________________________________________
الوجه مصفر والعينان ذابلتان ، والجسد ممدود مع عكف الركبتين الى أعلى هكذا وجدتها. حينما دخلت عليها قبلتها فأحسست ببرودة الصقيع على خدها .تمتمت وقالت متثاقلة كالثمل الذي أثقلت لسانه حلاوة النشوة : " ايه يا بني عشت ثمانين حولا في ثلاث .الطفولة ،الشباب والكهولة ."
فقلت :"والرابعة " فأجانت ضاحكة :"اني لازلت صلبة العود لأكون في المرحلة التي تقصد فأنا لم أدخل الشيخوخة بعد اني لازلت أتذكر شريط حياتي ." وأسبلت عيناها كالنائم .كان محياها عبارة عن خطوط طول وعرض كثيرة ومتشابكة ، كحروف كلمات كتبتها الأيام والسنين رؤوس أقلام حياتها مرقت كأنها سوعات .لازال الشريط يدور في مفكرةتلك الشيخة العجوز .عاود الحديث :"كان كل شيء جميلا ،كان الحل والترحال ، كنا نغرس الأشجار و الأزهار ،كان الحرث والحصاد ،كانت القوة والفتوة ،كان الرعي والجبن والحليب ،كانت الحركة من الصباح الباكر حتى المساء ،كنا نجري ،ننط ،نتسلق ،يعني بلغتكم كنا نمارس الرياضة بكل أنواعها كل يوم عكس نساء اليوم ،المرأة تستيقظ في الصباح لتجلس أمام التلفاز كالأبله دون حراك ، المرأة العاطلة طبعا ." أعود من جديد أتفرس تجاعيدها المتشعبة محاولا اعادة تشكيل تلك الخطوط في مخيلتي ، حركت شفتاها مما أثار انتباهي كانت تنتابهارعشة خفيفة .نظرت الي ثم قالت وقد أثقل النوم جفناها :" أتنظر لشفتاي؟ ان اشارة منها كانت معروفة عند بناتي فتحريكها الىالجانب الأيمن أو الأيسر مع زمهما يعني الاشمئزاز من عمل يقمن به".
في هذه اللحظة زمت شفتاها فقلت :" ألايعجبك حديثي". فلم تجب ولكنها نظرت الي نظرة ثقبت صدري فأحسست بالخوف ينتابني وقلت في نفسي :"علي أن أسكت لقد أشارت لي بذلك ".
فحاولت القيام من مكاني واذا بيدها المرتعشة تشد على يدي، لم تكن يدها كعادتها انها قطعة ثلج ،والنظرة شاردة.ما هذه الاشارة لم أفهمها ؟ أصعدت شخيرا من أعماق صدرها ثم التفت الساقاها مع امتدادهما وبدأت تهمهم وتغمغم وأنا لازلت حائرا ،هذه اشارات جديدة ، حاولت الاستماع فسمعت "أش" فسألت ماذا تريد؟ بمادا تريد النطق ؟ أين جبروت الشباب ؟ أين رزانة الكهولة؟" .ثم أر ٍدفت "هد" وحينها علمت أنها تقول :"أشهد أن لاالاه الا الله وأن محمدا رسول الله " ./.
تعليق