الإيقاعية المتعددة في الشرق والغرب وفي كل الثقافات العالمية إلا العربية التي تريدون أن تجعلوا منها جزيرة معزولة مطوقة بحواجز جمركية يحكمها يجوز أولا يجوز .
                            لا يا سيدي إننا في مجال الأفكار غير المقدسة التي نسمح فيها لأنفسنا ، وتسمح لنا قيمنا وعقيدتنا و عصرنا أن نعبر فيه عن حريتنا واختياراتنا ، ولكم مثل الذي لنا ، فاكتبوا كيف شئتم واقرأوا ما شئتم ، ولنا مثل الذي لكم . ولا يلغي الرأي الرأي الآخر .


                            ثم يمضي الأستاذ الدكتور علي قائلا: (وطبيعي جدا أن يتغير الذوق والنقد في مراحل أخرى من مراحل تطور الإبداع والتأثر و التأثير بالثقافات العالمية)

                            وأفهم منه أن النقد العربي لم يعد الشعر بأنه أكبر من الوزن والقافية إلا من خلال اتصاله بالثقافات العالمية. وهو عجيب من الأستاذ الفاضل، لأن الاستقراء يدل على أن النقد العربي خلال مراحله المختلفة منذ القرن الثاني الهجري ناقش أسس الشعر وعناصره وتوصل إلى كثير من خصائص الشعر التي توقف عندها النقد الحديث ولم يزد عليها. وفي الدراسات العربية المعاصرة في نقد الشعر ما يدل على سبق النقاد العرب إلى كثير من ذلك

                            تعليقك في هذه الفقرة لا علاقة له بقولي ، فأنا لم أنف شيئا، ولم أتطرق البثة إلى أن النقد العربي لم يناقش خصائص الشعر العربي التي توقف عندها النقد الحديث ، بل وزاد عليها .ولم أتحدث عن السبق وعدم السبق ، ولكن أشير إلى نقطة واحدة فحسب، هي الوزن والقافية ، وأكرر كلامي الأول بثقة تامة :

                            (وطبيعي جدا أن يتغير الذوق والنقد في مراحل أخرى من مراحل تطور الإبداع والتأثر و التأثير بالثقافات العالمية)
                            لأن التحول لايكون من الداخل فحسب وإنما بعلاقة التأثير والتأثر دون أن يعني ذلك تنقيصا ولا عيبا ، فالثقافات العالمية كلها تتطور بالتلاقح ،ولا شك أن الثقافة العربية أثرت هي الأخرى في ثقافات أخرى فساهمت في تطورها .

                            وإذا كان لكم نص قديم في نقدنا العربي يناقش الشعر العربي ويتصوره خاليا من الوزن والقافية فسأكون سعيدا بأن أتلقاه من أخ كريم فيقلب كل ما عرفته في هذا المجال من خلال دراستي الجامعية والشخصية ، إذا فهمت كلامي هذا فسيبطل العجب كل العجب .

                            مع حبي وتقديري الأخوي
                            [frame="1 98"][align=center]أحبتي : أخاف من كل الناس ، وأنتم لا أخافكم، فالمجيئ إليكم متعه، والبحث عنكم فتنة ولذه، ولقاؤكم فرحة تعاش ولا تقال.[/align][/frame]
                            مدونتي ترحب بمن يطرق أبوابها:
                            http://moutaki.jeeran.com/

                            تعليق

                            • علي المتقي
                              عضو الملتقى
                              • 10-01-2009
                              • 602

                              #15
                              السلام عليكم : تتمة

                              سؤالك المطروح عن اكتمال الأدوات الموسيقية يستلزم أن تجيب على سؤالك بنفسك لأن في كلامي الذي استخرجت منه السؤال جوابا لما أردته، وذلك في قولي (اكتملت) لأن الاكتمال يدل على أن المكمِّل (بكسر الميم) معه مكملات أخرى. غير أن هذا العنصر المكمِّل لا يعني أنه زائد عن الحاجة بدليل أنني جعلته متصلا بعمق التجربة الشعورية فغيابه يعني النقص في أصول وأسس الشعرية. وبذلك فإني أؤكد أن في القصيدة العربية موسيقى لها مستويات مختلفة ، كيف لأحد أن ينكر هذا واللغة العربية لغة موسيقية في أصواتها ومفرداتها وتراكيبها فضلا عن أشكالها الأدبية المتعددة، وفي آداب اللغة العربية شواهد عظيمة على وجود مستويات الموسيقى الأخرى.


                              أولا : لامجال للحديث عن شيء اسمه الكمال في في الإبداع . فالإبداع عمل ناقص ما دام هناك عقل يبدع . و إلا وقفنا عند حدود المنجز وقلنا ليس هناك أبدع مما كان، وعلى الأجيال اللاحقة أن تسير على هدي الأجيال السابقة ، والواقع عكس ذلك ، ففي كل سنة تبدع الإنسانية مالم تبدعه في قرن كامل .
                              هذا بصفة عامة ، أما فيما يخص الإبداع الشعري . تتحدث عن اكتمال الأدوات الموسيقية من منظور نقدي يستند إلى مرجعية نظرية ترى في الإبداع كل مكتمل . وهي عمود الشعر. الواقع أن ( الاكتمال) يرتبط بالامتلاء . والامتلاء لا يكون بحضور عناصر بعينها دون غيرها ، وإنما بوجود عناصر وانسجام بين هذه العناصر وتحقيق الإشباع الموسيقي من هذا الكل المنسجم . وقد لا يكون المشكل في الموسيقى ، وإنما في أذن المتلقي فيحدث التشويش .
                              انطلاقا من هذا كله ، لا يمكن ربط الاكتمال بالوزن والقافية أبدا ، فالقطع الموسيقية متعددة ومتنوعة ومختلفة والإشباع يتحقق في كل منها حتى ولو لم توفر على العناصر الإيقاعية نفسها .
                              وما دامت العربية كما ترى لها كلمات إيقاعية و جمل إيقاعية و أصوات إيقاعية كباقي اللغات العالمية ، ألا يمكننا خلق إيقاع منسجم ومتآلف من كل هذه المكونات في عصر الكتابة ـ بالمفهوم الحداثي للمصطلح ـ دون أن نكون في حاجة إلى مكونات أخرى ارتبطت بالشفوية والإنشاد .؟


                              أما ما يسمى بقصيدة النثر فإنها ناقصة الإيقاع ضعيفة البناء الموسيقي مهلهلة البنية، حتى لو كان لها أدواتها الإيقاعية وشكلها وتخييلها فإنها تبقى دون مستوى القصيدة العربية الأصيلة ذات المستويات الموسيقية المتعددة. وإذا كان هذا النوع الأدبي النثري مناسباً للغة غير العربية وأدب غير الأدب العربي فإن الأنسب للعربية وأدبها وذوقها وفنها هو القصيدة الأصيلة.

                              لقد قيل في الخمسينيات من القرن الماضي في حق الشعر العمودي أكثر مما قاله الإسلام في الجاهلية ، فرفضناه واعتبرناه تحاملا لا يستند إلى منطق علمي . ولا يضير قصيدة النثر أو قصيدة التفعيلة أن تصدر فيها كل هذه الأحكام التي لا تستند لا إلى تحليل ولا إلى علم بل إلى ذوق مخالف لذوقها . لذا لا يلتفت إليها .

                              إن وصفي لك بأنك احتكمت إلى ذوق غيرك راجع إلى قولك: ( إن شباب اليوم لا يفضلون الاستماع إلى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، فهل نقول إن هؤلاء ليسوا فنانين ؟ لا ، هؤلاء فنانون كبار، لكن ذوق الشباب تغير وتطور ،فلكل جيل ذوقه ومقاييس جودته ، فلنحترم أذواق الناس)
                              فهل في كلامك ما يدفع كلامي، إذ إنك حين أردت أن تستشهد على تحول الذوق إلى (قصيدة النثر) جعلته تابعا لتحول شباب اليوم عن أم كلثوم ومعاصريها إلى مغنين من الجيل المعاصر، فليت شعري كيف ألتمس لك عذراً في أنك لم تستعن بذوق غيرك، ولم تحتكم إلى أدواته ووسائله الذوقية بعد كلامك هذا؟!!! بعد أن جعلت الذوق الغنائي متبوعا بالذوق الأدبي.. وكيف يكون الأدب الذي هو ذوق الخاصة؟! كيف يكون تابعا لذوق العامة. لأن الغناء يستحسنه العامة أكثر مما يستحسنون الأدب، وأما الأدب فإن له أهله مبدعين ومتلقين، ولا مقارنة بين ذوق ميدانه الأدب وذوق ميدانه الغناء. ولستُ هنا بصدد الحديث عن شرعية غناء أو أدوات موسيقية فلا يـُحملنَّ كلامي على غير مقصده لأنه ليس هذا مجال الحديث هنا.


                              هناك سوء فهم كبير لكل الأمثلة التي استشهدتُ بها، فالأمثلة ليست إلا أمثلة ، ولا رابط بينها وبين الموضوع إلا القانون الذي يحكم تطور الحياة ، فتغير الأذواق قانون كوني وسنة من سنن الله في أرضه ، سواء تعلق الأمر بالماضي أو بالحاضر . ولا يعني كلامي أبدا أن الشباب تغير ذوقه ، إذن يجب أن يتغير ذوقنا . وإنما ضربت لك مثلا بشباب متهم بانهيار ذوقه وانحطاطه لأؤكد لكم ـ مع العلم ألا قياس مع وجود الفارق ـ أن حتى هذا الشباب الذي لم نسايره ولا نتذوق ما يتذوق، له ذوقه المخالف لذوقنا وله الحق في ذلك ، لا يلزمني بأن أستمع إلى ما يستمع إليه ، ولن ألزمه بأن يستمع إلى ما أستمع إليه ، فلي مارسيل خليفة وناس الغيوان وعبد الحليم وأم كلثوم كإنسان تربى ذوقه في أحضان السبعينيات، وله ما لا أعرف من الأسماء التي ظهرت في عصره . والأدب كذلك يتطور بتطور العصر، ولي أن أختار ما أشاء مما على مأدبة الغذاء الروحي دون ن أسمح لأي كان أن يلزمني بأن أتغذى بما لا أريد ، ولا أن أسمح لنفسي بأن أفعل مع الأجيال القادمة ما رفضته شخصيا أن يمارس علي .


                              وأقول للأستاذ علي:
                              والعجيب أنك أدخلت في الحوار مسألة وسلكت واديا لم نسلكه ، ولم نتعرض له وتلك هي مسألة الصحة في الدين، فهل في مقالتي شيء من ذلك؟!! وهل في مقالتي أنني وازنت بين الصحة في الدين والصحة في النقد، أو أنني جعلت مقاييس النقد ملزمة لمن خالفني؟!! إنني حين أتحدث عن قناعاتي وما أدركته من المعرفة وما توصلت إليه بالنظر، إنني أتحدث عن ذلك بقناعة توجب أن أراه صوابا، ولو علمت فيه خطأ لما دافعت عنه لأنني لست مغالطاً، والمغالط الجدلي يدافع عن رأيه حتى لو علم أنه خطأ وغيره صواب، وأنا أبرأ إلى الله من أن أدافع عن أمر أعلم خطأه.
                              [/COLOR][/SIZE]

                              صحيح إنك لم تقحم الدين كموضوع في النقد ، لكنك أقحمت مفاهيمه التي يوظفها في سياق الحقيقة المطلقة ، لتشتغل بها في سياق الحقائق النسبية . فما معنى يصح ولا يصح ، الصحة وعدم الصحة كلمتان توظفان في حقل له مرجعيته الشرعية أو القانونية . أما في مجال الأفكار والآراء المتساوية فلا يكون الحديث إلا ( أرى ويرى غيري ) و لا يمكن رفض الرأي الآخر إلا بسقوطه في التناقض ، لذا لا يمكن الاحتكام إلى ذوقنا لنحكم بخطإ الرأي الآخر ، وإلا فالكل يحتكم إلى ذوقه فتصير جميع أفكارنا خاطئة .
                              مع تحياتي وتقديري [/FONT]
                              [frame="1 98"][align=center]أحبتي : أخاف من كل الناس ، وأنتم لا أخافكم، فالمجيئ إليكم متعه، والبحث عنكم فتنة ولذه، ولقاؤكم فرحة تعاش ولا تقال.[/align][/frame]
                              مدونتي ترحب بمن يطرق أبوابها:
                              http://moutaki.jeeran.com/

                              تعليق

                              يعمل...
                              X