-1-
زارني الأرق مرة أخرى هذه الليلة , فكري مشغول جدا , أفكاري مشتة , حاولت كثيرا أن أنام لكن لم يكن لي ما أريده , فجأة قمت من سريري وذهبت إلى المطبخ وحضرت عصير ليمون قلت في نفسي عساه يهدأ أعصابي , وبعدها أنام , الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل, دخلت غرفتي , وأطلقت موسيقى هادئة , وجلست على كرسي مكتبي , وبدون أن أشعر أخذت قلمي الحبر الأسود , وبدأت أكتب : مرحبا ... أدعوكم لحضور جلسة ادبية , فلسفية , شاعرية و فنية , تكونوا أنتم ضيوف شرفها ومؤطريها ومقدميها , وحضوركم مرهون بهذه الجلسة , راجية منكم أن تحققوا لي هذا الأمل , الميعاد , يوم مولدي , الساعة مفتوحة . العنوان : بيت العلم , شارع الأدب , الحياة . المدعوون : أحمد شوقي , جبران خليل جبران , إيليا أبو ماضي , توفيق الحكيم , محمد عبد الوهاب , نزار قباني. أحسست بعطش كثير , فأخذت أتجرع كوبي ماء , والورقة التي كتبتها بين يدي , وبدأت أقرأ, استغربت لما كتبته , فجاءتني نوبة ضحك بصورة مجنونة , وأنا أردد في أعماقي , كيف قمت بكتابة هذا , وبرهة سقط الصمت على لساني مدة طويلة , وكأنني عرفت سبب أرقي , فقلت في نفسي لما لا , فقمت بكتابة بطاقة الدعوة على الكومبيوتر , وقررت أن أرسلها في الغد , إلى كل من : شوقي , جبران , إيليا ,الحكيم , عبد الوهاب , قباني. ولما انتهيت من كتابة الدعوة , شعرت بنعاس كثير يراود أجفاني , فقررت النوم , وكانت الساعة عندئذ الرابعة صباحا. في الغد قمت كعادتي , على الساعة الثامنة صباحا , أتفحص عناوين الأخبار من فضائيات الإعلام , وصديقي بل رفيق دربي فنجان القهوة المقطرة بدون سكر في يدي أشربه, وبعدها غيرت محطة التقاط الهوى الفضائي , إلى محطة الزمن الجميل , وكانت تطرب نجاة الصغيرة أغنية * عيون القلب سهرانة *, وبعدها تذكرت على الفور ما كنت قد قمت به في الليلة الماضية , وذهبت إلى غرفتي بعد أن طربت أذناي أعذب صوت , وأجمل لحن , وأحلى كلمات , وفتحت الكومبيوتر وبدأت أقرأ ما كتبته أكثر من مرة , وفي الأخير نسخت بطاقات الدعوة وقررت إرسالها , ارتديت ملابسي المفضلة بانطالون جينز أزرق , وقميص أزرق , مع محفظة حاملة أوراقي وخرجت من البيت متوجهة صوب البريد , ولما وصلت طلبت من المستخدم فيه بإرسالها عن طريق البريد الاستعجالي , فوافق طلبي على الفور , رغم اندهاشه , بعدها أخذت وصل الإرسال وشكرت له صنيعه وذهبت إلى عملي. ولما رجعت إلى البيت , وأنا مع أسرتي في جو مليء بالدفء والحنان , طلبت منهم أن يغادروا البيت في التاريخ الذي يوافق شهادة كتابة الحياة مولدي , سألوني عن السبب , قلت لهم لدي ضيوف وأريد أن نكون وحدنا دون أي شخص مهما كان , وافقوني الرأي. كان الموعد بعد أسبوع , وأنا أهيأ نفسي , ماذا أقول , كيف أصنع , هل سيأتون , ماهو الحوار , هل سيأتوا جميعهم أم بعضهم , هل سيعرفون المكان , هل .... وهل ..... وهل ....؟! قبل قرب الميعاد بيوم واحد , أخذني والدي على انفراد وأدخلني مكتبه , سألني من سيكون القادم , أنا لم أتدخل في خصوصياتك بل لكي أطمئن فقط , ضحكت وقلت له , نجلتك مجنونة , أرسلت الدعوة يوم ميلادها إلى كل من شوقي , جبران , إيليا , الحكيم ,عبد الوهاب , وقباني , أليس جنونا ؟ سكت وقال , لما لا , خير ما فعلت. قال هذه الكلمات وتركني في مكتبه حائرة, مستغربة. وجاء الموعد , البيت خال ليس فيه إلا ذاتي , أنتظر , أروح وأجيء , ويداي ترتعشان , أجلس ثم أقوم , رن هاتف البيت , قطعت الخط , حتى هاتفي المحمول أقفلته , لا أريد أحدا أن يشاركني هذه اللحظة , فجأة رن جرس الباب , بدون أن أشعر, ذهبت مسرعة فتحته وجدت أمامي شخصا أسود اللون, قصير القامة ,يلبس بذلة سوداء , وعلى رأسه يحمل طربوشا , وبجواره عربة يجرها فرس منهمك القوة يظهر أنه قطع أميالا كثيرة حتى وصل , فقال لي , سيدي شوقي بك سيحضر حالا , لم أنطق بكلمة , بعدها نزل شخص متوسط القامة , بيضاء البشرة , وجهه مدور, عيناه سوداويتان , يضع شنبا فوق فمه , يلبس بذلة رمادية , قميصا أبيضا , وربطة عنق كالفراشة سوداء , وطربوش على رأسه , تقدم نحوي فقال , أنت أرسلت لي الدعوة , أجبته صامتة و أنا أحرك رأسي بالإيجاب , فدخل وقال لسائق العربة , يا عبدو ابق هنا وانتظرني , عندما أنتهي سأخرج , فدخل وأغلقت الباب وأنا جد مندهشة كأنني أحلم , دخلنا الصالة , فقال لي , ألم يحضر بعد أحد , أجبته , ليس بعد شوقي بك , وقال , ننتظر, ماذا عندنا سوى الانتظار , وأنا سأجلس دق جرس الباب ثانية , فاستأذنت أمير الشعراء وفتحت الباب وجدت فيلسوف العرب وحكيمها جبران , الفرحة سكنت قلبي , ورسمت على وجهي بشاشة لا يمكن أن يصورها إلا فنان التصوير جبران خليل جبران , قلت له مرحبة به , مرحبا , لو أنني كنت أعرف يوم ولادتي سيكون كما أنا عليه الآن , لاحتفلت في كل يوم بمولدي , ضحك وقال لي , لا يصدق الصادق إلا الصادق . أدخلته البهو , كان فيه أمير الشعراء وهو يتفحص إحدى المزهريات , فقال له جبران , أميري وأمير شعراء العرب كيف كنا قبلك وكيف نكون بعدك , فأجابه شوقي , فيلسوف وحكيم ونبي الشرق , هاجرت إلى الغرب وافتقدناك , فتعالى بالأحضان شوقنا ليس له بداية وليس له نهاية , شعرت حينها أن السعادة التي أعيشها في تلك الفترة لم تمر على أي إنسان في الوجود إلا أنا ,فرحة كبيرة امتزجت بردف دمع نزل من مقلتي , فجلسا بعد تبادل التحايا والسلام وبدأ يتحدثان , استأذنتهما لكي أحضر لهما شيئا ما , أجاباني بصوت واحد , حتى يكتمل النصاب , وافقت رأيهما على الفور بدون نقاش , ودق الجرس مرة أخرى , فذهبت وفتحت الباب , وجدت شخصا طويل الوجه , أصلع الرأس , متجعد الجبهة , يحمل نظارة بيضاء على عينيه , واقفا أمام الباب وينظر إليها بتأمل أدركته على الفور أنه إيليا أبو ماضي , رحبت بقدومه , وأدخلته وهو ينظر ما حوله بتفكير عميق , ولما رآه جبران قال له , كيف حالك يا صديق المهجر , كيف تركت نيويورك , أجابه , لم أكن فيها , قال جبران , كنت إذن في بلد شجر الأرز كم اشتقت إليها , فأجابه إيليا , لا بل كنت في إحدى الندوات بفلوريدا و هذا من سوء أو حسن حظي دائما أن وقع هناك انفجار في إحدى جامعاتها , ولكني نجوت ...يقولها بسخرية , أجابه جبران وشوقي , حمدا لله على سلامتك , تفضل ... فجلسوا وبدأوا يتبادلون الحديث , وأنا أنظر إليهم كأنني رضيعة تريد الحديث لكنها تعجز عن الكلام , لأنها لم تجد كلمة تقولها أمام عمالقة الأدب العربي , وفي نفس اللحظة أفكر في الباب , فدق الجرس , استأذنت منهم وفتحته , فوجدت رجلا يضع النظارة في عينيه وشاربا فوق فمه ومعه حمار , فقال لي , أنا غاضب منك أرسلت لي الدعوة ونسيت صديقي وأشار إلى الحمار , ابتسمت فقلت له , آسفة , يا أب السخرية الأدبية في العالم العربي , فقال لي, سامحتك , فهيا ندخل يا صديقي , فدخلا , وقال لي , ممكن أن نضعه هنا , لأنه ليس من اللائق دخوله للصالة , فقلت له , كما تريد هذا بيتك وأنا ضيفة فيه , فضحك وقال لي , ممنون لك , أدخلته إلى البهو , وتبادل مع العباقرة الآخرين التحية , وهم يتقاسمون أطراف الكلام , وأنا أنظر إليهم بكل دقة , لم أكن قط في حياتي دقيقة أكثر من هذه اللحظة , رن جرس الباب , فتحته وجدته أمامي , شاعر المرأة نزار قباني , رحبت بمجيئه قائلة , أين أنت يا شاعر الحب , ورقة التصوير الجمالي , و الأسلوب السلس البديع , شوقنا إليك ليس له مثيل , ولن يعوضنا عنك إلا أحلى قصائدي , وأشعار خارجة على القانون , والأعمال الشعرية الكاملة , أجابني , هذا لطف منك سيدتي , وانحنى وقبل يدي , وسألني هل حضر الجميع , أجبته , نعم , لكن بقي محمد عبد الوهاب , فقال لي , آه هذا سننتظره طويلا , فأدخلته إلى البهو وتبادل التحايا مع نبغاء الأدب العربي , وبدأوا يتحدثون ويتحدثون , فقال نزار وهو يحدثني , سيدتي هذا البهو ليس غريبا عني , إنه كبهو في طليطلة وغرناطة والأندلس أليس كذلك يا أمير الشعراء , أجابه شوقي ,نعم , هذا ما قلته بالضبط لجبران عندما حل إلى هنا , فقال لجبران , ماذا قلت لك , وجبران ينظر في السقف و إلى الزخرفة الموجودة فيها قائلا , فعلا لقد قال لي أمير الشعراء أنه عندما كان في الاندلس رأى هذه الزخارف وهذه التلاوين التي دشنها رسام حانك وصانع بارع , أجابه قباني , نعم والله هذا ما أذكره أنا كذلك , جمالية تصوير فني سلس , مع زخرفة هندسية رائعة تمتزج بين أسلوبي الشرق والغرب , إنها لوحة فسيفساء رائعة , عربية , أندلسية , مغربية , يا سيدتي حتى لا تغضبي , فقلت لهما , هذا لطف منكما يا أمير الشعراء ويا شاعر المرأة , ثم استرسل الحديث بينهم وأنا أنظر إليهم والفرحة تملأ قلبي ويترجمها رسم على وجهي , ومر وقت طويل , ونحن ننتظر عبد الوهاب , فقال الحكيم , إلى متى ننتظر , ربما سيأتي عندما نذهب أو أنه سيرسل لنا خادمه العم عبدو ويعتذر , أو يقول أنه يعتكف في غرفته لإخراج لحن جديد , أجابه أمير الشعراء , ننتظر لحظات إذا لم يأت نبدأ , لأنني تعاملت معه كثيرا وهو دائما يتأخر , فلننتظر قليلا , مر الوقت ونحن ننتظر عبد الوهاب , وإيليا أبو ماضي ينظر حوله كثيرا مطبق اللسان , ويتحدث قليلا , أما جبران فقد كان يصغي للحكيم تجربته في الأرياف لما كان نائبا فيها , وقباني ينصت كثيرا لأمير الشعراء وهو يحكي له عن معاناته في منفاه بالأندلس , أما أنا أنظر إلى هذا حينا وإلى هذا حينا آخر , حتى رفع الحكيم صوته قائلا , ماذا ننتظر إذن , فقال أمير الشعراء , هيا نبدأ .
يتبع ....
زارني الأرق مرة أخرى هذه الليلة , فكري مشغول جدا , أفكاري مشتة , حاولت كثيرا أن أنام لكن لم يكن لي ما أريده , فجأة قمت من سريري وذهبت إلى المطبخ وحضرت عصير ليمون قلت في نفسي عساه يهدأ أعصابي , وبعدها أنام , الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل, دخلت غرفتي , وأطلقت موسيقى هادئة , وجلست على كرسي مكتبي , وبدون أن أشعر أخذت قلمي الحبر الأسود , وبدأت أكتب : مرحبا ... أدعوكم لحضور جلسة ادبية , فلسفية , شاعرية و فنية , تكونوا أنتم ضيوف شرفها ومؤطريها ومقدميها , وحضوركم مرهون بهذه الجلسة , راجية منكم أن تحققوا لي هذا الأمل , الميعاد , يوم مولدي , الساعة مفتوحة . العنوان : بيت العلم , شارع الأدب , الحياة . المدعوون : أحمد شوقي , جبران خليل جبران , إيليا أبو ماضي , توفيق الحكيم , محمد عبد الوهاب , نزار قباني. أحسست بعطش كثير , فأخذت أتجرع كوبي ماء , والورقة التي كتبتها بين يدي , وبدأت أقرأ, استغربت لما كتبته , فجاءتني نوبة ضحك بصورة مجنونة , وأنا أردد في أعماقي , كيف قمت بكتابة هذا , وبرهة سقط الصمت على لساني مدة طويلة , وكأنني عرفت سبب أرقي , فقلت في نفسي لما لا , فقمت بكتابة بطاقة الدعوة على الكومبيوتر , وقررت أن أرسلها في الغد , إلى كل من : شوقي , جبران , إيليا ,الحكيم , عبد الوهاب , قباني. ولما انتهيت من كتابة الدعوة , شعرت بنعاس كثير يراود أجفاني , فقررت النوم , وكانت الساعة عندئذ الرابعة صباحا. في الغد قمت كعادتي , على الساعة الثامنة صباحا , أتفحص عناوين الأخبار من فضائيات الإعلام , وصديقي بل رفيق دربي فنجان القهوة المقطرة بدون سكر في يدي أشربه, وبعدها غيرت محطة التقاط الهوى الفضائي , إلى محطة الزمن الجميل , وكانت تطرب نجاة الصغيرة أغنية * عيون القلب سهرانة *, وبعدها تذكرت على الفور ما كنت قد قمت به في الليلة الماضية , وذهبت إلى غرفتي بعد أن طربت أذناي أعذب صوت , وأجمل لحن , وأحلى كلمات , وفتحت الكومبيوتر وبدأت أقرأ ما كتبته أكثر من مرة , وفي الأخير نسخت بطاقات الدعوة وقررت إرسالها , ارتديت ملابسي المفضلة بانطالون جينز أزرق , وقميص أزرق , مع محفظة حاملة أوراقي وخرجت من البيت متوجهة صوب البريد , ولما وصلت طلبت من المستخدم فيه بإرسالها عن طريق البريد الاستعجالي , فوافق طلبي على الفور , رغم اندهاشه , بعدها أخذت وصل الإرسال وشكرت له صنيعه وذهبت إلى عملي. ولما رجعت إلى البيت , وأنا مع أسرتي في جو مليء بالدفء والحنان , طلبت منهم أن يغادروا البيت في التاريخ الذي يوافق شهادة كتابة الحياة مولدي , سألوني عن السبب , قلت لهم لدي ضيوف وأريد أن نكون وحدنا دون أي شخص مهما كان , وافقوني الرأي. كان الموعد بعد أسبوع , وأنا أهيأ نفسي , ماذا أقول , كيف أصنع , هل سيأتون , ماهو الحوار , هل سيأتوا جميعهم أم بعضهم , هل سيعرفون المكان , هل .... وهل ..... وهل ....؟! قبل قرب الميعاد بيوم واحد , أخذني والدي على انفراد وأدخلني مكتبه , سألني من سيكون القادم , أنا لم أتدخل في خصوصياتك بل لكي أطمئن فقط , ضحكت وقلت له , نجلتك مجنونة , أرسلت الدعوة يوم ميلادها إلى كل من شوقي , جبران , إيليا , الحكيم ,عبد الوهاب , وقباني , أليس جنونا ؟ سكت وقال , لما لا , خير ما فعلت. قال هذه الكلمات وتركني في مكتبه حائرة, مستغربة. وجاء الموعد , البيت خال ليس فيه إلا ذاتي , أنتظر , أروح وأجيء , ويداي ترتعشان , أجلس ثم أقوم , رن هاتف البيت , قطعت الخط , حتى هاتفي المحمول أقفلته , لا أريد أحدا أن يشاركني هذه اللحظة , فجأة رن جرس الباب , بدون أن أشعر, ذهبت مسرعة فتحته وجدت أمامي شخصا أسود اللون, قصير القامة ,يلبس بذلة سوداء , وعلى رأسه يحمل طربوشا , وبجواره عربة يجرها فرس منهمك القوة يظهر أنه قطع أميالا كثيرة حتى وصل , فقال لي , سيدي شوقي بك سيحضر حالا , لم أنطق بكلمة , بعدها نزل شخص متوسط القامة , بيضاء البشرة , وجهه مدور, عيناه سوداويتان , يضع شنبا فوق فمه , يلبس بذلة رمادية , قميصا أبيضا , وربطة عنق كالفراشة سوداء , وطربوش على رأسه , تقدم نحوي فقال , أنت أرسلت لي الدعوة , أجبته صامتة و أنا أحرك رأسي بالإيجاب , فدخل وقال لسائق العربة , يا عبدو ابق هنا وانتظرني , عندما أنتهي سأخرج , فدخل وأغلقت الباب وأنا جد مندهشة كأنني أحلم , دخلنا الصالة , فقال لي , ألم يحضر بعد أحد , أجبته , ليس بعد شوقي بك , وقال , ننتظر, ماذا عندنا سوى الانتظار , وأنا سأجلس دق جرس الباب ثانية , فاستأذنت أمير الشعراء وفتحت الباب وجدت فيلسوف العرب وحكيمها جبران , الفرحة سكنت قلبي , ورسمت على وجهي بشاشة لا يمكن أن يصورها إلا فنان التصوير جبران خليل جبران , قلت له مرحبة به , مرحبا , لو أنني كنت أعرف يوم ولادتي سيكون كما أنا عليه الآن , لاحتفلت في كل يوم بمولدي , ضحك وقال لي , لا يصدق الصادق إلا الصادق . أدخلته البهو , كان فيه أمير الشعراء وهو يتفحص إحدى المزهريات , فقال له جبران , أميري وأمير شعراء العرب كيف كنا قبلك وكيف نكون بعدك , فأجابه شوقي , فيلسوف وحكيم ونبي الشرق , هاجرت إلى الغرب وافتقدناك , فتعالى بالأحضان شوقنا ليس له بداية وليس له نهاية , شعرت حينها أن السعادة التي أعيشها في تلك الفترة لم تمر على أي إنسان في الوجود إلا أنا ,فرحة كبيرة امتزجت بردف دمع نزل من مقلتي , فجلسا بعد تبادل التحايا والسلام وبدأ يتحدثان , استأذنتهما لكي أحضر لهما شيئا ما , أجاباني بصوت واحد , حتى يكتمل النصاب , وافقت رأيهما على الفور بدون نقاش , ودق الجرس مرة أخرى , فذهبت وفتحت الباب , وجدت شخصا طويل الوجه , أصلع الرأس , متجعد الجبهة , يحمل نظارة بيضاء على عينيه , واقفا أمام الباب وينظر إليها بتأمل أدركته على الفور أنه إيليا أبو ماضي , رحبت بقدومه , وأدخلته وهو ينظر ما حوله بتفكير عميق , ولما رآه جبران قال له , كيف حالك يا صديق المهجر , كيف تركت نيويورك , أجابه , لم أكن فيها , قال جبران , كنت إذن في بلد شجر الأرز كم اشتقت إليها , فأجابه إيليا , لا بل كنت في إحدى الندوات بفلوريدا و هذا من سوء أو حسن حظي دائما أن وقع هناك انفجار في إحدى جامعاتها , ولكني نجوت ...يقولها بسخرية , أجابه جبران وشوقي , حمدا لله على سلامتك , تفضل ... فجلسوا وبدأوا يتبادلون الحديث , وأنا أنظر إليهم كأنني رضيعة تريد الحديث لكنها تعجز عن الكلام , لأنها لم تجد كلمة تقولها أمام عمالقة الأدب العربي , وفي نفس اللحظة أفكر في الباب , فدق الجرس , استأذنت منهم وفتحته , فوجدت رجلا يضع النظارة في عينيه وشاربا فوق فمه ومعه حمار , فقال لي , أنا غاضب منك أرسلت لي الدعوة ونسيت صديقي وأشار إلى الحمار , ابتسمت فقلت له , آسفة , يا أب السخرية الأدبية في العالم العربي , فقال لي, سامحتك , فهيا ندخل يا صديقي , فدخلا , وقال لي , ممكن أن نضعه هنا , لأنه ليس من اللائق دخوله للصالة , فقلت له , كما تريد هذا بيتك وأنا ضيفة فيه , فضحك وقال لي , ممنون لك , أدخلته إلى البهو , وتبادل مع العباقرة الآخرين التحية , وهم يتقاسمون أطراف الكلام , وأنا أنظر إليهم بكل دقة , لم أكن قط في حياتي دقيقة أكثر من هذه اللحظة , رن جرس الباب , فتحته وجدته أمامي , شاعر المرأة نزار قباني , رحبت بمجيئه قائلة , أين أنت يا شاعر الحب , ورقة التصوير الجمالي , و الأسلوب السلس البديع , شوقنا إليك ليس له مثيل , ولن يعوضنا عنك إلا أحلى قصائدي , وأشعار خارجة على القانون , والأعمال الشعرية الكاملة , أجابني , هذا لطف منك سيدتي , وانحنى وقبل يدي , وسألني هل حضر الجميع , أجبته , نعم , لكن بقي محمد عبد الوهاب , فقال لي , آه هذا سننتظره طويلا , فأدخلته إلى البهو وتبادل التحايا مع نبغاء الأدب العربي , وبدأوا يتحدثون ويتحدثون , فقال نزار وهو يحدثني , سيدتي هذا البهو ليس غريبا عني , إنه كبهو في طليطلة وغرناطة والأندلس أليس كذلك يا أمير الشعراء , أجابه شوقي ,نعم , هذا ما قلته بالضبط لجبران عندما حل إلى هنا , فقال لجبران , ماذا قلت لك , وجبران ينظر في السقف و إلى الزخرفة الموجودة فيها قائلا , فعلا لقد قال لي أمير الشعراء أنه عندما كان في الاندلس رأى هذه الزخارف وهذه التلاوين التي دشنها رسام حانك وصانع بارع , أجابه قباني , نعم والله هذا ما أذكره أنا كذلك , جمالية تصوير فني سلس , مع زخرفة هندسية رائعة تمتزج بين أسلوبي الشرق والغرب , إنها لوحة فسيفساء رائعة , عربية , أندلسية , مغربية , يا سيدتي حتى لا تغضبي , فقلت لهما , هذا لطف منكما يا أمير الشعراء ويا شاعر المرأة , ثم استرسل الحديث بينهم وأنا أنظر إليهم والفرحة تملأ قلبي ويترجمها رسم على وجهي , ومر وقت طويل , ونحن ننتظر عبد الوهاب , فقال الحكيم , إلى متى ننتظر , ربما سيأتي عندما نذهب أو أنه سيرسل لنا خادمه العم عبدو ويعتذر , أو يقول أنه يعتكف في غرفته لإخراج لحن جديد , أجابه أمير الشعراء , ننتظر لحظات إذا لم يأت نبدأ , لأنني تعاملت معه كثيرا وهو دائما يتأخر , فلننتظر قليلا , مر الوقت ونحن ننتظر عبد الوهاب , وإيليا أبو ماضي ينظر حوله كثيرا مطبق اللسان , ويتحدث قليلا , أما جبران فقد كان يصغي للحكيم تجربته في الأرياف لما كان نائبا فيها , وقباني ينصت كثيرا لأمير الشعراء وهو يحكي له عن معاناته في منفاه بالأندلس , أما أنا أنظر إلى هذا حينا وإلى هذا حينا آخر , حتى رفع الحكيم صوته قائلا , ماذا ننتظر إذن , فقال أمير الشعراء , هيا نبدأ .
يتبع ....
تعليق