ثروت الخرباوي في دائرة الضوء
[poem=font="Simplified Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/15.gif" border="double,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
لو كان للقلب في الآفاقِ أجنحةٌ= لطار صاحبُهُ بالشوقِ جذلانا
يُرشرشُ العطر فواحاً بساحتكم=و يزرع الحبَّ نسريناً و ريحانا
لكنما الحلمُ قد أزرى به أرقٌ=و الأمنياتُ غدت ريحاً و كثبانا
تَبَعثَرَت في فضاءِ التيهِ أمنيتي=فَلَملَمت شَملَها كفاكَ تحنانا
يا أيها الشِّعرُ : هلاّ تسعفنَّ فتىً= لشُكرِ " ثروت " إجلالاً و عرفانا
أدري بأنك يا شِعري تخاصمني=فابعد ففي النثر ما يُبدي نوايانا[/poem]
مفتتح
لو عاد بنا الزمان إلى أواخر الخمسينيات من القرن الماضي لسمعنا صراخ ذلك الطفل الذي شب عن الطوق في أسرة متوسطة من طبقة الموظفين حيث كان أبوه رحمه الله يعمل مهندساً بالإصلاح الزراعي و لرأيناه يلهو في مدينته إنشاص تلك المدينة الصغيرة في محافظة الشرقية و لشاهدناه يسوح في حدائقها الغناء التي لا مثيل لها و التي كانت إحداها مطلة على منزل والده مع رفقاء هذه المرحلة الأولى من العمر قبل أن يلتحق بمدرسة البساتين الابتدائية بإنشاص حيث ارتقى الغلام مدارج العلم في رباها إلى أن أنهى دراسته الابتدائية .
لم تكن لهذا الطفل البريء في إنشاص هواية إلا السير وسط الحدائق والقراءة بنهم شديد , فتفتح عقل الطفل على قصص و مجلات الأطفال التي كانت تناسب هذه المرحلة من العمر .
فلما انتقل أبوه للعمل في القاهرة في أوائل السبعينيات كان بدهياً أن تنتقل الأسرة كلها إلى القاهرة ليبدأ الفتى مرحلة جديدة من حياته في حي الزيتون كانت له فيها ذكريات لا ينساها حيث فالتحق بالمدرسة الإعدادية ثم الثانوية بمصر الجديدة القريبة من حي الزيتون .
شهدت هذه الفترة الخطيرة من عمر الشاب الملتزم ثروت الخرباوي مرحلة مراهقته و لأنه لم يكن كبقية أبناء جيله إذ تربى في بيت ريفي على القيم و المبادئ الدينية فقد اتجه بكل كيانه إلى العبادة وحفظ القرآن وتعرف وقتها على الكثير من التنظيمات الإسلامية التي كانت تذخر بها البلاد آنذاك ...
أنهى الشاب ثروت الخرباوي دراسته الثانوية ثم التحق بكلية الحقوق جامعة عين شمس .
و لأنه كان مختلفاً عن بقية زملائه في الجامعة طموحاً ثائراً ملتزماً دينياً فقد شهدت هذه فترة الجامعة نشاطا طلابيا واسعاً له في كل المجالات . تفاعل مع الجامعة و عاشها و تعايش معها بكل أحاسيسه و كيانه حتى كأنه لم يكن يعيش في الجامعة بل كانت الجامعة هي التي تعيش فيه .
تخرج ثروت الخرباوي من كلية الحقوق بتقدير عالٍ يثبت للناس تفوق هذا الطالب النابغة من صغره و في شبابه لكنه رفض العمل في النيابة والقضاء ـ على خلاف أقرانه ـ رغم الضغوط العائلية التي مورست ضده ،
فقد كانت المحاماة حلم فكان من الطبعي أن يتدرب على يد أحد كبار المحامين في مصر آنذاك فكان أن عمل في مكتب أستاذه محمد علوان الذي كان يشغل أيامها أمين صندوق إتحاد المحامين العرب ,
و لأن التلميذ غالباً ما يتفوق على أساتذته فينبغ في المجال الذي أحبه و اختاره لنفسه فقد كان لزاماً أن يستقل بحياته و بعمله فافتتح مكتبه الخاص بالمحاماة ثم تزوج و رزقه الله بمرام و يحيى حفظهما الله و بارك له فيهما غير جاحد و لا منكرٍ أفضال من علموه و تتلمذ على أيديهم أمثال الدكتور سليمان الطماوي عميد كلية حقوق عين شمس رحمه الله والأستاذ محمد علوان والمفكر الإسلامي العملاق الدكتور محمد سليم العوا والدكتور العلامة عبد الستار فتح الله . كان هذا مدخلاً لحياة الأستاذ ثروت الخرباوي المحامي المشهور ، الشاعر و الكاتب الساخر الذي طالما أمتعنا بمقالاته الناقدة لأوضاع اجتماعية أو سياسية.
ذلك الرجل الدمث اللبق في حديثه و الذي ما إن يتكلم يرغمك بحسن حديثه الهادئ المتزن إلى الإستماع إليه و ما إن تتحدث يستمع إليك بعقله و قلبه الطيب .
ذلك المواطن المصري البسيط الذي يعيش حياةً طبيعية متوازنة بين عمله و بيته و موقعه دون سرف أو إهدار لوقت فتراه يكتب في كل الفنون و لا سيما الأدب الساخر ويقرأ كل ما يقع تحت يده من كتب ٍ في مكتبته العامرة بكتب الحقوق و الفلسفة و علم النفس و الروايات و الشعر و له رواية و كتاب عن الإخوان المسلمين سيريا طريقهما للنور قريباً .
فإذا ما كان وقت فراغه مارس هواياته في لعب الشطرنج أو مشاهدة مباريات كرة القدم أو مشاهدة السينما والمسرح الذي سبق له أن أدى بعض الأدوار على خشبته فيما مضى.
و لقد من الله على أستاذنا ثروت الخرباوي الذي استقى العلم من كتاب الله و سنة نبيه بحسن الخلق و طيب المعشر و هذا ما شهد له به القاصي و الداني بالإضافه لما حباه الله من علم و أدب فكان أن تجاذبته الدوريات العلمية التي نشر فيها كمجلة المحاماه و مجلة العدالة و معظم الصحف و المجلات المصرية حتى أصبح واحداً من أعمدة روز اليوسف له فيها مقال أسبوعي .
خاتمة
و أخيراً أترككم أيها القراء الكرام مع هذا الموقف الطريف الذي حدث مع ثروت الخرباوي المحامي كما حكاه بنفسه :
فقد قدم ذات مرة مذكرة دفاع في إحدى القضايا وكان القضاة جهلة أو أغبياء أو فاسدين فبدأ مقدمة المذكرة بعبارة ( السادة القضاة العدول ) فإذا بالناسخ في مكتبه يكتبها في وقت متأخر فلم يتمكن من مراجعتها حيث أحضرها له أحد محاميِّ مكتبه قبيل الجلسة فقدمها أثناء المرافعة للقضاة وإذا به بعد ذلك يكتشف أن الناسخ كتبها ( السادة القضاة العجول )
[poem=font="Simplified Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/15.gif" border="double,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
لو كان للقلب في الآفاقِ أجنحةٌ= لطار صاحبُهُ بالشوقِ جذلانا
يُرشرشُ العطر فواحاً بساحتكم=و يزرع الحبَّ نسريناً و ريحانا
لكنما الحلمُ قد أزرى به أرقٌ=و الأمنياتُ غدت ريحاً و كثبانا
تَبَعثَرَت في فضاءِ التيهِ أمنيتي=فَلَملَمت شَملَها كفاكَ تحنانا
يا أيها الشِّعرُ : هلاّ تسعفنَّ فتىً= لشُكرِ " ثروت " إجلالاً و عرفانا
أدري بأنك يا شِعري تخاصمني=فابعد ففي النثر ما يُبدي نوايانا[/poem]
مفتتح
لو عاد بنا الزمان إلى أواخر الخمسينيات من القرن الماضي لسمعنا صراخ ذلك الطفل الذي شب عن الطوق في أسرة متوسطة من طبقة الموظفين حيث كان أبوه رحمه الله يعمل مهندساً بالإصلاح الزراعي و لرأيناه يلهو في مدينته إنشاص تلك المدينة الصغيرة في محافظة الشرقية و لشاهدناه يسوح في حدائقها الغناء التي لا مثيل لها و التي كانت إحداها مطلة على منزل والده مع رفقاء هذه المرحلة الأولى من العمر قبل أن يلتحق بمدرسة البساتين الابتدائية بإنشاص حيث ارتقى الغلام مدارج العلم في رباها إلى أن أنهى دراسته الابتدائية .
لم تكن لهذا الطفل البريء في إنشاص هواية إلا السير وسط الحدائق والقراءة بنهم شديد , فتفتح عقل الطفل على قصص و مجلات الأطفال التي كانت تناسب هذه المرحلة من العمر .
فلما انتقل أبوه للعمل في القاهرة في أوائل السبعينيات كان بدهياً أن تنتقل الأسرة كلها إلى القاهرة ليبدأ الفتى مرحلة جديدة من حياته في حي الزيتون كانت له فيها ذكريات لا ينساها حيث فالتحق بالمدرسة الإعدادية ثم الثانوية بمصر الجديدة القريبة من حي الزيتون .
شهدت هذه الفترة الخطيرة من عمر الشاب الملتزم ثروت الخرباوي مرحلة مراهقته و لأنه لم يكن كبقية أبناء جيله إذ تربى في بيت ريفي على القيم و المبادئ الدينية فقد اتجه بكل كيانه إلى العبادة وحفظ القرآن وتعرف وقتها على الكثير من التنظيمات الإسلامية التي كانت تذخر بها البلاد آنذاك ...
أنهى الشاب ثروت الخرباوي دراسته الثانوية ثم التحق بكلية الحقوق جامعة عين شمس .
و لأنه كان مختلفاً عن بقية زملائه في الجامعة طموحاً ثائراً ملتزماً دينياً فقد شهدت هذه فترة الجامعة نشاطا طلابيا واسعاً له في كل المجالات . تفاعل مع الجامعة و عاشها و تعايش معها بكل أحاسيسه و كيانه حتى كأنه لم يكن يعيش في الجامعة بل كانت الجامعة هي التي تعيش فيه .
تخرج ثروت الخرباوي من كلية الحقوق بتقدير عالٍ يثبت للناس تفوق هذا الطالب النابغة من صغره و في شبابه لكنه رفض العمل في النيابة والقضاء ـ على خلاف أقرانه ـ رغم الضغوط العائلية التي مورست ضده ،
فقد كانت المحاماة حلم فكان من الطبعي أن يتدرب على يد أحد كبار المحامين في مصر آنذاك فكان أن عمل في مكتب أستاذه محمد علوان الذي كان يشغل أيامها أمين صندوق إتحاد المحامين العرب ,
و لأن التلميذ غالباً ما يتفوق على أساتذته فينبغ في المجال الذي أحبه و اختاره لنفسه فقد كان لزاماً أن يستقل بحياته و بعمله فافتتح مكتبه الخاص بالمحاماة ثم تزوج و رزقه الله بمرام و يحيى حفظهما الله و بارك له فيهما غير جاحد و لا منكرٍ أفضال من علموه و تتلمذ على أيديهم أمثال الدكتور سليمان الطماوي عميد كلية حقوق عين شمس رحمه الله والأستاذ محمد علوان والمفكر الإسلامي العملاق الدكتور محمد سليم العوا والدكتور العلامة عبد الستار فتح الله . كان هذا مدخلاً لحياة الأستاذ ثروت الخرباوي المحامي المشهور ، الشاعر و الكاتب الساخر الذي طالما أمتعنا بمقالاته الناقدة لأوضاع اجتماعية أو سياسية.
ذلك الرجل الدمث اللبق في حديثه و الذي ما إن يتكلم يرغمك بحسن حديثه الهادئ المتزن إلى الإستماع إليه و ما إن تتحدث يستمع إليك بعقله و قلبه الطيب .
ذلك المواطن المصري البسيط الذي يعيش حياةً طبيعية متوازنة بين عمله و بيته و موقعه دون سرف أو إهدار لوقت فتراه يكتب في كل الفنون و لا سيما الأدب الساخر ويقرأ كل ما يقع تحت يده من كتب ٍ في مكتبته العامرة بكتب الحقوق و الفلسفة و علم النفس و الروايات و الشعر و له رواية و كتاب عن الإخوان المسلمين سيريا طريقهما للنور قريباً .
فإذا ما كان وقت فراغه مارس هواياته في لعب الشطرنج أو مشاهدة مباريات كرة القدم أو مشاهدة السينما والمسرح الذي سبق له أن أدى بعض الأدوار على خشبته فيما مضى.
و لقد من الله على أستاذنا ثروت الخرباوي الذي استقى العلم من كتاب الله و سنة نبيه بحسن الخلق و طيب المعشر و هذا ما شهد له به القاصي و الداني بالإضافه لما حباه الله من علم و أدب فكان أن تجاذبته الدوريات العلمية التي نشر فيها كمجلة المحاماه و مجلة العدالة و معظم الصحف و المجلات المصرية حتى أصبح واحداً من أعمدة روز اليوسف له فيها مقال أسبوعي .
خاتمة
و أخيراً أترككم أيها القراء الكرام مع هذا الموقف الطريف الذي حدث مع ثروت الخرباوي المحامي كما حكاه بنفسه :
فقد قدم ذات مرة مذكرة دفاع في إحدى القضايا وكان القضاة جهلة أو أغبياء أو فاسدين فبدأ مقدمة المذكرة بعبارة ( السادة القضاة العدول ) فإذا بالناسخ في مكتبه يكتبها في وقت متأخر فلم يتمكن من مراجعتها حيث أحضرها له أحد محاميِّ مكتبه قبيل الجلسة فقدمها أثناء المرافعة للقضاة وإذا به بعد ذلك يكتشف أن الناسخ كتبها ( السادة القضاة العجول )
تعليق