[align=justify] سمعتهم يكلمون مديرة دار الأيتام عن والديك اللذان قتلا برصاص مجهول غادر في الشارع الضيق. صرت اليتيم الموجوع في هذا الملجأ، حملوك إلى هنا و أنت في السادسة من عمرك لا تعرف حتى معنى العائلة والأهل. لا رغبة لأحدهم في تبنيك أو ضمك لأولاده، الكل مفرّط فيك، لم يبدي أفراد العائلة أدنى اهتمام اتجاهك.
كانت المديرة العجوز تنظر إليك بعينين ممتلئتين بشرر. مخيفتان تُخرج سهام قسوة وكره. أحسست في داخلك أنها تكرهك وتكره الأطفال ومن اللحظة الأولى تنبأت بأن حياتك في هذه الدار ستكون نارا و عقابا.. مرت شهورا ، ألفت الحياة القاسية المعذبة دون الشكوى من الزمن والسأم. لا أحد يزورك على عكس الأطفال الآخرين الذين يحظون بزيارات أسبوعية و شهرية ينالون خلالها الحنان مقرونا بهداياهم. دائما كنت تقف متفرجا ، من الضروري حضورك مع باقي الأطفال، هذا قانون الدار. يتجمع الأطفال في القاعة يوم الزيارات، منتظرين ذويهم و أفراد عائلاتهم أو المحسنين وأولياء الله الصالحين. كنت تنزوي في مؤخرة القاعة بقلب يرتجف كطائر أفزعه هول طلقات بندقية، قالت المديرة:
ــ " لك أهل كان من المفروض حضورهم على الأقل مرة في الشهر"
ــ" الأبالسة يرمون بعضا من لحمهم هنا ثم لا يعودون، الملاعين أتفوه "
كنت تسمع تأنيبها لهم في ظاهر غيبهم ورجلاك ترتعد، تشعر بقطرات البول تنزل بين فخديك، لا تستطيع التحكم فيها. ترتجف خوفا من جبروتها. تتكلم معك كأنك المذنب وجب عقابه و محاسبته، تنتقم منك، تدفع فاتورة ما جناه غيرك عليك، وما ذنب صحيح إذا مسته عدوى المريض؟ يقتحمك الموت، تعلم أنها ستنزل عليك المسطرة الخشبية التي تحملها في يدها و لا تفارقها
ــ " عد إلى مكانك يا ثمرة الخطيئة"
يمكن فقط لعينيك ذرف فيض من الدمع و بصمت رهيب دون صوت. مسموح لك بهذا فقط لا غير في سياسة المديرة الدكتاتورية قاسية القلب والإحساس. كان مكتبها معتقلا يشبه معتقل النازيين، يكون فيه التأنيب والعقاب، زواياه تخفي صراخ الأطفال، تخفي صورهم بدموعهم. المربيات مثيلاتها رسم مسخ منسوخة عنها كأنهن زبانية عذاب خرجن من الجحيم. شهور و لم يأتيك أحد، لا يهتم لأمرك إنسان، كنت تنزوي في مؤخرة القاعة تنظر لهؤلاء الكبار الذين يقبّلون الأطفال و يمسحون على رؤوسهم ، يطعمونهم أحيانا بأيديهم و يلبسونهم ألبسة جديدة.. كلهم أيتام مثلك لكنك تختلف عنهم لأنك وحيد ولا قلب يعطف عليك ، كنت من حين لآخر تنال بعض الكعك حين يُقسّم ويمنحه لك أحدهم، لكنك لست بحاجة للحلوى و لا للأكل، أنت بحاجة لقلب ينبض حنانا، بحاجة لبعض من الاهتمام لتشعر أنك كباقي أطفال العالم. أعتدت وجوه الزوار ، حياتك قاسية مملة جارحة لأن المرح ينقصك ، ينقصك انتباه الآخرين إليك. تحتاج لشراهة الأطفال في اللعب والتعلم ، أنت تفتقد أشياء كثيرة. كلهم بأهل و أنت المقطوع من الآدميين لا أهل لك.
كانت تلك الزيارة التي حضرتها مع الأطفال هدية الرب إليك وكنت كعادتك منزويا في القاعة جالسا على الكرسي مضمومة يديك فوق الطاولة ونظرتك الحزينة للأطفال وهم يتصايحون في ضوضاء فضائهم الممتع قد ينسيهم ما فقدوه.. كانوا فرحين فكهين بمن حضر. نظرتك تفتش عن المفقدود.
لمحت أحد الحضور يقف و المديرة يتبادلان الحديث و بين الحين والآخر ينظر إليك، لحظ انطوائك، أثار انتباهك وقوف المديرة و إيماءات رأسها وذقنها و يدها باتجاهك. كنت خائفا منها فقد مارست عليك قوة القهر. اعتقدت إيماءاتها وعيدا لك أو كانت تعلن لضيفها أمرا ما ضايقها من جانبك. اقترب الرجل منك ، كان ببذلة سوداء دون ربطة عنق، كان أنيقا بشرته بيضاء و رأسه الذي غزاه الشيب يزيده وقارا ، كانت المديرة تتبعه. والمديرة لا تتبع زائرا إلا إذا كان نافذا أو رجلا وجيها ذو مكانة
ــ " صباح الخير يا ولد كيف حالك؟ هل لي بمعرفة اسمك؟"
مسح على رأسك أول مرة تشعر بأنامل عطف تدغدغ إحساسك المدفون في أعماقك. منحته اسمك بصوت خافت بعدما سمعت تعنيفا من المديرة
ــ " أخبر السيد عن اسمك وأظهر الاحترام أمامه" وفتحت عن كامل عينيها لإخافتك.
ــ " لا داعي لتعنيفه لا زال طفلا صغيرا"
ــ" يجب أن يؤدب ليكون فردا صالحا في المجتمع"
رفعت عينيك نحوه، وقفت احتراما، تشابكت أصابعك مع بعضها البعض كما هي عادتك لحالة نفسية تصاحبك، انفجرت بكاءً
ــ" اسمي يوسف و لا يزورني أحد يا سيدي، لا يزورني أحد يا سيدي أتعرف ما معنى لا أهلي لي، أتعرف كم هو قاس أن لا يزورك أحد، لم يقدّم لي أحد هدية من يوم جئت إلى هنا، لم يزرني أحد يا سيدي"
قلت هذا و أجهشت بالبكاء لأنك طفل ومن حقك البكاء لأنك لا تعرف الضحك ولا الفرح. دنا منك أكثر، أمسك برأسك بين يديه الدافئتين ووضعه في صدره حين قعد على الكرسي لجانبك. تسمرت المديرة لم تقوى على الكلام أمام هذا الموقف، لم تتحرك حين حفّها السيد بنظرة. رأسك لا زال منغمسا في صدره وشعرت بدقات قلبه و في كل نبضة عطف تنتقل إلى نبضك تغمره تقوّيه، تشحنه. كان هذا أول شعاع أمل يبزغ عليك داخل غياهب نفسك. وقف الرجل وقد جعلك بقربه واضعا يده على شعرك
ــ " لا أهل له المسكين، لا أحد يزوره آه يا طفلي الصغير"
ــ " ثلاث سنوات لا أحد جاء لزيارته، نعم لا أحد يأبه له إلا الخيريين المتقدمين ببعض صدقاتهم و عطاياهم، المقدمين بعضا من وقت حضورهم وكما تعرف يا سيدي..." ثم قاطعها
ــ" سأكلم بعض الرجال النافذين في هذه المدينة علّهم يقدمون المساعدة لهذا المأوى أعدك بذلك سيدتي "
استدار إليك وقال بصوت ملائكي : ــ " اسمي عبد الرحمن"
و قالت المديرة " قل شكرا للسيد فقد زارنا اليوم وهو القادم من المدينة البعيدة"
ــ " شكرا ..." ثم أكملت " سيدي عبد الرحمن.."
ابتسم ابتسامة عريضة و التفت إلى المديرة:
ــ " أعتني به جيدا ، أستوصيك به خيرا.."
أمسك بيدك الرقيقة ، قبّلها . لأول مرة يقبلك إنسان لأول مرة تشعر أنك طفل سعيد أكثر من أي طفل آخر في الدنيا وقال لك:
ــ " أعدك بزيارتك مرة كل أسبوع، أعدك... هي ابتسم الآن، هناك من يهتم لأمرك هي ابتسم"
حين استدار للمديرة أعاد لها الكلام نفسه و كأنه يلّح فيما طلب:
ــ " أستوصيك به خيرا، من الآن صرت أهتم لأمر هذا الولد..."
وكان وعدا قطعه لك ووفىّ. يزورك مرة كل أسبوع، أغدقك بالهدايا والألبسة و اللُعب، يحضر الكثير منها للأطفال. مرت السنين صارت الحياة لها معنى بالنسبة إليك.غيّرها رجل لا تعرف عنه شيئا غير انه رجل طيب وله مكانة و المديرة تحترمه لأجلها. حتى المربيات وقعت مهابته في أنفسهن.
توطدت العلاقة بينكما أكثر فأكثر ازددت ارتباطا به وازدادا تمسكا بك. علاقة أبوية و إبنوية. أخبرك بماضيه فقد كان يتيما مثلك وعانى الكثير ويشعر بما تشعر به. قصّ عليك حكايته عن الرجل الذي كان يزوره مثلما هو يزورك الآن و يظهر اهتماما و عطفا. شجعه هذا على أن يكون في مستوى رجاء الرجل. حثك على الدراسة و الاجتهاد، غرس فيك الطموح والتفوق المشروع. كان عطاؤه يصلك دوما في كل زيارة. بدأت تكبر وبدأ هو يكبر أيضا، علمت أن له زوجة طيبة مثله تماثله أخلاقا ونبلا، أولاده أيضا ظرفاء صحبهم معه كم مرة. أخبرتك زوجته حين تختار حذائك أو سروالك تقسه على ابنها الذي بمثل عمرك.. عرفت أن السيد عبد الرحمن كان كاتبا مرموقا و مشهورا في الوطن كله و خارج الوطن أيضا و له خصوما يكرهونه ويضمرون له العداء. عرفت هذا و عمرك بدأ يرتسم عليه الشباب اليافع و الفتوة. أهداك كم كتاب ألـّفه بتوقيعه... لا زالت زياراته كما هي مستمرة صيفا و شتاءً.
في صباح ذاك الخميس انتظرته، لكنه تغيب، قدمت له العذر. من سنين لم يتغيب و لو مرة واحدة عنك. قلقت و حزنت أقنعت نفسك " يجب أن تعتاد غيابه من الآن فصاعدا فالسيد عبد الرحمن كبر سنه ورق جلده ودق عظمه و بدأ ظهره ينحني وهذه الأمور كلها تؤثر على التزامات الإنسان"...
رحل الأسبوع و قدم أسبوع آخر كما سُنة الزمن، لم يأتي السيد عبد الرحمن هذه المرة أيضا، استفسرت السيدة سعاد المديرة الجديدة و أخبرتك أن لا فكرة لها، رجوتها أن تتصل ببيته للاطمئنان عليه فقط و لتكن أنت من تطلبه. حين رفعت السيدة سعاد السماعة وكوّنت رقمه على أزرار أرقام الهاتف الموضوع أمامها على المكتب شعرت براحة لأنك ستسمع أخبارا عنه.
ــ ألو، أنا مديرة دار الأيتام السيدة سعاد هل السيد عبد الرحمن موجود من فضلك؟
انتبهت لملامح وجهها كيف تغيرت بسرعة و لصوتها الذي تبدّل واضمحلت نبراته
ــ نعم ، البقاء لله ، عظّم الله أجركم.و أغلقت الخط.
صدمتك بحقيقة باردة أن السيد عبد الرحمن اغتيل برصاصات في رأسه ودفن من أسبوع. سقطت مغشيا عليك ولم تستفق إلا على نور مصباح متوهج وخلت نفسك أنك صرت في عالم الآخرة و فارقت الدنيا للأبد كما كنت تحلم دوما بمفارقتها ما معنى أن تبقى في الدنيا إن غابت الأشياء الجميلة عنها أو ذابت أو رُحلت أو قتلت فيها.. والسيد عبد الرحمن هو الجمال عينه.
مع الأيام استطعت أن تلملم جرحك، بقى الطموح الذي زرعه في نفسك ساريا.هو لم يمت، حي في كيانك ما دمت حيا. ارتقيت المرتقى المشرّف وبنيت صرح طموحك. صرت قامة من قامات المحاماة، لم تنسى أبدا اسم السيد عبد الرحمن. تزوجت و أسميت ابنك باسمه.
مكتبك المفتوح للجميع نلت الشهرة ما نالها أحد من قبلك في البلاد.. كلهم يعرفون تاريخ حياتك في المأتم، قصتك يلوكها الكبار كما الصغار، الوجهاء و الفقراء و براعتك الكبيرة شهد لها الجميع. القضايا صارت تتهاطل عليك، زادت انشغالاتك. توسعت مكاتبك في البلاد . ومع هذا لا زلت تقصد ملاجئ الأيتام، تقوم بنفس الدور الذي قام به من علّمك معنى الحياة والخير. أسلوبك المعتاد نفسه أسلوبه في فعل الخير و الخير ليس له إلا منهاجا واحدا... "إنفاق العطف على اليتيم والمحروم قبل الهدية."
واجهتك يوم رجوعك من إحدى الملاجئ إلى مكتبك قضية خطيرة، صعبة، قضية قديمة عن مقتل الكاتب السيد عبد الرحمن. تمكنت مصالح الأمن أخيرا من القبض على مرتكبي الجريمة الذين نفذوها ببرودة دم من زمن ولاذوا بالفرار. لقد أودع أهل القتلة طلبا بمكتبك لتوكيلك محاميا على هؤلاء المجرمين. فأنت المشهور بتبرئتك للكثيرين و تمكنك من إنقاص مدة حكم السجن في قضايا أخرى. لم تتكلم، شعرت وقتها بفرصة ونشوة الانتقام منهم جميعا. لكنك تذكرت شعاع الأمل الذي زرعه فيك السيد عبد الرحمن و غمرك بنوره. راجعت نفسك وهديت لرشدك، قصدت عائلة السيد عبد الرحمن، أطلعتهم على الأمر، عن قتلة أبيهم، شرحت لهم الأمر و أظهرت مدة عقوبتهم، التنفيذ سيقام دون الاستئناف. لكنك ستدافع عنهم لأجل إسقاط عقوبة الإعدام عنهم إلى المؤبد... "من الممكن أن يكونوا ليسوا هم من نفذوا العملية، الذين حكموا حكمهم قد يخطئون، وقد يتلاعب بالقضية أطراف تريد تبرئة ساحتها؛ ألا تستطيع هذه الأطراف مغالطة من أعطى الحكم النهائي؟ المطلق وحده من لا يخطأ" العائلة تفهمت الأمر، حين وقفت في المحكمة مدافعا عن المجرمين الذين قطفوا منك أغلى ثمرة، أغلى ما تملك في الحياة وكنت في أشد الحاجة إليها. قصصت على القاضي و على الجناة و على الحضور مرحلة طفولتك في الملجأ و الآن تدافع عن من سلبك جوهرتك. ليس دفاعا عن الجريمة وتبريرا لفعل القتل، تدافع حتى لا يعدموا. قلت ربما في سجنهم المؤبد تنفتح قلوبهم لنور الله، للحق والتوبة، الرجوع إلى الرب العظيم. قلت بإسقاط عقوبة الإعدام تمنحهم الوقت للتكفير عن خطاياهم بتوبتهم. كنت تمنحهم الزمن. فالإعدام مقصلة لزمنهم وكما يحملون أوزارهم وخطاياهم سيرحلون بها محمولة على أكتافهم. تدافع عنهم ليمنحونهم المؤبد، المؤبد هو منحة من الوقت لأجل غسل خطاياهم لملاقاة الرب بقلوب بيضاء.. طالبت بالبحث عن المجرمين الحقيقيين المختفين وراء هؤلاء الدمى ليحاكموا.. فلا معنى للعدالة إلا إذا أجتث الشر من أساسه. فهؤلاء المجرمين أدوات لا غير. أنهيت مرافعتك سمعت صوتا بداخلك للسيد عبد الرحمن يقول" هذه أخلاق وضعتها داخلك لتدافع بها على من قتلني يا بني... إذا ما عثرت على قاتل والديك أترك عدالة السماء تأخذ مجراها... فلا معنى لعدالة البشر ما دامت تقتضي تفاوتا بين البشر في الهيبة و القوة والشرف و الثروة والولاء على حساب الحق"...
خرجت من القاعة و أنت تبتسم، عيناك مثبّـتتين على كتاب كان في يدك، أول كتاب أهداه إليك السيد عبد الرحمن، تبتسم لانتصار كاتبه الذي لا يمكنه أن يموت، فقد انتصر على الجميع... حين تجلّت حقيقة الخير فيما زرع.[/align]
كانت المديرة العجوز تنظر إليك بعينين ممتلئتين بشرر. مخيفتان تُخرج سهام قسوة وكره. أحسست في داخلك أنها تكرهك وتكره الأطفال ومن اللحظة الأولى تنبأت بأن حياتك في هذه الدار ستكون نارا و عقابا.. مرت شهورا ، ألفت الحياة القاسية المعذبة دون الشكوى من الزمن والسأم. لا أحد يزورك على عكس الأطفال الآخرين الذين يحظون بزيارات أسبوعية و شهرية ينالون خلالها الحنان مقرونا بهداياهم. دائما كنت تقف متفرجا ، من الضروري حضورك مع باقي الأطفال، هذا قانون الدار. يتجمع الأطفال في القاعة يوم الزيارات، منتظرين ذويهم و أفراد عائلاتهم أو المحسنين وأولياء الله الصالحين. كنت تنزوي في مؤخرة القاعة بقلب يرتجف كطائر أفزعه هول طلقات بندقية، قالت المديرة:
ــ " لك أهل كان من المفروض حضورهم على الأقل مرة في الشهر"
ــ" الأبالسة يرمون بعضا من لحمهم هنا ثم لا يعودون، الملاعين أتفوه "
كنت تسمع تأنيبها لهم في ظاهر غيبهم ورجلاك ترتعد، تشعر بقطرات البول تنزل بين فخديك، لا تستطيع التحكم فيها. ترتجف خوفا من جبروتها. تتكلم معك كأنك المذنب وجب عقابه و محاسبته، تنتقم منك، تدفع فاتورة ما جناه غيرك عليك، وما ذنب صحيح إذا مسته عدوى المريض؟ يقتحمك الموت، تعلم أنها ستنزل عليك المسطرة الخشبية التي تحملها في يدها و لا تفارقها
ــ " عد إلى مكانك يا ثمرة الخطيئة"
يمكن فقط لعينيك ذرف فيض من الدمع و بصمت رهيب دون صوت. مسموح لك بهذا فقط لا غير في سياسة المديرة الدكتاتورية قاسية القلب والإحساس. كان مكتبها معتقلا يشبه معتقل النازيين، يكون فيه التأنيب والعقاب، زواياه تخفي صراخ الأطفال، تخفي صورهم بدموعهم. المربيات مثيلاتها رسم مسخ منسوخة عنها كأنهن زبانية عذاب خرجن من الجحيم. شهور و لم يأتيك أحد، لا يهتم لأمرك إنسان، كنت تنزوي في مؤخرة القاعة تنظر لهؤلاء الكبار الذين يقبّلون الأطفال و يمسحون على رؤوسهم ، يطعمونهم أحيانا بأيديهم و يلبسونهم ألبسة جديدة.. كلهم أيتام مثلك لكنك تختلف عنهم لأنك وحيد ولا قلب يعطف عليك ، كنت من حين لآخر تنال بعض الكعك حين يُقسّم ويمنحه لك أحدهم، لكنك لست بحاجة للحلوى و لا للأكل، أنت بحاجة لقلب ينبض حنانا، بحاجة لبعض من الاهتمام لتشعر أنك كباقي أطفال العالم. أعتدت وجوه الزوار ، حياتك قاسية مملة جارحة لأن المرح ينقصك ، ينقصك انتباه الآخرين إليك. تحتاج لشراهة الأطفال في اللعب والتعلم ، أنت تفتقد أشياء كثيرة. كلهم بأهل و أنت المقطوع من الآدميين لا أهل لك.
كانت تلك الزيارة التي حضرتها مع الأطفال هدية الرب إليك وكنت كعادتك منزويا في القاعة جالسا على الكرسي مضمومة يديك فوق الطاولة ونظرتك الحزينة للأطفال وهم يتصايحون في ضوضاء فضائهم الممتع قد ينسيهم ما فقدوه.. كانوا فرحين فكهين بمن حضر. نظرتك تفتش عن المفقدود.
لمحت أحد الحضور يقف و المديرة يتبادلان الحديث و بين الحين والآخر ينظر إليك، لحظ انطوائك، أثار انتباهك وقوف المديرة و إيماءات رأسها وذقنها و يدها باتجاهك. كنت خائفا منها فقد مارست عليك قوة القهر. اعتقدت إيماءاتها وعيدا لك أو كانت تعلن لضيفها أمرا ما ضايقها من جانبك. اقترب الرجل منك ، كان ببذلة سوداء دون ربطة عنق، كان أنيقا بشرته بيضاء و رأسه الذي غزاه الشيب يزيده وقارا ، كانت المديرة تتبعه. والمديرة لا تتبع زائرا إلا إذا كان نافذا أو رجلا وجيها ذو مكانة
ــ " صباح الخير يا ولد كيف حالك؟ هل لي بمعرفة اسمك؟"
مسح على رأسك أول مرة تشعر بأنامل عطف تدغدغ إحساسك المدفون في أعماقك. منحته اسمك بصوت خافت بعدما سمعت تعنيفا من المديرة
ــ " أخبر السيد عن اسمك وأظهر الاحترام أمامه" وفتحت عن كامل عينيها لإخافتك.
ــ " لا داعي لتعنيفه لا زال طفلا صغيرا"
ــ" يجب أن يؤدب ليكون فردا صالحا في المجتمع"
رفعت عينيك نحوه، وقفت احتراما، تشابكت أصابعك مع بعضها البعض كما هي عادتك لحالة نفسية تصاحبك، انفجرت بكاءً
ــ" اسمي يوسف و لا يزورني أحد يا سيدي، لا يزورني أحد يا سيدي أتعرف ما معنى لا أهلي لي، أتعرف كم هو قاس أن لا يزورك أحد، لم يقدّم لي أحد هدية من يوم جئت إلى هنا، لم يزرني أحد يا سيدي"
قلت هذا و أجهشت بالبكاء لأنك طفل ومن حقك البكاء لأنك لا تعرف الضحك ولا الفرح. دنا منك أكثر، أمسك برأسك بين يديه الدافئتين ووضعه في صدره حين قعد على الكرسي لجانبك. تسمرت المديرة لم تقوى على الكلام أمام هذا الموقف، لم تتحرك حين حفّها السيد بنظرة. رأسك لا زال منغمسا في صدره وشعرت بدقات قلبه و في كل نبضة عطف تنتقل إلى نبضك تغمره تقوّيه، تشحنه. كان هذا أول شعاع أمل يبزغ عليك داخل غياهب نفسك. وقف الرجل وقد جعلك بقربه واضعا يده على شعرك
ــ " لا أهل له المسكين، لا أحد يزوره آه يا طفلي الصغير"
ــ " ثلاث سنوات لا أحد جاء لزيارته، نعم لا أحد يأبه له إلا الخيريين المتقدمين ببعض صدقاتهم و عطاياهم، المقدمين بعضا من وقت حضورهم وكما تعرف يا سيدي..." ثم قاطعها
ــ" سأكلم بعض الرجال النافذين في هذه المدينة علّهم يقدمون المساعدة لهذا المأوى أعدك بذلك سيدتي "
استدار إليك وقال بصوت ملائكي : ــ " اسمي عبد الرحمن"
و قالت المديرة " قل شكرا للسيد فقد زارنا اليوم وهو القادم من المدينة البعيدة"
ــ " شكرا ..." ثم أكملت " سيدي عبد الرحمن.."
ابتسم ابتسامة عريضة و التفت إلى المديرة:
ــ " أعتني به جيدا ، أستوصيك به خيرا.."
أمسك بيدك الرقيقة ، قبّلها . لأول مرة يقبلك إنسان لأول مرة تشعر أنك طفل سعيد أكثر من أي طفل آخر في الدنيا وقال لك:
ــ " أعدك بزيارتك مرة كل أسبوع، أعدك... هي ابتسم الآن، هناك من يهتم لأمرك هي ابتسم"
حين استدار للمديرة أعاد لها الكلام نفسه و كأنه يلّح فيما طلب:
ــ " أستوصيك به خيرا، من الآن صرت أهتم لأمر هذا الولد..."
وكان وعدا قطعه لك ووفىّ. يزورك مرة كل أسبوع، أغدقك بالهدايا والألبسة و اللُعب، يحضر الكثير منها للأطفال. مرت السنين صارت الحياة لها معنى بالنسبة إليك.غيّرها رجل لا تعرف عنه شيئا غير انه رجل طيب وله مكانة و المديرة تحترمه لأجلها. حتى المربيات وقعت مهابته في أنفسهن.
توطدت العلاقة بينكما أكثر فأكثر ازددت ارتباطا به وازدادا تمسكا بك. علاقة أبوية و إبنوية. أخبرك بماضيه فقد كان يتيما مثلك وعانى الكثير ويشعر بما تشعر به. قصّ عليك حكايته عن الرجل الذي كان يزوره مثلما هو يزورك الآن و يظهر اهتماما و عطفا. شجعه هذا على أن يكون في مستوى رجاء الرجل. حثك على الدراسة و الاجتهاد، غرس فيك الطموح والتفوق المشروع. كان عطاؤه يصلك دوما في كل زيارة. بدأت تكبر وبدأ هو يكبر أيضا، علمت أن له زوجة طيبة مثله تماثله أخلاقا ونبلا، أولاده أيضا ظرفاء صحبهم معه كم مرة. أخبرتك زوجته حين تختار حذائك أو سروالك تقسه على ابنها الذي بمثل عمرك.. عرفت أن السيد عبد الرحمن كان كاتبا مرموقا و مشهورا في الوطن كله و خارج الوطن أيضا و له خصوما يكرهونه ويضمرون له العداء. عرفت هذا و عمرك بدأ يرتسم عليه الشباب اليافع و الفتوة. أهداك كم كتاب ألـّفه بتوقيعه... لا زالت زياراته كما هي مستمرة صيفا و شتاءً.
في صباح ذاك الخميس انتظرته، لكنه تغيب، قدمت له العذر. من سنين لم يتغيب و لو مرة واحدة عنك. قلقت و حزنت أقنعت نفسك " يجب أن تعتاد غيابه من الآن فصاعدا فالسيد عبد الرحمن كبر سنه ورق جلده ودق عظمه و بدأ ظهره ينحني وهذه الأمور كلها تؤثر على التزامات الإنسان"...
رحل الأسبوع و قدم أسبوع آخر كما سُنة الزمن، لم يأتي السيد عبد الرحمن هذه المرة أيضا، استفسرت السيدة سعاد المديرة الجديدة و أخبرتك أن لا فكرة لها، رجوتها أن تتصل ببيته للاطمئنان عليه فقط و لتكن أنت من تطلبه. حين رفعت السيدة سعاد السماعة وكوّنت رقمه على أزرار أرقام الهاتف الموضوع أمامها على المكتب شعرت براحة لأنك ستسمع أخبارا عنه.
ــ ألو، أنا مديرة دار الأيتام السيدة سعاد هل السيد عبد الرحمن موجود من فضلك؟
انتبهت لملامح وجهها كيف تغيرت بسرعة و لصوتها الذي تبدّل واضمحلت نبراته
ــ نعم ، البقاء لله ، عظّم الله أجركم.و أغلقت الخط.
صدمتك بحقيقة باردة أن السيد عبد الرحمن اغتيل برصاصات في رأسه ودفن من أسبوع. سقطت مغشيا عليك ولم تستفق إلا على نور مصباح متوهج وخلت نفسك أنك صرت في عالم الآخرة و فارقت الدنيا للأبد كما كنت تحلم دوما بمفارقتها ما معنى أن تبقى في الدنيا إن غابت الأشياء الجميلة عنها أو ذابت أو رُحلت أو قتلت فيها.. والسيد عبد الرحمن هو الجمال عينه.
مع الأيام استطعت أن تلملم جرحك، بقى الطموح الذي زرعه في نفسك ساريا.هو لم يمت، حي في كيانك ما دمت حيا. ارتقيت المرتقى المشرّف وبنيت صرح طموحك. صرت قامة من قامات المحاماة، لم تنسى أبدا اسم السيد عبد الرحمن. تزوجت و أسميت ابنك باسمه.
مكتبك المفتوح للجميع نلت الشهرة ما نالها أحد من قبلك في البلاد.. كلهم يعرفون تاريخ حياتك في المأتم، قصتك يلوكها الكبار كما الصغار، الوجهاء و الفقراء و براعتك الكبيرة شهد لها الجميع. القضايا صارت تتهاطل عليك، زادت انشغالاتك. توسعت مكاتبك في البلاد . ومع هذا لا زلت تقصد ملاجئ الأيتام، تقوم بنفس الدور الذي قام به من علّمك معنى الحياة والخير. أسلوبك المعتاد نفسه أسلوبه في فعل الخير و الخير ليس له إلا منهاجا واحدا... "إنفاق العطف على اليتيم والمحروم قبل الهدية."
واجهتك يوم رجوعك من إحدى الملاجئ إلى مكتبك قضية خطيرة، صعبة، قضية قديمة عن مقتل الكاتب السيد عبد الرحمن. تمكنت مصالح الأمن أخيرا من القبض على مرتكبي الجريمة الذين نفذوها ببرودة دم من زمن ولاذوا بالفرار. لقد أودع أهل القتلة طلبا بمكتبك لتوكيلك محاميا على هؤلاء المجرمين. فأنت المشهور بتبرئتك للكثيرين و تمكنك من إنقاص مدة حكم السجن في قضايا أخرى. لم تتكلم، شعرت وقتها بفرصة ونشوة الانتقام منهم جميعا. لكنك تذكرت شعاع الأمل الذي زرعه فيك السيد عبد الرحمن و غمرك بنوره. راجعت نفسك وهديت لرشدك، قصدت عائلة السيد عبد الرحمن، أطلعتهم على الأمر، عن قتلة أبيهم، شرحت لهم الأمر و أظهرت مدة عقوبتهم، التنفيذ سيقام دون الاستئناف. لكنك ستدافع عنهم لأجل إسقاط عقوبة الإعدام عنهم إلى المؤبد... "من الممكن أن يكونوا ليسوا هم من نفذوا العملية، الذين حكموا حكمهم قد يخطئون، وقد يتلاعب بالقضية أطراف تريد تبرئة ساحتها؛ ألا تستطيع هذه الأطراف مغالطة من أعطى الحكم النهائي؟ المطلق وحده من لا يخطأ" العائلة تفهمت الأمر، حين وقفت في المحكمة مدافعا عن المجرمين الذين قطفوا منك أغلى ثمرة، أغلى ما تملك في الحياة وكنت في أشد الحاجة إليها. قصصت على القاضي و على الجناة و على الحضور مرحلة طفولتك في الملجأ و الآن تدافع عن من سلبك جوهرتك. ليس دفاعا عن الجريمة وتبريرا لفعل القتل، تدافع حتى لا يعدموا. قلت ربما في سجنهم المؤبد تنفتح قلوبهم لنور الله، للحق والتوبة، الرجوع إلى الرب العظيم. قلت بإسقاط عقوبة الإعدام تمنحهم الوقت للتكفير عن خطاياهم بتوبتهم. كنت تمنحهم الزمن. فالإعدام مقصلة لزمنهم وكما يحملون أوزارهم وخطاياهم سيرحلون بها محمولة على أكتافهم. تدافع عنهم ليمنحونهم المؤبد، المؤبد هو منحة من الوقت لأجل غسل خطاياهم لملاقاة الرب بقلوب بيضاء.. طالبت بالبحث عن المجرمين الحقيقيين المختفين وراء هؤلاء الدمى ليحاكموا.. فلا معنى للعدالة إلا إذا أجتث الشر من أساسه. فهؤلاء المجرمين أدوات لا غير. أنهيت مرافعتك سمعت صوتا بداخلك للسيد عبد الرحمن يقول" هذه أخلاق وضعتها داخلك لتدافع بها على من قتلني يا بني... إذا ما عثرت على قاتل والديك أترك عدالة السماء تأخذ مجراها... فلا معنى لعدالة البشر ما دامت تقتضي تفاوتا بين البشر في الهيبة و القوة والشرف و الثروة والولاء على حساب الحق"...
خرجت من القاعة و أنت تبتسم، عيناك مثبّـتتين على كتاب كان في يدك، أول كتاب أهداه إليك السيد عبد الرحمن، تبتسم لانتصار كاتبه الذي لا يمكنه أن يموت، فقد انتصر على الجميع... حين تجلّت حقيقة الخير فيما زرع.[/align]
تعليق