الرجل الطاهر في الزمن الحرام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خالد ساحلي
    عضو الملتقى
    • 19-10-2007
    • 335

    الرجل الطاهر في الزمن الحرام

    [align=justify]هل كان مقدرا عليه أن ينهي باقي أيام عمره في هذه الزنزانة الباردة الضيقة التي تفوح منها رائحة الطحالب و الرطوبة و العتمة التي تشغل فراغها. الزنزانة التي يتسلل خيط النور داخلها كل صباح حيث الشروق يطل من على فتحة الزجاج المصقول القوي، مساحة بحجم كف اليد. يخترقها شعاع النور ليبدد ظلامها الرهيب. بالكاد ترتفع الشمس بساعات من مكانها حتى ينفلت الشعاع من بين زواياها الصغيرة المعذبة راحلا مع النور الذي يتبع الشمس الأم مانحة الضياء.

    تعود الظلمة تخيّم على الزنزانة من جديد. الظلمة ساكنة أجفانه وعينيه المنكمشتين اللتان لا تكادان تريان شيئا. لا تبصران إلا بشعاع الشمس أو نور المصباح المتوهج . فبدونهما يستلقي على سريره الحديدي البارد الخالي من الفراش ومن كل دفئ ويسرح في ذكرياته و الندم.

    يقطعون عنه الكهرباء غالبا ولا يسمحون به إلا بأمر مدير السجن؛ لا يجب إعطائه الفرصة للقراءة ففيها تزجية الوقت. يمارسون عليه القهر بطريقة إكراهية دنيئة لكي لا يقدم على كتابة شيئا من مذكرات حياته لو أراد ذلك. هكذا كانت تعطى الأوامر في السجن اللعين.

    لم يكن مقدرا عليه الدخول لهذا السجن و لا أن يعامل بوحشية و قسوة كما تعامل الثيران الشاردة الشرسة أو الدببة القاتلة. ألم يكن الناس بطبقاتهم يتمسّحون بحذائه و يسبّحون باسمه خوفا منه و طمعا في جوده ليقضي لهم حاجة. كان الثري المطاع في أهله و في غير أهله و أكثر من ذلك كان يصنع بعض القرارات وبعض الأحكام القضائية في الخفاء مع القضاة بالهاتف لا غير. لكنه الآن تحت بُصاق الحراس وفي لباس لا يتغير لونه وشكله، لباس لطالما أرسل غيره لارتدائه. قد يغفل الإنسان عن رؤية نفسه فيما يراه في غيره ولا يتصور نفسه قد سيصير إليه ذات يوم، فالحياة تمضي بالنقيض بلا و نعم وفي الحالتين فلا ندم دون الذنوب ولا ذنوب تعرف دون الندم. لكنه أختار هذا المصير المحتوم. حَدَسَ قدره وعرفه وعلم ما سيجنيه لو فكـّّر في التخلص من كل هذه الأوزار الثقيلة على ظهره. هو لا يشك لحظة أن الذي أقدم عليه إلهام من الله و رحمة أرسلها إليه.

    ــ " الله عادل في حكمه" .

    يقولها ويكررها في نفسه يتقوى بها من وقت دخوله السجن.

    ــ "الله عادل في حكمه . الله يحبني لأنه جعلني أتنازل عن كل ما أملك وأودعه أيدي أمينة تفعل الخير به."

    كانت رغبته في الثروة المتنازل عنها لو تبنى بها المدارس وديار الأيتام والعجزة، وجزء منها لإعالة الفقراء... الثروة في النهاية هي جزء من مالهم الذي نهبه من خزينة الدولة و الذي لا زال يسرقه الآخرون.

    لم يفكر في أولاده وعائلته على الإطلاق، حتى أن منزله وجميع سكناته المتفرقة في عدد من الدوائر عهد بها للمحتاجين و المشرّدين فصارت عائلته في العراء. هو راض عن ذلك لأنه ارتضى لها الخير و تزكيتها من الحرام ودعوات المظلومين. أهانه أولاده ، ضربوه وقد كان الصنم الذي يعبد في زوايا البيت. زوجته اتهمته بالجنون وملكت الجرأة في صفعه ونهش وجهه بأظافرها الحادة كقطة مسعورة. والحقيقة الأمر الذي أقدم عليه يشبه معجزات أتباع الرسل والأنبياء كالحواريين بالنسبة لأصحاب الإيمان و اليقين. بينما حكم آخر مختلف بالموازاة لأفراد عائلته و أصدقائه والمقربين و الجيران الذين رموه بالجنون و الهبل، رأي طلاب الدنيا المهاجرين إليها والباحثين عن حظهم فيها.

    قالها لأولاده كذا مرة:

    ــ " هذه الأموال ليست لي و لا لأحد منكم، أشركتكم يوم أشركتكم و اليوم آن أوانها لتحرموا منها مثلما سأحرم نفسي. حتى المال له أجله حين يأذن له الله بالرحيل، سأفعلها و أمنح نفسي و إياكم الخلاص."

    جمع ماله ولم يحسبه لكثرته، جمعه كما هو الأمر معروف من المال العام و من الخزائن التي لا تفرغ.

    يوم قصد العدالة وقدّم شكوى ضد نفسه لم يصدّق الجميع ما يحدث. أكثر من ذلك قدّم الوثائق التي زوّرها و أعطى الأسماء الشريكة معه في الاحتيال و الفساد و الأرصدة الكثيرة في البنوك الداخلية و الخارجية.

    تكلمت الصحافة بنوع من الريبة و الحذر مخافة التسرع في الحكم و اقتحام موضوع ملغّم وخطير و لو بدا للصحفيين خبطة صحفية فقد يغضب رجال المال والسياسة و السلطة الضالعين.

    الأمر تحقق فعلا و الخبر صار أكثر من موضوع وقضية بل حدث صنعه ثري بيقين.

    حتى الأساطير الأولى و قصص الخرافات لم يقرأ أحد عمن يشبهه.

    عن رجل خارق صاحب ثروة كان شريرا وهدى لرشده و صواب نفسه أن خلع نفسه من كل شيء إلا ذاته و جسده. صاحب هذه الثروة التي تماثل ثروة وطن كاملة يتنازل عنها ويثبت على نفسه التهمة و سرقاته ورشاويه وتحايله مع الشركاء... هو الشاهد و المشهود عليه.

    قضية محاكمته كانت مغلقة، دون الحضور، دون السماع للشهود، دون طرف مدني ولا عسكري، دون استدعاء شركائه، الملأ الممثلين للشعب في حكمه.

    الحكم كان المؤبد؛ والمؤبد بأن لا يترك هذا المارق الخائن يسرّب كلمة واحدة مما يعرف. حتى الخيانة شتيمة الخونة أنفسهم لمن خانهم في فسادهم. لا يجب أن تصل كلماته للشارع أو يطلع الرأي العام على الأحداث، ولا يجب أن تهتز صورة القداسة عنهم و قد عرفوا بغير ذلك في العلن، في نفاقهم و ريائهم في تمثيلياتهم الكاذبة على مسرح الفضيلة.

    هذه قضية قد تنسف تاريخا من مكر واستبداد.

    تمكـّن الرجل الثري الفقير إجراء بعض المقابلات قبل المحاكمة لكن سرعان ما أخفوه في مكان لا يصل إليه الذباب و تداركوا الأمر...

    لقد صار في هذه الزنزانة التي لا يعرفها أحدا و لم يدخلها سجين من قبل ولن يسمع عنه شيء من بعد إلا حكايات اقترب بعضها من الأسطورة حين قالوا أنه طهّر جسده من الحرام بأن صام كل أيامه المتبقية و لا يفطر إلا على لقيمات و جرعات ماء، ودموع ندمه يجمعها و يغتسل بها من خطاياه. وشعر رأسه يحلقه ويغزله إلى أن صنع منه سجادة. أصابه الهزل من الندم و التوبة فمرض ومات.

    يروي بعض شيوخ المدينة حكاية اليوم الذي مات فيه الرجل المحترم. أن لاح نور متوهج من زنزانته أضاء له السجن كله، ثم اختفى جسده وبقيت ثيابه، الحكاية تقول أن جسده تحللّ وصار ذرات كتبت في جملة في اسمنت الزنزانة لا يقوى أحد على محوها.

    " الروح تتحرر بصناعة الإنسان قدره حين يتطهر من الخطيئة". [/align]
    [SIZE=5][/SIZE]
  • اسماعيل الناطور
    مفكر اجتماعي
    • 23-12-2008
    • 7689

    #2
    عندما يستيقظ الضمير
    تنلقب الحياة إلى طهارة

    تعليق

    • خالد ساحلي
      عضو الملتقى
      • 19-10-2007
      • 335

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة اسماعيل الناطور مشاهدة المشاركة
      عندما يستيقظ الضمير
      تنلقب الحياة إلى طهارة
      السلام عليكم ورحمة الله
      المفضال اسماعيل: هو ذاك.
      تحية لمرورك الجميل.
      التحيات الطيبات
      [SIZE=5][/SIZE]

      تعليق

      يعمل...
      X