رنات الكتابة الذاتية(1)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    رنات الكتابة الذاتية(1)

    رنات الكتابة الذاتية (1)

    ما الذي يغري أنامل الأديب لهز أوتار قتارة الواقع فتعزف لحنا لم يألفه الناس، بل تخشع له القلوب وتنجذب؟

    ما الذي يفجر مشاعر الشاعر فتقرا صفحة الصحيفة على عكس المعتاد تارة تمضي على خطها العمودي، حيث تتلألأ أنوار السماء إلى الأرض وتارة تنسحب من ذات اليمين إلى ذات الشمال، وأخرى من أفقي معاكس، أو من الأسفل إلى الأعلى؛ لكنه يروي للناس روايات لم يألفها أحد، رغم استماع الجميع لنفس "الجزيرة"، ويخبر عما لا يراه الناس ؟

    وتتناغم أصواته وتصدح بلحنها المؤثر صدح بلبل هز الحدائق الغناء، ورد عليه صدى الجبال السامقات في العلو؟؛ بل صفقت له كل الفراشات وضج الضفدع في خشوع، وبكى الطير الحزين بكاء شجيا، بل رقصت له الزهور رقصات لم يشهد لها مثيلا، فانجذب النخيل واهتزت الأشجار والأشجان في عناق، وسالت الوديان واخضر كل ربيع العمر، وزهت النفوس زهوها العالي، وصفق جمهور مسرحها تصفيقات حارة دوت على نغماتها تسبيحات جليلة تقدس المحراب في تواصل، في تآلف، وفي تناغم،{مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} [الملك : 3].

    فليست الكتابة الأدبية سوقا لمفردات سوق الشياه نحو هذا الوطر، وتلك الآبار، تنميقا للأساليب وترصيعا لها بفنون البديع وإيقاع سميع؛ على شاكلة المنافق يلبس لباسا جميلا لقلب تبطنته ميكروبات الغش، وأكسيد الفساد، ووخزه شوك القتاد؛ وكل من لامس أبجدية الثقافة يجمع الكلمات ويحشر المصطلحات، وينادي نداءا عليا، بصوت وصيحات فرعونية: أنا...

    إنما ترفرف أعلام الكتابة الأدبية فوق الرؤوس بنبرات هزت النفس، وباحت بأسرار عبقريتها، فأسقتها من ذاتيتها: كوبا من خصائص أحاسيسها؛ مما لم تدركه العيون، وما لم تعبر عنه الألسن، وما لم يطرق مسامع المرء، ولم يهز فؤاده البتة:

    ذاق، فاستفاق على رنات غريبة وهزات عجيبة، ونسائم لطيفة، وألحان بديعة وطريفة: كأَنْ غدت إكليلا لجواهر مرصعة تلألأت لآلئها وازدان لمعانها، تململه بلطف حينا، وتقرع الطبول بعنف على خده أحيان أخر؛ بل استسلم لها في ساعة فراغ روحي، وسلم كل أحاسيسه ومشاعره لتسكب فيه من رحيقها ما ينتشي به يومه وغده وو...

    وما أجمل الكلام حين تنمقه الأحلام، وتنحته ريشة أقلام، وكان لطبل الأذن ملاما، وليسر العيش بجنبه نسائما، حتى بكى : ياليتني...ولات حين مناص...

    ومن كوة نور الصباح، تشرق ألوان " الصباغ " بألحان شجية، وأصوات ندية،وكلام بديع يسيل رذاذه بماء الحياة فيسقي نفوسا من ريح عوده الطاهر؛ لتتنفس الصعداء نحو الأمل: نحو النور، نحو الصفاء، والإخلاص، نحو الكمال الذاتي في صحو العالم وسكر الصوفي...حيث لا خلاص إلا بالاكتواء بنار النور حتى تفيض الأنوار نور على نور...

    نقلع نحو السماء إقلاع الصاروخ ونجنح بعيدا، بعيدا... لنطرق باب المزاج، والخلق، والسجية، والفكر، ليصحبونا جميعا في رفقة نحو العلياء نحو النور فوق الثريا، إلى حيث تحبس الملائك، ويعتلي العلى المقربون.

    من هناك حيث النور يجلو كل ظلمة، وتذهب كل حيرة، من هنالك حيث لا ترى إلا ربا وفضلا، نقرأ سطور وردة :

    "خلود" لمحمد الصباغ.

    "كل ما في الوجود يتعرى، حتى النسمة النحيلة المنسابة على خدود الأغصان، حتى أشباح الوهم السارية في مشاعر الظلمة الواهنة حتى النأمة التائهة في مزالق الصمت الرهيب.

    عاريا أرى كل ما في الوجود، وعاريا ألمسه، فالزمن القديم والحديث في ريشتي ألوان وأصباغ أرسم بها لوحة الخلود، والمكان البعيد والقريب عجينة من طين أنفخ فيها فتتحرك بالحياة،والمطلق الغميق والمدى السحيق رجاحتان أرى من خلالهما نطفة الحياة تفرخ وتلد، وتتزاوج.

    برقة خيال، أخلق عالما يمور بالسحر، والحمام وصغار العصافير.
    وبيقظة حس: أحصد النجوم من مزارع الضوء، وأختلس الأحلام من مضاجع الصبابا، ومراقص الأعراس، مشيدا لكم منها قصورا تروحون وتغدون فيها وأحيانا تطيشون إلى فراغ الزمن.

    رب كلمة تقطفها فتاة من عريش كلماتي فتغفو في رفيفها الوردي كفراشة حلم تحلم بمساكب العبير، ورب ابتسامة طفل، تفتق في أصابعي دوالي كرومها من عناقيد الطهر والحنان والفرح الأبيض.

    آه كم من ألحان ناعمة في أشجار حديقتي، أهز أغصانها بأنامل خيالي، فتسقط منها قطرات من موسيقى وأنغام، وكم من حبال ضوء في كل نجمة تشدني إلى قلبها بمجرد ما أحدق فيها، فأغدو من عصير البنفسج، ولون المحال.

    من زقزقة الطير، ونقرة الوتر، وصفاء الوهم، والمنتهى ريشتي.

    أمضي، وفي سلتي سر الخلود، أمسح به على عيون الزهور، والنجوم، والأعشاب الضريرة فتمتلئ بالنور وأزرعه في الصخور والرخام فتفور بالأريج والينابيع والطيور، وأنفخ به على الحصى، وبنات الأحجار فتغدو جواهر ولآلئ وقطرات عنبر.

    غدا سيهوى جسدي من شرفة النجوم، فيتكسر على الأرض شطايا عطر، وسر وسؤال مبهم وستظل العوالم التي اكتشفتها لكم خالدة، وستظلون أنتم تحيون في عرساتها الغيبية كلما فاح زهر، ولمع نجم وغرد طير وألقي سؤال.

    سأكون دائما على موعد معكم: في اللحون، في الطيوب.

    ستلقون صورتي في أنة الرباب، ونضرة الهيام.

    كلماتي أرسلها لكم في النجوم، ونجوى العلى، وصحو الخيال، فبعدها لم يعد لحياتي نكهة ولا معنى."( الأعمال الكاملة لمحمد الصباغ ج7/1)


    ولئن أذقتك طبق عشق لرحيق الخلود، ورشفت نخب عبقرية فذة، أسألك عن طعم هذا الصباح، أهي النبوة من فارس الكلم، أوأنة الرباب ونضرة الهيام؟.
    [/size]
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 22-04-2009, 15:43.
    http://www.mhammed-jabri.net/
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #2
    أخي الأستاذ محمد جابري: السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
    أخي محمد و أستاذي الروحي، أصر على نعتك بأستاذي الروحي لما بيننا من وشائج الروح الحاتمية الطائية العربية ! لقد فتحت جهازي الآن و أول ما طلع علي كلماتك المشرقة بإشراقة هذا اليوم الربيعي الجميل !
    نص بديع بنفسه و قد عرفتَ كيف تجعله أبدع بما نقلته من رائعة الأستاذ الأديب الفنان المبدع محمد الصباغ و الذي لم يسبق لي شرف التعرف عليه أو القراءة له أو عنه، لكن كفاني ما نقلته عنه لأحكم أنه أستاذ جليل فعلا !
    المقالة التي أتحفتنا بها اليوم ممتازة و ليس هذا بغريب من قلم كقلمك السيال لولا ما شابها من مفردات أعجمية لا تليق بنص باذخ مثله (المكروبات، الأكسيد...) شانته و أخطاء مطبعية بسيطة عابته يمكن تصحيحا بسهولة لإضفاء مزيد من الرونق على مقالتك الرائعة !
    الكتابة الأدبية الإبداعية في معظمها ذاتية انطباعية و هي انعكاس لما يختلج في نفس الكاتب فيعبر عنه بكلماته و من هنا جاء التفاوت بين المبدعين !
    التفاوت ينتج عن قدرة الكاتب على التعبير الصادق و كلما زاد رصيده اللغوي زادت قدرته على التعبير و لا يُكتفى بهذا بل يضاف إليه الحس المرهف و الحس لا يرهف إلا بالثقافة الواسعة و الذوق الرفيع.

    أستاذي الروحي محمد: كيف أشكرك ؟
    لقد سرني أن قرأت لك اليوم، في بدايته، هذه المقالة لعلها تفتح لي شهية الكتابة فأنسج على منوالك أو أنهج في سبيلك !
    تحيتي و مودتي.

    التعديل الأخير تم بواسطة حسين ليشوري; الساعة 23-04-2009, 11:17.
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • حسين أحمد سليم
      أديب وكاتب
      • 23-10-2008
      • 147

      #3
      نص إبداعي

      المشاركة الأصلية بواسطة محمد جابري مشاهدة المشاركة
      رنات الكتابة الذاتية (1)

      ما الذي يغري أنامل الأديب لهز أوتار قتارة الواقع فتعزف لحنا لم يألفه الناس، بل تخشع له القلوب وتنجذب؟

      ما الذي يفجر مشاعر الشاعر فتقرا صفحة الصحيفة على عكس المعتاد تارة تمضي على خطها العمودي، حيث تتلألأ أنوار السماء إلى الأرض وتارة تنسحب من ذات اليمين إلى ذات الشمال، وأخرى من أفقي معاكس، أو من الأسفل إلى الأعلى؛ لكنه يروي للناس روايات لم يألفها أحد، رغم استماع الجميع لنفس "الجزيرة"، ويخبر عما لا يراه الناس ؟

      وتتناغم أصواته وتصدح بلحنها المؤثر صدح بلبل هز الحدائق الغناء، ورد عليه صدى الجبال السامقات في العلو؟؛ بل صفقت له كل الفراشات وضج الضفدع في خشوع، وبكى الطير الحزين بكاء شجيا، بل رقصت له الزهور رقصات لم يشهد لها مثيلا، فانجذب النخيل واهتزت الأشجار والأشجان في عناق، وسالت الوديان واخضر كل ربيع العمر، وزهت النفوس زهوها العالي، وصفق جمهور مسرحها تصفيقات حارة دوت على نغماتها تسبيحات جليلة تقدس المحراب في تواصل، في تآلف، وفي تناغم،{مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} [الملك : 3].

      فليست الكتابة الأدبية سوقا لمفردات سوق الشياه نحو هذا الوطر، وتلك الآبار، تنميقا للأساليب وترصيعا لها بفنون البديع وإيقاع سميع؛ على شاكلة المنافق يلبس لباسا جميلا لقلب تبطنته ميكروبات الغش، وأكسيد الفساد، ووخزه شوك القتاد؛ وكل من لامس أبجدية الثقافة يجمع الكلمات ويحشر المصطلحات، وينادي نداءا عليا، بصوت وصيحات فرعونية: أنا...

      إنما ترفرف أعلام الكتابة الأدبية فوق الرؤوس بنبرات هزت النفس، وباحت بأسرار عبقريتها، فأسقتها من ذاتيتها: كوبا من خصائص أحاسيسها؛ مما لم تدركه العيون، وما لم تعبر عنه الألسن، وما لم يطرق مسامع المرء، ولم يهز فؤاده البتة:

      ذاق، فاستفاق على رنات غريبة وهزات عجيبة، ونسائم لطيفة، وألحان بديعة وطريفة: كأَنْ غدت إكليلا لجواهر مرصعة تلألأت لآلئها وازدان لمعانها، تململه بلطف حينا، وتقرع الطبول بعنف على خده أحيان أخر؛ بل استسلم لها في ساعة فراغ روحي، وسلم كل أحاسيسه ومشاعره لتسكب فيه من رحيقها ما ينتشي به يومه وغده وو...

      وما أجمل الكلام حين تنمقه الأحلام، وتنحته ريشة أقلام، وكان لطبل الأذن ملاما، وليسر العيش بجنبه نسائما، حتى بكى : ياليتني...ولات حين مناص...

      ومن كوة نور الصباح، تشرق ألوان " الصباغ " بألحان شجية، وأصوات ندية،وكلام بديع يسيل رذاذه بماء الحياة فيسقي نفوسا من ريح عوده الطاهر؛ لتتنفس الصعداء نحو الأمل: نحو النور، نحو الصفاء، والإخلاص، نحو الكمال الذاتي في صحو العالم وسكر الصوفي...حيث لا خلاص إلا بالاكتواء بنار النور حتى تفيض الأنوار نور على نور...

      نقلع نحو السماء إقلاع الصاروخ ونجنح بعيدا، بعيدا... لنطرق باب المزاج، والخلق، والسجية، والفكر، ليصحبونا جميعا في رفقة نحو العلياء نحو النور فوق الثريا، إلى حيث تحبس الملائك، ويعتلي العلى المقربون.

      من هناك حيث النور يجلو كل ظلمة، وتذهب كل حيرة، من هنالك حيث لا ترى إلا ربا وفضلا، نقرأ سطور وردة :

      "خلود" لمحمد الصباغ.

      "كل ما في الوجود يتعرى، حتى النسمة النحيلة المنسابة على خدود الأغصان، حتى أشباح الوهم السارية في مشاعر الظلمة الواهنة حتى النأمة التائهة في مزالق الصمت الرهيب.

      عاريا أرى كل ما في الوجود، وعاريا ألمسه، فالزمن القديم والحديث في ريشتي ألوان وأصباغ أرسم بها لوحة الخلود، والمكان البعيد والقريب عجينة من طين أنفخ فيها فتتحرك بالحياة،والمطلق الغميق والمدى السحيق رجاحتان أرى من خلالهما نطفة الحياة تفرخ وتلد، وتتزاوج.

      برقة خيال، أخلق عالما يمور بالسحر، والحمام وصغار العصافير.
      وبيقظة حس: أحصد النجوم من مزارع الضوء، وأختلس الأحلام من مضاجع الصبابا، ومراقص الأعراس، مشيدا لكم منها قصورا تروحون وتغدون فيها وأحيانا تطيشون إلى فراغ الزمن.

      رب كلمة تقطفها فتاة من عريش كلماتي فتغفو في رفيفها الوردي كفراشة حلم تحلم بمساكب العبير، ورب ابتسامة طفل، تفتق في أصابعي دوالي كرومها من عناقيد الطهر والحنان والفرح الأبيض.

      آه كم من ألحان ناعمة في أشجار حديقتي، أهز أغصانها بأنامل خيالي، فتسقط منها قطرات من موسيقى وأنغام، وكم من حبال ضوء في كل نجمة تشدني إلى قلبها بمجرد ما أحدق فيها، فأغدو من عصير البنفسج، ولون المحال.

      من زقزقة الطير، ونقرة الوتر، وصفاء الوهم، والمنتهى ريشتي.

      أمضي، وفي سلتي سر الخلود، أمسح به على عيون الزهور، والنجوم، والأعشاب الضريرة فتمتلئ بالنور وأزرعه في الصخور والرخام فتفور بالأريج والينابيع والطيور، وأنفخ به على الحصى، وبنات الأحجار فتغدو جواهر ولآلئ وقطرات عنبر.

      غدا سيهوى جسدي من شرفة النجوم، فيتكسر على الأرض شطايا عطر، وسر وسؤال مبهم وستظا العوالم التي اكتشفتها لكم خالدة، وستظلون أنتم تحيون في عرساتها الغيبية كلما فاح زهر، ولمع نجم وغرد طير وألقي سؤال.

      سأكون دائما على موعد معكم: في اللحون، في الطيوب.

      ستلقون صورتي في أنة الرباب، ونضرة الهيام.

      كلماتي أرسلها لكم في النجوم، ونجوى العلى، وصحو الخيال، فبعدها لم يعد لحياتي نكهة ولا معنى."( الأعمال الكاملة لمحمد الصباغ ج7/1)


      ولئن أذقتك طبق عشق لرحيق الخلود، ورشفتك نخب عبقرية فذة، أسألك عن طعم هذا الصباح، أهي النبوة من فارس الكلم، وأنة الرباب ونضرة الهيام؟.
      [/size]
      [align=center]نصّ إبداعي له ترفل الأقلام الحانية بالبوح الفنّي...

      وله تنحني الكتابات إجلالا وتقديرا وإحترام...

      بورك قلمك السّيّال...[/align]
      حسين أحمد سليم
      hasaleem

      تعليق

      • محمد جابري
        أديب وكاتب
        • 30-10-2008
        • 1915

        #4
        عزيزي حسين ليشوري

        لكم أثلج صدري تدخلك في وقت كنت أنت السباق لمعانقة النص وإبداء رأيك فيه.

        أخي الكريم كيف لنا، أن نراوح مكاننا في المستوى الكتابي وأخونا عبد العلي الوزاني يقول:
        ""الأدب فن من الفنون الإنسانية التي يتحدث إليها الإنسان بخلجات قلبه، وتموجات روحه، واندفاعات خاطره، فكان اتصاله بالإنسان اتصالا بالأعماق، وأعماق الإنسانية في الأدب مورد "رزق فني" ؛ وإذا انقطعت الصلة بين الأدب وتلك الأعماق فقد العنصر الإنساني الذي هو سر وجوده، وإذا استطاع أحد أن يكون "إنسانا" في كتاباته فقد فاز بنعمة الأدب، وما محاولة الإنسان أن يبدع الفنون إلا مظهرا لسعيه في تكرار نفسه, وبعثها في صوره الفنية التي يصورها ؛ وعلى أساس هذا الرأي اطمأن مؤرخو الأدب والأخلاق إلى الآثار الإنسانية الفنية في سبيل البحث عن ألوانه النفسية، ومشاعره الوجدانية، ونحن كثيرا ما نقرأ نفوسنا في الآثار الفنية لغيرنا؛ وكأنما هي من عملنا نحن لا من عمل ذلك الغير ؛ وعلى قدر معرفة الإنسان لنفسه ومقدرته على أداء تلك المعرفة يكون تفوقه وإبداعه في الفنون".

        بارك الله فيك ورزقنا وإياك قلما رائعا مبدعا يتوق للعلياء.
        http://www.mhammed-jabri.net/

        تعليق

        • محمد جابري
          أديب وكاتب
          • 30-10-2008
          • 1915

          #5
          حبيبي حسين أحمد سليم، سلمك الله من كل الآفات،

          بارك الله في مداخلتكم وشكر لكم جميل عباراتكم وسددنا وألهمنا الصواب والرشاد {وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [73] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [74]}آل عمران.
          يقول محمد الصباغ: " أريد أن تعرف كما عرفت في هذا الصباح؛ أن فيك كرمة تتدلى عناقيدها من عريش أصابعك. وأن جذورها ممتدة في تربتي وتربة أصدقائي فأنا عطشان دون ظمأ إلى خمرتها، كما عرفت أن بجوارك جدولا ترغى أزباده في لسانك ولسان أصدقائنا وجيراننا"
          أخي الكريم:
          سباق أنت إلى الفضائل وكرم اللسان في زمن شحت فيه الألسن عن الإدلاء بالكلمة الطيبة.
          http://www.mhammed-jabri.net/

          تعليق

          • حسين ليشوري
            طويلب علم، مستشار أدبي.
            • 06-12-2008
            • 8016

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة محمد جابري مشاهدة المشاركة
            عزيزي حسين ليشوري

            لكم أثلج صدري تدخلك في وقت كنت أنت السباق لمعانقة النص وإبداء رأيك فيه.
            ...
            بارك الله فيك ورزقنا وإياك قلما رائعا مبدعا يتوق للعلياء.
            [align=justify]أخي الأستاذ الفاضل محمد جابري : و بارك الله فيك و تقبل الله دعاءك و جعلنا في خدمة اللغة العربية حتى نبلغ بها ما نطمح إليه من خير و ما نطمع فيه من فضله.
            قرأت منذ مدة جملة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي في "الفتوحات المكية" عن الكلام و شرط نجاحه :" الكلام على قدر السامع و ليس على قدر المتكلم " و هذه الجملة على وجازتها تلخص قانون التواصل البشري كله، إذ ينبغي على المتكلم، أو المرسل، أن يراعي مستوى السامع، أو المخاطَب أو المتلقي أو المرسل إليه (هذا التوضيح ليس لك أخي الكريم و إنما هو للذين يقرؤنه من الزوار) ليضمن لخطابه قسطا من النجاح، أو بتعبير آخر يجب مرعاة مستوى المتلقي بمخاطبته على قدر عقله !
            إن "المشاكل' التي تحدث هنا و هناك، و لا سيما في "التحورات" أساسها الأول عدم مراعاة هذا الشرط الضروري.
            لا أريد أن أثقل مداخلتي هذه بالأمثلة فما عندنا هنا في "الملتقى" يغني عن الذكر.
            تحيتي إليك أستاذي الروحي.
            دمت على التواصل البناء الذي يغني و لا يلغي.
            أسأل الله العلي القدير أن يلهمنا رشدنا و أن يسدد كلماتنا فتأتي بالفائدة التي نرجوها منها، اللهم آمين ![/align]
            sigpic
            (رسم نور الدين محساس)
            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

            "القلم المعاند"
            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

            تعليق

            • رنا خطيب
              أديب وكاتب
              • 03-11-2008
              • 4025

              #7

              النفس كالبحر ، عالم واسعا من الاحتواء يصعب التنبؤ بكنهه. و كلما أبحرت في عمقه نحو القاع، كلما كشفت اللثام عن مفرداته.

              النفس ذائقة للفن ، و الأدب هو نوع من الفنون التي تهواها النفس .
              و كلما كانت النفس راقية، زاد تعمقها برسالة الأدب.

              و الأدب ليس إلا مجموعة من الصور التي تحاكي الحياة بكل ما فيها من مواقف و أحداث ..تصورها بلغة الفن المختلفة و كانت الكتابة هي أحد الفنون الجميلة التي يستخدمها الإنسان للتعبير عن إحساسه و رؤيته اتجاه تلك الأحداث.
              الكتابة عالم اكتشافي يحققه الكاتب بيده، فيصمم هيكله و يحدد مساره ... فان كان الكاتب يسير في الاتجاه الصحيح ، كانت وجهة قلمه صحيحة و بالتالي حقق رسالة الكتابة . و إن كان الكاتب يتخبط في الاتجاه كانت وجهة قلمه منحرفة ضبابية الرؤية و بذلك أخفق في تحقيق رسالة الكتابة.

              الكتابة رموز تخرجها النفس فيرسمها القلم، فقد تكون تلك الرموز مسافرة في غياهب عمقها، فتحتاج إلى عقول مدركة تستطيع فك شفرتها و تحويلها إلى لغة قابلة للقراءة. و قد تكون رموزا تعوم على السطح فتحاكي عقولا لا تتكلف عناء السفر في عمق الكلمة.

              و بكل الأحوال الكتابة هي نداء لما يجول من أعماقنا من أحاسيس و مشاعر، فتكون الورقة هي الحاضنة لتلك المشاعر.

              الأستاذ الفاضل محمد الجابري

              أشكرك على هذا النص الهادف في لغته و المتعمق بأصالته الفكرية و الزاخر بالبيان و الصور الجميلة

              مع التحيات
              رنا خطيب

              تعليق

              • محمد جابري
                أديب وكاتب
                • 30-10-2008
                • 1915

                #8
                حبيبي حسين ليشوري بارك الله فيك وأنار سبيلك؛
                حاولت أخي الكريم إثارة أقلام لعلها تسيل بما هوت وما له تنكرت بينما أنا أنظر إلى الأمر من زاوية محمد الصباغ حيث يقول: " تتحدثين، وإلي تنظرين، وكأنك تصلين، أوتناجين أو تناغين أو ترسمين بنبراتك الفضاء. فلا طير يزقزق، ولا جدول يرقرق، ولا غصن يصفق.
                وكأن الكون كله يرنو إليك، ويهفو ويصغي، حتى الخلجة الشاردة، والهمسة الضائعة في منزلقات الصمت."...
                وفي كل خير، وعلى كل بارك الله فيك وفي جهودك...
                http://www.mhammed-jabri.net/

                تعليق

                • محمد جابري
                  أديب وكاتب
                  • 30-10-2008
                  • 1915

                  #9
                  الأستاذة رنا خطيب؛

                  شكرا جزيلا على مرورك الكريم، وشكرا على ما تفضلت به القريحة وأبانت عن السليقة مكانة الكتابة الذاتية.
                  وتقبلي هذا الهدية من محمد الصباغ - رحمه الله - وهو يناجي صديقه: " يؤسفني، ويؤلمني يا أعز الأصدقاء أن أقول لك، إنك مريض بعلة الفن، والجمال، والحس الرهيف، وليس لعلتك دواء، ولا طبيب، ولا مستشفى.
                  يعذبني ويشقيني أن أقول لك إنك مريض وليس أحد يستطيع أن يفهمك، ويفهم جنونك، حتى أنت لا تستطع أن تفهم نفسك وتعالجها، وتواسيها، وتحنو عليها، وتعفو عن أعمالها، وما يصدر عنها من أقوال وإشارت، وإيماءات، وهذيان وانفعال شاذ غريب.
                  لقد عاشرتك مدة طويلة يا أعز الأصدقاء فأحببتك أحببت فيك الإخلاص والحياء، والمثالية، والعاطفة الزاخرة، والارتفاع عن كل ما من شأنه أن يسيء إلى سمعتك...."
                  بارك الله فيك وفي جهودك وشكرا على مرورك.
                  http://www.mhammed-jabri.net/

                  تعليق

                  • عبدالرؤوف النويهى
                    أديب وكاتب
                    • 12-10-2007
                    • 2218

                    #10
                    على هامش الرنات
                    ***********

                    فى سماء النقد الأدبى ..تُحلق طيور الخير والإبداع والتميز.

                    نجومنا الكبار ،نجومنا المتلألأة
                    محمد جابرى
                    حسين ليشورى
                    حسين أحمد سليم
                    رنا خطيب

                    لكم أنا مبتهج بهذه الصحبة الطيبة ،وهذا البيان الرصين والبديع المتألق.

                    تعليق

                    • محمد جابري
                      أديب وكاتب
                      • 30-10-2008
                      • 1915

                      #11
                      عزيزي عبد الرؤوف نويهي،
                      شكر الله مروركم ورقيق عباراتكم وألهمنا وإياكم الصواب والرشاد؛

                      أخي الكريم ومصيبة الموت لا زال صداها في أذنيكم لذلك اخترت لكم نصيحة من محمد الصباغ:

                      " وما أوفى صداقة الموت، إذا وعد وفى، وما أشد خيانة الحياة، التي من عهدها، أن لا يدوم لها عهد، ومن يتخذ الموت صديقا يكشف له الموت عن خيانة الحياة ودسائسها وشرها.

                      وإني أنصحكم بأن تتخذوا الموت رفيقا في طريق حياتكم، رافقوه في قيامكم وقعودكم، وشاوروه في كل نية تنوونه وكل خطوة تخطونها وكل عمل تقدمون عليه، فإنه حتما سيقودكم إلى الخير والصلاح والفلاح.

                      لا تنعتوه بالشر المستطير كما لقنتكم الحياة أن تنعتوه، فهو منجيكم من أتراحكم و ضرائكم وويلاتكم.

                      هكذا اخترت لنفسي هذا الصديق الوفي، وهكذا اخترت شكل ميتتي من بين ملايين الأشكال."

                      بارك الله فيكم وفي جهودكم
                      http://www.mhammed-jabri.net/

                      تعليق

                      • رنا خطيب
                        أديب وكاتب
                        • 03-11-2008
                        • 4025

                        #12
                        الأستاذ الفاضل عبد الرؤوف النويهي..
                        إنه لعظيم الشرف أن يخط قلمك اسمي في هذا القسم الجميل ، و على هذه الصفحة التي تزينت بنجوم مثل الأخ الفاضل محمد الجابري ، و الأخ حسين ليشوري ، و الأخ حسين احمد سليم..

                        أشكرك على هذه الكلمة الطيبة التي أحطتنا بها..

                        و الملتقى بكل مبدعيه أعتبره مدرسة نتعلم فيه كل فنون و أنواع الكتابة الراقية .

                        و دمت زخرا وافر العطاء لهذا الملتقى الجميل..


                        مع خالص التقدير و الاحترام

                        رنا خطيب

                        تعليق

                        • حسين ليشوري
                          طويلب علم، مستشار أدبي.
                          • 06-12-2008
                          • 8016

                          #13
                          [align=justify]أستاذي الروحي محمد جابري المبجل لك تحيتي و مودتي التماتان الدائمتان إن شاء الله تعالى.
                          لكم أنا متأسف لفوات الرد في حينه على كلماتك العبقة بأريج الأدب الساحرالأخاذ، لقد كنت مشغولا بأمور كثيرة ألهتني و حرمتني سعادة القراءة في وقتها، لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
                          كما أنني سعيد جدا بقراءة ما تفضل به أستاذنا الفاضل عبد الرؤوف نويهي، حتى خجلت من نفسي أمامه، و كذلك ما تفضلت به أديبتنا النشطة جدا رنا الخطيب و ذهلت بما كتبته أولا تعليقا على مقالتك فاكتشفت فيها زاوية ما ظننتها فيها، و هكذا هي الدنيا تعلمنا في كل يوم الجديد لمن يعرف كيف يستفيد.
                          أشكرك كثيرا أستاذي الروحي، و الأدبي كذلك، فلك أولا ثم إلى الأستاذ عبد الرؤوف النويهي و الأستاذة رنا الخطيب و كل من شاركنا أو سيشاركنا حديثنا هذا أخلص تحياتي و أصدق تمنياتي للتسامي الروحي و الأدبي اللذين يليقان بملتقانا هذا.[/align]
                          sigpic
                          (رسم نور الدين محساس)
                          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                          "القلم المعاند"
                          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                          تعليق

                          • حسين ليشوري
                            طويلب علم، مستشار أدبي.
                            • 06-12-2008
                            • 8016

                            #14
                            وا أسفي على تلك الأيام الجميلة التي كنا نتبارى فيها على الجمال الأدبي إبداعا وتعليقا وتعلما واستفادة !
                            أين أنت أخي الفاضل الأستاذ محمد جابري وأين كتاباتك الرصينة شكلا ومضمونا؟
                            كنت أتمنى لو أنني وجدت الحلقة الثانية من موضوعك الجميل هنا، وما بعدها، حتى نستفيد أكثر من رؤيتك الثاقبة.
                            كن بخير حيث أنت وزادك الله من فضله، آمين.

                            sigpic
                            (رسم نور الدين محساس)
                            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                            "القلم المعاند"
                            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                            تعليق

                            يعمل...
                            X