فى غرفة الانتظار، بالمستشفى العام، كانت وفاء
بينهن... تلقي بجسدها النحيل، في جوف أحد المقاعد، وتتمتم ببعض آيات القرآن الكريم..!
تحتضن صدرها ، بقوة وكأنها تخشى، أن يقفز قلبها الذي بدت لها دقاته، كطبول حرب قادمة!
تبتلع ريقها بصعوبة، وتحاول أن تطمس معالم الطريق، عن أفكارها المحبِطة
تبعثر نظرات حائرة، ما بين هذه السيدة الهادئة ،المبتسمة، التى تجلس أمامها، منتفخة البطن، يبدو أنها بشهرها الأخير وحملها الأول
وبين تلك الأخرى هناك التي انخرطت فى ثرثرة مزعجة حول معاناتها في تربية أطفالها الأربعة
وعن تفاصيل محاولتها الفاشلة في إجهاض حملها للمرة الخامسة!
وحينها ، تذكرت وفاء
كيف شعرت بأولى، حركات صغيرها برحمها...
وحين ظلت تفكر كيف ستهدي زوجها هذا النبأ حين يعود من سفره الطويل!
وتلك الغرفة الصغيرة التي
ملأتها بالألعاب والعرائس وصور الأطفال الباسمة!
تذكرت كل شيء ... وكأنه يمر أمام عينيها الآن
حتى هذا الألم ،الرهيب ، المتسارع ،الذي فاجأها... بلحظات المخاض، الصعبة
وتلك اللطمة السوداء ،التي ألقتها إحدى الممرضات ،بوجهها حين استفاقت وربتت على كتفيها قائلة(سيعوضكِ الله خيراً، فلا زلتِ صغيرة)؟!
وفجأة...
انتزعها ،من ذكرياتها المؤلمة،هذا الخيط الأحمر، الداكن ،الذي بدأت تشعر به يتسلل، بين قدميها وبأصابع مرتعشة،
تحسست بطنها الضامر
وسرعان ما عاودها، هذا الألم، الرهيب، بأسفل
ظهرها!
التحمت طلقاتها المكتومة ،مع نزف الدم، الذي بدأ يسرع ويشتد
صرخت بكل قواها الخائرة
النجدة...! النجدة...!
ولكن الأمر الغريب!
لم يجبها... أحد
وكأنها.... شبح
لاأحد يسمع أو يرى!
فلا زلن ، يبتسمن، ويثرثرن ، لم تحرك إحداهن ساكنا
ماهذااا اا يا اااااالله
قالتها، وهي تهرول، في أروقة المستشفى... تنادي ... ولا يجيبها إلا ،الصدى!
و لا زالت الدماء، تتفجر بين قدميها ، بغزارة
حتى سقطت ، لتفترش دماءها
وتطلق العنان، لصراخ ،لم يتوقف، إلا حينما
التقطت أنفاسها بصعوبة ،بالغة، بعد أن أفزعتها، دقات المنبة الصغير، التي اعتادت ،أن تضعه جوار فراشها
يا الله إنها العاشرة صباحاً
أزاحت أغطية الفراش ، بتوتر، وقفزت، مسرعة ،ترتدي ملابسها ،وهي تتمتم ، بنبرة واهنة
(اللهم أني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه)
لقد تأخرت على موعد العملية...!؟
في غرفة العمليات
استقبلها الطبيب، بابتسامة مصطنعة!
وبنبرة الأطباء ،سألها...
(هل أنتِ خائفة يا سيدتي، إنها عملية بسيطة، ستخرجين سالمة إن شاء الله؟)
بادلته نظرة طويلة، قبل أن تجيبه ، بصوت دموعها
وهل تجد فرقاً يا سيدي ما بين استئصال روحى ،أو استئصال أمومتي!؟
وأسلمت جفنيها، لتواصل صراخاً مكتوماً، بكابوس لم يكتمل بعد!؟
تعليق