صدر مؤخرا للقاص والشاعر المغربي عبدالوهام سمكان مجموعته القصصية الأولى الموسومة "كلاب السوق" عن منشورات [مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب] والتي تحوي بين طياتها سبع قصص.
أختار منها هنا قصة "النبي" التي تلخص ،ربما، وبكثير من التكثيف؛ الخيط السحري الناظم ل "رؤى" هذا المتصوف في راحة الثقافة الجادة ، كما وصفته الكاتبة نجاة الزباير. وبالمناسبة هو أيضا رئيس تحرير جريدة "رؤى" التي نتمنى عودتها إلى الساحة الثقافية بعد ركودها الاضطراري هذا.
تبدأ قصة "النبي" والتي استهل بها عبد الوهام سمكان مجموعته القصصية بسؤال، هذا السؤال الذي يواكب الطفل / النبي، طيلة أحداث القصة.
التوجس و التساؤل بقصة "النبي" ظلّ لحالة من البحث عن "شيء ما" منفلت، "شيء ما" نريد تحقيقه أو الوصول إلى معادل له، أو ما يدل عليه أو فقط التعبير عن تجلياته.
لكن العوائق بالمرصاد، وكل ما يدبّ على الحلم تتعقبه : قنّب الأب المبلول، وعصا الزيتون الرقيقة كامتداد ليد المعلم الذي نقوم له ونوفّيه التبجيلا، والذي كاد - بهذه القصة - أن يكون مجنونَا.
فهو عندما يسأل الطفل :" ماذا ستصبح عندما ستكبر؟ يجيب :- نبيا. "يتراءى لي أبي . الثلاثة الكبار في القسم يمسكونني ويمددونني على طاولة خلفية والسي العبدي بعصا الزيتون الرقيقة يضربني أسفل قدمي ويسُبّ"(ص13) المعلم هنا امتداد لسلطة الأب، و الضرب معادل للتربية، والتي تنقص هذا الطفل الذي يتحتم تطهيره من "نجاسة الأفق الرحب" وإخراج "جني الحلم" من جسده الصغير.
الأسئلة منثورة كبذور قلق على أرضية الأحداث المقتضبة بالقصة : [ الطفل يسأل نفسه : هل أنا طفل في الخامس ابتدائي؟ / الأب يسأل الطفل : ماذا قلت لك؟ / الطفل يسأل المعلمة في الحلم : من أنت؟ / المعلمة تسأل الطفل : ماذا تريد أن تصبح؟ . لماذا تريد أن تصبح نبيا؟ / المعلم "السي العبدي" يسأل الطفل - لماذا لا تجيب؟. ماذا ستصبح عندما ستكبر؟..الخ]
أسئلة مقلقة ، والجواب أكثر قلقا. الجواب الذي يختلف الجميع مع الطفل عليه ويدفعونه لنسيانه، هو نفسه الذي يوحدهم على ضرورة معاقبته. فالأب : " [...] يُكَتِّفُ قدمي بإحكام قرب العتبة ويشد يدَيّ إلى خيش الشعير ويمدد ساقَيّ على طاولة قديمة، ثم يفك القنّب عن سطل الماء و يضعه في الماء حتى يبتل جيدا ويضربني في أسفل قدمي، وفي كل مكان. يضرب ، يضرب يُحَمِّلُني صح ما يمكن، وأنا أبكي وأبكي حتى أغيب" (ص8). إنه الواقع الذي يحاول إرغامك على تبديل أحلامك والتنازل عنها وعن ما يعادلها.
و عبدالوهام سمكان يخبرنا من ثنايا السرد الطفولي، بأن الحياة تبتدىء بحلم لتنتهي بقسوة وجحود.
والقاص نفسه يعبّر أنها قصة تأخذ من عمق الثرات الإسلامي إطارا لسرد حكاية مجتمع يدحض الحلم. فحتى شخصية المعلمة نعيمة تلك الشخصية المنيرة داخل عتمة الطفل، تصرح له : "تذكر أن معلمتك كانت تحلم أن تصبح راقصة باليه، لكني لم أخبر المعلم بذلك، قلت له سأصبح معلمة. وها أنذا معلمة هههه."(ص12)
ماذا يتبقى للطفل / السارد أمام هذه القرية "الظالم أهلها" ، غير الرحيل أو بمعنى أعمق "الهجرة"، وحتى في قراره هذا لا يتخلى عن رغبته في أن يكون نبيا بالمعنى الرمزي للكلمة، أو على الأقل التشبه بفعل النبي الذي هاجر إلى المدينة بعد أن ضيق عليه وعلى انطلاق روحه: "أتذكر جدتي الله يرحمها تقول لي في ليل الشتاءات القارص : النبي هاجر إلى المدينة، لولا خديجة والمدينة لما صار النبي نبيا! أتذكر المعلمة نعيمة تقول لي : أنا خديجتك. أتذكر أنها قالت لي هذا في الحلم فقط."(ص13)
إنه حلم فقط. لكنه المحرك الأساس لهواجس الطفل القابع فينا: الطفل / الرمز، الطفل / الطموح ، الطفل / التجاوز.الطفل / "النبي" بما يحمل من نبل وحسن طوية وبراءة وخلو مقاصده من أي شر أو كيد.
الطفل يجري بعد أن غسل وجهه باتجاه الأسوار - بكل ما ترمز له من معيقات ومحبطات - ليعلو فوقها بدل أن تحجب عنه الرؤية والرؤيا. فخلف هذه الخلاءات يوجد الأفق والفضاء الرحب،و توجد المدينة. فعن أي مدينة يبحث الطفل / النبي يا ثرى؟ وهل - في هذا المضمار - كلّ نبي نفسه.. كما كتب القاص بإحدى إهداءاته لصديق ؟
تعليق