أحس بوهن مفاجىء . قلبه مضطرب. طفا غثيان . شرد قليلا ، ما تعود أن يخلف مواعيده ، لم يضبط مرة يفعل هذا .. الآن ، بعد هذا العمر ، سوف يتهم بالتقصير و الإهمال : من فضلك .. عد بنا ثانية .. هذه المرة إلى المسكن ".
حدقه السائق باسترابة ، شهد امتقاع وجهه ..كميت فى نزعه الأخير : أتحب لو مررنا على مشفى أو مستوصف ؟!".
يسترد بعض قوته . تنتظم أنفاسه :" لا لا .. قليلا من الراحة تكفى ".
الزحام كان مطبقا ، وهو يخترق جموعهم ، حلق بصعوبة من يفلت من مؤامرة ، ارتقى السلم إلى المنصة .. تحدث كثيرا ، نعم كان هادئا ، لكن أمرا مزقه ، شرخ بصوته أجساما ضخمة ، أحاطت بالمنصة ، و كما كان يظنها ، كانت لرجال من الأمن .. !
مازال جدوله ممتلئا .. عليه عبور كوبري قصر النيل ، ليكون هناك بين طلابه ، صحيح أن اليوم خال من المحاضرات ، لكنه ما تعود الابتعاد عن عمله .. ثم عليه بعد الانصراف ، زيارة أصدقائه بالعتبة ، و بعدها يكون فى منزله الكائن بألف مسكن !
: " سوف تفرح هناء بعودتك كثيرا .. نعم تتحمل غيابي على أعصابها ".
كبر و ترهل جسده ، هو لا يعترف بالوقت ، لا يقيم وزنا له ، خاض فى السنين .. فى أيام الواحات .. أيام القلعة .. اندفعت سياط من كل جانب ..صرخات تملأ الهواء من حوله .. يهز رأسه يمنة و يسرة ، يهزها بشكل صاخب .. صوته يخترقه بألم كظيم ، يلاحقه صوت أنثى :" تعبت كثيرا حبيبي .. آن لك أن تستريح ".
: " مم أستريح هناء ، هذا وجودي ، دورى .. البلد تعوم فى برك الفقر .. البلد يضيع بين أنياب الحكام و الصهاينة من جانب ؟!".
توقفت السيارة ، انتظر السائق تحرك راكبه .. انتظر كثيرا :" سيدى .. وصلنا ".
ليس من عادته ، رؤيته هكذا شاردا ، أنفاسه مجهدة : سيدى وصلنا ".
لملم أشياءه ، بش فى وجه السائق ، بتثاقل غادر السيارة ، مد ذراعه بالأجرة ، استوى متقدما بخطى منتظمة ، تحرك كجنازة ، دنا من بوابة إحدى العمارات ، رد على تحية البواب الأسمر ، يخلع قدميه صاعدا ، حتى كان أمام الشقة ، كاد يضغط على زر الجرس ، تراجع فورا .. ربما كانت زوجه نائمة ، فتح الباب ، تقدم بخطى وئيدة .. قلبه يحلق ، يطير به عاليا ، إحساس بالراحة يحتويه .. توقف .. كانت تأوهات تتردد ، تتزايد بشكل صاعق ، أنفاس مختلطة ، و لهاث زاعق ، تحرك .. تجمد في مكانه !
كانت نصف عارية ، تتمزق على ساقي أحد تلاميذه ، تتلوى بألم و حرقة ، تصرخ ، وهو يجذبها بقوة ، فى رعدة أخيرة ، يهتزان معا ، تصرخ بفرح .. يلهث كبغل مجهد .. تحرك لخطوتين :" برافو .. انتهى المشهد هيا .. هيا !!"
انكفأت على وجهها ، فزعت راكضة ، توارت فى حجرتها : "و أنت .. انتهى .. إلى الحمام .. ألا تعرف الطريق إليه ؟!".
خاض فى ملح ، و ارتوى ملحا ، عبر لزوجة الوحل ، مرارة الواحات .. و عرق السجناء .. ودماءهم ، ترسم أمام عينيه رائحة الموت .. غاص .. غرق في بئر مثلومة ، نتن لا ينفض .. طفرت دمعات ساخنة . عند عبوره من أمامه :" انس .. أنك كنت هنا .. أسمعت .. تفووووه .. ".
حمل حقيبته مترنحا ، تهادى إلى خارج الشقة ، متجها إلى أسفل ، رأسه لا تتوقف ، تواريخ و معارك .. محاضرات .. ومؤتمرات .. وشابة تتعلق به .. و تجذبه ، تدخل فى لحمه : أريدك .. أنا أثناك .. أحبك .. أحبك .. ألا تفهم !! ".
قهقه ، لمها بين ذراعيه :" لن تستطيعي معي صبرا .. لن تتحملي ".
خالطت أنفاسه :" أنت واهم .. أريدك .. أنا نصفك .. أنا أنت ! ".
ظل يتخبط برأس مثقل بأصوات ، نداءات ، بكاء ، وجوه قبيحة .. حارات خائنة .. أصدقاء ملونين .. تلامذة نابهين .. فى خبثهم تنبت الخيانة . يسرقون كل شيء .. كل شيء .. العمر بكل ما يحمل .. الزوجة .. قهقه باكيا .. توقف أمام لافتة : " مأذون شرعي " .
حدقه السائق باسترابة ، شهد امتقاع وجهه ..كميت فى نزعه الأخير : أتحب لو مررنا على مشفى أو مستوصف ؟!".
يسترد بعض قوته . تنتظم أنفاسه :" لا لا .. قليلا من الراحة تكفى ".
الزحام كان مطبقا ، وهو يخترق جموعهم ، حلق بصعوبة من يفلت من مؤامرة ، ارتقى السلم إلى المنصة .. تحدث كثيرا ، نعم كان هادئا ، لكن أمرا مزقه ، شرخ بصوته أجساما ضخمة ، أحاطت بالمنصة ، و كما كان يظنها ، كانت لرجال من الأمن .. !
مازال جدوله ممتلئا .. عليه عبور كوبري قصر النيل ، ليكون هناك بين طلابه ، صحيح أن اليوم خال من المحاضرات ، لكنه ما تعود الابتعاد عن عمله .. ثم عليه بعد الانصراف ، زيارة أصدقائه بالعتبة ، و بعدها يكون فى منزله الكائن بألف مسكن !
: " سوف تفرح هناء بعودتك كثيرا .. نعم تتحمل غيابي على أعصابها ".
كبر و ترهل جسده ، هو لا يعترف بالوقت ، لا يقيم وزنا له ، خاض فى السنين .. فى أيام الواحات .. أيام القلعة .. اندفعت سياط من كل جانب ..صرخات تملأ الهواء من حوله .. يهز رأسه يمنة و يسرة ، يهزها بشكل صاخب .. صوته يخترقه بألم كظيم ، يلاحقه صوت أنثى :" تعبت كثيرا حبيبي .. آن لك أن تستريح ".
: " مم أستريح هناء ، هذا وجودي ، دورى .. البلد تعوم فى برك الفقر .. البلد يضيع بين أنياب الحكام و الصهاينة من جانب ؟!".
توقفت السيارة ، انتظر السائق تحرك راكبه .. انتظر كثيرا :" سيدى .. وصلنا ".
ليس من عادته ، رؤيته هكذا شاردا ، أنفاسه مجهدة : سيدى وصلنا ".
لملم أشياءه ، بش فى وجه السائق ، بتثاقل غادر السيارة ، مد ذراعه بالأجرة ، استوى متقدما بخطى منتظمة ، تحرك كجنازة ، دنا من بوابة إحدى العمارات ، رد على تحية البواب الأسمر ، يخلع قدميه صاعدا ، حتى كان أمام الشقة ، كاد يضغط على زر الجرس ، تراجع فورا .. ربما كانت زوجه نائمة ، فتح الباب ، تقدم بخطى وئيدة .. قلبه يحلق ، يطير به عاليا ، إحساس بالراحة يحتويه .. توقف .. كانت تأوهات تتردد ، تتزايد بشكل صاعق ، أنفاس مختلطة ، و لهاث زاعق ، تحرك .. تجمد في مكانه !
كانت نصف عارية ، تتمزق على ساقي أحد تلاميذه ، تتلوى بألم و حرقة ، تصرخ ، وهو يجذبها بقوة ، فى رعدة أخيرة ، يهتزان معا ، تصرخ بفرح .. يلهث كبغل مجهد .. تحرك لخطوتين :" برافو .. انتهى المشهد هيا .. هيا !!"
انكفأت على وجهها ، فزعت راكضة ، توارت فى حجرتها : "و أنت .. انتهى .. إلى الحمام .. ألا تعرف الطريق إليه ؟!".
خاض فى ملح ، و ارتوى ملحا ، عبر لزوجة الوحل ، مرارة الواحات .. و عرق السجناء .. ودماءهم ، ترسم أمام عينيه رائحة الموت .. غاص .. غرق في بئر مثلومة ، نتن لا ينفض .. طفرت دمعات ساخنة . عند عبوره من أمامه :" انس .. أنك كنت هنا .. أسمعت .. تفووووه .. ".
حمل حقيبته مترنحا ، تهادى إلى خارج الشقة ، متجها إلى أسفل ، رأسه لا تتوقف ، تواريخ و معارك .. محاضرات .. ومؤتمرات .. وشابة تتعلق به .. و تجذبه ، تدخل فى لحمه : أريدك .. أنا أثناك .. أحبك .. أحبك .. ألا تفهم !! ".
قهقه ، لمها بين ذراعيه :" لن تستطيعي معي صبرا .. لن تتحملي ".
خالطت أنفاسه :" أنت واهم .. أريدك .. أنا نصفك .. أنا أنت ! ".
ظل يتخبط برأس مثقل بأصوات ، نداءات ، بكاء ، وجوه قبيحة .. حارات خائنة .. أصدقاء ملونين .. تلامذة نابهين .. فى خبثهم تنبت الخيانة . يسرقون كل شيء .. كل شيء .. العمر بكل ما يحمل .. الزوجة .. قهقه باكيا .. توقف أمام لافتة : " مأذون شرعي " .
تعليق