[align=center]
حنان
( هل تصبغ الكعكة بأكثر من لون ..؟! )
بقي السؤال يعصر مخيلة حنان وهي تتفرس في رسمة وضعتها المعلمة أمامها على الطاولة بعد أن وزعت على بقية الطالبات أوراقا تحوي رسوم مختلفة كـ وردة .. بيت .. طائرة .. وقد جاءت الكعكة لتكون حظ حنان من تلك القسمة .. !
شرعت المخيلات الصغيرة في العمل استجابة لطلب المعلمة بحيث تقوم كل طالبة بتلوين رسمتها مستخدمة أكبر عدد ممكن من الألوان مع مراعاة التنسيق والنظافة .. مضى الوقت ولم يبقَ من الحصة الشيء الكثير .. كل الطالبات سلمن أوراقهن للمعلمة ماعدا حنان .. بقيت منكسة رأسها على الورقة .. مشمرة عن ساعديها .. ضاغطة على طرف شفتها .. قابضة على قلمها الرصاص من منتصفه .. تقبض عليه بشدة برزت بعروق كف يحرث الورقة صعودا وهبوطاً .. !
لقد بدت منهمكة في انجاز عمل شاق ..!!
" ماذا تفعلين ..؟! "
رفعت المعلمة الورقة .. لتجدها لازالت باهتة بلا ألوان .. كل ما فعلته حنان أن بقيت تحبّر على حدود الكعكة دون أن تتجرأ على حشوها من الداخل .. !!
كانت قد أنهكت قواها فقط لتعيد رسم الكعك .. وكأنها تريد أن تتعلم كيف يرسم الكعك ..
أو لعلها أرادت أن تتعرف بطريقتها على شكل لاتراه كثيرا .. !!
" أنتِ مهملة , وقذرة انظري إلى ورقتك كيف اتسخت بالرصاص .."
رمقت حنان المعلمة التي لم تكف عن السخرية بها وبورقتها بنظرة يعرفنها زميلاتها .. هي النظرة التي تجعلهن ينتفضن ويهربن من حنان الشرسة كما هي معروفة بينهن .. هذه النظرة إنذار مسبق لمن تسقط عليها بأن الشرسة ستنقض عليكِ لتقضم أذنك.. لتشق مريلتك .. بعد أن تكون قد خططت وجهكِبأظافرها الطويلة ..
لم تسقط نظرات حنان أرضاً هرباً من عيني المعلمة التي تشتعل شرارا ..
لم تسقط وهي تراقب المسطرة تهوي على كفيها ولم يقطع الطريق على سقوط المسطرة إلا قرع على الباب :
" الإدارة تريد حنان حالاً "
هي فرصة للفرار .. وإن لم تكن إلى المكان الأكثر أمناً ..
مذاق مساطر الإدارة ليس بجديد على حنان .. طالما أحمّرت منها كفيّها وذراعها في كل مرة تستدعى إليها لتسأل عن واحد من ثلاث ..
سؤال في محيط فناء المدرسة :
" لماذا ضربتِ وفاء .. لماذا خدشت مي .. لماذا خنقت منى .. "
وجوابها البارد :
" هن من بدأن "
أحياناً يقفز السؤال من على السور متطفلاً على أزقتها في الخارج:
" أين الإقامة المجددة .. ؟ ألم نطلب منكِ تجديد الإقامة .. ؟ .. لا تستطيعي البقاء في المدرسة إن لم تحضريها .. تساهلنا معكِ طوال السنين الماضية .. ولكن هذه السنة لا .. إن لم تحضري الإقامة المجددة فلن تمنحكِ المدرسة شهادة إتمام المرحلة الابتدائية .."
مرارة باردة تأتي بجوابها المعتاد :
" أمي تقول أبي هرب وتركنا بلا إقامة "
وسؤال آخر موسمي يحضر مع بداية كل عام :
" هل يأتي على مقاسك .؟! "
" ........... "
تنحني حنان تحت دهس سؤال لا تجد له جواباً إلا بجذب الكيس من يد المديرة والمغادرة على عجل..
هل لأنه السؤال الذي لا يعنيها دامها الفتاة التي تعودت على أن المقاس ليس ضرورة للبس ..
أو لأنها تريد أن تنهي الأمر بسرعة .. كانت لا تجيب ..؟!!
وهذه المرة أيضاً .. جذبت الكيس وخرجت تركض إلى الفصل وما أن اقتربت حتى بدأت خطواتها تزحف .. في الداخل أعين صغيرة لن تفوت فرصة سنوية مثل هذه للانتقام من شراسة حنان في مواسم انكسارها ..لأنهن يعرفن مسبقاً محتويات الكيس .. هو يحوي مريلة مدرسية وحذاء من النوع الرخيص الذي يقدم إلى صغيرات الأسر المحتاجة في المدرسة .. لاشيء يكسر حنان كهذه اللحظة التي تبدد نظراتها النارية ..لاشيء يجعلها تتحاشى النظر إليهن إلا كيس تجره مع الحقيبة إلى الفناء بعد انتهاء اليوم المدرسي .. الذي انتهى دون أن تنتهي الحرب الصامتة بينها وبين زميلاتها اللاتي اجتمعن في حلقة دائرية لا تتجرأ على إصدار نداء مباشر لحنان فقط الكثير من الهمز والنظرات وضحكات لئيمة لم تتحملها حنان لتجد نفسها داخل الحلقة وكأنها تخبرهن :
لا حرب صامتة بين النساء الصغيرات ..!!
وانتهت معركة القطط .. خرجت منها حنان ببعض الخدوش على وجهها ورقبتها وبنكهه مالحة تبصقها أرضاً لأذن أو لكف خاسرة .. هكذا تزهو بانتصارها المعتاد وتمضي بدون أن تأبه لهيئة
بعثرها القتال لولا تلك الريح التي لفحت وجهها بخصلاتها ..
تفقدت حنان ضفائرها ..
اليمنى مائلة فقدت حدتها .. اليسرى معطوبة تماماً وقد تفلت الشعر منها بغجرية ..
تحسس حنان لضفيرتها اليسرى نبهها إلى فقدان شيء ما في المعركة ..
إنها الشريطة المدرسية البيضاء .. لم تعد في مكانها ..!!
هرولت عائدة إلى الميدان .. مر الوقت عبثاًوهي تكنس الفناء بيديها .. تفتش الزوايا وتنقب قوالب النفاية على أمل أن تكون إحدى فرّاشات المدرسة قد تخلصت منها مع أوساخ الفناء .
لم يعد في المدرسة غيرها وغير الحارس الذي أنذرها بأنه سيغلق الباب إن لم تغادر .. !
غادرت هي والحقيبة والكيس .. تجره .. تدوسه .. تلعنه .. وتبكي بلادموع ..!!
هل لأن الدموع غالية لم تكن تذرفها حنان ..؟!
أم لأنها تعرف أمثالها يوفرون الدمع ولا يسرفون في استهلاكه لأن أمامهم من العذاب متسع يطلب عمراً من الدمع ..!!
بكاء حنان الصامت لم يكن شفقة من عقاب مشرفة النظام إن عادت في الغد بلا شريطة بيضاء تعتبر من لوازم الزي المدرسي .. ليست حنان من تخشى المساطر .. نحيب جسدها المتوتر الذي يترجم دموعها المحتبسة بركلها لحجر أو بضربها لباب سيارة أو بلعنها لقطة عابرة في طريقها .. كان فقط لأنها تعودت .. أن الأشياء التي تمتلكها يجب ألا تضيع وألا تهرم .. حنان هي البنت الكبرى .. تحمل همّ خمسة أفواه صغيرة مشرّعة للجوع .. الكبرى التي توصي الصغار بالحفاظ على أشيائهم .. هي من تقرصهم لتعلمهم قيمة دخول قطعة لباس إلى بيتهم تعني أنها لن تخرج ابداً .. لأن القطعة ستبقى تتوارث و تدور عليها وعلى أخوتها حتى وإن فسد مقاسها .. ستقوم أمها باعادة تدويرها حين تحولها إلى مادة خام تصنع منها سترة أو وشاح أو لحاف أو غطاء لمخدة ..
هنا انكسرت حنان الشرسة عندما أخبرها ضياع الشريطة بألا خاسر في تلك المعركة غيرها ..!!
تعمدت هذه المرة أن تبتعد عن السير في الأزقة الملتوية الموصلة إلى بيتهم الشعبي الصغير العالق بين بيوت لا تختلف كثيراعن معالم وفحوى بؤسه ..
تعمدت هذه المرة أن تسير على الطريق العام
أن تأخذ طريقاً أطول ( لماذا الطريق الأطول ؟) ..
أن تسير قليلاً وتزحف أكثر ( لماذا الزحف ؟)
تعمدت أن تتهجى بصوت عالٍ عبارة تنتظرها في المنزل :
" أنتِ مثل أبيك لا تكترثين لتعبي وتحمليني من المصاريف مالا أطيق أنت بلا إحساس مثله تماماً "
هذه العبارة هي سوط أمها التي ستجلدها به إن هي عرفت بأمر الشريطة .. لا يمكن لأمها أن تضربها لأنها تعاملها معاملة الكبار دائماً .. إحساسها بصراع أمها من أجلهم جعلها تسابق عمرها لتكبر باكرا ..
جعلها تحمل الثقل الذي تفرغه أمها في أذنها يومياً وهي تشكو ضيق الحال .. لا أحد من الصغار يستطيع أن يستوعب هذه العبارة " ضيق الحال " غير حنان التي أصبحت تشارك أمها في حمل العبئ ولو بمجرد الاستماع إليها ومساعدتها قدر الإمكان خارج دوام المدرسة في بسطة تفترشها أمها تبيع عليها أشياء زهيدة من بخور وحناء .. تساعدها في الوقوف عليها .. وأحياناً تساعدها في لملمتها لتهرب بها من بلدية تحارب البسطة .. تكتفي بطرد أم حنان ببسطتها مرات .. ومرات أخرى تطرد أم حنان وحدها وتصادر البسطة بحجة افتراشها للمكان الخطأ .
" خطأ .. ما فعلته يا أبي كان خطأ "
في هذه اللحظة المتقدمة من التعب تحت شمس الظهرية الحارقة لم تكن حنان تتوقف عن صب اللوم على أبيها .. لماذا تذكرته الآن ..؟! .. لماذا عاد شريط يوم رحيله بالدوران ..؟!
هل لأن منظر ذلك الأب الذي تراه يحمل طفلته استثار صورته ليأتي ..!
أم لأن فقد الشريطة استدعى ذاكرة قديمة ..
قد فتح " حزن الفقد " لتضاف الشريطة إلى رصيده بجوار أب .. لعبة .. لقمة .. فستان عيد .. رحلة .. وغيرها من ودائع الفقد ..!
فقدوه عندما تركهم ورحل فجأة دون سابق إنذار .. بحثوا عنه كثيرا .. وانتظروه طويلاً لعله يعود لا ليقيم معهم .. بل ليجدد لهم إقامتهم التي لم تعد صالحة للاستخدام .. ولم يعودوا هم صالحين للحركة بدونها .. كانوا سيرضون منه بأقل واجبات الأبوة وليرحل بعدها إن شاء .. وتبقى حنان هي المستفيدة الوحيدة من رحيله لأنها نالت مكانه من السرير بجوار أمها وارتفعت عن بقية عن أخوتها .. تسترجع حنان وعدا قطعه لها وهي تتأمل محلاً للمفروشات توقفت عنده بعدما قادتها خطواتها التائهة إلى سوق يقع على الطريق المؤدي إلى الأزقة الخلفية :
" أنتِ يا حنان من ستنامين على سرير .. سأشتري لكِ واحد "
وبالفعل أهداها نصف سرير بفقده .. !
أتراه يخبرها برحيله بأنه يحبها .. !!
بأنه يضحي بحضوره من أجلها .. !!
توقفت عند محل يبيع الاكسسورات وأدوات الزينة .. على الواجهة الأمامية لفافة ما جذبتها لتدخل .. لتتسمر أمام رف عرضت عليه أكثر من حلقة للشرائط بألوان مختلفة .. الأبيض هو من شد حدقتها إليه .. هو من أرغمها على فتح فمها وهي تتأمله وكأنها تنظر إلى كائن لم يخلق قبل ذلك الوقت ..
" ستشترين ؟!! "
سؤال البائع السمين أيقظ حنان من غيبوبة الأبيض .. في حركة لا إرادية وكأنها ترد على السؤال بطريقة عملية أدخلت يدها تبحث عن مفقود .. تحسست جرم يابس في الداخل .. لم يكن درهم منسي .. بل كان فخذها نفذت إليه أصابعها من جيبها المثقوب ..!!
" إلى الخارج " عبارة نطقت بها يد البائع وهي تشير لحنان باتجاه الباب ..
لم يكن لها مكان في الداخل ولامكان في الخارج تستريح فيه بعد كل هذا التعب إلا رصيف عم جابر الأعمى .. هذه البقعة من العالم في طرف السوق تخص عم جابر وحده .. احتلها بلا ترخيص مسبق .. وكتبها العابرون باسمه .. !!
عم جابر من مخلفات الأزقة التي تسكنها حنان .. بين يوم وليلة وجدوه يعيش بينهم .. بلا تاريخ .. بلا تفاصيل ..بلا بصر .. و بلا عقل .. أطلق عليه سكان الحارة ( المجنون ) لأنه كان لا يتوقف عن الحديث ولا عن الغناء .. يتحدث مع نفسه .. يضحك كثيرا .. ويبكي أكثر .. يصافح الجدران .. وأحياناً يضرب رأسه فيها .. أحياناً يرقص وأخرى يتمرغ في التراب يهذي بكلام لا يفهمه أحد .. هيئته وتصرفاته المخيفة جعلت الأهالي يخوّفون به أبناءهم ..
ويحذرونهم من الاقتراب منه كما كانت له رائحة نتنة تحاصره وتحبسه عن الآخرين ..
اقتربت حنان تجر حملها .. لم تكن تخاف منه أو تقرف من رائحته .. يحدث كثيرا أن تعبر به عند ذهابها إلى المدرسة وأحياناً تطرد الأطفال الذين لا يكفون عن إيذائه .. ألقت بالحقيبة والكيس وبجسدها المنهك المحموم من حرارة الشمس إلى جواره سألته إن كان لديه ماء .. أخرج من صرة لاتفارقه قنينة .. شربتها كاملة .. اعتذرت منه لأنها أفرغتها .. أخرج قنينة أخرى .. بقي يمد بها وهو يثرثر مرة بنبرة فضولية عن أمها التي عرفها من صوتها هذا الصباح في السوق وهي تروج لبضاعتها ومرة بنبرة دامعة عن طفل شقي رماه بالحجارة ومرة بنبرة طربة عن أغنية جديدة سمعها وعن جنية صادفها بالأمس و وتتضخم نبرة صوته حين يحكي عن أسد تقاتل معه في الحارة ..
لم يتوقف عن الحديث وهو يمد بالقنينة .. إلا عندما شعر بثقل مال على ذراعه ..
كان رأس حنان التي غفت من التعب .. أسقط القنينة من يده ليمررها على شعرحنان الساخن المبلل بالعرق .. قشعريرة ما سرت بجسد عم جابرفي تلك اللحظة .. لم يحدث أن اقترب منه آدمي بهذا القدر قبل الآن .. !!
أسقط رأسه على رأسها وربما غفا هو الآخر ..!
لاتزعج أولئك الذين ينامون على الأرصفة .. لاتدهس عليهم بالخطأ .. احترم أحلامهم .. وأمانيهم الصغيرة التي يضرجونها للفرجة .. من ينامون على الأرصفة يرحلون في الأحلام ليناموا على فرش وثيرة حين يستحيل الرصيف إلى سرير ملكي مذهب .. وربما وحدها حنان من خالفت الحلم الرصيفي المعتاد لترى نفسها تخرج الآن خارج الرصيف تزهو بتلك الشريطة البيضاء التي رأتها قبل قليل ..
ليس بالضرورة أن تحترمهم أيها العابر
فقط احترم أحلامهم واعبر بهدوء ..!!
رنين لطيف يخدش الحلم ويوقظ حنان على صدى قطعة معدنية تدور وتدور إلى أن استقرت قرب يدها
لم ترفع حنان القطعة إلا ورأت ورقة نقدية عالقة على رأس عم جابر .. وورقة أخرى تسقط للتو !!
يالرحمة السماء حين تهطل بالأماني ..!!
لم تكن حنان ساذجة لتعتقد بأن السماء تمطر مالاً .. ولم تكن متفرغة للتفكير في أي شيء الآن .. إلا في اللحاق بالمحل قبل أن يغلق .. اشترت الشريطة البيضاء التي تحتاجها .. واشترت الحمراء والصفراء وأشياء أخرى كانت تظن بأنها لا تحتاج إليهاا قبل الآن .. خاتم بلاستيكي .. سلسال زهيد .. والكثير الكثير من فلونكات الشعر ولم تنسَ أن تعبر بالمخبز لتأخذ معها إلى المنزل نصف كعكعة ملونة ..
صدقتها أمها حين أخبرتها حنان عن محفظة وجدتها تائهة في الطريق ..
صدقتها لأنها أرادت أن تصدق .. وباتت حنان ليلتها تفكر ..!!
منذ غفت بجوار عم جابر الأعمى لم يعد شعر حنان يعرف العشوائية .. لم تعد تحتاج للرغيف اليابس الذي تحضره معها من المنزل .. منذ غفت بجواره أصبح بمقدورها أن تزاحم زميلاتها في مقصف المدرسة وأن تشتري مايزيد عن حاجتها من السندويشتات التي تحملها إلى عم جابر .. لقد أصبح جلوسها بجوار عم جابر من الحصص المدرسية التي تخصص لها وقتاً بعد الإنصراف وأحياناً تفر من المدرسة باكراً من أجله .. وفي المواسم الدينية ومواسم الشراء كانت تتغيب عن المدرسة لتقود عم جابر من يده إلى أرصفة بعيدة لايعرفها عليها أحد .. يتسولان لهما مواسم فرح ..
الفرح الذي أدخلته حنان على أهلها أرغم أمها على تقبل الأمر خاصة بعد إبلاغ المدرسة لها بأن حنان لا تستطيع الانتقال إلى الصف التالي بسبب الإقامة المنتهية ..
أكثر من رصيف تملكته حنان مع عم جابر .. أكثر من حكاية تبادلاها وهما يقضيان اليوم كاملاً مع بعضهما .. أكثر من مناخ تكيفا معه .. أكثر من أغنية من موقف من طرفة عبرا بها وحنان تبقى قابضة على يده الخشنة ..
(الأيادي الخشنة لا تكون إلا للآباء ) أمن أجل هذا كانت تتعلق حنان بتلك اليد .. ؟!
مع عم جابر تعلمت حنان كيف تضحك ..!
ومع حنان تعلم عم جابر كيف يصبح لوجوده قيمه ..!
ومع الوقت .. اشتد عود حنان ..وزادت شراستها .. وتوسع نشاطها .. حين قسمت أخوتها وبعض جيرانها إلى مجموعات تتحرك تحت إمرتها .. توزعهم في الأماكن التي تحددها ليبعوا فيها قطع الحلوى .. جوارب .... مناشف وأشياء أخرى زهيدة كانت تدر مالاً لا تأتي به بسطة أمها القديمة .. ولا أحد منهم يجرؤ على التلاعب بغلة اليوم لأنه سينال نصيبه من العقاب .. !
منذ غفت حنان بجوار عم جابر ما عاد من شيء قادر على كسرها لا فقرها ولاهروب أبيها ..
ما من شيء كان قادراً على ذبح شراستها قبل عبورها بذلك الزقاق :
موحشٌ هو الزقاق الذي اقتلع حنان من يد عم جابر
جبّار هو الظلام الذي يلقي بجسدها النحيل أرضاً
نتنٌ هو الشرس الذي يجثم على أنفاسها ..
يخمد شراسة قلبها الصغير .. يجتث ثيابها عنها .. يعريها لفرجة الذباب .. يثقبها .. ويهرب بعد أن يسرق منها غلة اليوم .. يتركها خلفه ملتاثة بدمها .. تنتفض كعصفور ذبح للتو .. !
أنينها واستغاثتها تدوي وتدوي في رأس الأعمى .. تجعله يتخبط يصارع الظلام ..
يجهش في البكاء ويسقط !!
لماذا كان ينتحب ..!!
أتراه عرف وقتها من أين جاء .. ؟ ... أتراه فجع في أمه مرة أخرى ..؟!
أم لأنه الأعمى الذي يرى في ظلام الأزقة ماتنام عنه الأضواء ..كان يجب أن يبكي ..
وحده من يبكي ...!
لازال المارة يرمون بحنانهم المزيف على عجل باللغة النقدية التي يعرفونها ..دون أن يتكلفوا عناء الالتفات إلى ثلاثة يقفون على الرصيف عجوز طاعن في السن يقبض على يد صغيرة مطعونة في الأحشاء تضع يديها على بطن متورم بعم جابر آخر .. لأن عم جابر الأعمى في تلك الأزقة لايموت .. أبداً .. لايموت .
عائشة
[/align]
حنان
( هل تصبغ الكعكة بأكثر من لون ..؟! )
بقي السؤال يعصر مخيلة حنان وهي تتفرس في رسمة وضعتها المعلمة أمامها على الطاولة بعد أن وزعت على بقية الطالبات أوراقا تحوي رسوم مختلفة كـ وردة .. بيت .. طائرة .. وقد جاءت الكعكة لتكون حظ حنان من تلك القسمة .. !
شرعت المخيلات الصغيرة في العمل استجابة لطلب المعلمة بحيث تقوم كل طالبة بتلوين رسمتها مستخدمة أكبر عدد ممكن من الألوان مع مراعاة التنسيق والنظافة .. مضى الوقت ولم يبقَ من الحصة الشيء الكثير .. كل الطالبات سلمن أوراقهن للمعلمة ماعدا حنان .. بقيت منكسة رأسها على الورقة .. مشمرة عن ساعديها .. ضاغطة على طرف شفتها .. قابضة على قلمها الرصاص من منتصفه .. تقبض عليه بشدة برزت بعروق كف يحرث الورقة صعودا وهبوطاً .. !
لقد بدت منهمكة في انجاز عمل شاق ..!!
" ماذا تفعلين ..؟! "
رفعت المعلمة الورقة .. لتجدها لازالت باهتة بلا ألوان .. كل ما فعلته حنان أن بقيت تحبّر على حدود الكعكة دون أن تتجرأ على حشوها من الداخل .. !!
كانت قد أنهكت قواها فقط لتعيد رسم الكعك .. وكأنها تريد أن تتعلم كيف يرسم الكعك ..
أو لعلها أرادت أن تتعرف بطريقتها على شكل لاتراه كثيرا .. !!
" أنتِ مهملة , وقذرة انظري إلى ورقتك كيف اتسخت بالرصاص .."
رمقت حنان المعلمة التي لم تكف عن السخرية بها وبورقتها بنظرة يعرفنها زميلاتها .. هي النظرة التي تجعلهن ينتفضن ويهربن من حنان الشرسة كما هي معروفة بينهن .. هذه النظرة إنذار مسبق لمن تسقط عليها بأن الشرسة ستنقض عليكِ لتقضم أذنك.. لتشق مريلتك .. بعد أن تكون قد خططت وجهكِبأظافرها الطويلة ..
لم تسقط نظرات حنان أرضاً هرباً من عيني المعلمة التي تشتعل شرارا ..
لم تسقط وهي تراقب المسطرة تهوي على كفيها ولم يقطع الطريق على سقوط المسطرة إلا قرع على الباب :
" الإدارة تريد حنان حالاً "
هي فرصة للفرار .. وإن لم تكن إلى المكان الأكثر أمناً ..
مذاق مساطر الإدارة ليس بجديد على حنان .. طالما أحمّرت منها كفيّها وذراعها في كل مرة تستدعى إليها لتسأل عن واحد من ثلاث ..
سؤال في محيط فناء المدرسة :
" لماذا ضربتِ وفاء .. لماذا خدشت مي .. لماذا خنقت منى .. "
وجوابها البارد :
" هن من بدأن "
أحياناً يقفز السؤال من على السور متطفلاً على أزقتها في الخارج:
" أين الإقامة المجددة .. ؟ ألم نطلب منكِ تجديد الإقامة .. ؟ .. لا تستطيعي البقاء في المدرسة إن لم تحضريها .. تساهلنا معكِ طوال السنين الماضية .. ولكن هذه السنة لا .. إن لم تحضري الإقامة المجددة فلن تمنحكِ المدرسة شهادة إتمام المرحلة الابتدائية .."
مرارة باردة تأتي بجوابها المعتاد :
" أمي تقول أبي هرب وتركنا بلا إقامة "
وسؤال آخر موسمي يحضر مع بداية كل عام :
" هل يأتي على مقاسك .؟! "
" ........... "
تنحني حنان تحت دهس سؤال لا تجد له جواباً إلا بجذب الكيس من يد المديرة والمغادرة على عجل..
هل لأنه السؤال الذي لا يعنيها دامها الفتاة التي تعودت على أن المقاس ليس ضرورة للبس ..
أو لأنها تريد أن تنهي الأمر بسرعة .. كانت لا تجيب ..؟!!
وهذه المرة أيضاً .. جذبت الكيس وخرجت تركض إلى الفصل وما أن اقتربت حتى بدأت خطواتها تزحف .. في الداخل أعين صغيرة لن تفوت فرصة سنوية مثل هذه للانتقام من شراسة حنان في مواسم انكسارها ..لأنهن يعرفن مسبقاً محتويات الكيس .. هو يحوي مريلة مدرسية وحذاء من النوع الرخيص الذي يقدم إلى صغيرات الأسر المحتاجة في المدرسة .. لاشيء يكسر حنان كهذه اللحظة التي تبدد نظراتها النارية ..لاشيء يجعلها تتحاشى النظر إليهن إلا كيس تجره مع الحقيبة إلى الفناء بعد انتهاء اليوم المدرسي .. الذي انتهى دون أن تنتهي الحرب الصامتة بينها وبين زميلاتها اللاتي اجتمعن في حلقة دائرية لا تتجرأ على إصدار نداء مباشر لحنان فقط الكثير من الهمز والنظرات وضحكات لئيمة لم تتحملها حنان لتجد نفسها داخل الحلقة وكأنها تخبرهن :
لا حرب صامتة بين النساء الصغيرات ..!!
وانتهت معركة القطط .. خرجت منها حنان ببعض الخدوش على وجهها ورقبتها وبنكهه مالحة تبصقها أرضاً لأذن أو لكف خاسرة .. هكذا تزهو بانتصارها المعتاد وتمضي بدون أن تأبه لهيئة
بعثرها القتال لولا تلك الريح التي لفحت وجهها بخصلاتها ..
تفقدت حنان ضفائرها ..
اليمنى مائلة فقدت حدتها .. اليسرى معطوبة تماماً وقد تفلت الشعر منها بغجرية ..
تحسس حنان لضفيرتها اليسرى نبهها إلى فقدان شيء ما في المعركة ..
إنها الشريطة المدرسية البيضاء .. لم تعد في مكانها ..!!
هرولت عائدة إلى الميدان .. مر الوقت عبثاًوهي تكنس الفناء بيديها .. تفتش الزوايا وتنقب قوالب النفاية على أمل أن تكون إحدى فرّاشات المدرسة قد تخلصت منها مع أوساخ الفناء .
لم يعد في المدرسة غيرها وغير الحارس الذي أنذرها بأنه سيغلق الباب إن لم تغادر .. !
غادرت هي والحقيبة والكيس .. تجره .. تدوسه .. تلعنه .. وتبكي بلادموع ..!!
هل لأن الدموع غالية لم تكن تذرفها حنان ..؟!
أم لأنها تعرف أمثالها يوفرون الدمع ولا يسرفون في استهلاكه لأن أمامهم من العذاب متسع يطلب عمراً من الدمع ..!!
بكاء حنان الصامت لم يكن شفقة من عقاب مشرفة النظام إن عادت في الغد بلا شريطة بيضاء تعتبر من لوازم الزي المدرسي .. ليست حنان من تخشى المساطر .. نحيب جسدها المتوتر الذي يترجم دموعها المحتبسة بركلها لحجر أو بضربها لباب سيارة أو بلعنها لقطة عابرة في طريقها .. كان فقط لأنها تعودت .. أن الأشياء التي تمتلكها يجب ألا تضيع وألا تهرم .. حنان هي البنت الكبرى .. تحمل همّ خمسة أفواه صغيرة مشرّعة للجوع .. الكبرى التي توصي الصغار بالحفاظ على أشيائهم .. هي من تقرصهم لتعلمهم قيمة دخول قطعة لباس إلى بيتهم تعني أنها لن تخرج ابداً .. لأن القطعة ستبقى تتوارث و تدور عليها وعلى أخوتها حتى وإن فسد مقاسها .. ستقوم أمها باعادة تدويرها حين تحولها إلى مادة خام تصنع منها سترة أو وشاح أو لحاف أو غطاء لمخدة ..
هنا انكسرت حنان الشرسة عندما أخبرها ضياع الشريطة بألا خاسر في تلك المعركة غيرها ..!!
تعمدت هذه المرة أن تبتعد عن السير في الأزقة الملتوية الموصلة إلى بيتهم الشعبي الصغير العالق بين بيوت لا تختلف كثيراعن معالم وفحوى بؤسه ..
تعمدت هذه المرة أن تسير على الطريق العام
أن تأخذ طريقاً أطول ( لماذا الطريق الأطول ؟) ..
أن تسير قليلاً وتزحف أكثر ( لماذا الزحف ؟)
تعمدت أن تتهجى بصوت عالٍ عبارة تنتظرها في المنزل :
" أنتِ مثل أبيك لا تكترثين لتعبي وتحمليني من المصاريف مالا أطيق أنت بلا إحساس مثله تماماً "
هذه العبارة هي سوط أمها التي ستجلدها به إن هي عرفت بأمر الشريطة .. لا يمكن لأمها أن تضربها لأنها تعاملها معاملة الكبار دائماً .. إحساسها بصراع أمها من أجلهم جعلها تسابق عمرها لتكبر باكرا ..
جعلها تحمل الثقل الذي تفرغه أمها في أذنها يومياً وهي تشكو ضيق الحال .. لا أحد من الصغار يستطيع أن يستوعب هذه العبارة " ضيق الحال " غير حنان التي أصبحت تشارك أمها في حمل العبئ ولو بمجرد الاستماع إليها ومساعدتها قدر الإمكان خارج دوام المدرسة في بسطة تفترشها أمها تبيع عليها أشياء زهيدة من بخور وحناء .. تساعدها في الوقوف عليها .. وأحياناً تساعدها في لملمتها لتهرب بها من بلدية تحارب البسطة .. تكتفي بطرد أم حنان ببسطتها مرات .. ومرات أخرى تطرد أم حنان وحدها وتصادر البسطة بحجة افتراشها للمكان الخطأ .
" خطأ .. ما فعلته يا أبي كان خطأ "
في هذه اللحظة المتقدمة من التعب تحت شمس الظهرية الحارقة لم تكن حنان تتوقف عن صب اللوم على أبيها .. لماذا تذكرته الآن ..؟! .. لماذا عاد شريط يوم رحيله بالدوران ..؟!
هل لأن منظر ذلك الأب الذي تراه يحمل طفلته استثار صورته ليأتي ..!
أم لأن فقد الشريطة استدعى ذاكرة قديمة ..
قد فتح " حزن الفقد " لتضاف الشريطة إلى رصيده بجوار أب .. لعبة .. لقمة .. فستان عيد .. رحلة .. وغيرها من ودائع الفقد ..!
فقدوه عندما تركهم ورحل فجأة دون سابق إنذار .. بحثوا عنه كثيرا .. وانتظروه طويلاً لعله يعود لا ليقيم معهم .. بل ليجدد لهم إقامتهم التي لم تعد صالحة للاستخدام .. ولم يعودوا هم صالحين للحركة بدونها .. كانوا سيرضون منه بأقل واجبات الأبوة وليرحل بعدها إن شاء .. وتبقى حنان هي المستفيدة الوحيدة من رحيله لأنها نالت مكانه من السرير بجوار أمها وارتفعت عن بقية عن أخوتها .. تسترجع حنان وعدا قطعه لها وهي تتأمل محلاً للمفروشات توقفت عنده بعدما قادتها خطواتها التائهة إلى سوق يقع على الطريق المؤدي إلى الأزقة الخلفية :
" أنتِ يا حنان من ستنامين على سرير .. سأشتري لكِ واحد "
وبالفعل أهداها نصف سرير بفقده .. !
أتراه يخبرها برحيله بأنه يحبها .. !!
بأنه يضحي بحضوره من أجلها .. !!
توقفت عند محل يبيع الاكسسورات وأدوات الزينة .. على الواجهة الأمامية لفافة ما جذبتها لتدخل .. لتتسمر أمام رف عرضت عليه أكثر من حلقة للشرائط بألوان مختلفة .. الأبيض هو من شد حدقتها إليه .. هو من أرغمها على فتح فمها وهي تتأمله وكأنها تنظر إلى كائن لم يخلق قبل ذلك الوقت ..
" ستشترين ؟!! "
سؤال البائع السمين أيقظ حنان من غيبوبة الأبيض .. في حركة لا إرادية وكأنها ترد على السؤال بطريقة عملية أدخلت يدها تبحث عن مفقود .. تحسست جرم يابس في الداخل .. لم يكن درهم منسي .. بل كان فخذها نفذت إليه أصابعها من جيبها المثقوب ..!!
" إلى الخارج " عبارة نطقت بها يد البائع وهي تشير لحنان باتجاه الباب ..
لم يكن لها مكان في الداخل ولامكان في الخارج تستريح فيه بعد كل هذا التعب إلا رصيف عم جابر الأعمى .. هذه البقعة من العالم في طرف السوق تخص عم جابر وحده .. احتلها بلا ترخيص مسبق .. وكتبها العابرون باسمه .. !!
عم جابر من مخلفات الأزقة التي تسكنها حنان .. بين يوم وليلة وجدوه يعيش بينهم .. بلا تاريخ .. بلا تفاصيل ..بلا بصر .. و بلا عقل .. أطلق عليه سكان الحارة ( المجنون ) لأنه كان لا يتوقف عن الحديث ولا عن الغناء .. يتحدث مع نفسه .. يضحك كثيرا .. ويبكي أكثر .. يصافح الجدران .. وأحياناً يضرب رأسه فيها .. أحياناً يرقص وأخرى يتمرغ في التراب يهذي بكلام لا يفهمه أحد .. هيئته وتصرفاته المخيفة جعلت الأهالي يخوّفون به أبناءهم ..
ويحذرونهم من الاقتراب منه كما كانت له رائحة نتنة تحاصره وتحبسه عن الآخرين ..
اقتربت حنان تجر حملها .. لم تكن تخاف منه أو تقرف من رائحته .. يحدث كثيرا أن تعبر به عند ذهابها إلى المدرسة وأحياناً تطرد الأطفال الذين لا يكفون عن إيذائه .. ألقت بالحقيبة والكيس وبجسدها المنهك المحموم من حرارة الشمس إلى جواره سألته إن كان لديه ماء .. أخرج من صرة لاتفارقه قنينة .. شربتها كاملة .. اعتذرت منه لأنها أفرغتها .. أخرج قنينة أخرى .. بقي يمد بها وهو يثرثر مرة بنبرة فضولية عن أمها التي عرفها من صوتها هذا الصباح في السوق وهي تروج لبضاعتها ومرة بنبرة دامعة عن طفل شقي رماه بالحجارة ومرة بنبرة طربة عن أغنية جديدة سمعها وعن جنية صادفها بالأمس و وتتضخم نبرة صوته حين يحكي عن أسد تقاتل معه في الحارة ..
لم يتوقف عن الحديث وهو يمد بالقنينة .. إلا عندما شعر بثقل مال على ذراعه ..
كان رأس حنان التي غفت من التعب .. أسقط القنينة من يده ليمررها على شعرحنان الساخن المبلل بالعرق .. قشعريرة ما سرت بجسد عم جابرفي تلك اللحظة .. لم يحدث أن اقترب منه آدمي بهذا القدر قبل الآن .. !!
أسقط رأسه على رأسها وربما غفا هو الآخر ..!
لاتزعج أولئك الذين ينامون على الأرصفة .. لاتدهس عليهم بالخطأ .. احترم أحلامهم .. وأمانيهم الصغيرة التي يضرجونها للفرجة .. من ينامون على الأرصفة يرحلون في الأحلام ليناموا على فرش وثيرة حين يستحيل الرصيف إلى سرير ملكي مذهب .. وربما وحدها حنان من خالفت الحلم الرصيفي المعتاد لترى نفسها تخرج الآن خارج الرصيف تزهو بتلك الشريطة البيضاء التي رأتها قبل قليل ..
ليس بالضرورة أن تحترمهم أيها العابر
فقط احترم أحلامهم واعبر بهدوء ..!!
رنين لطيف يخدش الحلم ويوقظ حنان على صدى قطعة معدنية تدور وتدور إلى أن استقرت قرب يدها
لم ترفع حنان القطعة إلا ورأت ورقة نقدية عالقة على رأس عم جابر .. وورقة أخرى تسقط للتو !!
يالرحمة السماء حين تهطل بالأماني ..!!
لم تكن حنان ساذجة لتعتقد بأن السماء تمطر مالاً .. ولم تكن متفرغة للتفكير في أي شيء الآن .. إلا في اللحاق بالمحل قبل أن يغلق .. اشترت الشريطة البيضاء التي تحتاجها .. واشترت الحمراء والصفراء وأشياء أخرى كانت تظن بأنها لا تحتاج إليهاا قبل الآن .. خاتم بلاستيكي .. سلسال زهيد .. والكثير الكثير من فلونكات الشعر ولم تنسَ أن تعبر بالمخبز لتأخذ معها إلى المنزل نصف كعكعة ملونة ..
صدقتها أمها حين أخبرتها حنان عن محفظة وجدتها تائهة في الطريق ..
صدقتها لأنها أرادت أن تصدق .. وباتت حنان ليلتها تفكر ..!!
منذ غفت بجوار عم جابر الأعمى لم يعد شعر حنان يعرف العشوائية .. لم تعد تحتاج للرغيف اليابس الذي تحضره معها من المنزل .. منذ غفت بجواره أصبح بمقدورها أن تزاحم زميلاتها في مقصف المدرسة وأن تشتري مايزيد عن حاجتها من السندويشتات التي تحملها إلى عم جابر .. لقد أصبح جلوسها بجوار عم جابر من الحصص المدرسية التي تخصص لها وقتاً بعد الإنصراف وأحياناً تفر من المدرسة باكراً من أجله .. وفي المواسم الدينية ومواسم الشراء كانت تتغيب عن المدرسة لتقود عم جابر من يده إلى أرصفة بعيدة لايعرفها عليها أحد .. يتسولان لهما مواسم فرح ..
الفرح الذي أدخلته حنان على أهلها أرغم أمها على تقبل الأمر خاصة بعد إبلاغ المدرسة لها بأن حنان لا تستطيع الانتقال إلى الصف التالي بسبب الإقامة المنتهية ..
أكثر من رصيف تملكته حنان مع عم جابر .. أكثر من حكاية تبادلاها وهما يقضيان اليوم كاملاً مع بعضهما .. أكثر من مناخ تكيفا معه .. أكثر من أغنية من موقف من طرفة عبرا بها وحنان تبقى قابضة على يده الخشنة ..
(الأيادي الخشنة لا تكون إلا للآباء ) أمن أجل هذا كانت تتعلق حنان بتلك اليد .. ؟!
مع عم جابر تعلمت حنان كيف تضحك ..!
ومع حنان تعلم عم جابر كيف يصبح لوجوده قيمه ..!
ومع الوقت .. اشتد عود حنان ..وزادت شراستها .. وتوسع نشاطها .. حين قسمت أخوتها وبعض جيرانها إلى مجموعات تتحرك تحت إمرتها .. توزعهم في الأماكن التي تحددها ليبعوا فيها قطع الحلوى .. جوارب .... مناشف وأشياء أخرى زهيدة كانت تدر مالاً لا تأتي به بسطة أمها القديمة .. ولا أحد منهم يجرؤ على التلاعب بغلة اليوم لأنه سينال نصيبه من العقاب .. !
منذ غفت حنان بجوار عم جابر ما عاد من شيء قادر على كسرها لا فقرها ولاهروب أبيها ..
ما من شيء كان قادراً على ذبح شراستها قبل عبورها بذلك الزقاق :
موحشٌ هو الزقاق الذي اقتلع حنان من يد عم جابر
جبّار هو الظلام الذي يلقي بجسدها النحيل أرضاً
نتنٌ هو الشرس الذي يجثم على أنفاسها ..
يخمد شراسة قلبها الصغير .. يجتث ثيابها عنها .. يعريها لفرجة الذباب .. يثقبها .. ويهرب بعد أن يسرق منها غلة اليوم .. يتركها خلفه ملتاثة بدمها .. تنتفض كعصفور ذبح للتو .. !
أنينها واستغاثتها تدوي وتدوي في رأس الأعمى .. تجعله يتخبط يصارع الظلام ..
يجهش في البكاء ويسقط !!
لماذا كان ينتحب ..!!
أتراه عرف وقتها من أين جاء .. ؟ ... أتراه فجع في أمه مرة أخرى ..؟!
أم لأنه الأعمى الذي يرى في ظلام الأزقة ماتنام عنه الأضواء ..كان يجب أن يبكي ..
وحده من يبكي ...!
لازال المارة يرمون بحنانهم المزيف على عجل باللغة النقدية التي يعرفونها ..دون أن يتكلفوا عناء الالتفات إلى ثلاثة يقفون على الرصيف عجوز طاعن في السن يقبض على يد صغيرة مطعونة في الأحشاء تضع يديها على بطن متورم بعم جابر آخر .. لأن عم جابر الأعمى في تلك الأزقة لايموت .. أبداً .. لايموت .
عائشة
[/align]
تعليق