[align=center]قلب يتيم[/align]
[align=justify]منذ زمان بعيد وها هو سؤال وحيد يتردد صداه بداخلي ولا أجد له إجابة مقنعة، لا أجني من ورائه سوى الحيرة والعذاب.
منذ نعومة أظافري ومع كل شروق شمس يتولد سؤالا جديدا في رأسي؛ يزداد معه ألمي؛ لماذا أنا يتيم، لماذا أنا وحيد، لماذا لم أمت معهم، وما هو الموت الذي حرمني منهم، وهل هناك أمل في أن التقي بهم ؟؟؟؟
انظر إلى أبناء عمي وأبناء خالاتي وعماتي أجد حالهم غير حالي، انظر إلى قطعان الماشية وأسراب الحمام؛ فأرى لكل منهم مرشد وأنا لامرشد لي ولاحام في دنياي، لم أجد لنفسي مثيلا إلا الكلاب الضالة التي لا صاحب لها ولا مأوى.
ظل الأمل الزائف يراودني، أسبح في بحور خيالي، اتمنى لو يرجع الزمن للوراء وأكون معهم في تلك اللحظة التي فرقت بيني وبينهم.
اتخيل حالي لو كنت بينهم لحظة انهيار العقار عليهم؛ فأعود وأشفق على نفسي من الموت....
وأعود وأتخيل حياتي السعيدة وأنا بين أسرتي التي لا أمل في رجوعها إلا في عقلي المريض.
وعندما أفيق من الجولان في دروب الخيال اللامتناهية واصطدم بأرض الواقع المؤلم، لا أملك إلا أن أُحطم هذه الرأس، أضطربها في الحائط حتى يختل توازني...
أبكي حتى لا أجد جدوى من البكاء، اعتزم على التخلص من حياتي، تارة ألقي بنفسي في البحر، وتارة اقطع شرايني ، أحيانا أشفق على نفسي من الموت، وأحيانا يعاندني الموت ويأبى أن يردني إلى حضن أمي؟؟؟
أغار من أخوتي الراقدين تحت التراب، وهم في القبر ينعمون بحضن أمي وحنان أبي.
تُمسك يدي بالذكرى الوحيدة الباقية من أثر أمي وأبي، تلك الصورة العتيقة المعلقة على حائط بحجرة جدتي لأبي ؛ صورة زفاف أبي وأمي، وأقول لهما:
لماذا تركتماني وحدي، ألم تشفقا على دموعي، تعمدتما أن تتركاني، لم يرق قلبكما لبكائي وأنا أصرخ قائلا اصطحبوني معكم، لا اُريد أن أبقى مع خالتي....
ليست هذه هي المرة الأولى التي تركتموني فيها مع خالتي وأنتم على قيد الحياة، ربما لأني كنت مشاغب، كنت أغار من اهتمامكم المفرط بأخواتي الصغار "ياسمين"، و"محمد"، كنتم تأخذونهم معكم إلى أي مكان، من شدة حبكم لهم أبيتم أن تتركوهم وتموتوا وحدكم....
القسمة غير عادلة ترك لي أخواتي المال، وفازوا بحضنكم، تركتم لي نقمة ظلت تلاحقني حتى تتخلصتُ منها.
نعم ، ما أن بلغت السن القانوني حتى تخلصت من هذه اللعنة التي ظلت تلاحقني في كل بيت أدخله باحثا عن الدفء والحنان...
لم أجن من ورائها إلا الحنان الكاذب، والعطف الخادع من أجل الاستيلاء على الثروة...
ليتكما لم تتركا لي شئ يقف حائلا بيني وبين شفقة ومحبة الناس، هذا المال لم يحفز إلا طمعهم وجشعهم...
كانوا يتسابقون على استضافتي من أجل المال، كم من بيت دخلت وسرعان ماخرجت عندما اكتشفت أنها ليست الشفقة وحب اليتيم بل حب المال الذي يمتلكه اليتيم....
اتذكر عندما ذهبت لزيارة ملجأ الأيتام وأنا في كلية الهندسة ووجدت أشخاصا غير مرغومين على الحنان والعطاء على هؤلاء الأطفال الأيتام تذكرت حالي وأنا صغير.
وازدادت تلك المشاعر الزائفة وازداد المهرولين وراء المال عندما بلغت السن القانونية، وأمسكت بيدي سبب نقمتي.
كنت طواق إلى التحرر من سيطرة الغير، أحلم باليوم الذي أصبح فيه حرا فيما أملك، اليوم الذي أكوّن فيه أسرة تعوضني ما افتقدته طوال حياتي الماضية، لكن للأسف ظلت اللعنة تلازمني إلى أن حدث ما حدث.....
كم من فتاة طاردتني وأظهرت مشاعر زائفة سرعان ما اتضح خوائها، كم من أصدقاء تقربوا مني بسبب الطمع في المال، سلفيات ، عروض شراكة.....ألخ.
كنتُ طيب القلب، سليم النية، يخدعني الحنان الزائف، كنت شديد السخاء والعطاء إلى أقصى درجة ممكنة، ربما كنت استجدى الناس واستدر عطفهم، إلى أن وقعت في براثن "سحر"؛ سمعت قصتي من أحد الأصدقاء المقربين، ظلت تتقرب مني وتلمح لي بحبها، إلى أن صارحتني بحبها...
وقتها كُنت يائسا من حياتي، الفتاة الوحيدة التي دق لها قلبي، كانت تحب صديقي الوحيد، أو بعبارة أدق الذي كان سوف يصبح صديقي المخلص الوحيد لولاها....
دفعني ذات يوم إلى طريقها لكي يتأكد من مشاعرها نحوه، لا أدري كيف تسرب حبها إلى قلبي، هل لأنها كانت حنونة ومتعاطفة معي لا تبخل علىّ بالمساعدة عند الشدائد، و دائما ما كانت تدفعني للأمام كلما تملك اليأس مني، أم لأنها تشبه صورة أمي التي لا تزال أمام عيناي؟؟؟؟
كانت" أميرة" شديدة الذكاء، استطاعت أن تقرأ في عيناي حبي لها، لكنها لم ترض لي أن أعيش في الوهم، ولم تشأ أن تكسر قلبي....
لذلك قالت لي يوما أنها تعتبرني أخيها شقيقها الذي حرمها منه القدر، وأعلنت للجميع أنها اختارتني لأكون أخيها بكل ما تعنيه كلمة أخ، ربما لم يتقبل البعض الفكرة ... لكنها لم تُعيرهم أي اهتمام...
كثيرا ما كنت اُلاحظ غيرة "محمد" صديقي، لكني فضلت أن أعيش في دورالأخ والصديق المخلص مهما سبب لي هذا الدور من ألم....
لكني أحيانا كنت أكره هذا الدور عندما يستخدماني في توصيل الأخبار في فترات خصامهما، وكانت الغيرة تحطم قلبي عندما يتصالحا مع أنني أنا من يصالحهما في الغالب....
وبعدما تدهورت العلاقة وازدادت الأمور حدة بينهما، وفشلت كل مساعي الصلح، بالرغم من أن حبهما الشديد لا يزال حيا في قلبيهما...
إلا أنني قررت أن اُحول هذا الحب الأخوي إلى حب من نوع آخر، بوشاية بسيطة استطعت أن أحطم آخر أمل بينها وبينه، ببساطة غيرت رقم تليفوني المحمول همزة الوصل التي كانت بيني وبين "محمد" بعدما سافر إلى الكويت، وقلت لها أن أخباره قد انقطعت عني بعدما عقد قرانه على زميلته...
كنت أعلم أن يدها الممسكة بسماعة التليفون ترتعش، وقلبها يعتصر ألما، لكني لم أشفق عليها، ربما لأنها كانت تعلم أنى أتألم بسببها ولم ترحمني.
وقلت لها بلهجة شديدة لا تنتظرينه ، أقبلي على الحياة، هناك من يحلم بالارتباط بكِ، لا تنظري إلى الوراء...
فردت علىّ بأنفاس متقطعة قائلة: لا استطع أن أخدع نفسي وأخدع أحد.
لم استطع أن اتحدث معها ثانية، بصراحة احتقرت نفسي، ضميري يؤنبني بشدة، لا اتحمل أن تأتي عيني في عينها وأنا أكذب عليها.....
حقيقة قد خطب "محمد" لكي يغيظها ، لكنه سرعان ما فك خطوبته بعدما رآها.
لا أدري إن كان القدر قد انتقم مني بسبب هذا الجرم أم ..........
قررت أن أتزوج على الفور من أية فتاة تقابلني، فوقعت في براثن فتاة سبق أن حذرتني منها "أميرة"، كانت لا ترتاح إليها مطلقا، لكني لم استجب لنصحها ...
وتزوجتها بسرعة وأنا في السنة الثالثة في كلية الآداب – بعدما فشلت في أن أكون مهندسا مثل أبي ـ كانت زميلة لي ، أوحت إلىّ أنها تحبني، حاولت الانتحار عندما رفضت حبها، اشفقت عليها وعزمت على خطبتها بعدما تأكدتُ من استحالة استمالة قلب "أميرة" تجاهي.
انتهزت الفرصة وألحت لتقديم موعد الزواج ، كانت زوجة قوية الشخصية متسلطة لأقصى درجة، تحب السيطرة وتملك الأشياء.
كنت استجديها بالمال، لم أكن أعلم أن المال هو غرضها الأساسي، عرفتني ذات يوم على شاب ادعت أنه أخيها من أبيها، بدأ يشدني إلى طريق الإدمان....
وذات يوم ذهبت إلى المقهى لا نتظره، لكني علمت أن الشرطة قد قبضت عليه بتهمة تعاطى المخدرات، يومها التقيت برفيق قديم من أيام الثانوية العامة اسمه "عمر" عرفت بالصدفة أنه جار "رامي " أخو زوجتي، عرفت منه أيضا أن "رامي" جاره موزع مخدرات.
وقد أخبرني أن "رامي" ظروفه صعبة، وليست هذه المرة الأولى التي يُقبض عليه فيها، فعليه أن يصرف على أسرته وأبيه القعيد منذ سنوات، وقال لي أن "رامي" في ضائقة مالية لذلك مضطر أن يبيع سلسلة خطيبته، استغربت عندما سمعت منه أن "رامي" خاطب، فأخبرني أنها ليست خطوبة رسمية؛ بل أنه مرتبط بفتاة كانت زميلة له في المدرسة الثانوية المشتركة التي فُصل منها...
وبدأ يسرد لي القصة، وفجاءة بدأ يتحدث عن "سحر" خطيبة "رامي" فقلتُ له يا للصدفة خطيبته اسمها "سحر" وأخته اسمها "سحر"؟ نظر إلىّ في دهشة واستغراب قائلا :
ليس لرامي أخوات بنات، فقلتُ له أخته من أبيه؛ فقال لي: أبيه لم يتزوج غير أمه.
لم اعط الموضوع أكبرمن حجمه، ربما لم يفش "رامي" أسرار عائلته لأصدقائه وجيرانه....
عرضت على "عمر" أن أشتري السلسلة لأهديها لزوجتي، وطلبت منه ألاّ يخبر "رامي"...
عندما أخرج السلسلة من جيبه، تفاجئت بأنها نفس السلسلة التي قدمتها لسحر يوم خطوبتناـ سلسلة من نوع قديم ورثتها أمي من جدتهاـ وقد أخبرتني "سحر" بعد فترة أن "حنان" ابنة خالتها قد استلفتها ولم تردها إليها.
بدأ القلق يتسرب إلى قلبي، وعلى الفور اتصلت بحنان ـ بالرغم من انقطاع علاقتها بسحرـ وبدون تفكير سألتها عن السلسلة، فردت وهى تتعلثم في الكلام "سحر قالت أنها ضاعت...".
لكن عندما واجهتها بالكلام الذي قالته لي "سحر" اعترفت لي بالحقيقة وقالت إن "سحر" قد اعطتها لخطيبها السابق مقابل صور كان يهددها بها، وإن الصور لا زالت عندها ، فطلبت منها أن تحضر لي الصور، وكانت المفاجئة التي هزت كياني إن "رامي" هو خطيب "سحر".
لكني سرعان ما راجعت نفسي وقلت أن "حنان" ربما ترغب في الانتقام من "سحر"، إلا أن الشك لا زال يراودني؛ فرجعت إلى "عمر" وأخذت استدركه في الكلام، وذهبت معه إلى منزله لكي نستكمل السهرة بعدما أغلقت المقهى أبوابها.
وهناك طلبت منه ألبوم الصور، وسألته عن صور "رامي" وهو صغير، فأخرج لي ظرف به صور رحلة مدرسية ...
ويا للمفاجئة وجدت "سحر" و "رامي" في إحدى الصور؛ فسألته بمكر من هذه الفتاة الجميلة؟؟؟
فقال: "سحر" خطيبة رامي.
لم أشعر بما حدث لي، أختل توازني، لكني تمالكت أعصابي وقررت الرجوع إلى المنزل، وواجهتها وفي يدي السلسة والصور، لكنها لم تنكر، يا لها من وقحة!!!
قد سبق السهم العزل؛ الشقة باسمها، الرصيد سحبته بتوكيل، لم يبق لي سوى الدبلة المكتوب عليها اسم "سحر"، ربما تركتها لي لتذكرني بفعلتها الدنيئة.
ومضت أياما صعبة، وأخرى أشد منها صعوبة، وأصبحت وحيدا وبلا مأوى، حتى من كانوا يتقربون مني من أجل المال فقدت تعاطفهم الزائف عندما فقدت المال.
لم يبق لي سوى معاش والدي، لكن كيف لي أن أدبر مصاريف مأكل ومشرب وسكن ودراسة بثلاثمائة جنيها.
وكيف لي أن أعمل وهذه آخر فرصة لي في الكلية، لابد أن انجح، كم احتاج اليوم إلى "أميرة" و "محمد"، اليوم فقط عرفت قيمة المال الذي فرطت فيه، وقيمة الأصدقاء الحقيقين.
اشتدت الظروف قسوة، وسُدت جميع الطرق أمامي، خاصة بعد وفاة "سمير" ابن عمي، بالرغم من أنه أكبر مني بسنوات إلا أنه كان يُشكل لي قيمة روحية كبيرة.
كان يستحق المساعدة؛ فظروفه المادية والصحية كانت متدهورة للغاية، كنت اساعده بين الحين والآخر.
الآن أشعر بالخزي؛ فلن استطع الوفاء بوصيته؛ فقد ترك زوجته وأبنائه الصغار أمانة في عنقي، لكن كيف لي أن أساعدهم وأنا صفر اليدين؟؟؟
اليوم فقط نزلت من عليائي وجربت حياة أشد الناس بؤسا. استيقظ مبكرا، أذهب إلى بائع الصحف، أأخذ حصتي من الجرائد واوزعها، وبعد ذلك اتوجه إلى الكلية.
أصبحت أواظب على حضور المحاضرات لأول مرة في حياتي، وفي المساء أذهب إلى حجرتي التي استأجرتها واستذكر دروسي...
وظلت الأيام تمضي على وتيرة واحدة، إلى أن التقيت بالصدفة "بصفاء" ـ كانت زميلة لي لكنها تخرجت في العام الماضي ـ أخبرتني أنها سمعت قصتي وتأثرت بما آل إليه حالي.
تذكرت وقتها ما قالته لي "أميرة" عن "صفاء"، قد قالت لي يوما أنها أنسب إنسانة لي، ليت الزمن يعود للوراء قليلا كي تقبلني "صفاء" في حياتها.
لم أكن أعلم أنها مازالت تكن لي مشاعر طيبة؛ فقد عرضت علىّ أن تساعدني في دروسي، وعرفتني على أهلها.
كم كانوا طيبين وودودين، سمحوا لي أن أأتي إلى منزلهم المتواضع بين الحين والآخر لتساعدني "صفاء" في الدراسة.
وبمرور الأيام نشأت بيني وبينهم ألفة شديدة، وتقبلت "صفاء" وأهلها فكرة الارتباط بي قبل أن اتخرج من الكلية...
وبعد أقل من شهر تزوجت "صفاء"، وسكنت معها في منزل عائلتها. للمرة الأولى في حياتي أعرف معنى الانتماء، وأشعر بدفء الأسرة.
وبعدما تخرجت من الكلية وفرت لي "صفاء" فرصة عمل براتب بسيط في المدرسة التي كانت تعمل بها، وإن كان راتبي وراتب "صفاء" قد وفرا لنا حياة كريمة.
وظلت حياتنا هادئة قرابة ثلاث سنوات، وبعدها بدأت علاقتنا تنهار، لأن مشاعر الأمومة انتصرت بداخلها على مشاعر الحب، بعدما تأكدت أني لا استطع أن اُنجب.
أصبت بأزمة نفسية حادة، كنت في طريقي للرجوع إلى الإدمان. وأشتدت حالتي سوء عندما قابلت "صفاء" بالصدفة بعد عام من انفصالنا وذراعها معلق في ذراع زوجها الجديد وقد بدت عليها مظاهر الحمل، لم استطع أن اتخطى هذه الأزمة لولا وقوف " نوال" ـ زوجت المرحوم "سمير" ابن عمي ـ إلى جانبي، كم كنت أشعر أنها بمثابة أمي.
لكنها للأسف لم تجن من وراء وقوفها إلى جواري سوى المشاكل؛ فقد كثُرت الشائعات بين الجيران والأقارب حول وجود علاقة خفية بيني وبين "نوال"، حقيقة كان أبنائها متفهمين الحقيقة، لكن الظروف كانت أصعب.
لم استطع العيش وحدى مرة أخرى، لكن ليس أمامي غير تحمل الوحدة ...
وذات يوم ذهبت إلى حجرتي القديمة في ذلك البيت المتهالك وقد أصابتني حمى شديدة، ولم أجد من يخفف آلامي، غلبني النعاس وأنا اتخيل أن جدران هذه الحجرة سوف تنهار على رأسي وألحق بأبي وأمي، واستسلمت هذه المرة لفكرة الموت باقناع تمام ونفس راضية....
إلى أن استيقظتُ مفزوعا إثر حلم كان يراودي منذ صباي؛ لم يكن هذا الحلم يفارقني كلما اشتدت الأمور واستحكمت مصائب الدهر.
" كنت أرى في منامي وكأني طفل صغير يبكي بمرارة من شدة الجوع والعطش، وربما من الخوف بعدما انهارت عليه جدران المكان الذي ينام به، وأضحى فوق الركام، وها هي يد سيدة شديدة السمار يُحيط بوجهها هالة من النور تخفي معالمها، ظلت تقترب وتقترب من جسد الصغير إلى أن رست تلك اليد على رأسه، وظلت تقرأ تعاويذ غير مفهومة حتى غط الصغير في نومه مطمئنا".
وفي كل مرة بعدما استيقظ من نومى لا أكف عن التفكير في هذه السيدة.
اليوم فقط تقترن صورة " نوال" بصورة هذه السيدة، اليوم فقط توصلت إلى حل يجعلنى اُنفذ وصية ابن عمي، واُسكت الألسنة.
ليت "نوال" وابنائها يتقبلون فكرة الزواج الصوري.
ظللت حتى بزوغ الشمس أفكر، وفجاءة شيئا ما دفعني للذهاب إلى المقابر لزيارة قبر أمي وأبي....
وأنا في طريقي للمقابر توقفت الحافلة أمام منطقة بها صف من العمارات العالية، رغم أنها تمثل حلم بعيد المنال لشاب مثلي إلا أن عيناي ترى أنها ليست أكثر من مجرد مقابر، مثل المقبرة التي توارى تحت ركامها أبي وأمي.
تذكرت الشقة الجديدة التي اشتراها أبي بعدما عاد من الخارج، وتذكرت ذلك اليوم المشئوم الذي ذهبت فيه أمي وجدتي لأمي مع أبي وأخواتي الصغار لاستلام الأثاث الجديد، وانهيار العقار الذي لم يرحم صراخ الصغار لحظة تناول الإفطار في آخر أيام شهر رمضان على المائدة الجديدة.
وها هي الحافة قد وصلت، علىّ أن اتماسكت وأدخل لأقرأ الفاتحة ترحما على أبويا وأخواتي.
وها هى قدماي قد ساقتني وأنا شارد الذهن إلى القبر، نظرت حولي فجاءة وإذا المكان قد تغير، لي أكثر من عام كامل لم آتى إلى هنا، لقد شغلتني هموم الحياة.
لكن أين الشجرة التي كنت استظل تحتها، كانت شجرة عتيقة تمتد جذورها إلى باطن الأرض، وربما تختلط برفات أبي وأمي.
دائما ما كنت أشعر برابطة دم بيني وبين هذه الشجرة العجوزة، اتذكر منظر جذعيها المنحيان لأسفل ذوي الأوراق الكثيفة عندما تحركهما الرياح الهادئة وكأنهما يرحبان بي، فارتمي في حضنها، وأشعر بنفس إحساس آخر حضن حضنته لي أمي وكأنها كانت تودعني الوداع الآخير في ذلك اليوم المشئوم.
اليوم قد اجتُثت هذه الشجرة بلا رحمة، ولم يبق من آثارها غير هذا الجذع الصغيرالذي يذكرني بنفسي، وحيد ضعيف لا يقوى على مقاومة الريح العاصفة.
لم يبق لي في هذه الدنيا إلى صاحبة اليد السمراء والقلب الكبير الذي يتسع لكل أطفال العالم، لابد ألا أُضيع هذه الفرصة.
كانت "نوال" وزوجها "سمير" ابن عمي الراحل،الذي كنت اعتبره رغم بساطة حالة وضيق عيشة مثلي الأعلى، وكنت أحبه لأنه يشبه أبي كثيرا، وكان أكبر مني بعدة سنوات، وقد رزقه الله بأربعة أطفال أكبرهم أصغر مني بنحو سبعة أعوام، ، كانوا يعتبرونني الابن الخامس.
ظللت اتردد عليهم كثيرا كلما ضاقت بي السبل، ونشأت بيني وبين ابنهم الأكبر "عمرو" صداقة حميمة رغم فارق السن، ولم تكن صداقة فحسب بل كنت بالنسبة له بمثابة الأخ الأكبر ، فقد كانت والدته تتركه لي وهو ابن شهور وتذهب إلى عملها، أنا من علمته المشي والكلام، أنا من اصطحبته إلى المدرسة لأول مرة في حياته، وكنت أقرب إليه من أبويه.
وهذا ما دعم الروابط التي بيني وبين هذه الأسرة، لكن هيهات لهذه اللوحة الجميلة أن تكتمل. فبين عشية وضحاها فقدت "سمير" بعد صراع عنيف مع المرض، وقتها كنت مقيم معهم بعد فشلي في زيجتي الأولى، و كان "عمرو" وقتها في المرحلة الثانوية.
ولم تمض بضعة أشهر إلا واُصيب "عمرو" بنفس المرض، ولما أشتد عليه المرض أوصاني ألاّ أتخلى عن أمه وأخواته الثلاثة منال وإيمان وهيثم. لكن الظروف القاسية كثيرا ما كانت تحول بيني وبينهم قليلا.
لكني في الآونة الأخيرة كنتُ كثير التردد على هذه العائلة، كنت أحس أن "نوال" بمثابة أمي، وكثيرا ما كنت أشعر أن منال وإيمان وهيثم بمثابة أخواتي، بل في الكثير من الأحيان كنت أشعر تجاههم بعاطفة الأبوة التي حُرمت منها.
لكن للأسف الناس استكثروا علىّ هذه النعمة، وبدأت المطاردات والإشاعات القذرة تنتشر؛ ففكرت في وصية "عمرو" و"سمير" أبيه....
ربما خطر على بالي أن أرتبط بمنال، لكني لم أشاء أن أظلمها وهي في بداية طريقها، رجال مثلي فاشل وشبه محطم ولا ينجب لن تقبله فتاة مثل "منال" إلا كرد للجميل.
لم يبق أمامي غير حل وحيد يجعلني أعيش بينهم وأحمي الأرملة وبناتها من كلام الناس، ليت "نوال" تتقبله؛ فمازال هيثم صغيرا يحتاج لوجود أب أو أخ كبير في حياته.
ظللتُ اٌقلب الأمر في رأسي حتى توصلت إلى أن اتحدث مع منال وإيمان وهيثم على انفراد واقنعهم بوجهة نظري؛ زوج أمام الناس، وأخ أمامهم وأمام الله.
والحمد لله قد فهموني ولم يعترضوا، وقد اقتنعت "نوال" بالفكرة، وها أنا من اليوم المسئول عن هذه الأسرة أمام الله.
لكن المجتمع الظالم قد رفد فكرة زواج سيدة تجاوزت الأربعين من رجل لازال في ريعان شبابه.
الفكرة أثارت غضب الجميع، وغضبهم هذا زادني تشبثا بالفكرة، فمن وجهة نظرهم هذه الزيجة فاشلة بجميع المقاييس، حقا كانت "نوال" كبيرة في السن، وعاطلة من الجمال، وعلامات السقم والفقر تبدو على وجهها، وعقلها عاطل عن استيعاب تطورات الحياة خارج منزلها البدائي، تعيش خارج نطاق الزمن ، لكنها تمتلك قلبا من ذهب تتجسد فيه الإنسانية بأروع معانيها وأرقى صورها، تحتاج لمن يأخذ بيدها حتى ترى الوجه الآخر من هذه الحياة.
ومضت الأيام وقررت ألا اُعير كلام الناس أي اهتمام، التزمت بعملي وظللت أكدح لأُوفر متطلبات الأسرة، فنوال قد بدت عليها علامات المرض، ولم تعد تقوى على العمل، ومنال وإيمان في طريقيهما للزواج بعد أن أنهتا سنوات الدراسة، ولازال أمام "هيثم "مشوارا طويلا حتى يتخرج من كلية الصيدلة.
ومرت الأيام علينا بسرعة ونحن عائلة سعيدة مترابطة، نجتمع على مائدة واحدة، ونحتفل بالأعياد معا، ونحل مشاكلنا بهدوء.
تعودت على هذا البيت وعلى وجود "نوال" في حياتي، لكن القدر أبى أن يترك لي السعادة الغامرة والأسرة المتماسكة ، فقد اشتد المرض على "نوال"، وهى الآن تحتاج إلى من يتفرغ لرعايتها بعدما سافرت "إيمان" إلى أمريكا و"منال" إلى الإمارات .
وهنا تتضح الحقيقة؛ حقيقة علاقتي بنوال، اليوم فقط اتذكر جملة قالتها لي "أميرة" عندما رفضت فكرة الارتباط بي، قالت لي أن زواجي منها ليس بدافع الحب وإنما لإرضاء الطفل الصغير الذي مازال يعيش بداخلي، ذلك الطفل الذي لا يزال حتى الآن يحتاج إلى حضن أمه، صدقتي والله يا "أميرة"؛ فقد وجدت في "نوال" تجسيد لمشاعر الأمومة التي افتقدتها في سن صغيرة.
نعم مجرد التفكير في أن "نوال" سوف ترحل وتتركني في هذه الدنيا وحيد لا يساوي المركز المرموق الذي وصلت إليه الآن. يجب أن أُساوي معاشي واتفرغ لرعاية "نوال".
لستُ أنا الابن الجاحد الذي يأخذ ولا يعطى، قررت أن اتبرع لنوال بكليتي. فلا اتصور الحياة بدونها. [/align]
[align=justify]منذ زمان بعيد وها هو سؤال وحيد يتردد صداه بداخلي ولا أجد له إجابة مقنعة، لا أجني من ورائه سوى الحيرة والعذاب.
منذ نعومة أظافري ومع كل شروق شمس يتولد سؤالا جديدا في رأسي؛ يزداد معه ألمي؛ لماذا أنا يتيم، لماذا أنا وحيد، لماذا لم أمت معهم، وما هو الموت الذي حرمني منهم، وهل هناك أمل في أن التقي بهم ؟؟؟؟
انظر إلى أبناء عمي وأبناء خالاتي وعماتي أجد حالهم غير حالي، انظر إلى قطعان الماشية وأسراب الحمام؛ فأرى لكل منهم مرشد وأنا لامرشد لي ولاحام في دنياي، لم أجد لنفسي مثيلا إلا الكلاب الضالة التي لا صاحب لها ولا مأوى.
ظل الأمل الزائف يراودني، أسبح في بحور خيالي، اتمنى لو يرجع الزمن للوراء وأكون معهم في تلك اللحظة التي فرقت بيني وبينهم.
اتخيل حالي لو كنت بينهم لحظة انهيار العقار عليهم؛ فأعود وأشفق على نفسي من الموت....
وأعود وأتخيل حياتي السعيدة وأنا بين أسرتي التي لا أمل في رجوعها إلا في عقلي المريض.
وعندما أفيق من الجولان في دروب الخيال اللامتناهية واصطدم بأرض الواقع المؤلم، لا أملك إلا أن أُحطم هذه الرأس، أضطربها في الحائط حتى يختل توازني...
أبكي حتى لا أجد جدوى من البكاء، اعتزم على التخلص من حياتي، تارة ألقي بنفسي في البحر، وتارة اقطع شرايني ، أحيانا أشفق على نفسي من الموت، وأحيانا يعاندني الموت ويأبى أن يردني إلى حضن أمي؟؟؟
أغار من أخوتي الراقدين تحت التراب، وهم في القبر ينعمون بحضن أمي وحنان أبي.
تُمسك يدي بالذكرى الوحيدة الباقية من أثر أمي وأبي، تلك الصورة العتيقة المعلقة على حائط بحجرة جدتي لأبي ؛ صورة زفاف أبي وأمي، وأقول لهما:
لماذا تركتماني وحدي، ألم تشفقا على دموعي، تعمدتما أن تتركاني، لم يرق قلبكما لبكائي وأنا أصرخ قائلا اصطحبوني معكم، لا اُريد أن أبقى مع خالتي....
ليست هذه هي المرة الأولى التي تركتموني فيها مع خالتي وأنتم على قيد الحياة، ربما لأني كنت مشاغب، كنت أغار من اهتمامكم المفرط بأخواتي الصغار "ياسمين"، و"محمد"، كنتم تأخذونهم معكم إلى أي مكان، من شدة حبكم لهم أبيتم أن تتركوهم وتموتوا وحدكم....
القسمة غير عادلة ترك لي أخواتي المال، وفازوا بحضنكم، تركتم لي نقمة ظلت تلاحقني حتى تتخلصتُ منها.
نعم ، ما أن بلغت السن القانوني حتى تخلصت من هذه اللعنة التي ظلت تلاحقني في كل بيت أدخله باحثا عن الدفء والحنان...
لم أجن من ورائها إلا الحنان الكاذب، والعطف الخادع من أجل الاستيلاء على الثروة...
ليتكما لم تتركا لي شئ يقف حائلا بيني وبين شفقة ومحبة الناس، هذا المال لم يحفز إلا طمعهم وجشعهم...
كانوا يتسابقون على استضافتي من أجل المال، كم من بيت دخلت وسرعان ماخرجت عندما اكتشفت أنها ليست الشفقة وحب اليتيم بل حب المال الذي يمتلكه اليتيم....
اتذكر عندما ذهبت لزيارة ملجأ الأيتام وأنا في كلية الهندسة ووجدت أشخاصا غير مرغومين على الحنان والعطاء على هؤلاء الأطفال الأيتام تذكرت حالي وأنا صغير.
وازدادت تلك المشاعر الزائفة وازداد المهرولين وراء المال عندما بلغت السن القانونية، وأمسكت بيدي سبب نقمتي.
كنت طواق إلى التحرر من سيطرة الغير، أحلم باليوم الذي أصبح فيه حرا فيما أملك، اليوم الذي أكوّن فيه أسرة تعوضني ما افتقدته طوال حياتي الماضية، لكن للأسف ظلت اللعنة تلازمني إلى أن حدث ما حدث.....
كم من فتاة طاردتني وأظهرت مشاعر زائفة سرعان ما اتضح خوائها، كم من أصدقاء تقربوا مني بسبب الطمع في المال، سلفيات ، عروض شراكة.....ألخ.
كنتُ طيب القلب، سليم النية، يخدعني الحنان الزائف، كنت شديد السخاء والعطاء إلى أقصى درجة ممكنة، ربما كنت استجدى الناس واستدر عطفهم، إلى أن وقعت في براثن "سحر"؛ سمعت قصتي من أحد الأصدقاء المقربين، ظلت تتقرب مني وتلمح لي بحبها، إلى أن صارحتني بحبها...
وقتها كُنت يائسا من حياتي، الفتاة الوحيدة التي دق لها قلبي، كانت تحب صديقي الوحيد، أو بعبارة أدق الذي كان سوف يصبح صديقي المخلص الوحيد لولاها....
دفعني ذات يوم إلى طريقها لكي يتأكد من مشاعرها نحوه، لا أدري كيف تسرب حبها إلى قلبي، هل لأنها كانت حنونة ومتعاطفة معي لا تبخل علىّ بالمساعدة عند الشدائد، و دائما ما كانت تدفعني للأمام كلما تملك اليأس مني، أم لأنها تشبه صورة أمي التي لا تزال أمام عيناي؟؟؟؟
كانت" أميرة" شديدة الذكاء، استطاعت أن تقرأ في عيناي حبي لها، لكنها لم ترض لي أن أعيش في الوهم، ولم تشأ أن تكسر قلبي....
لذلك قالت لي يوما أنها تعتبرني أخيها شقيقها الذي حرمها منه القدر، وأعلنت للجميع أنها اختارتني لأكون أخيها بكل ما تعنيه كلمة أخ، ربما لم يتقبل البعض الفكرة ... لكنها لم تُعيرهم أي اهتمام...
كثيرا ما كنت اُلاحظ غيرة "محمد" صديقي، لكني فضلت أن أعيش في دورالأخ والصديق المخلص مهما سبب لي هذا الدور من ألم....
لكني أحيانا كنت أكره هذا الدور عندما يستخدماني في توصيل الأخبار في فترات خصامهما، وكانت الغيرة تحطم قلبي عندما يتصالحا مع أنني أنا من يصالحهما في الغالب....
وبعدما تدهورت العلاقة وازدادت الأمور حدة بينهما، وفشلت كل مساعي الصلح، بالرغم من أن حبهما الشديد لا يزال حيا في قلبيهما...
إلا أنني قررت أن اُحول هذا الحب الأخوي إلى حب من نوع آخر، بوشاية بسيطة استطعت أن أحطم آخر أمل بينها وبينه، ببساطة غيرت رقم تليفوني المحمول همزة الوصل التي كانت بيني وبين "محمد" بعدما سافر إلى الكويت، وقلت لها أن أخباره قد انقطعت عني بعدما عقد قرانه على زميلته...
كنت أعلم أن يدها الممسكة بسماعة التليفون ترتعش، وقلبها يعتصر ألما، لكني لم أشفق عليها، ربما لأنها كانت تعلم أنى أتألم بسببها ولم ترحمني.
وقلت لها بلهجة شديدة لا تنتظرينه ، أقبلي على الحياة، هناك من يحلم بالارتباط بكِ، لا تنظري إلى الوراء...
فردت علىّ بأنفاس متقطعة قائلة: لا استطع أن أخدع نفسي وأخدع أحد.
لم استطع أن اتحدث معها ثانية، بصراحة احتقرت نفسي، ضميري يؤنبني بشدة، لا اتحمل أن تأتي عيني في عينها وأنا أكذب عليها.....
حقيقة قد خطب "محمد" لكي يغيظها ، لكنه سرعان ما فك خطوبته بعدما رآها.
لا أدري إن كان القدر قد انتقم مني بسبب هذا الجرم أم ..........
قررت أن أتزوج على الفور من أية فتاة تقابلني، فوقعت في براثن فتاة سبق أن حذرتني منها "أميرة"، كانت لا ترتاح إليها مطلقا، لكني لم استجب لنصحها ...
وتزوجتها بسرعة وأنا في السنة الثالثة في كلية الآداب – بعدما فشلت في أن أكون مهندسا مثل أبي ـ كانت زميلة لي ، أوحت إلىّ أنها تحبني، حاولت الانتحار عندما رفضت حبها، اشفقت عليها وعزمت على خطبتها بعدما تأكدتُ من استحالة استمالة قلب "أميرة" تجاهي.
انتهزت الفرصة وألحت لتقديم موعد الزواج ، كانت زوجة قوية الشخصية متسلطة لأقصى درجة، تحب السيطرة وتملك الأشياء.
كنت استجديها بالمال، لم أكن أعلم أن المال هو غرضها الأساسي، عرفتني ذات يوم على شاب ادعت أنه أخيها من أبيها، بدأ يشدني إلى طريق الإدمان....
وذات يوم ذهبت إلى المقهى لا نتظره، لكني علمت أن الشرطة قد قبضت عليه بتهمة تعاطى المخدرات، يومها التقيت برفيق قديم من أيام الثانوية العامة اسمه "عمر" عرفت بالصدفة أنه جار "رامي " أخو زوجتي، عرفت منه أيضا أن "رامي" جاره موزع مخدرات.
وقد أخبرني أن "رامي" ظروفه صعبة، وليست هذه المرة الأولى التي يُقبض عليه فيها، فعليه أن يصرف على أسرته وأبيه القعيد منذ سنوات، وقال لي أن "رامي" في ضائقة مالية لذلك مضطر أن يبيع سلسلة خطيبته، استغربت عندما سمعت منه أن "رامي" خاطب، فأخبرني أنها ليست خطوبة رسمية؛ بل أنه مرتبط بفتاة كانت زميلة له في المدرسة الثانوية المشتركة التي فُصل منها...
وبدأ يسرد لي القصة، وفجاءة بدأ يتحدث عن "سحر" خطيبة "رامي" فقلتُ له يا للصدفة خطيبته اسمها "سحر" وأخته اسمها "سحر"؟ نظر إلىّ في دهشة واستغراب قائلا :
ليس لرامي أخوات بنات، فقلتُ له أخته من أبيه؛ فقال لي: أبيه لم يتزوج غير أمه.
لم اعط الموضوع أكبرمن حجمه، ربما لم يفش "رامي" أسرار عائلته لأصدقائه وجيرانه....
عرضت على "عمر" أن أشتري السلسلة لأهديها لزوجتي، وطلبت منه ألاّ يخبر "رامي"...
عندما أخرج السلسلة من جيبه، تفاجئت بأنها نفس السلسلة التي قدمتها لسحر يوم خطوبتناـ سلسلة من نوع قديم ورثتها أمي من جدتهاـ وقد أخبرتني "سحر" بعد فترة أن "حنان" ابنة خالتها قد استلفتها ولم تردها إليها.
بدأ القلق يتسرب إلى قلبي، وعلى الفور اتصلت بحنان ـ بالرغم من انقطاع علاقتها بسحرـ وبدون تفكير سألتها عن السلسلة، فردت وهى تتعلثم في الكلام "سحر قالت أنها ضاعت...".
لكن عندما واجهتها بالكلام الذي قالته لي "سحر" اعترفت لي بالحقيقة وقالت إن "سحر" قد اعطتها لخطيبها السابق مقابل صور كان يهددها بها، وإن الصور لا زالت عندها ، فطلبت منها أن تحضر لي الصور، وكانت المفاجئة التي هزت كياني إن "رامي" هو خطيب "سحر".
لكني سرعان ما راجعت نفسي وقلت أن "حنان" ربما ترغب في الانتقام من "سحر"، إلا أن الشك لا زال يراودني؛ فرجعت إلى "عمر" وأخذت استدركه في الكلام، وذهبت معه إلى منزله لكي نستكمل السهرة بعدما أغلقت المقهى أبوابها.
وهناك طلبت منه ألبوم الصور، وسألته عن صور "رامي" وهو صغير، فأخرج لي ظرف به صور رحلة مدرسية ...
ويا للمفاجئة وجدت "سحر" و "رامي" في إحدى الصور؛ فسألته بمكر من هذه الفتاة الجميلة؟؟؟
فقال: "سحر" خطيبة رامي.
لم أشعر بما حدث لي، أختل توازني، لكني تمالكت أعصابي وقررت الرجوع إلى المنزل، وواجهتها وفي يدي السلسة والصور، لكنها لم تنكر، يا لها من وقحة!!!
قد سبق السهم العزل؛ الشقة باسمها، الرصيد سحبته بتوكيل، لم يبق لي سوى الدبلة المكتوب عليها اسم "سحر"، ربما تركتها لي لتذكرني بفعلتها الدنيئة.
ومضت أياما صعبة، وأخرى أشد منها صعوبة، وأصبحت وحيدا وبلا مأوى، حتى من كانوا يتقربون مني من أجل المال فقدت تعاطفهم الزائف عندما فقدت المال.
لم يبق لي سوى معاش والدي، لكن كيف لي أن أدبر مصاريف مأكل ومشرب وسكن ودراسة بثلاثمائة جنيها.
وكيف لي أن أعمل وهذه آخر فرصة لي في الكلية، لابد أن انجح، كم احتاج اليوم إلى "أميرة" و "محمد"، اليوم فقط عرفت قيمة المال الذي فرطت فيه، وقيمة الأصدقاء الحقيقين.
اشتدت الظروف قسوة، وسُدت جميع الطرق أمامي، خاصة بعد وفاة "سمير" ابن عمي، بالرغم من أنه أكبر مني بسنوات إلا أنه كان يُشكل لي قيمة روحية كبيرة.
كان يستحق المساعدة؛ فظروفه المادية والصحية كانت متدهورة للغاية، كنت اساعده بين الحين والآخر.
الآن أشعر بالخزي؛ فلن استطع الوفاء بوصيته؛ فقد ترك زوجته وأبنائه الصغار أمانة في عنقي، لكن كيف لي أن أساعدهم وأنا صفر اليدين؟؟؟
اليوم فقط نزلت من عليائي وجربت حياة أشد الناس بؤسا. استيقظ مبكرا، أذهب إلى بائع الصحف، أأخذ حصتي من الجرائد واوزعها، وبعد ذلك اتوجه إلى الكلية.
أصبحت أواظب على حضور المحاضرات لأول مرة في حياتي، وفي المساء أذهب إلى حجرتي التي استأجرتها واستذكر دروسي...
وظلت الأيام تمضي على وتيرة واحدة، إلى أن التقيت بالصدفة "بصفاء" ـ كانت زميلة لي لكنها تخرجت في العام الماضي ـ أخبرتني أنها سمعت قصتي وتأثرت بما آل إليه حالي.
تذكرت وقتها ما قالته لي "أميرة" عن "صفاء"، قد قالت لي يوما أنها أنسب إنسانة لي، ليت الزمن يعود للوراء قليلا كي تقبلني "صفاء" في حياتها.
لم أكن أعلم أنها مازالت تكن لي مشاعر طيبة؛ فقد عرضت علىّ أن تساعدني في دروسي، وعرفتني على أهلها.
كم كانوا طيبين وودودين، سمحوا لي أن أأتي إلى منزلهم المتواضع بين الحين والآخر لتساعدني "صفاء" في الدراسة.
وبمرور الأيام نشأت بيني وبينهم ألفة شديدة، وتقبلت "صفاء" وأهلها فكرة الارتباط بي قبل أن اتخرج من الكلية...
وبعد أقل من شهر تزوجت "صفاء"، وسكنت معها في منزل عائلتها. للمرة الأولى في حياتي أعرف معنى الانتماء، وأشعر بدفء الأسرة.
وبعدما تخرجت من الكلية وفرت لي "صفاء" فرصة عمل براتب بسيط في المدرسة التي كانت تعمل بها، وإن كان راتبي وراتب "صفاء" قد وفرا لنا حياة كريمة.
وظلت حياتنا هادئة قرابة ثلاث سنوات، وبعدها بدأت علاقتنا تنهار، لأن مشاعر الأمومة انتصرت بداخلها على مشاعر الحب، بعدما تأكدت أني لا استطع أن اُنجب.
أصبت بأزمة نفسية حادة، كنت في طريقي للرجوع إلى الإدمان. وأشتدت حالتي سوء عندما قابلت "صفاء" بالصدفة بعد عام من انفصالنا وذراعها معلق في ذراع زوجها الجديد وقد بدت عليها مظاهر الحمل، لم استطع أن اتخطى هذه الأزمة لولا وقوف " نوال" ـ زوجت المرحوم "سمير" ابن عمي ـ إلى جانبي، كم كنت أشعر أنها بمثابة أمي.
لكنها للأسف لم تجن من وراء وقوفها إلى جواري سوى المشاكل؛ فقد كثُرت الشائعات بين الجيران والأقارب حول وجود علاقة خفية بيني وبين "نوال"، حقيقة كان أبنائها متفهمين الحقيقة، لكن الظروف كانت أصعب.
لم استطع العيش وحدى مرة أخرى، لكن ليس أمامي غير تحمل الوحدة ...
وذات يوم ذهبت إلى حجرتي القديمة في ذلك البيت المتهالك وقد أصابتني حمى شديدة، ولم أجد من يخفف آلامي، غلبني النعاس وأنا اتخيل أن جدران هذه الحجرة سوف تنهار على رأسي وألحق بأبي وأمي، واستسلمت هذه المرة لفكرة الموت باقناع تمام ونفس راضية....
إلى أن استيقظتُ مفزوعا إثر حلم كان يراودي منذ صباي؛ لم يكن هذا الحلم يفارقني كلما اشتدت الأمور واستحكمت مصائب الدهر.
" كنت أرى في منامي وكأني طفل صغير يبكي بمرارة من شدة الجوع والعطش، وربما من الخوف بعدما انهارت عليه جدران المكان الذي ينام به، وأضحى فوق الركام، وها هي يد سيدة شديدة السمار يُحيط بوجهها هالة من النور تخفي معالمها، ظلت تقترب وتقترب من جسد الصغير إلى أن رست تلك اليد على رأسه، وظلت تقرأ تعاويذ غير مفهومة حتى غط الصغير في نومه مطمئنا".
وفي كل مرة بعدما استيقظ من نومى لا أكف عن التفكير في هذه السيدة.
اليوم فقط تقترن صورة " نوال" بصورة هذه السيدة، اليوم فقط توصلت إلى حل يجعلنى اُنفذ وصية ابن عمي، واُسكت الألسنة.
ليت "نوال" وابنائها يتقبلون فكرة الزواج الصوري.
ظللت حتى بزوغ الشمس أفكر، وفجاءة شيئا ما دفعني للذهاب إلى المقابر لزيارة قبر أمي وأبي....
وأنا في طريقي للمقابر توقفت الحافلة أمام منطقة بها صف من العمارات العالية، رغم أنها تمثل حلم بعيد المنال لشاب مثلي إلا أن عيناي ترى أنها ليست أكثر من مجرد مقابر، مثل المقبرة التي توارى تحت ركامها أبي وأمي.
تذكرت الشقة الجديدة التي اشتراها أبي بعدما عاد من الخارج، وتذكرت ذلك اليوم المشئوم الذي ذهبت فيه أمي وجدتي لأمي مع أبي وأخواتي الصغار لاستلام الأثاث الجديد، وانهيار العقار الذي لم يرحم صراخ الصغار لحظة تناول الإفطار في آخر أيام شهر رمضان على المائدة الجديدة.
وها هي الحافة قد وصلت، علىّ أن اتماسكت وأدخل لأقرأ الفاتحة ترحما على أبويا وأخواتي.
وها هى قدماي قد ساقتني وأنا شارد الذهن إلى القبر، نظرت حولي فجاءة وإذا المكان قد تغير، لي أكثر من عام كامل لم آتى إلى هنا، لقد شغلتني هموم الحياة.
لكن أين الشجرة التي كنت استظل تحتها، كانت شجرة عتيقة تمتد جذورها إلى باطن الأرض، وربما تختلط برفات أبي وأمي.
دائما ما كنت أشعر برابطة دم بيني وبين هذه الشجرة العجوزة، اتذكر منظر جذعيها المنحيان لأسفل ذوي الأوراق الكثيفة عندما تحركهما الرياح الهادئة وكأنهما يرحبان بي، فارتمي في حضنها، وأشعر بنفس إحساس آخر حضن حضنته لي أمي وكأنها كانت تودعني الوداع الآخير في ذلك اليوم المشئوم.
اليوم قد اجتُثت هذه الشجرة بلا رحمة، ولم يبق من آثارها غير هذا الجذع الصغيرالذي يذكرني بنفسي، وحيد ضعيف لا يقوى على مقاومة الريح العاصفة.
لم يبق لي في هذه الدنيا إلى صاحبة اليد السمراء والقلب الكبير الذي يتسع لكل أطفال العالم، لابد ألا أُضيع هذه الفرصة.
كانت "نوال" وزوجها "سمير" ابن عمي الراحل،الذي كنت اعتبره رغم بساطة حالة وضيق عيشة مثلي الأعلى، وكنت أحبه لأنه يشبه أبي كثيرا، وكان أكبر مني بعدة سنوات، وقد رزقه الله بأربعة أطفال أكبرهم أصغر مني بنحو سبعة أعوام، ، كانوا يعتبرونني الابن الخامس.
ظللت اتردد عليهم كثيرا كلما ضاقت بي السبل، ونشأت بيني وبين ابنهم الأكبر "عمرو" صداقة حميمة رغم فارق السن، ولم تكن صداقة فحسب بل كنت بالنسبة له بمثابة الأخ الأكبر ، فقد كانت والدته تتركه لي وهو ابن شهور وتذهب إلى عملها، أنا من علمته المشي والكلام، أنا من اصطحبته إلى المدرسة لأول مرة في حياته، وكنت أقرب إليه من أبويه.
وهذا ما دعم الروابط التي بيني وبين هذه الأسرة، لكن هيهات لهذه اللوحة الجميلة أن تكتمل. فبين عشية وضحاها فقدت "سمير" بعد صراع عنيف مع المرض، وقتها كنت مقيم معهم بعد فشلي في زيجتي الأولى، و كان "عمرو" وقتها في المرحلة الثانوية.
ولم تمض بضعة أشهر إلا واُصيب "عمرو" بنفس المرض، ولما أشتد عليه المرض أوصاني ألاّ أتخلى عن أمه وأخواته الثلاثة منال وإيمان وهيثم. لكن الظروف القاسية كثيرا ما كانت تحول بيني وبينهم قليلا.
لكني في الآونة الأخيرة كنتُ كثير التردد على هذه العائلة، كنت أحس أن "نوال" بمثابة أمي، وكثيرا ما كنت أشعر أن منال وإيمان وهيثم بمثابة أخواتي، بل في الكثير من الأحيان كنت أشعر تجاههم بعاطفة الأبوة التي حُرمت منها.
لكن للأسف الناس استكثروا علىّ هذه النعمة، وبدأت المطاردات والإشاعات القذرة تنتشر؛ ففكرت في وصية "عمرو" و"سمير" أبيه....
ربما خطر على بالي أن أرتبط بمنال، لكني لم أشاء أن أظلمها وهي في بداية طريقها، رجال مثلي فاشل وشبه محطم ولا ينجب لن تقبله فتاة مثل "منال" إلا كرد للجميل.
لم يبق أمامي غير حل وحيد يجعلني أعيش بينهم وأحمي الأرملة وبناتها من كلام الناس، ليت "نوال" تتقبله؛ فمازال هيثم صغيرا يحتاج لوجود أب أو أخ كبير في حياته.
ظللتُ اٌقلب الأمر في رأسي حتى توصلت إلى أن اتحدث مع منال وإيمان وهيثم على انفراد واقنعهم بوجهة نظري؛ زوج أمام الناس، وأخ أمامهم وأمام الله.
والحمد لله قد فهموني ولم يعترضوا، وقد اقتنعت "نوال" بالفكرة، وها أنا من اليوم المسئول عن هذه الأسرة أمام الله.
لكن المجتمع الظالم قد رفد فكرة زواج سيدة تجاوزت الأربعين من رجل لازال في ريعان شبابه.
الفكرة أثارت غضب الجميع، وغضبهم هذا زادني تشبثا بالفكرة، فمن وجهة نظرهم هذه الزيجة فاشلة بجميع المقاييس، حقا كانت "نوال" كبيرة في السن، وعاطلة من الجمال، وعلامات السقم والفقر تبدو على وجهها، وعقلها عاطل عن استيعاب تطورات الحياة خارج منزلها البدائي، تعيش خارج نطاق الزمن ، لكنها تمتلك قلبا من ذهب تتجسد فيه الإنسانية بأروع معانيها وأرقى صورها، تحتاج لمن يأخذ بيدها حتى ترى الوجه الآخر من هذه الحياة.
ومضت الأيام وقررت ألا اُعير كلام الناس أي اهتمام، التزمت بعملي وظللت أكدح لأُوفر متطلبات الأسرة، فنوال قد بدت عليها علامات المرض، ولم تعد تقوى على العمل، ومنال وإيمان في طريقيهما للزواج بعد أن أنهتا سنوات الدراسة، ولازال أمام "هيثم "مشوارا طويلا حتى يتخرج من كلية الصيدلة.
ومرت الأيام علينا بسرعة ونحن عائلة سعيدة مترابطة، نجتمع على مائدة واحدة، ونحتفل بالأعياد معا، ونحل مشاكلنا بهدوء.
تعودت على هذا البيت وعلى وجود "نوال" في حياتي، لكن القدر أبى أن يترك لي السعادة الغامرة والأسرة المتماسكة ، فقد اشتد المرض على "نوال"، وهى الآن تحتاج إلى من يتفرغ لرعايتها بعدما سافرت "إيمان" إلى أمريكا و"منال" إلى الإمارات .
وهنا تتضح الحقيقة؛ حقيقة علاقتي بنوال، اليوم فقط اتذكر جملة قالتها لي "أميرة" عندما رفضت فكرة الارتباط بي، قالت لي أن زواجي منها ليس بدافع الحب وإنما لإرضاء الطفل الصغير الذي مازال يعيش بداخلي، ذلك الطفل الذي لا يزال حتى الآن يحتاج إلى حضن أمه، صدقتي والله يا "أميرة"؛ فقد وجدت في "نوال" تجسيد لمشاعر الأمومة التي افتقدتها في سن صغيرة.
نعم مجرد التفكير في أن "نوال" سوف ترحل وتتركني في هذه الدنيا وحيد لا يساوي المركز المرموق الذي وصلت إليه الآن. يجب أن أُساوي معاشي واتفرغ لرعاية "نوال".
لستُ أنا الابن الجاحد الذي يأخذ ولا يعطى، قررت أن اتبرع لنوال بكليتي. فلا اتصور الحياة بدونها. [/align]
تعليق