كادي .. سميرة .. مارتن .. / محمد الطيب يوسف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد الطيب يوسف
    أديب وكاتب
    • 29-08-2008
    • 235

    كادي .. سميرة .. مارتن .. / محمد الطيب يوسف

    كانت شمس يوليو عند تمام حضورها وهي ترسل زفراتها الملتهبة سوط عذاب على الرؤوس حتى الظلال فرت إلى مسام الجدران مكرهة علي الانكماش وتركت الساحة نهباً لاجتياح الشمس ودخان الحافلات وصراخ الباعة علي بضائعهم التي قاربت حرارتها من درجة الغليان.

    قرقعة آنية الألمنيوم وطرقها المتكرر علي قطع الثلج التي طفحت تعلو مياه
    احتوتها آنية من البلاستيك أوهنها الزمان كانت تعبر كالموسيقى إلى آذان السابلة وكان ذلك موسم فرح للباعة الذين تسعدهم حفنات من النقود تقيم الأود وتقيهم ذل الحاجة .

    نعيق أبواق السيارات ممتزجاً بالغناء القادم من محلات المرطبات وصياح السوقة يعطي تعريفاً وافياً لما يعرف بالإزعاج .

    مابين براثن الحافلات التي تراصت بطول الممرات الأسمنتية التي أعدت لها سلفاً انسل مارتن وكادي بعد الظفر بقطعة من القماش ارتوت بالبنزين ودخان العوادم والغبار العالق , وضعها مارتن علي أنفه طويلاً وهو يجذب منها نفساً عميقاً فاسترخت عضلاته وفتح عينيه الغائمتين دون أن يرى شيئاً ثم توسد الرصيف المغطي برذاذ البصاق المختلط بالصعوط وهو يناولها لكادي الذي لم يكتفي باستنشاقها بل ربطها حول أنفه ثم توسد الرصيف أيضاً بجوار مارتن .


    من داخل كفتيريا السعادة كانت سميرة تتابع المشهد في فضول محاولة قتل الوقت في انتظار نادر ثم تحول الفضول إلى اهتمام وهي تراقبهما , قدرت أن مجموع عمريهما معاً لا يتعدى الخمسة عشر ربيعاً أو دون ذلك , قرأت في عيني مارتن الواسعتين نقاء لم تلوثه الأيام بعد وأشفقت علي جسد كادي النحيل من قسوة واقع قد يحيله إلي شبح , تابعت خطوات التحضير لغيبوبة مؤقتة لحين إكتمالها ثم نظرت إلى كوب العصير الذي يقبع أمامها وسعره يكفي لإشباع غريزة الجوع لديهما فأزاحته جانباً في امتعاض.

    شعرت بالقلق وهي تراقب ثباتهما الأقرب للموت غير عابئين بجحيم الظهيرة وغليان الرصيف ثم عاودها اطمئنانها وهي تبصر حركتهما الضعيفة ثم استواء مارتن جالساً وهو يتلفت حوله وكنه يبحث عن شيء معين ,ثم نهض كادي وإن بدأ الاستياء على وجهه وهما يتجادلان , نهضا معاً متوجهين في اتجاهها ,لم تغفل عينيها منظر الضلوع التي تبرجت خلف أسمال لا تستر شيئاَ .
    شعرت بالانقباض يتملكها .. أصلحت من جلستها وهي تنظر إلى ساعتها (لقد تأخر نادر كما هو معتاد ) لا تدري حتى متى تتمسك بهذا الحب البائس ,صديقاتها حذرنها من استهتاره كثيراَ ولكن يبدو أنها راهنت علي الجواد الخاسر .

    إنتبهت من شرودها علي صياح عامل الكفتيريا فالتفتت في اتجاهه ,كانا يبتعدان بخطواتهما الصغيرة عن مكب القمامة الخاوي علي عروشه والعامل يمعن في صياحه وهو يراقب صاحب الكفتيريا من طرف خفي , أشفقت عليهما فمكبات القمامة أضحت لا تكفي حتى القطط التي اتخذتها مسكناَ , تابعت مناورتهما مع العامل وقد تحول الأمر إلى لعبة بالنسبة إليهما ,فما ان يلج الي الداخل حتى يعودا مرة اخري ثم يبتعدان حال قدومه وهما يطلقان ضحكات ساخرة , بعد قليل ملا اللعبة فنداء البطن كان أقوى من إغراء اللعب ,فجلسا بالقرب من الباب واستغلا انشغال العامل وولجا إلى داخل الكفتيريا ,كانت المنضدة التي أمامها تجاور الباب تماماً, اقتربا
    منها وهما يتسولان الجالس لقمة ,بدا عليه القرف والامتعاض وهو يحاول أن يبعدهما دون أن يلمساه .

    شغلها هاتفها ونادر يعتذر عن المجيء لظرف طارئ كالمعتاد , أنهت المكالمة في هدوء وهي تدرك أنها قد أنهت معها الكثير , غامت عينيها للحظة بالدموع ولكنها قاومت في كبرياء جريح , وضعت الهاتف في حقيبتها ورفعت رأسها بحثاً عنهما , كان العامل ممسكاً بكادي ومارتن يقف غير بعيد لا يدري ماذا يفعل .

    أغلقت حقيبتها ونهضت في حزم

    - دعه
    نظر إليها العامل في دهشة وهو يتمتم مبرراَ

    - إنهما يتسولان وفد أزعجا الزبائن

    - لا أنا من دعوتهما إلى هنا

    أمسكت بكادي من ذراعة وأجلسته بجوارها , عيناه الواسعتان كانتا خليطاً من الدهشة والشك , وكان يجلس علي طرف المقعد وكأنه يستعد للفرار

    ابتسمت له مطمئنة وهي تطلب له كوباً من العصير , إقترب مارتن في حذر ووقف غير بعيد يتابع في صمت , نادته في رفق فوقف بالقرب منها ,أشارت إلى المقعد فجلس وعيناه لا تفارقانها , تحسست النقود في حقيبتها ثم طلبت لهما طعاماً ,كانت تراقبهما في سعادة وهما يغتالان وحش الجوع , قرأت الشبع ممزوجاً بالدهشة في زوج الأعين الذي كان يتطلع إليها في عرفان , تجاهلت نظرات العامل التي كانت تتهمها بالجنون ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وهي تنهض مببتعدة .

    كانت تدرك أنها لم تفعل الكثير ولكنها غرست وردة في قاحل الواقع

    تمت

    محمد الطيب يوسف

    مكة المكرمة
    صفحتي الخاصة

    http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    محمد يوسف الطيب
    كنت اظنها ستوظفهما ولو براتب بسيط ..كأن ينظفا الكافتيريا مثلا!!
    المهم
    نصك جميل وفيه روح انسانية محبة لفعل الخير ومحاولة إنارة شمعة ..بدل إعلان الظلام
    كل الود بك سيدي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • محمد الطيب يوسف
      أديب وكاتب
      • 29-08-2008
      • 235

      #3
      أ/ عائدة

      التحيات الزاكيات

      سعيد لأن النص أعجبك وبالفعل هو محاولة لإشعال شمعة بدل الإنتظار في الظلام


      عميق مودتي
      صفحتي الخاصة

      http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299

      تعليق

      • مها راجح
        حرف عميق من فم الصمت
        • 22-10-2008
        • 10970

        #4
        الاستاذ القدير محمد الطيب يوسف

        اسلوبك السلس والهاديء ولغتك الصافية جذباني للقراءة المتعمقة
        كان المشهد أمامها دلالة وفرصة لأن ترى ما لم يراه الآخرون الذين أصاب احساسهم بالعمى كما فعل( نادر)
        فهناك مشاهد يومية عابرة ولا نعيرها أدنى اهتمام ولكنها تعلمنا وتضيف لنا الكثير
        شكرا لقلمك الرائع
        تحية اعجاب وتقدير
        رحمك الله يا أمي الغالية

        تعليق

        • عائشة الحسن
          عضو الملتقى
          • 22-09-2008
          • 89

          #5
          محمد الطيب يوسف
          قصة جميلة مشوبة بالألم .. الذي قد ينتشي بابتسامة عابرة كتلك التي منحتها سميرة لـ كادي ومارتن ... لكنها الابتسامة التي ماتلبث إلا ويطويها هم طريق يسلكانه بعد حادثة الصدفة التي جمعتهم ..!

          لا أعرف لمَ أشعر بأن " الراوي العليم " القادم من الخلف الذي قدم القصة لنا انتقص شيئا من جمال المشهد .. ماذا لو كانت سميرة هي التي تحكي لأنها الشاهدة على الحدث .. وربما نطقت بحس أعمق لم ينطق به الراوي ..!

          تحياتي لك
          التعديل الأخير تم بواسطة عائشة الحسن; الساعة 23-03-2009, 16:53.

          تعليق

          • محمد الطيب يوسف
            أديب وكاتب
            • 29-08-2008
            • 235

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
            الاستاذ القدير محمد الطيب يوسف

            اسلوبك السلس والهاديء ولغتك الصافية جذباني للقراءة المتعمقة
            كان المشهد أمامها دلالة وفرصة لأن ترى ما لم يراه الآخرون الذين أصاب احساسهم بالعمى كما فعل( نادر)
            فهناك مشاهد يومية عابرة ولا نعيرها أدنى اهتمام ولكنها تعلمنا وتضيف لنا الكثير
            شكرا لقلمك الرائع
            تحية اعجاب وتقدير
            [align=right]أ/ مها راجح

            صباحاً جميلاَ كما تشتهين

            شكراَ للعبور الأنيق والقراءة الدسمة التي تلتقط ما أود بثه عبر النص الأدبي

            عميم مودتي واحترامي[/align]
            صفحتي الخاصة

            http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299

            تعليق

            • محمد الطيب يوسف
              أديب وكاتب
              • 29-08-2008
              • 235

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عائشة الحسن مشاهدة المشاركة
              محمد الطيب يوسف
              قصة جميلة مشوبة بالألم .. الذي قد ينتشي بابتسامة عابرة كتلك التي منحتها سميرة لـ كادي ومارتن ... لكنها الابتسامة التي ماتلبث إلا ويطويها هم طريق يسلكانه بعد حادثة الصدفة التي جمعتهم ..!

              لا أعرف لمَ أشعر بأن " الراوي العليم " القادم من الخلف الذي قدم القصة لنا انتقص شيئا من جمال المشهد .. ماذا لو كانت سميرة هي التي تحكي لأنها الشاهدة على الحدث .. وربما نطقت بحس أعمق لم ينطق به الراوي ..!

              تحياتي لك
              أستاذه عائشة / التحيات الزاكيات

              شكراً لمرورك الأنيق

              بالنسبة لاختيار الراوي لا أدري بما أعلق فبصورة عامة أنا لا أفرض نفسي علي النص حين الكتابة ولكن أفرد له المساحة كي يعبر كيف يشاء

              صدقيني لم يكن لي يد في اختيار الراوي

              التحايا النواضر
              صفحتي الخاصة

              http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299

              تعليق

              يعمل...
              X