[align=right]العودة [/align]
[align=right]بقلم : د. جمال مرسي[/align]
[align=right]استقل سيارته البيضاء ، جلس خلف مقودها فجذب حزام الأمان إلى صدره متوتراً ‘ ثم أدار محركاتها
و انطلق بسرعة جنونية .
كيف أشعلت مكالمة هاتفية حمقاء كل هذه الأحاسيس التي ظلت كامنة في أعماقه طيلة خمسة عشر عاماً أو تزيد . كيف أججت ذلك الحب القديم بين جوانحه ؟
راح يقطع الزمن و المسافة و هو يرسم صورة لها في خياله الشارد . فتارة يراها نفس الفتاة الجميلة الرقيقة العسلية العينين المتقدة الذكاء . و تارة أخرى يراها ـ على عنادها ـ امرأة عادية طحنتها رحى الحياة بعد أن تزوجت بآخر و أصبحت أما لطفلين جميلين كما فهم من مكالمتها اليتيمة .
كانت أسراب من الأسئلة تنهال عليه و تطارده فيضيع صداها داخل فضاء سيارته الفارهة الحديثة .
لماذا هاتفته ؟ لماذا تريد أن تقابله بعد كل هذه السنوات المنصرمة ؟ أهو الفراغ يعصف بها ؟ أم أنها تعاني من مشاكل الحياة الزوجية و أنها ندمت أنها ضيعته منها فقررت أن تلقاه لكي ترتمي فوق صدره الذي طالما اتسع لها و لهمومها من قبل ؟
و هو ..؟ لماذا عليه أن يذعن لرغبتها في لقائه ؟ لماذا يطيعها و كلاهما يعرف تماما أنه لا طائل من وراء
لقائهما المزعوم.
فلقد مضت الحياة ( بمصطفى )على نحو جميل ، تبوأ مركزاً مرموقاً كمدير لإحدى الشركات الإستثمارية
التي تعطيه مرتباً خياليا ما كان ليحلم به .و رزقه الله بأربعة أطفال من زوجته الطيبة الجميلة ( فاطمة ) .
فلماذا يخون إذن ؟
لماذا يفكر في لقاء غيرها ؟
إن لم تكن هذه هي الخيانة بعينها ، فماذا يسميها إذن ؟
كمٌ هائلٌ من الأسئلة المحيرة راح يفرض نفسه عليه و هو ينطلق بسرعته الجنونية للمجهول ، و أطياف الماضي
المرير تمر أمام عينيه و هو ينظر بين الفينة و الأخرى في مرآة سيارته إلى وجهه الذي ارتسمت عليه خطوط العمر و شعره الذي غزاه الشيب .
تذكر كيف كان الحديث عن الخيانة الزوجية سببا رئيسا من أسباب انفصاله عن ( هائلة ) حبه الأول و خطيبته السابقة .
لقد كان يرى أن الرجل حتى و إن خان عَرَضاً فإنه يجب ألا تعامله المرأة بنفس ذنبه . فالمرأة في مجتمعاتنا الشرقية هي المرأة . و الشرف عندها أهم من كل شيئ . بينما كان وجهة نظرها أن العين بالعين و الخيانة بالخيانة .
سبحان الله .. امرأة تخون و أخرى تصون ، خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً ،
هكذا كان مصطفى يهمس لنفسه و هو يسترجع صدى صوتها يدوي في أذنه :
.. مصطفى ، ألا تعرفني ؟ ، ألا تعرف صاحبة هذا الصوت ؟
.. أنسيتني ؟
.. نعم لك كل الحق ، انها سنوات عديدة مضت ،
.. أنا هائلة يا مصطفى . أنسيت هائلة ، حبك الأول و الأخير كما كنت تقول لي دائماً ؟
.. مصطفى ! هل تسمعني ؟
.. أريد أن أقابلك لأكلمك في أمرٍ هام و خطير ، لن أستطيع أن أكلمك فيه عبر الهاتف .
.. قابلني إذن في النادي .. نفس الطاولة التي كنا نجلس عليها قبل خمسة عشر عاما في بحيرة البجع .
ترى ، ما هذا الأمر الهام و الخطير الذي تريد هائلة أن تقابله لأجله ؟
( هكذا عاد يسأل نفسه من جديد )
أتريد أن تقول له أنها ليست وحدها المسؤولة عن فشل تجربتهما قبل سنوات ، بل أنه هو أيضا يشاطرها هذه المسؤلية لأنه لم يستطع أن يحافظ عليها أو يحميها من نفسها و من رعونة الشباب أيامها ؟
أتريد أن تقول له أنه لا زال يملأ كل أحاسيسها و كيانها و أن عليهما أن يقوما بالمحاولة من جديد و أن يصححا
سويا المسار الذي حادا عنه قبل عدة سنوات ؟
يا إلهي .. أي مسار هذا الذي يجب أن يصحح ؟ و على أنقاض من ؟
الأطفال ؟ الزوجة المخدوعة ؟ أم الزوج الغافل ؟
صراعات عنيفة تدور في قلبه المفعم بالأسى
كلا .. كلا .. هذا خطأ محض ، و يجب أن تكون هناك وقفة . ( هكذا حدث نفسه من جديد )
لقد كان من الصعب جدا على مصطفى أن يتخيل نفسه بعيدا عن أطفاله الأربعة الذين يحبهم و يحبونه أو عن زوجته التي أحبته حباً جماً و وقفت بجانبه فشاركته حياته و نجاحاته في حين تخلت هائلة عنه في أحلك لحظات احتياجه إليها . و أخيراً فإنه من المستحيل أن يخون ربه أو يخون زوجته الوفية المخلصة لمجرد نزوة هاتفية،
زوجته القانتة لربها التي كانت قد سبقته في الإستيقاظ من نومها فتهجدت لله تعالى و شكرته على نعمه الوفيرة
و ما إن فرغت من صلاتها حتى ذهبت بهدوء إليه و هو يغط في نوم عميق تمد يداً ناعمةً إلى شعره المجعد برفق
و هي تهمس في أذنه :
.. مصطفى .. صفصف ...
.. قم يا حبيبي .. أفق للصلاة.
فلقد أذن المؤذن لصلاة الفجر يا كسول .
حينها .. هب مصطفى منتفضا من نومه فركل غطاءه بقدميه بقوة ، واستعاذ بالله ثم ذهب فتوضا و مضى للصلاة[/align]
[align=right]بقلم : د. جمال مرسي[/align]
[align=right]استقل سيارته البيضاء ، جلس خلف مقودها فجذب حزام الأمان إلى صدره متوتراً ‘ ثم أدار محركاتها
و انطلق بسرعة جنونية .
كيف أشعلت مكالمة هاتفية حمقاء كل هذه الأحاسيس التي ظلت كامنة في أعماقه طيلة خمسة عشر عاماً أو تزيد . كيف أججت ذلك الحب القديم بين جوانحه ؟
راح يقطع الزمن و المسافة و هو يرسم صورة لها في خياله الشارد . فتارة يراها نفس الفتاة الجميلة الرقيقة العسلية العينين المتقدة الذكاء . و تارة أخرى يراها ـ على عنادها ـ امرأة عادية طحنتها رحى الحياة بعد أن تزوجت بآخر و أصبحت أما لطفلين جميلين كما فهم من مكالمتها اليتيمة .
كانت أسراب من الأسئلة تنهال عليه و تطارده فيضيع صداها داخل فضاء سيارته الفارهة الحديثة .
لماذا هاتفته ؟ لماذا تريد أن تقابله بعد كل هذه السنوات المنصرمة ؟ أهو الفراغ يعصف بها ؟ أم أنها تعاني من مشاكل الحياة الزوجية و أنها ندمت أنها ضيعته منها فقررت أن تلقاه لكي ترتمي فوق صدره الذي طالما اتسع لها و لهمومها من قبل ؟
و هو ..؟ لماذا عليه أن يذعن لرغبتها في لقائه ؟ لماذا يطيعها و كلاهما يعرف تماما أنه لا طائل من وراء
لقائهما المزعوم.
فلقد مضت الحياة ( بمصطفى )على نحو جميل ، تبوأ مركزاً مرموقاً كمدير لإحدى الشركات الإستثمارية
التي تعطيه مرتباً خياليا ما كان ليحلم به .و رزقه الله بأربعة أطفال من زوجته الطيبة الجميلة ( فاطمة ) .
فلماذا يخون إذن ؟
لماذا يفكر في لقاء غيرها ؟
إن لم تكن هذه هي الخيانة بعينها ، فماذا يسميها إذن ؟
كمٌ هائلٌ من الأسئلة المحيرة راح يفرض نفسه عليه و هو ينطلق بسرعته الجنونية للمجهول ، و أطياف الماضي
المرير تمر أمام عينيه و هو ينظر بين الفينة و الأخرى في مرآة سيارته إلى وجهه الذي ارتسمت عليه خطوط العمر و شعره الذي غزاه الشيب .
تذكر كيف كان الحديث عن الخيانة الزوجية سببا رئيسا من أسباب انفصاله عن ( هائلة ) حبه الأول و خطيبته السابقة .
لقد كان يرى أن الرجل حتى و إن خان عَرَضاً فإنه يجب ألا تعامله المرأة بنفس ذنبه . فالمرأة في مجتمعاتنا الشرقية هي المرأة . و الشرف عندها أهم من كل شيئ . بينما كان وجهة نظرها أن العين بالعين و الخيانة بالخيانة .
سبحان الله .. امرأة تخون و أخرى تصون ، خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً ،
هكذا كان مصطفى يهمس لنفسه و هو يسترجع صدى صوتها يدوي في أذنه :
.. مصطفى ، ألا تعرفني ؟ ، ألا تعرف صاحبة هذا الصوت ؟
.. أنسيتني ؟
.. نعم لك كل الحق ، انها سنوات عديدة مضت ،
.. أنا هائلة يا مصطفى . أنسيت هائلة ، حبك الأول و الأخير كما كنت تقول لي دائماً ؟
.. مصطفى ! هل تسمعني ؟
.. أريد أن أقابلك لأكلمك في أمرٍ هام و خطير ، لن أستطيع أن أكلمك فيه عبر الهاتف .
.. قابلني إذن في النادي .. نفس الطاولة التي كنا نجلس عليها قبل خمسة عشر عاما في بحيرة البجع .
ترى ، ما هذا الأمر الهام و الخطير الذي تريد هائلة أن تقابله لأجله ؟
( هكذا عاد يسأل نفسه من جديد )
أتريد أن تقول له أنها ليست وحدها المسؤولة عن فشل تجربتهما قبل سنوات ، بل أنه هو أيضا يشاطرها هذه المسؤلية لأنه لم يستطع أن يحافظ عليها أو يحميها من نفسها و من رعونة الشباب أيامها ؟
أتريد أن تقول له أنه لا زال يملأ كل أحاسيسها و كيانها و أن عليهما أن يقوما بالمحاولة من جديد و أن يصححا
سويا المسار الذي حادا عنه قبل عدة سنوات ؟
يا إلهي .. أي مسار هذا الذي يجب أن يصحح ؟ و على أنقاض من ؟
الأطفال ؟ الزوجة المخدوعة ؟ أم الزوج الغافل ؟
صراعات عنيفة تدور في قلبه المفعم بالأسى
كلا .. كلا .. هذا خطأ محض ، و يجب أن تكون هناك وقفة . ( هكذا حدث نفسه من جديد )
لقد كان من الصعب جدا على مصطفى أن يتخيل نفسه بعيدا عن أطفاله الأربعة الذين يحبهم و يحبونه أو عن زوجته التي أحبته حباً جماً و وقفت بجانبه فشاركته حياته و نجاحاته في حين تخلت هائلة عنه في أحلك لحظات احتياجه إليها . و أخيراً فإنه من المستحيل أن يخون ربه أو يخون زوجته الوفية المخلصة لمجرد نزوة هاتفية،
زوجته القانتة لربها التي كانت قد سبقته في الإستيقاظ من نومها فتهجدت لله تعالى و شكرته على نعمه الوفيرة
و ما إن فرغت من صلاتها حتى ذهبت بهدوء إليه و هو يغط في نوم عميق تمد يداً ناعمةً إلى شعره المجعد برفق
و هي تهمس في أذنه :
.. مصطفى .. صفصف ...
.. قم يا حبيبي .. أفق للصلاة.
فلقد أذن المؤذن لصلاة الفجر يا كسول .
حينها .. هب مصطفى منتفضا من نومه فركل غطاءه بقدميه بقوة ، واستعاذ بالله ثم ذهب فتوضا و مضى للصلاة[/align]
تعليق