((1 ))
كان زميلاً لي في العمل ... وكان غريباً بعض الشيء كثير الحذر ...
وكثيراً ما دارت حوله التعليقات وكثيراً ما أطلق الزملاء والزميلات عليه النكات والضحكات ...
كان معتكفاً وحيداً لا يتكلم إلا للضرورة القصوى وحين يتكلم فأنه يزهد في كلماته ويدور بعيداً عن رأس محدثه كيما يكتشف الأخير سراً يصرخ في عينيه ...!!!
هكذا كنت أراه في السنة الأولى ... أضحوكة الزميلات ومثال سخرية الزملاء ...
كنت أشاركهم ضحكهم أحياناً وأحيانا أسأل نفسي لماذا ...؟؟؟!!!
ما الذي يجعل شاباً في سنين عمره الأولى ينطوي على نفسه بهذا الشكل ...؟؟؟
ولكن السؤال سرعان ما يتلاشى من خيالي لأني وبكل بساطه لا أهوى النكد ولا أهوى الأحزان مثل زميلي غسان ...؟؟؟
وفي السنة الثانية رأيته أكثر ذبولاً ... رأيته بعينيّ وبقلبي وبحاستي السادسة
وشعرت أن نيراناً تتوقد في جسده فتحرق أحشائه
لتمنحه هذا الذبول وهذا الضمور وهذا الإنطواء ...
وأخذت التساؤلات تتشعب في أعماقي وتلح علّي ولكن ما منْ مجيب ...
فما منْ أحد يمتلك معلومه عن غسان لأنه وبكل بساطه لا يمتلك صديق وليس له مقربين ...أخذ الكثير من تفكيري هذا الرجل ولا أريد أن يأخذ أكثر فمالي أنا وهذا الذي لم أرَّ في شفتيه بسمة طوال سنة ونصف ...!!!
ونشأ شعور بالتحدي بين نفسي وقلبي ... كانت الأنسانه داخلي تعطف وتشفق عليه والبنت الأخرى التي أحمل ملامحها كانت لا تبالي ...
بل تشارك الآخرين حديثهم وسخريتهم وظل ذلك الصراع بداخلي حتى جاء يوم امتحان تعده لنا الوزارة بعد دورة سريعة في كل سنه دراسية لكل الاختصاصات ...
والصدفة لعبت دوراً عظيماً بيني وبين غسان فقد جعلتني
أجلس خلفه مباشرة وحسب الترتيب الأبجدي لحروف أسمينا ....؟؟؟
وما أن أصبحنا في منتصف الامتحان والقاعة تغص بالاساتذة الطلاب ...
والهدوء يهيمن على المكان فيمنحه رهبة تبعث فينا شعوراً
بالخوف من هذا الذي نقرأه في ورقة الأسئلة ولإن الجميع أساتذه فأن الخطأ لأحدهم بإلف ....
وهنا شق الهدوء صوت غسان فجأة ...؟؟؟!!!
_ أستاذ لقد نفذ حبر القلم ...
قالها بارتباك وكأن دمائه من شرايينه نفذت ... وكأن البترول من آبارنا تبخر ...
لم يكن يقتني غير هذا القلم فلما وجد نفسه في ورطة ...
فإنه لن يكتب إلا إذا استعان بالأستاذ المراقب ...
وجاء الأستاذ الى غسان ...
_ ما المشكلة ...؟؟؟
_ لقد نفذ حبر القلم ... كرر الجملة وكأنه لا يجيد غيرها
من الكلام شيئاً ودفعت بقلمٍ كنت أحتفظ به في حقيبة يدي الى الأستاذ
_ تفضل يا أستاذ فأنا لا أحتاجه
_ بارك الله فيكِ
ثم قدم الأستاذ قلمي الى غسان فالتقطه بأكفٍ راعشه ...
وأنتهى الإمتحان وخرجت الى حديقة المدرسه التي كنا نجتمع فيها طيلة الأيام الماضيه ... وهناك التقيت صديقتي وجدان فحدثتها بما جرى فقهقهت ...
ولم أحتمل قهقهاتها تلك فأخذت آلومها لإن الذي حدث
كان شيئاً عادياً يقع فيه الكثير فلماذا تضحكين ...؟؟؟
_ أنا لا أضحك لإن الحبر نفذ ... ولكني أضحك لإن غسان نطق ...!؟
_ أتعلمين يا وجدان ... قلت وأنا أطلق لبصري العنان
_ ماذا يا فريال ...؟؟؟
_ لمحت اليوم على وجنته صفعه
_ صفعه ...؟؟؟ صفعه ...!!!
_ أفهميني أنها صفعه لا تورث أصابعاً ولا آثراً أحمر ... أنها صفعة تورث الذبول ...
وهزت أكتافي صديقتي وقالت بلؤم ...
_ لقد أصبحتِ ترينه بقلبكِ إذن يا فريال .. أيعقل ...
أن يكون غسان هذا الذي تلقين له بصرك للعنان ... وماذا بعد ...؟؟؟
_ لا ... لا تسأليني عما أشعر به فأنا نفسي لا أدري وأتمنى فقط لو كنت ادري ..!!!
غادرت صديقتي المكان وكنت أنا بانتظار سائقي الخاص وكنت أفكر هل يمكن ان يكون هذا الشعور حباً...؟؟؟
لا ... لا ... مستحيل أنه شعور يذكرني بأني إنسانه ...
(( 2 ))
وهنا رأيت غسان متجهاً نحوي بخطى ناعمة لا تؤذي الأرض التي يسير عليها ...
جاءني ليعيد القلم ... قال بصعوبة ...
_ عفواً هذا القلم ... شكرا ً...
مد يده أليّ بالقلم .. ولكنني كنت أبحر في قسماته مشغولة بهذا الرجل
عن غيره ... وقلت دون وعيّ مني
_ غسان هل يمكن ... اقصد ماذا لو نصبح أصدقاء ...؟؟؟
وأمقتع لونه وأرخى يده التي تحمل القلم ...
وأبحر طويلاً في عالم الصمت وبدأت معالم الصفعة التي شاهدتها من قبل تظهر أشد وضوحاً
نعم أنها آثار أصابع امرأة ...!!
امرأة في ملامح غسان تسكن ... امرأة تجعله أسيراً للحزن وتمتمتُ في سري ... ما أقساكِ من امرأة ...؟؟؟
وكان لا يزال واقفاً أمامي مطلقاً نظره حين رد عليّ بهدوء
بعد أن إتسمت شخصيته من خلال صوته المعبر صورةَ أخرى
غير تلك التي كان يتقمصها ...!!!
_ وهل بقي على كوكبنا مفرده أسمها الصداقة ...؟؟؟
فغالبت كبريائي وقلت
بالتأكيد ... الدنيا مليئه بالخير ... مليئه بالمودة ...
وإنك لا تراها ... بل لا تحاول أن تراها ...!!!
نظر الى وجهي ... الى عيني وقال
_ أنها بشعه لذلك أنا لا أريد رؤيتها ...
_ لا أنها ليست كذلك ... الدنيا ليست بشعه ...
إنما نحن من يخلق جمالها وبشاعتها ونحن من ينظرها
بعين الرضا فنسعد أو بعين الجحود فنشقى ...
وشعرت بأن الحواجز بيني وبينه قد رفعت فأردفت قائله لأقنعه ...
حاول ... لو تطرد سحابة الكآبه من على وجهك ... حاول ... على الأقل حاول ...؟؟؟
_ لقد نسيت الأبتسامه يا فريال ... نسيت الأصدقاء ....
وأصبحت فريسة سهله للحزن والألم ...
قال ذلك وعيناه تشعان بريقاً خاص ...!!!
مثل بريق العذارى حين يحببن للمرة الأولى ...
_ أن في داخلي بركان وجبال أحزان ...
في داخلي دنيا قوامها الحزن وأساسها الألم وليلها الدمع
ونهارها الجرح وفرحها معدوم ... وتريديني بعد كل ذلك أن أحاول ...؟؟؟
وجدت الفرصة مواتيه كي أطرق الحديد وهو ساخن ...
_ لماذا ... ؟؟؟ تكلم ...؟؟؟ أفصح لي بكل أحزانك لو شئت ...
_ هل أنتِ مصرة...؟؟؟
_ إذا سمحت ...
_ إذن دعينا نجلس فقد تعبت قدماي من الوقوف ...
(( 3 ))
واتجهنا الى مقاعد خشبية في منتصف الحديقة وجلسنا وطال الصمت ...
كان يبحلق في السماء كأنه يتذكر أسرار قصة مؤلمه ...
وبدأ يحكي لي ...
_ كنتُ في السابعة عشر من عمري ... حين إنتقلنا الى شركة الغزل والنسيج بالقرب من الحي الصناعي ...
وكان حي الصناعة هذا عبارة عن بيوت تابعه للشركة يسكن بها عاملوها ...
وكنت يومها شاباً مرحاً أملأ البيت فرحاً حين أكون فيه وكانت لدي اهتمامات رياضيه وأدبيه..
ولقت لقيت تشجيعاً كبيراً من والديّ وكنت وقتها اطمح أن أكون صحفياً لأجعل قملي هذا
( وأشار بالقلم الذي مازال بيده ) مصدر سعادة للناس ...
ثم توقف فجأه وقد ناله التعب فهولم يعتد الكلام واليوم تكلم كثيراً أكثر مما يجب ...
_ كنتُ عائداً يوماً من المدرسه حين وجدتُ ضيوفاً في البيت ...
جيراننا هكذا قالت أمي حين قدمتني لهم ... وكانوا ثلاثة ... هي وأمها وأخاها الأصغر ...
وبجلوسي معهم علمت أن إبنتهم ريام طالبه في الأعداديه ...
مثلي ... وأن اهتماماتها أدبيه أيضا ...
ومرت الأيام .. وأنا وريام نقترب من بعضا أكثر فأكثر...
كنا ندرس سوية ونأكل سوية ... كانت تملأ عليّ الدنيا ...
تمنحني معنى الوجود ... وبدأت أحبها ... وكنت اشعر بأنها تبادلني الشعور ...
ولأنها أول حب بحياتي صرت أوقدها شمعة ليلي
وأبصرها شمس نهاري ووردة ربيعي ودفء شتائي ...
لقد زاد حبي للناس ... وأزداد طموحي لأسعدهم بقلمي ...
ولكن حبي أخذ يستبد بي فأصبحت أكثر هزالاً وأصبحت لا أنام ...
طبعاً لأني أُحب ...؟؟؟ والحب أن داعب قلب شابٍ طاهر أحاله الى هالةٍ من نور ...
أحاله الى ملائكي في الأرض فأنه يعاف الطعام ويرفض النوم ذاك الذي ينعم به بنو البشر ...
وقررت أن أطلق صرختي في إذن ريام همسه ... قررت ان أتكلم ... أن أفصح عما يخالط الأعماق من شوق ولهفة ... وجاءت إلينا ريام ... جميله مثل قمر آب ... رشيقه مثل ريم الفلاة ...
خفيفة كحبة مطر .. كانت تريد أن نراجع للإمتحان ...
طبعاً كانت تدرس للإمتحان إما أنا فلا أدري متى سيحين موعده ...
قالت لي ...
_ انظر يا غسان هذا السؤال ونظرت أليّ وأنا أنظرها بكلتا عينيّ فصمتت وكأني قد جذبتها من عالم الكتب الى عالم العيون واللهفة والترقب ...
وأبحرت طويلاً في عينيها ... وهي صامته تعلم ما يجتاحني لحظتها ...
ومددتُ يديّ لتمسكان بكلتا يديها ... وعينان لا تبرحان تنظران عينيها ...
قلت لها ...
_ ريام ... فردت بإستسلام ... غسان ما هذا ...؟؟؟
_ أُحبكِ ...
_ فإرتجفت يداها بين يديّ وتوردت وجنتاها وأصبحت ريام أنثى ... أنثى أكثر من ذي قبل ... وقلت لها ...
_ هل تحبيني...؟؟؟
_ وأستدارت مثل غصن متمايل .. تبحث عن أي مكان تختبيء فيه فلم تجد سوى صدري أمامها فأندفعت تخفي رأسها بين اضلعي ...
كانت لحظة عارمة ... اجتمع فيها الحب بالجرأة والطفولة بالشباب ...
اجتمع فيها غسان و ريام ...
وتعاهدنا على الحب ... وعاد أليّ النوم ... بل يخيل أليّ أني أصبحت أكثر وسامه ...
ثم اجتزنا الامتحان وأصبحنا في العطله الصيفيه ...
كانت تأتي برفقة أمها فقد أنتهى زمن الدروس والمراجعه ...
ولم أكن احضى منها إلا بإشارات خرساء كانت تحزن وتفرح بنفس الوقت ...؟؟؟
وعادت المدرسه تفتح أبوابها ... أنها السنه الأخيره في الأعداديه ...
وبعدها سنلتحق بالجامعة بنفس الكلية وسيدوم الحب الى أن نتزوج ...
هكذا كنتُ أفكر ومرت الأيام وأنا أسعد مخلوق على وجه الأرض ... الى أن....؟؟؟
(( 4 ))
ونظر في وجهي غسان وملء عينيه الدموع ...
وملء فاه غصة البكاء ... وملء صدره الحزن ...
نظر أليّ وكأنني يدٌ غبية أمتدت الى جرحه تعبث به ...
كان يلومني بأحدى عينيه لأني أجبرته على الكلام ويتوسل اليّ بالأخرى
أن أصغي أليه فأنه يريد أن يفصح ...
يريد أن يزيح عن صدره جبال الهم والحزن ... يريد كائناً يحمل معه مأساته ...
قلت له ونبرات الحزن في صوتي ...
_ ماذا حدث ...؟؟؟
فقال ....
_ انقضت عشرة أيام لم أرَ فيها ريام ... فجن جنوني ...
لم أعتد هذا الانقطاع ... لم أعتد الفراق ... عشرة أيام ...
لم أذق طعم النوم ورفضت أن أرى كل أصدقائي الذين جاؤوا لزيارتي ...
رقدت في فراش المرض دون مرض يذكر ...
ونحلت قواي وغارت عيناي وكنت أنتظر زيارتها ... ولكنها لم تأتِ ...؟؟؟
ومرّ أسبوع آخر وحالتي تزداد سوءاً وريام لا تشفق أبدا ...!!!
وقررت أن استعين بأمي ... أرسلتها الى بيت ريام بحجة استعارة كتاب منها ...
وطلبت من أمي أن تحمل إليها مجموعه ملخصات
ودسست بينها ورقة كتبتُ فيها ...
( حبيبتي أني مريض ... حبيبتي أني أموت .... غسان )
وجاءت أمي تحمل أليّ الكتاب وفتحته اقلب الصفحات ...
أبحث عن جواب ... عن كلمه تطفئ هذه الحمى المشتعلة في جبيني ...
وفعلاً وجدتُ ورقه صغيره كتبت عليها ريام ...
( غسان إنسى ما كان بيننا ... أرجوك انساني ... )
حينها غبت عن العالم ... تريد ان أنساها ... تصوري يا فريال تريدني أن أنساها
تريد أن اقتلع قلبي من جذوره ...
تريد أن أنسى ساعة دفنت رأسها في صدري...!!!
وقمت من مكاني على وجه السرعة ولكني سقطت في مقدمة البيت فنقلوني الى المستشفى ...
قال الطبيب يجب أن اقضي فترة نقاهه في أي مكان ألتمس فيه الراحة ...
فحملني أبي وأمي الى الريف بعد أن أصرا على ذلك ...
وأجبراني على المكوث طويلاً ( أسبوع ونصف تقريباً )
بعدها تقدمت لإمي وأنا أحاول استجماع كامل قواي ....
_ لقد تعافيت الآن يا أمي ... ألا نعود لبيتنا فقد أشتقت الى مدرستي وأصدقائي ...
_ طيب يا ولدي سنعود الأسبوع المقبل ...
وطرت فرحاً ... سأراها في الأسبوع المقبل ... ذاهبة الى المدرسه على اقل تقدير ...
وجاء يوم العوده ... وانطلقت بنا السيارة ووصلنا الحي الصناعي بعد ساعة ونصف وكان كل شيء هادئاً... وكان ذلك اليوم هو الجمعه ...
(( 5 ))
وذهبتُ الى بيتها فلم أعد احتمل أن انتظر الى الغد ...
وفكرت وأنا في طريقي إليهم فيما سأقول ...؟؟؟
سأقول أني أريد كراسة وكتاب ... والدروس التي لم احضرها طوال فترة النقاهة اللعينة ... فطرقت الباب ....
فطل وجه الأم حائراً غائراً ليس فيه تعبيراً سوى الحيرة ...
_ أهلا يا ولدي كيف صحتك ...؟؟؟
_ بخير ... شكراً يا خالتي هل يمكن ان أتحدث الى ريام ...؟؟؟
فانفجرت الأم باكيه ...
أرعبتني دموعها ... ماذا حل بريام ...؟؟؟
وصرخت في وجه الخاله دون شعور ...
ماذا حدث ... أين ريام ...؟؟؟
_ ألا تعلم ... لقد تركتنا ريام ... لقد تزوجت ...
هنا إختفت ألسنة الشمس من أمام عيني ...
وكدت أهوي لكن قوةً عجيبة أستبدت بي ...
قوه تحضني على أن اصفع أم ريام ... وأن أشعل عود ثقاب في بيتهم وأن أقطع نفسي إرباً إربا ً....
وأنطلقت راكضاً لا أدري الى اين ... همت في شوارع المدينه علّي أجدها ...
عليّ أراها ولو مع غيري ... دون جدوى ...
وعدت الى بيتي في ساعةٍ متأخرة من الليل ... وجدتُ أمي وأبي بانتظاري لم يتكلموا ... كانوا يدركون بما في داخلي ... كانوا يعلمون إن براكين الألم قد تفجرت
في صدري ولم أتكلم إليهم ... ذهبت من فوري الى غرفتي ...
وبقيت أجهش الى الفجر ببكاء مرّ ... بكاء أشفقت عليّ الجدران على آثره ...
كنت أبكي ولا ادري ماذا حل بي ...؟؟؟!!! أبكي وريام في أحضان زوجها...!!!
وعاد أليّ ذلك الضعف العام ولكن ليس وحده هذه المره ...
بل معه حالات لم يفهمها طبيبي الخاص فأحالني الى طبيب نفسي ...
وقرر الأخير أني يجب أن أؤجل السنه الدراسية وأنتبه الى نفسي ...
فتغيرت تصرفاتي وأصبحت كما ترين ... أضحوكة ... ومثار سخرية الناس ...
وعاهدت نفسي بأني لن أحب من جديد ... ليس لأني ما زلت أحب ريام بل لأني لا أريد أن أضع قلبي بين يدي امرأة ...
وقررت أن أعيش وحدي ... ولن أتكلم مع أحد سوى افراد بيتي ... ليس لشيء سوى أني لا أريد أن امنح من عواطفي ومشاعري الى أي من الناس ... لقد كرهت الناس ... ولم التحق بفرع الأعلام ... لأني رأيت بأن الناس لا يستحقون قلمي وأحاسيسي ...
ودخلت كلية العلوم دون رغبة مني بل أني اكره اختصاص الحاسبات
تلك الأجهزة الصماء التي اجلس إليها يومي كله ...
ولكني في نفس الوقت قررت أن لن اخضع ثانيةً لشيء أحبه ...
لن أضع أملي وقلبي وحاضري ومستقبلي لشيء ما ...
وهكذا أنا أعيش منذ تزوجت هذه الأنسانه ... أعيش لوحدي ...
أعيش لنفسي ... ولن أكون لغيري أبدا ... ولن امنح أحداً أي شيء ...
ولن اطمح من الدنيا بأكثر من هذا العيش المسالم ...
والآن يا فريال ... لقد تكلمت ... فهل مازلتِ مصرة على أن الدنيا ليست بشعة ...؟؟؟
واحترت كيف أُجيب فقد أذهلتني قصته ...
ذلك الفتى الأضحوكة الذي يضم في داخله صورة عاشق منكسر ...
ولذتُ بالصمت وقطع عليّ صمتي
_ تفضلي القلم ... شكراً لكِ ...
_ العفو ...
و افترقنا .............!!!
تقديري واحترامي
ر
ووو
ح
كان زميلاً لي في العمل ... وكان غريباً بعض الشيء كثير الحذر ...
وكثيراً ما دارت حوله التعليقات وكثيراً ما أطلق الزملاء والزميلات عليه النكات والضحكات ...
كان معتكفاً وحيداً لا يتكلم إلا للضرورة القصوى وحين يتكلم فأنه يزهد في كلماته ويدور بعيداً عن رأس محدثه كيما يكتشف الأخير سراً يصرخ في عينيه ...!!!
هكذا كنت أراه في السنة الأولى ... أضحوكة الزميلات ومثال سخرية الزملاء ...
كنت أشاركهم ضحكهم أحياناً وأحيانا أسأل نفسي لماذا ...؟؟؟!!!
ما الذي يجعل شاباً في سنين عمره الأولى ينطوي على نفسه بهذا الشكل ...؟؟؟
ولكن السؤال سرعان ما يتلاشى من خيالي لأني وبكل بساطه لا أهوى النكد ولا أهوى الأحزان مثل زميلي غسان ...؟؟؟
وفي السنة الثانية رأيته أكثر ذبولاً ... رأيته بعينيّ وبقلبي وبحاستي السادسة
وشعرت أن نيراناً تتوقد في جسده فتحرق أحشائه
لتمنحه هذا الذبول وهذا الضمور وهذا الإنطواء ...
وأخذت التساؤلات تتشعب في أعماقي وتلح علّي ولكن ما منْ مجيب ...
فما منْ أحد يمتلك معلومه عن غسان لأنه وبكل بساطه لا يمتلك صديق وليس له مقربين ...أخذ الكثير من تفكيري هذا الرجل ولا أريد أن يأخذ أكثر فمالي أنا وهذا الذي لم أرَّ في شفتيه بسمة طوال سنة ونصف ...!!!
ونشأ شعور بالتحدي بين نفسي وقلبي ... كانت الأنسانه داخلي تعطف وتشفق عليه والبنت الأخرى التي أحمل ملامحها كانت لا تبالي ...
بل تشارك الآخرين حديثهم وسخريتهم وظل ذلك الصراع بداخلي حتى جاء يوم امتحان تعده لنا الوزارة بعد دورة سريعة في كل سنه دراسية لكل الاختصاصات ...
والصدفة لعبت دوراً عظيماً بيني وبين غسان فقد جعلتني
أجلس خلفه مباشرة وحسب الترتيب الأبجدي لحروف أسمينا ....؟؟؟
وما أن أصبحنا في منتصف الامتحان والقاعة تغص بالاساتذة الطلاب ...
والهدوء يهيمن على المكان فيمنحه رهبة تبعث فينا شعوراً
بالخوف من هذا الذي نقرأه في ورقة الأسئلة ولإن الجميع أساتذه فأن الخطأ لأحدهم بإلف ....
وهنا شق الهدوء صوت غسان فجأة ...؟؟؟!!!
_ أستاذ لقد نفذ حبر القلم ...
قالها بارتباك وكأن دمائه من شرايينه نفذت ... وكأن البترول من آبارنا تبخر ...
لم يكن يقتني غير هذا القلم فلما وجد نفسه في ورطة ...
فإنه لن يكتب إلا إذا استعان بالأستاذ المراقب ...
وجاء الأستاذ الى غسان ...
_ ما المشكلة ...؟؟؟
_ لقد نفذ حبر القلم ... كرر الجملة وكأنه لا يجيد غيرها
من الكلام شيئاً ودفعت بقلمٍ كنت أحتفظ به في حقيبة يدي الى الأستاذ
_ تفضل يا أستاذ فأنا لا أحتاجه
_ بارك الله فيكِ
ثم قدم الأستاذ قلمي الى غسان فالتقطه بأكفٍ راعشه ...
وأنتهى الإمتحان وخرجت الى حديقة المدرسه التي كنا نجتمع فيها طيلة الأيام الماضيه ... وهناك التقيت صديقتي وجدان فحدثتها بما جرى فقهقهت ...
ولم أحتمل قهقهاتها تلك فأخذت آلومها لإن الذي حدث
كان شيئاً عادياً يقع فيه الكثير فلماذا تضحكين ...؟؟؟
_ أنا لا أضحك لإن الحبر نفذ ... ولكني أضحك لإن غسان نطق ...!؟
_ أتعلمين يا وجدان ... قلت وأنا أطلق لبصري العنان
_ ماذا يا فريال ...؟؟؟
_ لمحت اليوم على وجنته صفعه
_ صفعه ...؟؟؟ صفعه ...!!!
_ أفهميني أنها صفعه لا تورث أصابعاً ولا آثراً أحمر ... أنها صفعة تورث الذبول ...
وهزت أكتافي صديقتي وقالت بلؤم ...
_ لقد أصبحتِ ترينه بقلبكِ إذن يا فريال .. أيعقل ...
أن يكون غسان هذا الذي تلقين له بصرك للعنان ... وماذا بعد ...؟؟؟
_ لا ... لا تسأليني عما أشعر به فأنا نفسي لا أدري وأتمنى فقط لو كنت ادري ..!!!
غادرت صديقتي المكان وكنت أنا بانتظار سائقي الخاص وكنت أفكر هل يمكن ان يكون هذا الشعور حباً...؟؟؟
لا ... لا ... مستحيل أنه شعور يذكرني بأني إنسانه ...
(( 2 ))
وهنا رأيت غسان متجهاً نحوي بخطى ناعمة لا تؤذي الأرض التي يسير عليها ...
جاءني ليعيد القلم ... قال بصعوبة ...
_ عفواً هذا القلم ... شكرا ً...
مد يده أليّ بالقلم .. ولكنني كنت أبحر في قسماته مشغولة بهذا الرجل
عن غيره ... وقلت دون وعيّ مني
_ غسان هل يمكن ... اقصد ماذا لو نصبح أصدقاء ...؟؟؟
وأمقتع لونه وأرخى يده التي تحمل القلم ...
وأبحر طويلاً في عالم الصمت وبدأت معالم الصفعة التي شاهدتها من قبل تظهر أشد وضوحاً
نعم أنها آثار أصابع امرأة ...!!
امرأة في ملامح غسان تسكن ... امرأة تجعله أسيراً للحزن وتمتمتُ في سري ... ما أقساكِ من امرأة ...؟؟؟
وكان لا يزال واقفاً أمامي مطلقاً نظره حين رد عليّ بهدوء
بعد أن إتسمت شخصيته من خلال صوته المعبر صورةَ أخرى
غير تلك التي كان يتقمصها ...!!!
_ وهل بقي على كوكبنا مفرده أسمها الصداقة ...؟؟؟
فغالبت كبريائي وقلت
بالتأكيد ... الدنيا مليئه بالخير ... مليئه بالمودة ...
وإنك لا تراها ... بل لا تحاول أن تراها ...!!!
نظر الى وجهي ... الى عيني وقال
_ أنها بشعه لذلك أنا لا أريد رؤيتها ...
_ لا أنها ليست كذلك ... الدنيا ليست بشعه ...
إنما نحن من يخلق جمالها وبشاعتها ونحن من ينظرها
بعين الرضا فنسعد أو بعين الجحود فنشقى ...
وشعرت بأن الحواجز بيني وبينه قد رفعت فأردفت قائله لأقنعه ...
حاول ... لو تطرد سحابة الكآبه من على وجهك ... حاول ... على الأقل حاول ...؟؟؟
_ لقد نسيت الأبتسامه يا فريال ... نسيت الأصدقاء ....
وأصبحت فريسة سهله للحزن والألم ...
قال ذلك وعيناه تشعان بريقاً خاص ...!!!
مثل بريق العذارى حين يحببن للمرة الأولى ...
_ أن في داخلي بركان وجبال أحزان ...
في داخلي دنيا قوامها الحزن وأساسها الألم وليلها الدمع
ونهارها الجرح وفرحها معدوم ... وتريديني بعد كل ذلك أن أحاول ...؟؟؟
وجدت الفرصة مواتيه كي أطرق الحديد وهو ساخن ...
_ لماذا ... ؟؟؟ تكلم ...؟؟؟ أفصح لي بكل أحزانك لو شئت ...
_ هل أنتِ مصرة...؟؟؟
_ إذا سمحت ...
_ إذن دعينا نجلس فقد تعبت قدماي من الوقوف ...
(( 3 ))
واتجهنا الى مقاعد خشبية في منتصف الحديقة وجلسنا وطال الصمت ...
كان يبحلق في السماء كأنه يتذكر أسرار قصة مؤلمه ...
وبدأ يحكي لي ...
_ كنتُ في السابعة عشر من عمري ... حين إنتقلنا الى شركة الغزل والنسيج بالقرب من الحي الصناعي ...
وكان حي الصناعة هذا عبارة عن بيوت تابعه للشركة يسكن بها عاملوها ...
وكنت يومها شاباً مرحاً أملأ البيت فرحاً حين أكون فيه وكانت لدي اهتمامات رياضيه وأدبيه..
ولقت لقيت تشجيعاً كبيراً من والديّ وكنت وقتها اطمح أن أكون صحفياً لأجعل قملي هذا
( وأشار بالقلم الذي مازال بيده ) مصدر سعادة للناس ...
ثم توقف فجأه وقد ناله التعب فهولم يعتد الكلام واليوم تكلم كثيراً أكثر مما يجب ...
_ كنتُ عائداً يوماً من المدرسه حين وجدتُ ضيوفاً في البيت ...
جيراننا هكذا قالت أمي حين قدمتني لهم ... وكانوا ثلاثة ... هي وأمها وأخاها الأصغر ...
وبجلوسي معهم علمت أن إبنتهم ريام طالبه في الأعداديه ...
مثلي ... وأن اهتماماتها أدبيه أيضا ...
ومرت الأيام .. وأنا وريام نقترب من بعضا أكثر فأكثر...
كنا ندرس سوية ونأكل سوية ... كانت تملأ عليّ الدنيا ...
تمنحني معنى الوجود ... وبدأت أحبها ... وكنت اشعر بأنها تبادلني الشعور ...
ولأنها أول حب بحياتي صرت أوقدها شمعة ليلي
وأبصرها شمس نهاري ووردة ربيعي ودفء شتائي ...
لقد زاد حبي للناس ... وأزداد طموحي لأسعدهم بقلمي ...
ولكن حبي أخذ يستبد بي فأصبحت أكثر هزالاً وأصبحت لا أنام ...
طبعاً لأني أُحب ...؟؟؟ والحب أن داعب قلب شابٍ طاهر أحاله الى هالةٍ من نور ...
أحاله الى ملائكي في الأرض فأنه يعاف الطعام ويرفض النوم ذاك الذي ينعم به بنو البشر ...
وقررت أن أطلق صرختي في إذن ريام همسه ... قررت ان أتكلم ... أن أفصح عما يخالط الأعماق من شوق ولهفة ... وجاءت إلينا ريام ... جميله مثل قمر آب ... رشيقه مثل ريم الفلاة ...
خفيفة كحبة مطر .. كانت تريد أن نراجع للإمتحان ...
طبعاً كانت تدرس للإمتحان إما أنا فلا أدري متى سيحين موعده ...
قالت لي ...
_ انظر يا غسان هذا السؤال ونظرت أليّ وأنا أنظرها بكلتا عينيّ فصمتت وكأني قد جذبتها من عالم الكتب الى عالم العيون واللهفة والترقب ...
وأبحرت طويلاً في عينيها ... وهي صامته تعلم ما يجتاحني لحظتها ...
ومددتُ يديّ لتمسكان بكلتا يديها ... وعينان لا تبرحان تنظران عينيها ...
قلت لها ...
_ ريام ... فردت بإستسلام ... غسان ما هذا ...؟؟؟
_ أُحبكِ ...
_ فإرتجفت يداها بين يديّ وتوردت وجنتاها وأصبحت ريام أنثى ... أنثى أكثر من ذي قبل ... وقلت لها ...
_ هل تحبيني...؟؟؟
_ وأستدارت مثل غصن متمايل .. تبحث عن أي مكان تختبيء فيه فلم تجد سوى صدري أمامها فأندفعت تخفي رأسها بين اضلعي ...
كانت لحظة عارمة ... اجتمع فيها الحب بالجرأة والطفولة بالشباب ...
اجتمع فيها غسان و ريام ...
وتعاهدنا على الحب ... وعاد أليّ النوم ... بل يخيل أليّ أني أصبحت أكثر وسامه ...
ثم اجتزنا الامتحان وأصبحنا في العطله الصيفيه ...
كانت تأتي برفقة أمها فقد أنتهى زمن الدروس والمراجعه ...
ولم أكن احضى منها إلا بإشارات خرساء كانت تحزن وتفرح بنفس الوقت ...؟؟؟
وعادت المدرسه تفتح أبوابها ... أنها السنه الأخيره في الأعداديه ...
وبعدها سنلتحق بالجامعة بنفس الكلية وسيدوم الحب الى أن نتزوج ...
هكذا كنتُ أفكر ومرت الأيام وأنا أسعد مخلوق على وجه الأرض ... الى أن....؟؟؟
(( 4 ))
ونظر في وجهي غسان وملء عينيه الدموع ...
وملء فاه غصة البكاء ... وملء صدره الحزن ...
نظر أليّ وكأنني يدٌ غبية أمتدت الى جرحه تعبث به ...
كان يلومني بأحدى عينيه لأني أجبرته على الكلام ويتوسل اليّ بالأخرى
أن أصغي أليه فأنه يريد أن يفصح ...
يريد أن يزيح عن صدره جبال الهم والحزن ... يريد كائناً يحمل معه مأساته ...
قلت له ونبرات الحزن في صوتي ...
_ ماذا حدث ...؟؟؟
فقال ....
_ انقضت عشرة أيام لم أرَ فيها ريام ... فجن جنوني ...
لم أعتد هذا الانقطاع ... لم أعتد الفراق ... عشرة أيام ...
لم أذق طعم النوم ورفضت أن أرى كل أصدقائي الذين جاؤوا لزيارتي ...
رقدت في فراش المرض دون مرض يذكر ...
ونحلت قواي وغارت عيناي وكنت أنتظر زيارتها ... ولكنها لم تأتِ ...؟؟؟
ومرّ أسبوع آخر وحالتي تزداد سوءاً وريام لا تشفق أبدا ...!!!
وقررت أن استعين بأمي ... أرسلتها الى بيت ريام بحجة استعارة كتاب منها ...
وطلبت من أمي أن تحمل إليها مجموعه ملخصات
ودسست بينها ورقة كتبتُ فيها ...
( حبيبتي أني مريض ... حبيبتي أني أموت .... غسان )
وجاءت أمي تحمل أليّ الكتاب وفتحته اقلب الصفحات ...
أبحث عن جواب ... عن كلمه تطفئ هذه الحمى المشتعلة في جبيني ...
وفعلاً وجدتُ ورقه صغيره كتبت عليها ريام ...
( غسان إنسى ما كان بيننا ... أرجوك انساني ... )
حينها غبت عن العالم ... تريد ان أنساها ... تصوري يا فريال تريدني أن أنساها
تريد أن اقتلع قلبي من جذوره ...
تريد أن أنسى ساعة دفنت رأسها في صدري...!!!
وقمت من مكاني على وجه السرعة ولكني سقطت في مقدمة البيت فنقلوني الى المستشفى ...
قال الطبيب يجب أن اقضي فترة نقاهه في أي مكان ألتمس فيه الراحة ...
فحملني أبي وأمي الى الريف بعد أن أصرا على ذلك ...
وأجبراني على المكوث طويلاً ( أسبوع ونصف تقريباً )
بعدها تقدمت لإمي وأنا أحاول استجماع كامل قواي ....
_ لقد تعافيت الآن يا أمي ... ألا نعود لبيتنا فقد أشتقت الى مدرستي وأصدقائي ...
_ طيب يا ولدي سنعود الأسبوع المقبل ...
وطرت فرحاً ... سأراها في الأسبوع المقبل ... ذاهبة الى المدرسه على اقل تقدير ...
وجاء يوم العوده ... وانطلقت بنا السيارة ووصلنا الحي الصناعي بعد ساعة ونصف وكان كل شيء هادئاً... وكان ذلك اليوم هو الجمعه ...
(( 5 ))
وذهبتُ الى بيتها فلم أعد احتمل أن انتظر الى الغد ...
وفكرت وأنا في طريقي إليهم فيما سأقول ...؟؟؟
سأقول أني أريد كراسة وكتاب ... والدروس التي لم احضرها طوال فترة النقاهة اللعينة ... فطرقت الباب ....
فطل وجه الأم حائراً غائراً ليس فيه تعبيراً سوى الحيرة ...
_ أهلا يا ولدي كيف صحتك ...؟؟؟
_ بخير ... شكراً يا خالتي هل يمكن ان أتحدث الى ريام ...؟؟؟
فانفجرت الأم باكيه ...
أرعبتني دموعها ... ماذا حل بريام ...؟؟؟
وصرخت في وجه الخاله دون شعور ...
ماذا حدث ... أين ريام ...؟؟؟
_ ألا تعلم ... لقد تركتنا ريام ... لقد تزوجت ...
هنا إختفت ألسنة الشمس من أمام عيني ...
وكدت أهوي لكن قوةً عجيبة أستبدت بي ...
قوه تحضني على أن اصفع أم ريام ... وأن أشعل عود ثقاب في بيتهم وأن أقطع نفسي إرباً إربا ً....
وأنطلقت راكضاً لا أدري الى اين ... همت في شوارع المدينه علّي أجدها ...
عليّ أراها ولو مع غيري ... دون جدوى ...
وعدت الى بيتي في ساعةٍ متأخرة من الليل ... وجدتُ أمي وأبي بانتظاري لم يتكلموا ... كانوا يدركون بما في داخلي ... كانوا يعلمون إن براكين الألم قد تفجرت
في صدري ولم أتكلم إليهم ... ذهبت من فوري الى غرفتي ...
وبقيت أجهش الى الفجر ببكاء مرّ ... بكاء أشفقت عليّ الجدران على آثره ...
كنت أبكي ولا ادري ماذا حل بي ...؟؟؟!!! أبكي وريام في أحضان زوجها...!!!
وعاد أليّ ذلك الضعف العام ولكن ليس وحده هذه المره ...
بل معه حالات لم يفهمها طبيبي الخاص فأحالني الى طبيب نفسي ...
وقرر الأخير أني يجب أن أؤجل السنه الدراسية وأنتبه الى نفسي ...
فتغيرت تصرفاتي وأصبحت كما ترين ... أضحوكة ... ومثار سخرية الناس ...
وعاهدت نفسي بأني لن أحب من جديد ... ليس لأني ما زلت أحب ريام بل لأني لا أريد أن أضع قلبي بين يدي امرأة ...
وقررت أن أعيش وحدي ... ولن أتكلم مع أحد سوى افراد بيتي ... ليس لشيء سوى أني لا أريد أن امنح من عواطفي ومشاعري الى أي من الناس ... لقد كرهت الناس ... ولم التحق بفرع الأعلام ... لأني رأيت بأن الناس لا يستحقون قلمي وأحاسيسي ...
ودخلت كلية العلوم دون رغبة مني بل أني اكره اختصاص الحاسبات
تلك الأجهزة الصماء التي اجلس إليها يومي كله ...
ولكني في نفس الوقت قررت أن لن اخضع ثانيةً لشيء أحبه ...
لن أضع أملي وقلبي وحاضري ومستقبلي لشيء ما ...
وهكذا أنا أعيش منذ تزوجت هذه الأنسانه ... أعيش لوحدي ...
أعيش لنفسي ... ولن أكون لغيري أبدا ... ولن امنح أحداً أي شيء ...
ولن اطمح من الدنيا بأكثر من هذا العيش المسالم ...
والآن يا فريال ... لقد تكلمت ... فهل مازلتِ مصرة على أن الدنيا ليست بشعة ...؟؟؟
واحترت كيف أُجيب فقد أذهلتني قصته ...
ذلك الفتى الأضحوكة الذي يضم في داخله صورة عاشق منكسر ...
ولذتُ بالصمت وقطع عليّ صمتي
_ تفضلي القلم ... شكراً لكِ ...
_ العفو ...
و افترقنا .............!!!
تقديري واحترامي
ر
ووو
ح
تعليق