قصة قصيرة لحسني سيد لبيب
.........................
ثلاثة مقاطع كروية
( المقطع الأول )
ألفيت نفسي منفردا بالكرة. نظرت حولي أرنو إلى اللاعبين. لا أجد واحدا يهتم بي. ربما هي خدعة. لكن لاعبي فريقي خلعوا الصدار الأخضر والسروال الأبيض، وارتدوا صدارا أحمر وسروالا أحمر، واندسوا وسط لاعبي الفريق الآخر. خشيت أن يكون صداري هو الآخر أحمر. تأكد لي أنه لا يزال يزدهي بالاخضرار، وما زال سروالي أبيض ناصع البياض. ربما هناك تعليمات جديدة. جالت عيناي في وجوه اللاعبين أبحث عن قائد الفريق. ولما صافحته، تبين لي أنه قائد الفريق الآخر. شردت عيناي في البعيد حيث ينزوي المدرب في ركن قصي. ولما وجدت أنني اللاعب الوحيد الذي يقف الجميع ضده. ركضتُ بالكرة كسيارة مجنونة، أسددها كيفما اتفق، والحكم، حاكم المباراة، يخرق صفير صفارته طبلة أذني، وهاتف داخلي يشجعني كي أواصل التحدي. ربما يريد أن يجبرني على تغيير ملابسي وأتحول إلى شيطان أحمر. عاندت، وجريت بالكرة في اتجاه المرمى. المرمى خال. تركه حارسه وانضم إلى لاعبي الفريقين. فرحتُ عندما سكت الصفير. دب الحماس في عروقي، وركلت الكرة بقوة، مسددا قذيفتي في اتجاه المرمى الخالي. لم تخطئ الكرة طريقها، لكن حاكم المباراة أطلق صفارته قبل أن تدخل المرمى بمتر واحد، وأقبل نحوي يعلن هزيمتي.
( المقطع الثاني )
ما أشهده في الملعب عجيب غريب. ارتدى لاعبو الفريقين زي أمناء الشرطة، واصطفوا جميعا صفين منتظمين، أمام مرمى الفريق الآخر، وبأيديهم بنادق آلية. تلتمع نصالها بانعكاس أشعة الشمس عليها. أما حراس الملعب، فقد ارتدوا زي اللاعبين، وتناثروا على الخط الأبيض الذي يحدّ الملعب. أخافني الحائط البشري الذي يسد المرمى كله، ولم أعد أرى الشبكة. رأيت بدلا منها وجوها صارمة وحرابا مسنونة. جريتُ لاهثا ونبضات قلبي تتسارع، تاركا الكرة في منتصف الملعب الخالي. حاولتُ الخروج، فيصدني حارس متنكر في زي لاعب، كما لو أنه يصد كرة دافعا بها إلى الداخل. أرنو إلى الحكَم، حاكم المباراة، كي ينقذني من الحصار.زعقتُ بأعلى صوتي : " كما ترى، حصار من الداخل وحصار من الخارج ". لكن صوتي لا يصله، ولا يسمعه أحد. صوتي أشبه بطلقات رصاص زائفة من مسدس كاتم للصوت، والطلقات ما هي إلا كلمات يبعثر الهواء حروفها. أطلق الحَكَم صفارته، مشيرا بأصبعه حيث موضع الكرة. جريتُ إليها ولا منافس لي. أنا اللاعب الوحيد. أنا النجم الذي تشخص إليه أنظار المتفرجين. لا. هناك أعين شاخصة جاحظة. تخيفني تلك الأعين، تخيفني بالسلاح الآلي الممسكة به. محاصر أنا في الملعب الواسع. نظرتُ إلى المتفرجين، أستطلع رأيهم، فألفيتُ الجميع يشيرون إلى موضع الكرة وهم يهتفون بحناجر ملتهبة. لكن هتافها لا يصلني. إنما يصك أذني صفير الرياح. لا مفر إذن. لا بد من ضربة الجزاء. جريتُ إلى الكرة، أدحرجها إلى الحائط البشري المسلح. حرصتُ على أن أقذف الكرة أمام الحائط المنيع، الذي تفصلني عنه عشرة أمتار تقريبا. لكن الكرة قبل أن تصطدم بالحائط، أخذت تتحرك حركات عشوائية من أسفل لأعلى، ثم تمزقت، خوفا ورعبا، وتناثرت أشلاؤها أمامي.
( المقطع الثالث )
اختلفت مع حاكم المباراة. سددتُ خمس رميات ناجحة أمام مرأى الجماهير الغفيرة. تأكدت الأهداف حين استقرت الكرة داخل الشبكة، وحين علت هتافات الحناجر، وحين ارتفعت الرايات، وحين أطلق الحَكَم صفارته، وحين أضاءت الشاشة الرقمية تضيف واحدا في كل مرة لرصيد فريقي. لكن حاكم المباراة، استبد برأيه، وأنكر أن للجماهير صوتا. وادّعى أنه لم يستعمل الصفارة بعد، وأن عمال الصيانة كانوا يقومون بأعمال تجارب على الشاشة الرقمية فلعبوا بأرقامها. ولما رددته بأنني رأيتُ الكرة بإنسان عيني وهي تدخل الشبكة وتستقر بداخلها، ضحك هازئا مني، وأرجع ذلك إلى خداع الحواس. وقال ضمن ما قال : " نعم سددت الكرة، لكنها ما إن دخلت المرمى حتى ارتدت واستقرت خلرج الشبكة. ولما قلت له إن كلامه قد يكون صحيحا في رمية واحدة، لكن هناك أربع رميات أخرى، استقرت فيها الكرة داخل المرمى. ابتسم في هدوء وهز رأسه زاعما أن الرميات الخمس كلها خارج الشبكة. ونفس ما جرى للكرة في الرمية الأولى، حدث في الرمية الثانية، وفي الثالثة والرابعة والخامسة. كدت أجن. نظرتُ إلى الجمهور المصطف بأعداد غفيرة. تصايحت الأصوات غضبا وشططا، وأخرج حاكم المباراة بطاقة حمراء من جيبه. فخرجتُ من الملعب منكس الرأس، أجر أذيال الخيبة. وإذا بلاعبي الفريق الآخر يدخلون الملعب واحدا بعد الآخر. ثم دخل لاعبو فريقي بنفس الطريقة. هرعت إليهم كي آخذ مكاني في الطابور، فانتهرني قائد الفريق، رغم صداقتنا، وأكد أنني مطرود من المباراة، وكل المباريات، كمثل آدم المطرود من جنة الرحمن، رغم أنني لم أقطف فاكهة من الشجرة المحرمة. ولما حدثته عن الأهداف الخمسة، سخر مني وزعم أن المباراة لم تكن بدأت بعد.
ــــــــــــــــــــ
* نشرت بمجلة " الهلال " ـ القاهرة ـ أغسطس 1995م.
.........................
ثلاثة مقاطع كروية
( المقطع الأول )
ألفيت نفسي منفردا بالكرة. نظرت حولي أرنو إلى اللاعبين. لا أجد واحدا يهتم بي. ربما هي خدعة. لكن لاعبي فريقي خلعوا الصدار الأخضر والسروال الأبيض، وارتدوا صدارا أحمر وسروالا أحمر، واندسوا وسط لاعبي الفريق الآخر. خشيت أن يكون صداري هو الآخر أحمر. تأكد لي أنه لا يزال يزدهي بالاخضرار، وما زال سروالي أبيض ناصع البياض. ربما هناك تعليمات جديدة. جالت عيناي في وجوه اللاعبين أبحث عن قائد الفريق. ولما صافحته، تبين لي أنه قائد الفريق الآخر. شردت عيناي في البعيد حيث ينزوي المدرب في ركن قصي. ولما وجدت أنني اللاعب الوحيد الذي يقف الجميع ضده. ركضتُ بالكرة كسيارة مجنونة، أسددها كيفما اتفق، والحكم، حاكم المباراة، يخرق صفير صفارته طبلة أذني، وهاتف داخلي يشجعني كي أواصل التحدي. ربما يريد أن يجبرني على تغيير ملابسي وأتحول إلى شيطان أحمر. عاندت، وجريت بالكرة في اتجاه المرمى. المرمى خال. تركه حارسه وانضم إلى لاعبي الفريقين. فرحتُ عندما سكت الصفير. دب الحماس في عروقي، وركلت الكرة بقوة، مسددا قذيفتي في اتجاه المرمى الخالي. لم تخطئ الكرة طريقها، لكن حاكم المباراة أطلق صفارته قبل أن تدخل المرمى بمتر واحد، وأقبل نحوي يعلن هزيمتي.
( المقطع الثاني )
ما أشهده في الملعب عجيب غريب. ارتدى لاعبو الفريقين زي أمناء الشرطة، واصطفوا جميعا صفين منتظمين، أمام مرمى الفريق الآخر، وبأيديهم بنادق آلية. تلتمع نصالها بانعكاس أشعة الشمس عليها. أما حراس الملعب، فقد ارتدوا زي اللاعبين، وتناثروا على الخط الأبيض الذي يحدّ الملعب. أخافني الحائط البشري الذي يسد المرمى كله، ولم أعد أرى الشبكة. رأيت بدلا منها وجوها صارمة وحرابا مسنونة. جريتُ لاهثا ونبضات قلبي تتسارع، تاركا الكرة في منتصف الملعب الخالي. حاولتُ الخروج، فيصدني حارس متنكر في زي لاعب، كما لو أنه يصد كرة دافعا بها إلى الداخل. أرنو إلى الحكَم، حاكم المباراة، كي ينقذني من الحصار.زعقتُ بأعلى صوتي : " كما ترى، حصار من الداخل وحصار من الخارج ". لكن صوتي لا يصله، ولا يسمعه أحد. صوتي أشبه بطلقات رصاص زائفة من مسدس كاتم للصوت، والطلقات ما هي إلا كلمات يبعثر الهواء حروفها. أطلق الحَكَم صفارته، مشيرا بأصبعه حيث موضع الكرة. جريتُ إليها ولا منافس لي. أنا اللاعب الوحيد. أنا النجم الذي تشخص إليه أنظار المتفرجين. لا. هناك أعين شاخصة جاحظة. تخيفني تلك الأعين، تخيفني بالسلاح الآلي الممسكة به. محاصر أنا في الملعب الواسع. نظرتُ إلى المتفرجين، أستطلع رأيهم، فألفيتُ الجميع يشيرون إلى موضع الكرة وهم يهتفون بحناجر ملتهبة. لكن هتافها لا يصلني. إنما يصك أذني صفير الرياح. لا مفر إذن. لا بد من ضربة الجزاء. جريتُ إلى الكرة، أدحرجها إلى الحائط البشري المسلح. حرصتُ على أن أقذف الكرة أمام الحائط المنيع، الذي تفصلني عنه عشرة أمتار تقريبا. لكن الكرة قبل أن تصطدم بالحائط، أخذت تتحرك حركات عشوائية من أسفل لأعلى، ثم تمزقت، خوفا ورعبا، وتناثرت أشلاؤها أمامي.
( المقطع الثالث )
اختلفت مع حاكم المباراة. سددتُ خمس رميات ناجحة أمام مرأى الجماهير الغفيرة. تأكدت الأهداف حين استقرت الكرة داخل الشبكة، وحين علت هتافات الحناجر، وحين ارتفعت الرايات، وحين أطلق الحَكَم صفارته، وحين أضاءت الشاشة الرقمية تضيف واحدا في كل مرة لرصيد فريقي. لكن حاكم المباراة، استبد برأيه، وأنكر أن للجماهير صوتا. وادّعى أنه لم يستعمل الصفارة بعد، وأن عمال الصيانة كانوا يقومون بأعمال تجارب على الشاشة الرقمية فلعبوا بأرقامها. ولما رددته بأنني رأيتُ الكرة بإنسان عيني وهي تدخل الشبكة وتستقر بداخلها، ضحك هازئا مني، وأرجع ذلك إلى خداع الحواس. وقال ضمن ما قال : " نعم سددت الكرة، لكنها ما إن دخلت المرمى حتى ارتدت واستقرت خلرج الشبكة. ولما قلت له إن كلامه قد يكون صحيحا في رمية واحدة، لكن هناك أربع رميات أخرى، استقرت فيها الكرة داخل المرمى. ابتسم في هدوء وهز رأسه زاعما أن الرميات الخمس كلها خارج الشبكة. ونفس ما جرى للكرة في الرمية الأولى، حدث في الرمية الثانية، وفي الثالثة والرابعة والخامسة. كدت أجن. نظرتُ إلى الجمهور المصطف بأعداد غفيرة. تصايحت الأصوات غضبا وشططا، وأخرج حاكم المباراة بطاقة حمراء من جيبه. فخرجتُ من الملعب منكس الرأس، أجر أذيال الخيبة. وإذا بلاعبي الفريق الآخر يدخلون الملعب واحدا بعد الآخر. ثم دخل لاعبو فريقي بنفس الطريقة. هرعت إليهم كي آخذ مكاني في الطابور، فانتهرني قائد الفريق، رغم صداقتنا، وأكد أنني مطرود من المباراة، وكل المباريات، كمثل آدم المطرود من جنة الرحمن، رغم أنني لم أقطف فاكهة من الشجرة المحرمة. ولما حدثته عن الأهداف الخمسة، سخر مني وزعم أن المباراة لم تكن بدأت بعد.
ــــــــــــــــــــ
* نشرت بمجلة " الهلال " ـ القاهرة ـ أغسطس 1995م.
تعليق