( الكـدّاد ) قصة:عائشة الحسن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عائشة الحسن
    عضو الملتقى
    • 22-09-2008
    • 89

    ( الكـدّاد ) قصة:عائشة الحسن

    الكـدّاد



    جاء باكراً قبل موعده ..!

    ( العصر) الذي رافق صالح طوال فترة دوامه الصباحي وعاد به ظهرا إلى منزله مثقلا بحمله منذ ليلة أمس بعدما أتفق مع صاحب التاكسي على ( الكدّ ) عليه مقابل نصف الأجرة .. جاء الآن .. ليجلده بإيمانه بكلام الرجال كعقد منطوق لا يقبل خذلان أو تراجع يصارعه اللحظة .. ناقلاً قدميه بين مدّ وجزر .. يخطو به خطوات إلى خارج المنزل ويعود يقهقره إلى الداخل .. ليغلق باباً كان دائماً متكئاً لظهره .. تتنازعه رجولة الوفاء بالكلمة ورهبة المضي فيها ..!



    " صالح صار كداد وبيصرف على البيت "

    مناجاة أمه لأبيه المقعد المغتسلة بدموع الفرحة جاءت كوقود يكفي ليزيت قدميه المتسمّرة .. يكفي لدفعه خارج الباب .. لأن يقذف به في الشارع .. لأن يركض محموم الخطى بحماسة وثقة تشدُ قبضتيه , وتزمُّ على شفتيه .. منطلقاً كرصاصة تعرف هدفها بالضبط .. لكنها المعرفة التي مالبث أن ضاعت منه في حشد فوضوي لأجساد متباينة الأطوال , ملونة بألوان رياضية , تنتثر بشكل صاخب في شارعهم الأكبر تلاحق كرة يستقر لهاثهم خلفها بين كومتي أحذية يربط بينها خطاً مستقيم يرسم المرمى الذي يتفرقون عنده من جديد ليعودوا يطحنوه في زحامهم بعدما خفتت تلك الحماسة التي يجتر بها قدمين تزحفان به .. محاولا أن يتحاشى الاصطدام بالأجساد الملونة التي استراحت فئة منها مفتولة العضلات عارية الساقين متضخمة الصوت بجوار البقالة , لقد كانت الفئة الأعلى صوتا والأكثر رعبا للبقية , تلك التي تستبيح دفع الصغار وإفراغ جيوبهم وهي تحصد إتاوة تشردها وسيادتها على الأزقة , مأزق المرور من الزقاق الملتصق بالبقالة لا مفر منه لأنه الطريق الوحيد الموصل إلى بيت من تواعد معه , ومصيدة القذف بالكلمات والاستفزاز بالصفير ليست جديدة , طالما وقع فيها وانتشل نفسه منها بتغذية خطاه بالكثير من التجاهل , وبدفن عينين تغوارن تحت طاقية يسويها على رأسه ضاغطاً إياه من كل الجوانب لتبدو وكأنها مفصلة على مقاس جمجمته , التجاهل والصمم الذي جرّ به نفسه إلى نهاية الزقاق استهلك مابقي في قدميه من خطو تلاشى على مشارف التاكسي وصاحبه .. لقد بدا مرهقاً منكسراً وكأنه خارج من جنازة ..!



    ( وينك تاخرت الله يهديك .. استناك من بدري ) ابتسامة صاحب اللحية الكثة , اشعلت خجلاً سار به وهو لايزال منشغلاً بالإيغال بتلك الطاقية الملتصقة على جمجمته إلى الأسفل .. افتك يده ليمدها يتناول المفتاح .. ويتناول معها الوصايا عن مراعاة أنظمة المرور , الترشيد في استهلاك البنزين , طرق التعامل مع الركاب , محددا له الطرق التي يعمل عليها دون أن يتجاوزها إلى ما هو أبعد

    ( والنعم فيك ... ولا حد يضحك عليك ) كانت آخر ماهزّ به صاحب التاكسي كتفه وهو يبتسم تاركاً صالح خلفه ينقّل نظره بين المفتاح وبين قفاه المغادر ..

    وكأنه استدرك شيئاً كان يجب أن يقوله ولم يتنبه إلى النطق به إلا بعد ما أغلق صاحب التاكسي باب بيته لينطق صالح بصوت لايسمعه غيره والمفتاح:

    " الله يعييييييين " ..!



    صاحب التاكسي يعرف بأن لا أحد من شباب الحارة يمكنه أن يحافظ على السيارة والأجرة كصالح الذي لا ينقطع عن الصلاة في المسجد كما ينقطع عن تجمعات شباب الحارة على الدكات الملتاثة بالصخب وبراوئح الأدخنة الغريبة والكريهة .. استقامته كانت العصا التي يتوسط بها الآباء لتربية أبنائهم :

    " خلك زي صالح " .. " وش ناقصك ماتكون زي صالح " .. " صالح من عمله لبيته ماعنده خرابيطك " .. الأمر الذي صنع منه عدوا غير مباشر لشباب ما أن يرونه إلا وتعلو أحاديثهم وصفيرهم لاستفزازه :

    " يا صالح تأتأة " ..!



    صالح تأتأة اسم الشهرة لشاب يافع هو الابن الوحيد من بين خمس بنات لعائلة تعيش دون الحالة المتوسطة , ترك دراسته باكراً هارباً من تبعات عطب يحرث لسانه ويكويه بسخرية الآخرين , ليجد نفسه " عامل انتاج " في مصنع نسيج يدفع له شهرياً ألف وخمسمائة ريال كانت كافية لسد أجرة منزلهم الشعبي الصغير القابع في واجهة الحارة وكافية لسد متطلبات أخواته إلى جوار راتب والده التقاعدي المقعد عن العمل لعطب حركي أصابه , وأصاب بيتهم بالبوار لولا الوظيفة التي وجدها صالح والتي طار بها فرحاً لأنها جاءت على مقاس يسد حاجتهم ويسد تلك الفجوة التي يحرثها لسانها بينه وبين الآخرين طالما هو يقضي النهار كاملاً مع " آلة " خلق معها لغة تفاهم لا تعني أحداً غيرهما ..







    " الله يعيييين " لازال صالح يرددها وهو يوجه المرآة إلى جهتها السليمة و يدير محرك السيارة التي اصطدمت الحركة الأولى لمقودها بصوت ارتطام بالزجاج الخلفي , كان أحد عجائز الحارة يستوقف صالح بعصاته ليأخذه إلى مشواره الأول

    " باب الرزق اللي انفتح من بدري " عبأ صدره بأمل فاض مبتسماً به وهو ينتظر العجوز لينطق بالوجهة التي يريد الذهاب إليها :



    ـ " قريب .. قريب " ..



    ومضى ..!



    " قريب .. قريب " ترددت على لسان العجوز بصيغة أخرى : " قدّام .. قدّام " نصف ساعة من التقدم إلى الأمام لم تكن كافية ليصل ذلك العجوز إلى بيت ابنه بقدر ما كانت كافية ليروي قصة نضاله وكفاحه وسيرته مسترجعاً كل الوظائف الحكومية التي عمل فيها وأسماء زملائه الذين فارقوا الحياة وكيف أنهم كانوا رجال في مقابل الذم والسب في كل شباب الحارة ومنهم أولاده الذين تحرروا من المكان لينتقلوا إلى حي أرقى وأبعد دون أن يتكلفوا زيارته , لعن العجوز لشباب الحارة كانت تخترقه عين الرضا عن صالح بالذات لأنه لم يضع رخصة القيادة وفكر باستثمارها في عمل إضافي إلى جوار راتبه الذي أصرّ العجوز على معرفة مقداره وعلى معرفة مايخرج به من الكد على التاكسي , لم يكن منتظراً لإجابة صالح لأنه كان واثقاً بأنه " يطلّع خير " , ويبدو أن العجوز نشف ريقه وفقد رغبته في الكلام وربما شعر بالصداع والتعب من التقدم إلى أمام يمضي إليه صالح دون أي اعتراض أو مقاطعة له , مهاتفة العجوز لابنه بدأت بسبه ثم بوضعه على مكبر الصوت حتى يحدد مكان بيته جيدا , تلقف منه المكان ليتراجع التاكسي إلى الوراء كثيرا وليقف ذلك العجوز على باب ابنه أخيراً بعدما عاونه صالح على صعود الدرج .. استوى العجوز على عكازه مصافحاً صالح :

    " فمّان الله .. سلّم على أبوك " ..!



    " سلمّ على أبوك " هي خدمة بحكم الجوار إذن لا يجب أن يطلب عليها أجرة .





    شمس العصرية الدافئة لازالت تستفيق بالشوارع من قيلولة كسولة تعجّ بسيارات أجرة منتثرة تلهث باحثة عن ركاب خلت منهم الأرصفة .. المساحات الخالية قادت صالح لأن يبتعد عن مزاحمة أقرانه من المسترزقين ليمشط بعض الطرق البعيدة علّه يتعثر بفرصة تعوض له الوقت الضائع الذي تبرع به للعجوز , لقد كانت سمينة الجسم نتنة الرائحة تلك الفرصة التي هرول إليها بمجرد أن أشارت له بمنديل .. لقد بدا رجل في نهاية الأربعين , مكتنز الجسم , سمح المحيا , ألقى بحقيبته الصغيره إلى جوار قدميه التي فاحت برائحة امتزجت بعبق كريه يتسرب من ثيابه , فتح صالح النافذة بعدما عرف منه وجهته وعرف معها سر رائحة اكتسبها من الاحتراق تحت شمس الانتظار لسيارة أخرى تقله إلى بيته بعدما أوصلته سيارة سابقة إلى منتصف المسافة .. حاول الرجل أن يلف إحراج اشتّمه وأحمّر به وجهه بابتسامة أطرق بها بعيدا من النافذة :

    " حاطين السجون في آخر الدنيا " ...!

    الطريق إلى الحرية طويل ومرهق هذا ما حكاه لصالح المصغي باهتمام لقصص السجن ولتغير معالم المدينة ولذلك الطريق الذي لم يكن على أيامه ولحنين لدش بارد طويل لا يحدد وقته سجّان ولحرية أبصرها الرجل بمجرد أن توقفت السيارة بجوار العمارة التي يقطن فيها , ليهرول إلى الحرية .. يقبض عليها .. يحتضنها بقوة .. لقد كان لقاء مع أحد اقربائه الذي صعد به إلى الأعلى ناسيا صالح خلفه ..!

    ساعة من الانتظارلما لا يأتي إلا بالمطالبة التي تردد في الصعود من أجلها .. استفذها صالح .. ليسلم أخيرا :



    " لا زال الوقت باكرا , ومن ترك شيئا لله عوضه الله بشيء أحسن " أسرّها في نفسه .. وفضحتها عيناه بشهقة دهشة في ذلك العوض السريع المخصّر الخارج متمايلا بغنج عالٍ من ذات العمارة التي توارى فيها الرجل

    لتدخل عليه من النافذة الامامية :

    ــ فاضي ؟

    جملة موسيقية دخلت من النافذة .. جيوش عطر .. غزت أنفه .. !

    " عندما يتكلم العطر .. عليك أن تصمت " ..!

    لا يعرف متى و من أين حفظ هذه العبارة التي تطرق مخه الآن .. لكنه يعرف كيف يسقط رأسه بهز رقيق .. مجيباً الرقة التي وضعت رجلاً على أخرى بعدما أحتلت منتصف المقعد الخلفي تضرب على حقيبتها بأصابع ممشوقة مشتعلة برؤوس حادة محمّرة ..!



    ــ تعرف وين مشغل الفاتنة النسائي ..!



    أوشك صالح على إجابتها بـ نعم .. هنا في المرآة التي تعكس لثمة تنتصب بشموخ على رأس أنفك حابسة فوقها محيطا أبيض يسكنه قاربان خضراوان ..!



    لأول مرة شعر صالح بحماسة تحرضه على نطق جملة طويلة .. لأن مرة شعر بلسانه على وشك الانتصاب دون أن ينكمش بتوتر تأتأة ترجف به إلى الداخل .. وسرعان ما كسر مشروع الانتصاب بسحب رأسه من اليسرى إلى اليمنى بنفي يفتش معه عن ريقه ..!



    ــ بعد شارعين .. امش بس راح أوريك ..؟!



    ومشى وهو يحاول أن يتفادى سيارات أصابها الجنون فجأة .. مقاتلاً بعضه الذي تعلق في المرآة .. وبعضه المتعلق على المقود .. كأن تلك السيارات كانت مقيدة ولم تتحرك إلا الآن كدم متيبس في عروقه ولم يتدفق إلا في هذه اللحظة التي يحاول فيها أن يسيطر على نفس ضجت بالأسئلة عن متى آخر مرة حلق فيها دقنه .. آخر مره ذاق ذاقت ثيابه رذاذ العطر .. عن آخر مرة سمع فيها تلك الأغنية التي يرن بها جوالها في الخلف .. ..!

    " لماذا الأغنية تطير بي الآن " ؟!

    " لماذا أشعر أنها مكتوبة من أجلي " ؟!



    لم يحدث أن كانت له فتاة .. رغم وسامته .. وأناقته .. ولم يحدث أن فكّر في سبب جفاء الحب له قبل الآن وهو يسبح في ضحكات العيون الخضراء الغارقة في محادثه على هاتفها ..!



    الصمت وسطٌ صالحٌ لنماء الحب .. أوشك صالح على الإيمان بقدسية الصمت لولا تلك الكتلة السوداء التي كانت تلوح له على جانب الطريق :





    ــ يابني ممكن توصلني .. السيارة تعطلت والسواق ما عرف يصلحها .. الله يحفظك لشبابك يابني لي مدة واقفة محد راضي يوقف لي وباديك حقك وزيادة ..!



    وقبل أن يجيب كانت الكتلة قد ركبت وأغلقت الباب :

    ــ ودينا استراحة الربيع لو سمحت





    المساحة التي احتلتها بدينة ذات وجه مكور تتدلى منه وجنتان ذابلة يتهدل أعلاه جفنان ثقيلان من تحت نظارة ضخمة سميكة .. أزعجت الرقة وأجبرتها على الزحف متأففة تلملم أطراف عباءتها إلى جانب الباب الملاصق لباب صالح , الذي بقي يسند ظهره على تحسس وجودها خلفه بعدما طمست تلك المرأة البدينة على صورتها في المرآة ..!





    شعر صالح بالارتياح عندما عرف من وصف البدينة بأن الاستراحة ليست بعيدة عن المشغل .. فهم المكان .. بينما لم تفهم البدينة بأنه فهم لأنها لم تكن تأبه برأسه الذي يهزه للأسفل وظلت تتكلم بنبرة العالمة ذات الدراية المعتادة على إلقاء المحاضرات والتوجيهات عن ازدحام الطريق مرة .. عن فوضى المرور مرة .. وعن سائقها الذي تتوعد بتسفيره لإهماله .. وعن الشباب ( الضايع ) المشتعل بالأغاني الصاخبة التي يشقون بها الطريق , وعن ( بنات اليومين دول ) كانت تنطقها وهي تزمّ شفتيها إلى جانب أعلى .. وترمق جانب الفتاة بنظرة سفلية ..!





    الصخب الذي أحدثته البدينة أفسد الصمت الجميل بينه وبين العيون الخضراء ..لام صالح نفسه لأنه أركبها معهم .. ولامها أكثر عندما صرخت فيه بلكنة من اعتاد على إصدار الأوامر :

    ــ وقف هنا .. انزل يابني برضاي عليك جيب لي باقة ورد من دا المحل ..!

    كان بإمكانه أن يعترض ويقول لست خادماً أو مراسلاً أنا سائق .. !

    ( الله يحفظك لشبابك )

    التفكير في الاعتراض تطمسه دعوة أمومية , تجعله يوقف السيارة .. يتناول منها ورقة تلّف ثمن الباقة .. ليلج إلى عالم لم يره قبل الآن ..!



    ( وهل يحبسون الورود في محلات ..)

    كانت المرة الأولى التي يلج فيها إلى محل ورد .. لم يسبق أن احتاج إلى هذا المخلوق في حياته .. قصة صمت جديدة تواطأت باستجلاب طيف العيون الخضراء في مواجهة إغراء الورد بعدما سلم صالح للعامل ورقة الطلبية .. وظل ينتظر تلك الباقة الزاهية التي استلمها قابضاً عليها بيدين تعودتا على المحافظة على مقتنيات الآخرين .. لقد كان يقبض بشدة استدعت العامل الخبير لتنبيهه بما هكذا يحملون الورد :

    " بشويش ع الباقة ياسيد "



    دائماً هناك " المرة الأولى " كهذه التي تربكه وهو ينقّل الباقة من جهة إلى جهة إلى أن عثر على الوضعية المناسبة لحملها .. وقبل أن يخرج من باب اجتره بطرف قدمه .. تسربت وشاية بينه وبين وردة حمراء أنيقة منفردة لوحدها في زجاجة على طاولة المحاسب

    سأل البائع بكم أجابه بريالين .. ضحك صالح لم يعرف أن الورد رخيص رخيص جدا .. أرخص من علبة التونة المنتهية الصلاحية التي تعود على أن يشتري منها كميات يطعمها لقطط الحارة ..!

    ولأنها رخيصة اشتراها .. ولأن يديه منهمكتين في حمل الباقة أسقطها البائع مبتسماً في جيبه بعدما انتشل منه ريالين .. وفتح له الباب ..



    ليضع الباقة إلى جواره على المقعد الأمامي حيث تبدت من تحته طرف حقيبة السجين منسيّة .. دوامة التفكير في التراجع إلى الخلف من اجل الحقيبة أو التقدم إلى الامام من أجل الباقة .. ماجت به بين إرهاق وقلق فصّد جبينه بعرق أغرق ثيابه وماعاد ذلك المنديل الصغير قادرا على امتصاصه .. خاصة وذلك السؤال يسدد له من الخلف كخنجر :



    ــ ترا البنت طلعت .. هي دفعتلك الحساب ..؟!



    كانت المرأة البدينة تطعنه بنبأ هروب الفتاة لتلقمه خيبة ابتلعها صالح على عجل ومضى هارباً إلى الأمام مؤجلاً أمر الحقيبة .. كل مايشغله أن يبتعد عن ذلك المكان بأقصى سرعة ممكنة تأخذه إلى أمام مفتوح طالما هو الخيار المتاح دائماً لمن لم يتعود على الحسم بالتراجع إلى الخلف .. بقي يصارع نفسه .. يصارع فكره .. يصارع الاحتمالات التي تصنع لها عذرا .. (ربما تأخرت عليها , ربما كانت متعجلة , ربما كانت ستعود , كان علي أن أنتظر ...)

    لماذا يدفاع عنها بعد ما سرقت الأجرة .. هل لأنها سرقت قلبه ..!

    وسرعان ما أوقن بانها سرقت شيئا آخر عندما وصلت البدينة الى الاستراحة وهمت بمحاسبته :

    ـ محفظتي انسرقت ..؟! كانت جنبي .. مافي غيرها أم العدسات الخضرا حسبي الله عليها ..!



    النساء أدرى بالنساء ..!

    عرف صالح وقتها بأن هناك بونا شاسعاً بين اخضرار مزوّر وبين حمرة فطرية لوردة في جيبه ..!



    " الله يحفظك لشبابك يابني " قدمتها البدينة عوضاً عن اجرة مسروقة كان يتوجب دفعها وأغلقت الباب .. !

    مضى مستجيرا بنظره إلى السماء من " حقيقة " طحنت بين امرأتين ..!





    الشمس أوشكت على المغادرة .. ولم يخرج صالح من يومه بريال واحد .. ربما مالم يحصل عليه من الكبار يؤديه الصغار ..!



    هذا ماتبادر في إلى خاطره وهو يركب طفلا مع امرأة جلست في الخلف بينما جلس الصغير في المقعد الأمامي يزهو بورقة يشدها إلى صدره وهو يشرح له الطريق المؤدي إلى مستشفى النقاهة .. ويحثه على الإسراع حتى لا يفوته موعد الزيارة .. بدا الطفل لصالح ذكياً يتحدث عن القيادة وعن سيارته التي سيشتريها عندما يكبر لقد كان رجلاً صغيرا .. يتحدث بلباقة وجراءة الأطفال التي تجعلهم يستدرون اهتمام الآخرين حين يتحدثون عن أدق الأشياء .. ومن ضمنها والده الذي يرقد في المستشفى في حالة غيبوبة تامة منذ أربع سنوات بعد ماتعرض لحادث مروري أليم .. في كل منعطف وخلف كل إشارة كان لايكف عن ممارسة رفع الصوت بوصايا يبدو أنها قد طبعت في ذهنه وتلقفها من وسطه وهو يذكّر صالح

    " انتبه لا تسوي حادث عشان ماتنام زي بابا " .. غمامة من الحزن كست قلب تعاطف معه ومع والداته المغيبة في ظلام المقعد الخلفي المكممة بـأسود طاهر لا تستبان منه .. زاد صالح من سرعته بعدما أخبره الصغير بأن زيارته لوالده اليوم ضرورية حتى يوقع على شهادة نجاحه .. لأنه قد اعتاد على إحضار شهادته الدراسية حتى يوقعها ولي أمره كما هو منصوص في الشهادة التي يقربها الطفل من صالح مشيرا إلى المساحة الخالية المنتظرة لوالده.. قالب من الحبر يغرس فيه إبهام والده المفارق للحياة اكلينكيا .. الحاضر في هيئة بصمة على كل شهادة يحصل عليها طالما هو على سطح الأرض ولم يلفه التراب :

    " ماما تقول لي بابا يشوفك ويفرح بنجاحك ويتابعك .. بابا معانا بس نايم لأن الله يبغاه يرتاح "

    كلمات الصغير استدرت من صالح مشاعر إكبار وإجلال لتلك المرأة التي غادرت السيارة عند بوابة المستشفى وبقيت واقفة تنتظر صغيرها وهو يمد بأجرة التوصيل .. ابتسامة محب أهداها صالح لذلك الرجل الصغير وأجرة تنازل عنها كهدية نجاح :

    " خل الفلوس جييييب فيييها هدددية لك .. أنا اسمي صصصالح"



    تبادلا الأسماء متصافحين كرجلين قبل أن يفترقا ليستسلم صالح بعدها للعودة في نهاية يوم مفلس بتعب يجره وحقيبة يضعها تحت سريره ملقياً بجسده المنهك على طرفه وهو يفكر في الذي سيقوله لصاحب التاكسي .. ويفكر في حقيبة يعشب عليها موعد أخضر جديد يتواطأ معه بابتسامة غفت به دون أن يأبه بوردة حمراء دهسها في جيبه.



    عائشة الحسن
    التعديل الأخير تم بواسطة عائشة الحسن; الساعة 23-03-2009, 18:41.
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    الاستاذة عائشة الحسن

    قصة جميلة من واقع نتعايش معه بكل اصرار
    سائق الاجرة يواجه حكايا الناس الغريبة ويتفاعل معها بكل حب

    تحية اعجاب للاسلوب واللغة السلسة

    دمت بخير
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • عائشة الحسن
      عضو الملتقى
      • 22-09-2008
      • 89

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
      الاستاذة عائشة الحسن

      قصة جميلة من واقع نتعايش معه بكل اصرار
      سائق الاجرة يواجه حكايا الناس الغريبة ويتفاعل معها بكل حب

      تحية اعجاب للاسلوب واللغة السلسة

      دمت بخير
      العزيزة \ مها الراجح

      مرورك يأتي بالجمال منفرداً بروحك الطيبة وحبرك الرهيف
      شكرا لكِ ودمت غالية بكل ود

      تعليق

      • محمد سلطان
        أديب وكاتب
        • 18-01-2009
        • 4442

        #4
        [align=center]الأستاذة عائشة
        لقد لخصتى كل ما يدور بنا و بهم مع
        التاكسى
        و
        السائق
        أمور ربما تكون بسيطة
        لكنها عند آخرين عصب الحياة
        اشكر قلمك الجميل
        و جمال السرد
        ابنكم[/align]
        صفحتي على فيس بوك
        https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          أستاذة عائشة الحسن
          سوف نطلق على هذا العمل ( يوم فى الكدادة ) ليستقيم الحال ، و نرتضى أن نطلق على ما أمامنا قصة قصيرة .. كأن نطلق على بعض ما تأتى به الذاكرة فى لحظة ما " يوم فى حياتى " على سبيل المثال ليعفى العنوان العمل من أى مساءلة عن القص القصير فى هذا .. بالطبع لا أقصد الطول ، و لكن لكثرة الأحداث ، و تشعبها ، و هذا ربما ما لا ترضاه القصة القصيرة ، و لا تقبله إلا فى حال سبق الإشارة إليه !
          لكننى أهنئك على نفسك الروائى ، و أظنك فى سبيلك لكتابة عمل روائى ، و تلك أمنية لأى كاتب قصة ، أن تمكنه قدراته على نسج عمل روائى ، فلغتك تتميز بالرشاقة ، و حرفك غنى ، مدبب و حاد ، و يستطيع أن يغوص فى قلب الأشياء ، و أيضا ناعم ، و يستطيع نسج خيوط الرومانسية أو ما نطلق عليه العواطف الحميمة ، واقعية كانت أو رومانسية !!
          استمتعت بالفعل بالعمل ، و ذكرنى على الفور بالكثير من الأفلام التى تناولتها السينما العربية ، فى عمل السائق أو الكداد ، و المواقف المختلفة و الغربية التى يتعرضون لها !!

          بقى أن أنوه إلى وجود أخطاء خاصة فى الجزء الأول من القصة
          تحيتى و تقديرى
          التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 24-03-2009, 04:22.
          sigpic

          تعليق

          • عائشة الحسن
            عضو الملتقى
            • 22-09-2008
            • 89

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
            [align=center]الأستاذة عائشة
            لقد لخصتى كل ما يدور بنا و بهم مع
            التاكسى
            و
            السائق
            أمور ربما تكون بسيطة
            لكنها عند آخرين عصب الحياة
            اشكر قلمك الجميل
            و جمال السرد
            ابنكم[/align]
            الفاضل محمد ابراهيم سلطان
            لقد حاولتُ أن أفعل ذلك وأتمنى فقط أن أكون قد وفقت

            شكرا لمرورك سيدي
            خالص التقدير والاحترام

            تعليق

            • عائشة الحسن
              عضو الملتقى
              • 22-09-2008
              • 89

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              أستاذة عائشة الحسن
              سوف نطلق على هذا العمل ( يوم فى الكدادة ) ليستقيم الحال ، و نرتضى أن نطلق على ما أمامنا قصة قصيرة .. كأن نطلق على بعض ما تأتى به الذاكرة فى لحظة ما " يوم فى حياتى " على سبيل المثال ليعفى العنوان العمل من أى مساءلة عن القص القصير فى هذا .. بالطبع لا أقصد الطول ، و لكن لكثرة الأحداث ، و تشعبها ، و هذا ربما ما لا ترضاه القصة القصيرة ، و لا تقبله إلا فى حال سبق الإشارة إليه !
              لكننى أهنئك على نفسك الروائى ، و أظنك فى سبيلك لكتابة عمل روائى ، و تلك أمنية لأى كاتب قصة ، أن تمكنه قدراته على نسج عمل روائى ، فلغتك تتميز بالرشاقة ، و حرفك غنى ، مدبب و حاد ، و يستطيع أن يغوص فى قلب الأشياء ، و أيضا ناعم ، و يستطيع نسج خيوط الرومانسية أو ما نطلق عليه العواطف الحميمة ، واقعية كانت أو رومانسية !!
              استمتعت بالفعل بالعمل ، و ذكرنى على الفور بالكثير من الأفلام التى تناولتها السينما العربية ، فى عمل السائق أو الكداد ، و المواقف المختلفة و الغربية التى يتعرضون لها !!

              بقى أن أنوه إلى وجود أخطاء خاصة فى الجزء الأول من القصة
              تحيتى و تقديرى
              الأستاذ القدير :ربيع عقب الباب
              سرني مرورك الكريم وتعليقك المثخن بالتوجية والتشجيع
              أشكرك بحق سيدي الفاضل

              جلّ تقديري واحترامي

              تعليق

              يعمل...
              X