حسني سيد لبــــــــــــيب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #16
    قصة قصيرة لحسني سيد لبيب
    .........................

    ثلاثة مقاطع كروية

    ( المقطع الأول )
    ألفيت نفسي منفردا بالكرة. نظرت حولي أرنو إلى اللاعبين. لا أجد واحدا يهتم بي. ربما هي خدعة. لكن لاعبي فريقي خلعوا الصدار الأخضر والسروال الأبيض، وارتدوا صدارا أحمر وسروالا أحمر، واندسوا وسط لاعبي الفريق الآخر. خشيت أن يكون صداري هو الآخر أحمر. تأكد لي أنه لا يزال يزدهي بالاخضرار، وما زال سروالي أبيض ناصع البياض. ربما هناك تعليمات جديدة. جالت عيناي في وجوه اللاعبين أبحث عن قائد الفريق. ولما صافحته، تبين لي أنه قائد الفريق الآخر. شردت عيناي في البعيد حيث ينزوي المدرب في ركن قصي. ولما وجدت أنني اللاعب الوحيد الذي يقف الجميع ضده. ركضتُ بالكرة كسيارة مجنونة، أسددها كيفما اتفق، والحكم، حاكم المباراة، يخرق صفير صفارته طبلة أذني، وهاتف داخلي يشجعني كي أواصل التحدي. ربما يريد أن يجبرني على تغيير ملابسي وأتحول إلى شيطان أحمر. عاندت، وجريت بالكرة في اتجاه المرمى. المرمى خال. تركه حارسه وانضم إلى لاعبي الفريقين. فرحتُ عندما سكت الصفير. دب الحماس في عروقي، وركلت الكرة بقوة، مسددا قذيفتي في اتجاه المرمى الخالي. لم تخطئ الكرة طريقها، لكن حاكم المباراة أطلق صفارته قبل أن تدخل المرمى بمتر واحد، وأقبل نحوي يعلن هزيمتي.

    ( المقطع الثاني )
    ما أشهده في الملعب عجيب غريب. ارتدى لاعبو الفريقين زي أمناء الشرطة، واصطفوا جميعا صفين منتظمين، أمام مرمى الفريق الآخر، وبأيديهم بنادق آلية. تلتمع نصالها بانعكاس أشعة الشمس عليها. أما حراس الملعب، فقد ارتدوا زي اللاعبين، وتناثروا على الخط الأبيض الذي يحدّ الملعب. أخافني الحائط البشري الذي يسد المرمى كله، ولم أعد أرى الشبكة. رأيت بدلا منها وجوها صارمة وحرابا مسنونة. جريتُ لاهثا ونبضات قلبي تتسارع، تاركا الكرة في منتصف الملعب الخالي. حاولتُ الخروج، فيصدني حارس متنكر في زي لاعب، كما لو أنه يصد كرة دافعا بها إلى الداخل. أرنو إلى الحكَم، حاكم المباراة، كي ينقذني من الحصار.زعقتُ بأعلى صوتي : " كما ترى، حصار من الداخل وحصار من الخارج ". لكن صوتي لا يصله، ولا يسمعه أحد. صوتي أشبه بطلقات رصاص زائفة من مسدس كاتم للصوت، والطلقات ما هي إلا كلمات يبعثر الهواء حروفها. أطلق الحَكَم صفارته، مشيرا بأصبعه حيث موضع الكرة. جريتُ إليها ولا منافس لي. أنا اللاعب الوحيد. أنا النجم الذي تشخص إليه أنظار المتفرجين. لا. هناك أعين شاخصة جاحظة. تخيفني تلك الأعين، تخيفني بالسلاح الآلي الممسكة به. محاصر أنا في الملعب الواسع. نظرتُ إلى المتفرجين، أستطلع رأيهم، فألفيتُ الجميع يشيرون إلى موضع الكرة وهم يهتفون بحناجر ملتهبة. لكن هتافها لا يصلني. إنما يصك أذني صفير الرياح. لا مفر إذن. لا بد من ضربة الجزاء. جريتُ إلى الكرة، أدحرجها إلى الحائط البشري المسلح. حرصتُ على أن أقذف الكرة أمام الحائط المنيع، الذي تفصلني عنه عشرة أمتار تقريبا. لكن الكرة قبل أن تصطدم بالحائط، أخذت تتحرك حركات عشوائية من أسفل لأعلى، ثم تمزقت، خوفا ورعبا، وتناثرت أشلاؤها أمامي.

    ( المقطع الثالث )
    اختلفت مع حاكم المباراة. سددتُ خمس رميات ناجحة أمام مرأى الجماهير الغفيرة. تأكدت الأهداف حين استقرت الكرة داخل الشبكة، وحين علت هتافات الحناجر، وحين ارتفعت الرايات، وحين أطلق الحَكَم صفارته، وحين أضاءت الشاشة الرقمية تضيف واحدا في كل مرة لرصيد فريقي. لكن حاكم المباراة، استبد برأيه، وأنكر أن للجماهير صوتا. وادّعى أنه لم يستعمل الصفارة بعد، وأن عمال الصيانة كانوا يقومون بأعمال تجارب على الشاشة الرقمية فلعبوا بأرقامها. ولما رددته بأنني رأيتُ الكرة بإنسان عيني وهي تدخل الشبكة وتستقر بداخلها، ضحك هازئا مني، وأرجع ذلك إلى خداع الحواس. وقال ضمن ما قال : " نعم سددت الكرة، لكنها ما إن دخلت المرمى حتى ارتدت واستقرت خلرج الشبكة. ولما قلت له إن كلامه قد يكون صحيحا في رمية واحدة، لكن هناك أربع رميات أخرى، استقرت فيها الكرة داخل المرمى. ابتسم في هدوء وهز رأسه زاعما أن الرميات الخمس كلها خارج الشبكة. ونفس ما جرى للكرة في الرمية الأولى، حدث في الرمية الثانية، وفي الثالثة والرابعة والخامسة. كدت أجن. نظرتُ إلى الجمهور المصطف بأعداد غفيرة. تصايحت الأصوات غضبا وشططا، وأخرج حاكم المباراة بطاقة حمراء من جيبه. فخرجتُ من الملعب منكس الرأس، أجر أذيال الخيبة. وإذا بلاعبي الفريق الآخر يدخلون الملعب واحدا بعد الآخر. ثم دخل لاعبو فريقي بنفس الطريقة. هرعت إليهم كي آخذ مكاني في الطابور، فانتهرني قائد الفريق، رغم صداقتنا، وأكد أنني مطرود من المباراة، وكل المباريات، كمثل آدم المطرود من جنة الرحمن، رغم أنني لم أقطف فاكهة من الشجرة المحرمة. ولما حدثته عن الأهداف الخمسة، سخر مني وزعم أن المباراة لم تكن بدأت بعد.
    ــــــــــــــــــــ
    * نشرت بمجلة " الهلال " ـ القاهرة ـ أغسطس 1995م.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #17
      قمر الحب

      قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
      .............................

      من نافذة غرفته، حيث يسهر مع فرشاته، يطل عليه القمر، من بين غيوم وسحب. يرنو إليه، معجبا مزهوا.. صورة خلابة، يضفي عليها سكون الليل تكوينا بديعا يموج داخل نفسه. منذ كان طالبا يدرس الفنون والصورة القمرية تشاغله، تملأ عالمه.. حتى تشكلت في مخيلته صورة بديعة. يداعبه حلم زاه برسم اللوحة، لكنه يتأنى ويتروى، حبا في أن تكون أجمل اللوحات. كل مساء، يضيف رتوشا إلى اللوحة المنطبعة في مخيلته.. هذا القمر الخلاب، مرة يبدو ضاحكا ملء شدقيه، وأخرى باكيا ملء مقلتيه.. كأنه يشارك سكان الغبراء ما هم فيه من حال لا يستقر.
      يمسك بفرشاته.. يرسم اللوحة.. كما رآها وأحس بها.. شجعه على رسمها، ذلك الوجه المطل عليه من الشرفة المقابلة، وجه الحسناء الفاتنة. يقضي ساعات الأصيل رانيا إليه. حسناؤه هادئة الطباع. تجلس وتقرأ كتابا ما. قلما يتصادف أن تلتقي النظرات. ظل من بعيد يرقب هذا الوجه كل مساء، حتى يغيب عن ناظريه خلف ضلف النافذة الخشبية.
      يطل عليه القمر، فيرنو إليه، كأنه يستعيض به عن وجه فاتنته، ويكمل المساء معه. وبقلبه الرهيف وحسه الشفيف، يترجم فؤاد أحاسيسه تجاه الفتاة بنظرات إعجاب وافتتان بالقمر!.. ظل يداعب فرشاته، راسما بخطوط انسيابية أشبه بخيوط الحرير، تلك اللوحة الطبيعية. وحين أحب أن يرسم وجها للقمر، احتار في رسمه. هل يرسمه ضاحكا أم باكيا؟ استقر أخيرا على رسم وجه. ثم رسم سحابة خفيفة تغشى وجه القمر، وإن كان مطلا من بين الغيوم بضحكته. واستغرق في رسمها قرابة الشهرين.
      تزهو في أعماقه صورة حلوة لجارته الفاتنة ندى.. يخايله خاطر يحبب إليه لقاءها. لا تكفي النظرات عن بعد. ألا يكفي ذلك القمر المطل من السماء العلية؟ أحب وجه القمر وهو في كبد السماء، وأحب وجه ندى وفتن به، من تلك النظرات المتبادلة عبر نافذته وشرفتها، ولا شيء أكثر من النظرات.
      بعد أن وضع اللمسات الأخيرة على لوحته، سمّاها " قمر الحب ". الاسم يربط بين وجه القمر ووجه ندى. ولكن.. هل صارت ندى حبيبة؟ هل يُكتفى في الحب بالنظرات العابرة؟
      وفد من قرى الصعيد، واستقر به المقام في تلك الغرفة الضيقة. لا أحد يؤنس وحدته، يشاركه حياته. لا أحد يطرق باب غرفته. وأحاط نفسه بسياج العزلة، هذا أقرب إلى طبيعته.
      ظلت ندى فتاته الحالمة، وشغله الشاغل. يرعاها في فؤاده، ويطمئن عليها في عالمه الصامت. يحلم بها بين ذراعيه، ويرتقي بها في خياله مدارج الكمال. ما إن يرد ذكرها على لسانه، حتى يخفق قلبه خفقانه السريع المتلاحق.
      وبات طبيعيا أن يراها كل يوم من نافذته..
      ظل على إعجابه الصامت، يشيع في صدره الراحة والصفاء، ويسري في دمائه الطهر والنقاء.. حتى أنه تمادى في خيالاته، ورسم لها صورة ملاك سماوي يرفل في ثوب أبيض. فما أحب أن يلتقي بندى على أرض الواقع، مؤثرا الاحتفاظ بصورتها الحالمة التي تبث الراحة في نفسه. تكمن سعادته في الإلهام الذي أوحى إليه برسم اللوحة، وعشرات مثلها من تلك اللوحات المشبعة بالخيال الأسطوري.
      ثم أتى عليه ليل بلا قمر!..
      يطل من نافذته فلا قمر على صفحة السماء، ولا فتاته ندى جالسة بشرفتها، فقضى ليلته مؤرقا مسهدا. ولم يواته نوم.
      يلح على خاطره سؤال : لماذا تعترينا الرغبة في البكاء؟
      حديقة الشتاء، يذبل فيها الورد، تصفر أوراقها الخضراء. حديقة الشتاء تشكو زائريها ما أصابها من عري وتجريد. حديقة الشتاء ترسل أنات الحزن، ولكن بلا دموع.
      يتهامس الطير بين الأشجار بصوت مخنوق : لماذا تعترينا الرغبة في البكاء؟
      يلملم شوارد أفكاره مغلقا نافذته بعد أن ملّ الانتظار. وندى، الوجه الحالم الغائب، لم يظهر في الأمسيات التالية. خيم الحزن، وانتشرت من حوله خفافيش الظلام.
      ذات ليلة، ينهض من نومه مذعورا، ثائرا، ملتهب الحس، مضطرب القلب.. فلم تزل ندى تشيع الأمل والحب والنور.. لم تزل ندى للقلب نبضه وحياته..
      تزهو في مخيلته لوحة رائعة لقمر الحب، وبدلا من ذلك القمر المطل من صفحة السماء يرسم ندى وجها قمريا ضحوكا. ومن جديد، يمسك بفرشاته، راسما بخيوط حريرية انسيابية، صورة ندى القمرية. وبدلا من السحب والغيوم التي تكتنف الوجه وتحيط به، يرسم خيوط الشعر الحريري الناعم، متموجا، على شكل طيات متلاحقة، كأن كل طية تثب لتسبق الأخرى. ورسم على الشفاه ابتسامة هادئة، فأصبح الوجه ضحوكا كالقمر. ثم رسم دمعتين على خدين متوردين، لا تكادان تبدوان للناظر.
      وأطلق على لوحته اسم " خلود ". فهل يقصد به خلود الحب، أم خلود الجمال، أم أنه يقصد رسم ملاك سماوي سيئوب إلى التراب؟!
      استغرقته اللوحة.. تواتيه الرغبة في إكمالها حين يرى ندى، ويعزف عن ذلك حين تغيب عنه. مضت أيامه بين مد وجزر. اكتملت اللوحة، وفتن بها وبألوانها. حفظها في مكان مكين. واعتبرها درة غالية لا يفرط فيها أيا كانت الأسباب.
      الدنيا يا فؤاد لا تستقر على حال..
      الدنيا تدور..
      كل شيء في الدنيا يدور..
      حقيقة علمية، مؤكدة، ومبرهنة..
      كل شيء في دنياك يتحرك..
      وعالمنا موار، لا يستقر ولا يهدأ..
      ثم أطل على الدنيا ليل بلا قمر.. لكنه ليل طويل لا يعرف له آخر. بدأ ظلامه حين أظلمت الشرفة، حين باتت خالية جرداء. وتسلل الظلام إلى شعاب نفسه مع تعاقب النهار والليل. حتى القمر المطل عليه من السماء العلية، بدا باكي الوجه، مكفهرا، مشاركا صاحبه الأحزان.
      فهجر فرشاته، واعتراه هم ثقيل.
      ويأتيه جاره " رفيق " بالخبر اليقين. تزوجت ندى من ثري عربي، وسافرت معه إلى بلده. لم يشأ أبوها أن يقيم حفلا، أو يذيع خبرا، مؤثرا إتمام الزواج في صمت. لاحق فؤاد جاره بأسئلة واستفسارات، لكن رفيق لم يكن يعرف أكثر مما قال.
      أراه اللوحة، فأعجبته..
      ـ رائعة..
      قالها وهو منبهر بجمالها.
      قال فؤاد :
      ـ فيما يبدو أنها تزوجت رغم أنفها.
      ـ ربما..
      بعد فترة صمت، استطرد رفيق :
      ـ هل كنت تحبها؟
      ـ لا أعرف.. لكني فتنت بجمالها.
      وأكمل فؤاد رحلة الحياة مفتقدا الأنيس الصامت الذي كان يطل عليه، نموذجا رائعا للجمال. وكان أروع ما في صورة ندى، صمتها!.. فاستهام بهذا الصمت، الذي أشاع عنده الإحساس الدفاق بالجمال. يرى في الصخب وفي الكلام عامل إحباط يفسد الصورة الجمالية، بينا يشكل صمت التماثيل والرسوم والصور جانبا من جوانب الجمال.
      غاب عنه الأنيس الصامت..
      وواصل وحده رحلة الحياة، ولم تزل صورة ملهمته منطبعة في خاطره. يود أن يرسم لها عشرات اللوحات، لكن الأمنية أحبطت.
      وتمر سنوات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. فينتقل فؤاد من غرفته الصغيرة الضيقة، إلى شقة أكثر اتساعا، ولم يزل عزبا، لا يفكر في زواج، مرتضيا زواج الفن. وذاعت شهرته، حتى ذكر اسمه في أعمدة الصحف، فنانا مرموقا.
      يقيم معرضه الأول، فيطبع بطاقات دعوة مرسوما على غلافها رسما مصغرا للوحته " خلود "، رسما مصغرا لوجه ندى بشعرها المتموج على جانبيْ الوجه.
      يتوافد العشرات من محبي الفن. ويكون حصيلة المعرض بيع لوحات كثيرة، لكنه لم يشأ بيع لوحة " خلود "، التي كتب عليها لافتة " للعرض فقط ".
      تكثر أسئلة الزوار حول " خلود " معجبين بها، مفتونين بجمالها وتناسق ألوانها. وعرضت عليه مبالغ مغرية، فما فرط فيها.
      وفوجئ بجاره القديم " رفيق ".. يحييه بحرارة.. ويستعيد معه بكلمات مختصرة ذكريات الحي القديم، أيام كان طالبا يدرس الفنون. ثم يتطرق الحديث إلى ندى.. يعقب رفيق :
      ـ أراك تضع " خلود " في مقدمة لوحاتك.. ألا تريد معرفة أخبار ملهمتك؟
      ـ ماذا عنها؟
      ـ عادت إلى مصر منذ شهور. لم تنجب من زواجها أولادا. وطلبت منه الطلاق فطلقها.
      ـ في نفس الشقة؟
      ـ وتجلس في نفس الشرفة.
      يشرد فؤاد..
      عبق في الجو عطر قديم محبب إليه. ارتحل إلى الماضي. أفاقه من شروده صحفي متحمس للفن، بسؤال مفاجئ :
      ـ لماذا سميتها خلود؟
      ـ من تقصد؟
      ـ لا أقصد شخصا. أقصد لوحتك الرائعة " خلود ".
      ـ خلود..
      وابتسم قبل أن يجيب :
      ـ قد يكون الخلود رغبة مستعرة في نفس الفنان، رغبته في أن يخلد لحظة جمالية ما.. لحظة عاشها الفنان وفتن خلالها بجمال أخاذ، فأحب أن يكون هذا جمالا خالدا.
      ـ ربما يكون تجسيدا لمعنى " الجمال الخالد ".. إذا صحت التسمية.
      ـ ربما..
      حين هم رفيق بالانصراف، حدد معه موعد لقاء!
      ولم ينس أن يكاشفه برغبته في زيارة ندى، قال :
      ـ أود أن أزور أباها.
      ـ تعش أنت .. قد توفاه الله منذ عام.
      أطرق أسفا، واستطرد رفيق :
      ـ تقيم مع أمها العجوز. هل ستطلب يدها؟
      ـ ولم لا؟
      ـ مستعد أنت للزواج؟ .. متهييء له؟
      ـ كما تعرف، لست متحمسا للزواج. لكن.. لماذا لا أفكر في الاقتران بملهمتي التى شغلت بها، وفتنت بصورتها؟
      وكان لقاء ..
      أحب فؤاد أن يجدد بهذا اللقاء صورة من صور الماضي الجميل.
      ضم المجلس ندى وأمها، ورفيق وفؤاد. تبادلوا حديث الذكريات عن أحوال كل منهم منذ خمس سنوات. كانت ندى أكثر إنصاتا وصمتا. قال رفيق لندى :
      ـ فؤاد فنان مرهف الحس. ألا تعلمين أنه رسم لك صورة رائعة؟
      ـ وهل رآني جيدا حتى يرسمني؟.. لا أذكر أننا التقينا.
      قال فؤاد :
      ـ من نافذة غرفتى، سمحت لنفسى أن أتطلع إليك، فانطبعت فى وجدانى صورة فذة اختلط فيها جمالك بما أحس به.
      ـ هل تأذن لى برؤيتها؟
      ـ طبعا.. طبعا..
      وتحدد موعد ثان للقاء.
      ولما انصرفا، سأل رفيق :
      ـ لماذا لم تطلب يدها؟
      ـ ...
      ـ أم أنك ستعيد النظر فى اللقاء الثانى؟
      رمقه فؤاد بنظراته وصمته..
      وفى اللقاء الثانى، لم يشأ رفيق أن يأتى معه. زارها وحده، متأبطا لوحته.
      كانت ندى على قدر من الثراء أكثر من ذى قبل، بما لديها من مال مدخر، استثمرته فى مشروع تجارى صغير. ولما عرفت أن فؤاد أقام معرضا، باع فيه عددا من لوحاته، قالت وكأنها فطنت إلى ما يرمى إ ليه :
      ـ حلوة، وجذابة.. بكم أشتريها؟
      ـ إنها لا تشترى..
      واستمرآ صمتا طويلا. قامت أمها تعد الشاى. استطرد فؤاد، وهو يرمقها بحنين الماضى :
      ـ ولكني أهديها.. إلى صاحبة الوجه القمري الحالم، الذي فتنني، وألهمني هذه الرتوش.
      ـ شكرا.. لكنك تعبت فى رسمها .
      ـ أكون سعيدا لو قبلت الهدية.
      ـ شكرا.. على الهدية الجميلة..
      ثم قالت بعد لحظة صمت :
      ـ ولكن.. لماذا سميتها " خلود "؟
      احتار فيما يخالجه من أحاسيس. إنه يجلس قبالة ملهمته عن قرب. ولكن ثمة أميال تعد بالآلاف تفصل بينه وبين الوجه الذي استهام به منذ سنوات.
      كررت السؤال..
      ارتجل بضع كلمات...
      ـ فيما يبدو أن غرور الفنان هو الذى أملى الاسم..
      ورنا إلى وجهها، ثم كسر حدة الصمت مرتجلا كلمات أخرى :
      ـ كان هذا منذ خمس سنوات.
      ـ أعرف أن لا شئ خالد في الحياة.
      ـ حقيقة دنيوية معروفة للجميع .
      أتت أمها بأقداح الشاى. وأنصت كلاهما لحديث الأم عن ذكريات زمان، وعن مقارنة لاترحم بين أسعار السلع منذ ثلاثين سنة والوقت الراهن.
      ثم استأذن فؤاد منصرفا.
      يلتقي به رفيق بعد أيام، يسأله :
      ـ هل طلبت يدها؟
      ـ ...
      ـ هل قوبل طلبك بالرفض؟
      ـ لم أطلب يدها..
      ـ هذا ما توقعته.. لهذا لم أشأ الذهاب معك. صدق ما ظننته من أنك وجدت صورة مغايرة لصورة ملهمتك.
      ـ كأنهما صورتان مختلفتان جد الاختلاف..!
      استطرد بعد صمت قليل :
      ـ هل تستطيع السنوات الخمس أن تغير أحاسيس الإنسان؟ لا أكتمك القول يا رفيق.. لم أجد في ندى هذا الشيء المثير الذي كان يلهمني..!
      ـ ربما زواجها هو الذي غيرها؟
      ـ نعم هو الزواج..
      ـ لا تتسرع في الحكم.. ربما أنت الذى تغيرت؟
      ـ نعم هو أنا..
      ـ ولا تتسرع في هذا أيضا.. ربما السنوات الخمس قد أحدثت تغييرا وتبديلا؟
      ـ نعم هي السنوات الخمس..
      ـ لاتتسرع أيها الفنان المغرور. ألا ترى أنك تسرعت في تسمية لوحتك الجميلة " خلود ".. بعدما لمسنا ما لمسنا؟
      ـ لم أتسرع.. ما زلت مصرا على إبقاء الاسم كما هو..
      جال ببصره فى السماء الواسعة العريضة، باحثا عن قمر الحب، الذى أطل عليه منذ سنوات خمس..
      وكانت شمس الظهيرة قد ملأت الكون بنورها ونارها..
      ــــــــــــــــــــ
      * مجلة " القصة " ـ القاهرة ـ يناير 1981م

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #18
        الطابور

        قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
        .................................................. ...

        في الصباح الباكر، توجهت إلى مكتب التموين، لأقف مع الواقفين الذين أعطي لهم الحق في حصص التموين دون سواهم من فئات أكثر قدرة على الكسب، وأيسر حالا.
        أنا موظف. مرتبي لا بأس به، وإن كنت عاجزا عن فتح رصيد في بنك. يعني مستورة والحمد لله.
        أمس، رجوت البقال أن يتولى تغيير بطاقتي، فأرجأني عدة أيام. فهمت أنه يريد أجرا لقاء ذلك. عاندت نفسي وأصررت على إنجاز المهمة بنفسي.
        أشد ما يضايقني أن أقف في الطابور. ولكن، ما الحيلة؟ ليس من طبعي أن أدفع رشوة أو أكون مرتشيا. يعني نظيف والحمد لله. فلماذا أكبو في هذه المرة، وأسلك طريقا لست أرضاه؟
        طابور طويل يتلوى كالثعبان، وطابور قصير نوعا ما للسيدات. يحشد الطابور خليطا من أولاد البلد المتجلببين بجلابيب، والعجائز، والشباب المتزوج حديثا..
        تناولت استمارة وملأت بياناتها. يد امرأة بدينة تمتد نحوي باستمارة، فملأتها لها. ويد أخرى لعجوز، ويد ثالثة.. كنت في عجلة من أمري كي آخذ دوري في الطابور. لكن لا بأس من التريث خمس دقائق أو عشرا، من أجل هؤلاء السيدات الأميات. تنقدني إحداهن عشرة قروش.. نظرت إليها شزرا..
        ـ ما هذا؟
        ـ أتريد أكثر من عشرة قروش؟
        ثرت في وجهها. أفهمت الجميع أني لست كاتب " عرض حال ". وحينما تلفت حولي، لمحت صبيا في الخامسة عشرة، يملأ الاستمارات لقاء أجر. انسللت هاربا من المكان، وأنا أخشى أن يراني أحد من معارفي، فيدركوا خطأ ما ليس بي.
        استطال الطابور الثعباني أكثر فأكثر، وكثرت فيه الانحناءات.. فإذا ما اعترض الطابور حائط المبنى، انكسر، وانتظم بجوار الحائط.. وإذا ما اعترضه كشك سجائر، استدار حوله محتضنا الكشك.
        وقفت في آخر الطابور، وما هي إلا لحظات، حتى وجدت خلفي قرابة عشرة أفراد، فأحسست بالزهو لتقدمي عليهم.
        بجانبي بائعة شاي، تتجلبب بجلباب أسود. سيدة في الثلاثينيات. تشكل السمرة لمسة رائعة من لمسات الجمال، تضاف إلى قسمات الوجه المريحة.. عيناها نجلاوان لماحتان. تروح وتغدو بأكواب الشاي لباعة الخضر والفاكهة المجاورين لمكتب التموين.
        ركن الشاي، عبارة عن منضدة خشبية وضع عليها براد شاي كبير على موقد بوتاجاز، ووعاء معدني نظيف، مملوء بالماء. اصطفت الأكواب النظيفة في صفين منتظمين، وكرسي خشبي قديم، ينبيء حاله عن ثلاثة أجيال توارثته، ولم يزل صالحا للاستعمال، وإن كان يشكو تشققات في قاعدته الخشبية. كما أن إحدى أرجله قد أعيد تثبيتها بغراء ومسامير.
        يجلس على الكرسي طفل في الثالثة. يبدو نظيفا. أمه بائعة الشاي، تهتم بنظافته مثلما تهتم بركن الشاي، مصدر رزقها. وجه الطفل نظيف. تحدق عيناه في الطابور. يرتدي قميصا نصف كم، وسروالا قصيرا يكشف ساقيه. سمرة الطفل من سمرة أمه.
        بجوار الكرسي، دكة خشبية تشكو هي الأخرى آثار الزمن، لكنها بأي صورة صالحة للاستعمال.
        الفرصة مواتية لشرب الشاي. قتل الوقت مهم. راقبت البائعة وهي تضع قوالب السكر في الكوب بيد مدربة، ثم تمسك ببراد الشاي وتصب منه خلال مصفاة. تعلقت عيناي بيدها وهي تحرك الملعقة حركة دائرية متأنية. الجو شديد الحرارة، لكني أشرب الشاي الساخن في كل الأوقات.
        قلت للرجل الذي يتقدمني :
        ـ تفضل..
        شكرني بامتنان، ووجدها فرصة ليتجاذب معي أطراف الحديث. نبهني إلى الذين يندسون في مقدمة الطابور، مخالفين النظام.
        قلت له :
        ـ هذا خطأ الشخص الذي يسمح بهذا..
        ـ ربما يكون المندس قريبا أو صديقا له.
        ـ يعني مجاملة.
        قال متضايقا :
        ـ إنها المجاملة التي تفقدنا شيئا من القيم.
        كلماته نافذة. تأملت وجهه الصارم، شعره المخلوط فيه البياض بالسواد. وعيناه الحادتان. أحسست ببركان يختفي وراء ملامحه، وما نظراته الحادة، وكلماته النافذة إلا شررا من حمم البركان الدفين.
        امتد به الحديث حول انتظام وأصول المعاملة. كنتُ المتلقي الوحيد لكلماته. لم يصدق ظني في أنه سينهي حديثه، وكرر لزومياته، حول تأنيب المخالفين، وحث الواقفين على الالتزام بالطابور.
        التفت أمامه، وهو قلق لما يحدث، وانصرفت عنه بشرب الشاي، وملاحظة الرجل النحيف الواقف خلفي. يبدو عليه التوتر، وعصبية المزاج، وتعجل الأمور. قلت له وقد تحرك الطابور عدة سنتيمترات :
        ـ هانت..
        قال على التو :
        ـ والعمر يهون يا أستاذ..
        بدأ الرجل الواقف أمامي يتودد إليّ. حدثني عن ابنه الذي يتأهب للزواج. أخبرني أن موظف التموين صديق حميم لابنه. أردف همسا :
        ـ لكن لم أشأ أن أقصده.
        ـ على الأقل، يرحمك من هذه الوقفة.
        قال في غضب :
        ـ لم يفاتحني في هذا..
        تنهد كأنه يزيح هما :
        ـ هو صديق حميم لابني..
        قطعت امرأة حديثنا المتقطع. المرأة تمثال حي ناطق بالفاقة. ثوبها حائل اللون، مترب مرتق. حول رقبتها اكتناز، وتجاعيد تنبيء عن مرارة السنين التي عاشتها. تحمل فوق رأسها سلة فيها خضار، كاد يفسد عند بائعيه. لم أكن أنصت جيدا لما تقول، قدر تأملي لعينيها المنتفختين وتتبعي لحرف الراء الذي تقلبه ياء. المرأة البائسة لها مشكلة مع مكتب التموين، تعرضها علينا بأسلوب غير مفهوم تماما، إلا بالاجتهاد وإخلاص النية في فهم المشكلة. يبدو أن عائل الأسرة قد توفى، وأنها تريد قيد أمها العجوز. قال الرجل الواقف خلفي :
        ـ اذهبي لرئيس المكتب، واعرضي عليه مشكلتك.
        ثم أشار إلى المكان الذي تذهب إليه.
        يبدو أنه لم يستمع جيدا لكلامها. شاء أن يريح الواقفين من عناء التفكير. متعجل لكل شيء، هكذا يبدو، فيما عدا وقفته هذه في آخر الطابور المتثني كالثعبان.
        رثيت لحال المرأة. لكن ما الحيلة؟ قد انطبعت صورتها في ذهني، تمثالا حيا للفاقة، لم يبدعه فنان.. وزاد التمثال تجسيدا وتعبيرا، تلك العين الزجاجية البارزة.. كانت المرأة قد ذهبت بما تحمل من خضار فاسد ومشاكل، إلى حيث أشار الرجل.
        عاد الرجل الواقف أمامي يحدثني :
        ـ لست أحب أن يجاملني أحد. هذا أسلوبي في التعامل.
        ـ هذا أفضل.
        امتد الصمت بيننا عدة دقائق. تأملت خلالها بائعة الشاي وهي تؤدي عملها، وطفلها يراوغها، فيترك كرسيه ويخترق الطابور من عدة أماكن، ثم يحاول الجلوس على الدكة الخشبية فيفشل، فيعود إلى الكرسي، أو يمسك بذيل ثوبها ويحتضن ساقيها بذراعيه.
        صدمني الرجل الواقف خلفي، وهو يزفر زفرة ضيق مشبعة بتنهيدة طويلة :
        ـ أف... يا رب ارحمنا..
        قلت ألاطفه :
        ـ تجاوزنا الثلث الأخير من الطابور.
        ـ أف... طابور لا يعرف له رأس من ذيل.
        شارك الرجل الواقف أمامي بقوله :
        ـ المندسون أس البلاء.. لو تطهر الطابور منهم، لارتاح الجميع.
        لم يعقب الرجل الواقف خلفي بشيء. أنهى تأففه بإشعال سيجارة، وتدخينها بعصبية وتعجله إنهاءها.
        قلت للرجل الواقف أمامي :
        ـ المندسون يعكرون صفو الطابور. دائما نلقى في كل نظام من يعكر صفوه. مشكلة المشاكل.
        وحدثني عن حرصه على اتباع النظام، ورفضه للوساطة والطرق الملتوية. وأكد لي أن أموره تسير سيرها الطبيعي.
        عاد الصمت يخيم على الطابور. ولا يسمع إلا خليط أصوات قريبة منا، وما تفرضه طبيعة المكان بما فيه من صياح وأبواق سيارات ومكبرات صوت قريبة وبعيدة.
        نظرت إلى الطابور من أوله إلى آخره.. ألفيت خلفي عشرات من الرجال، وأمامي أضعاف الأعداد التي خلفي. إذن فقد اقتربت قليلا من منتصف الطابور. هانت. الصبر مفتاح الفرج. قد اقتطعت اليوم من رصيد اجازاتي. ها أنا أقترب قليلا. خطوات لا تتعدى المترين إلى الأمام. لا بأس. حتما سأصل.. برغم هؤلاء المندسين في أماكن أمامية.. لا ضير.. مثلما لا تضار السماء إذا عكرت صفاءها وزرقتها سحابة عابرة.
        أتى رجل وأعلن عن فتح شباك آخر لتلقي الطلبات في الجزء الخلفي من المبنى. تردد الواقفون في الاستجابة للنداء. حرصت على البقاء في مكاني محتفظا بدوري. ربما تكون خدعة لينقلب الطابور إلى فوضى. انصرف البعض إلى الشباك الجديد بخطى مترددة. تشجع آخرون حتى كثر عدد المنصرفين. ولما أحس الكل أنهم يمثلون كثرة، بدأوا يركضون متزاحمين نحو الشباك الآخر. تركت مكاني، وتركت ساقيّ تسابقان الريح عساي ألحق مكانا متقدما في الطابور الثاني. ولكني.. إذ وصلت.. ألفيت نفسي في آخر الطابور!.. والواقفين في أوله، هم الذين كانوا في آخر الطابور الأول!
        ندبت حظي، إذ أنظر خلفي فلا أجد أحدا يقف ورائي، فتركت الطابور الجديد واتجهت نحو بائعة الشاي. جلست على الدكة الخشبية، وطلبت شايا. عيناي تحدقان في الطابورين اللذين يتثنيان كثعبانين طويلين، وإن كانا متحفزين للوثوب إلى شيء ما.
        عدت أرنو إلى بائعة الشاي. كيف تثابر على العيش بقروش الشاي الزهيدة؟.. كيف تربي طفلها، وتعتني بنظافته؟.. أهي المثابرة والإصرار؟.. أم ماذا؟..
        وحين عدت إلى بيتي.. حكيت لزوجتي ما حدث. بالغت في الوصف. قالت :
        ـ إذن، عُدْ إلى البقال، ينهي لك الإجراءات.
        صمت...
        قالت :
        ـ ادفع له ما يريد.
        قاومت شيئا بداخلي. قلت بإصرار :
        ـ أرجو أن توقظيني مبكرا.. مبكرا جدا.. سأحرص على الوقوف في أول الطابور.
        ابتسمتُ ساخرا، وأكملت :
        ـ لن أعبأ إذا انقسم الطابور الثعباني إلى اثنين أو ثلاثة. سأظل واقفا في مكاني.
        وتنهدت في شبه ارتياح.
        سأنهي كل الإجراءات غدا.
        في الصباح، سيكون كل شيء على ما يرام!
        ــــــــــــــــــــ
        •مجلة " الثقافة " ـ القاهرة ـ العدد 80 ـ يوليو 1981م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #19
          أبي

          قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
          .......................... ..

          تغير كل شيء بعد وفاة أبي. ثلاثة أشهر مضت على وفاته. كان حزني خلالها حزنا صامتا.. أقبع وحدي في غرفتي، أجتر ألم الحرمان، وحولي كل شيء يتغير.. فأختي سحر التي تكبرني بثلاثة أعوام، بدأت تستكشف في نفسها أشياء جديدة. خرجت عن صمتها المعهود، وعزلتها الكئيبة، وانجذبت إلى الحياة. نجحت في الإدلاء بآرائها في كل ما يجدّ على الأسرة من أحداث. فاجأتني ذات يوم بقولها :
          ـ لماذا تصر على أن تبدو حزينا؟
          كنت أهم بتطويق عنقي برباط أسود، فتوقفت يداي، ورحت أفكر.. لكني عجزت عن الرد، فآثرت السكوت.
          منذ ذلك اليوم، وجدتها تنتقي بنفسها رباط العنق الذي يتلاءم مع هندامي.. كما تبدي رأيها في تصرفاتي.
          أما الصغيرة سناء، فقد غيرت معاملتها معي.. وثقت بآرائي، واعتبرتني مسئولا عنها في الحدود التي تراها مناسبة.. حتى خيل إلىّ أنها وضعتني مكان أبيها الذي عانت من فقده الكثير من الآلام. كان أبوها محل ثقتها، والمرجع الأول والأخير في كل ما يعنّ لها من خوافي الأمور. وحين مات أبي، نظرت إليّ نظرة جديدة ملؤها الاهتمام. إنها تلح عليّ في هذه الأيام كي أقرأ القصص، وأشاركها تلك الهواية التي نمت منذ فترة قصيرة. ولم تقتصر على تلك الدعوة الملحة، وإنما أعطتني قصتين لقراءتهما، ووصفتهما بأنهما أروع ما قرأت!
          وأمي الطيبة، تقسو عليّ في أحكامها.. فلا أتأخر كثيرا خارج البيت، ولا أسهر، وعليّ أن أكون متزنا معتدلا في كل تصرفاتي.
          مضت ثلاثة أشهر على وفاة أبي، ورغم هذا، فما زلت أعي كلمات الرثاء التي قالها أحد أقاربنا :
          ـ البقية في حياتك.. كان المرحوم رجلا طيبا.. الله يرحمه.
          واسترسل في سرد عزائه. كلمات تكررت كثيرا حتى أرهقت سمعي. رجل طيب!.. يا إلهي!.. كم سخرت من هذه الكلمة!.. فهكذا نشيع موتانا. نقول إنهم طيبون وننسى أننا دائما نبخسهم قيمتهم الحقيقية.. فكلمة الطيبة ترادف كلمة التأثر، وهناك علاقة وثيقة بين الكلمتين.
          الحياة تتغير.. كل شيء في الحياة يتغير ويتجدد. حتى نداء البائع المتجول. نداء تتجدد نغمته، لكني لا أشعر في تكراره بالملل أو السأم.. فكلما تناهى إلى أذني نداؤه، أستشف معنى جديدا وأتذوقه كنغمة خاصة. إن صوته يشعرني بأن الحياة مستمرة، ولا يعرف لها انتهاء.
          في هذه الأيام، أهتم بسحر مثلما تهتم هي بجمالها وزينتها.. إنها جديرة باهتمامي. لم تعد تلك الفتاة الغريرة المضجرة.. إنها الآن تصر على التزين، والأناقة.. حتى أصبحت فتاة جميلة جذابة.. فأشعرتني بإمكان تغيير صورة الإنسان.
          * * *
          أنا المسئول الوحيد عن البيت.
          هكذا تغير الموقف. كنت واحدا من الأسرة، أتصرف كأي فرد فيها. كنت حر التصرف.. لكني الآن لست كالآخرين. أنا فرد مهم بالنسبة للآخرين. هكذا شاءت الظروف أن تضعني. بدأت العيون تتجه ناحيتي كآخر مرفأ يلجأون إليه. كل الناس ينظرون إليّ نظرة خاصة. أحسست، في فترة وجيزة، بقيود رهيبة تكبل تصرفاتي القديمة، وترغمني على تغيير طبيعتي، ولا أبدو إلا كما يحب الآخرون أن يروني.
          أنا المسئول عن أمي وشقيقتيّ الاثنتين. أنا صاحب الرأي. هكذا أكدت لي أمي بكلماتها..
          ـ أبوك مات. البركة فيك يا ابني. مات وترك لنا رجلا.
          كانت الكلمات ثقيلة.. لكني قدرت قيمتها الحقيقية.
          * * *
          كنت أطالع في غرفتي حين دخلت سناء في ثوب أنيق، وابتسمت قائلة :
          ـ أنا خارجة..
          ـ إلى أين؟
          ـ سأذهب مع صديقتي إلى السينما.
          قلت في حزم :
          ـ لا تتأخري عن الساعة التاسعة والنصف.
          ـ قد نتأخر قليلا بسبب المواصلات.. حسبما تشاء الظروف.. لكني تشبثت بقولي..
          ـ قلت لا تتأخري عن التاسعة والنصف.
          كان صوتي حادا بعض الشيء. لقد أفزعني ما قلت من كلمات صارمة، ولا شك أن سناء فزعت هي الأخرى، فقد أسهمت صامتة.. ثم غادرت غرفتي دون أن تنبس بكلمة واحدة.
          ظللت أقسو على نفسي وأحاسبها على ما بدر منها من صرامة وعنف. كان الأجدر بي أن أكون لينا بعض الشيء.
          دلفت سحر إلى غرفتي، ثم صاحت :
          ـ أنت قاس!
          تألمت لعبارتها، لكني تصنعت اللامبالاة، حتى أخفي عجزي عن الرد.. فأكملت صيحتها الحادة :
          ـ رحم الله أبانا.. لم يكن ديكتاتورا مثلك..
          أفزعتني كلماتها، لكني لم أستطع أن أتكلم. صمت ثانية لا أدري ماذا أفعل؟.. ثم قلت في ضعف ظاهر :
          ـ ماذا فعلت؟
          صاحت في انفعال :
          ـ ألا تدري؟ إنها تبكي في غرفتها. تذكرت أباها الذي افتقدته، وأقسمت على ألا تخرج من البيت الليلة.
          خرجت سحر منفعلة، وظللت وحدي.. أتألم في صمت..
          بت ليلتي مسهدا، أعاتب نفسي وأؤنبها لتصرفي الأحمق مع سناء.
          وفي الصباح، عرفت قدماي الطريق إلى مقبرة أبي، كأني أستغفره لما بدر مني في المساء. ذهبت مستسلما لدافع خفي، ووضعت على المقبرة باقة ورد، ورن في أعماقي صوت هامس :
          " أبي.. ناس كثيرون يترحمون على موتاهم.. لكنهم بهذا يبخسون حق الموتى عليهم. إن الموتى لا يذهبون سدى. إنهم يهبون أنفسهم مخلصين للأحياء. إن قيمتك الحقيقية تعيش في حياتنا جميعا، فردا فردا.. تعيش في حياتي، وفي حياة أمي، وفي حياة شقيقتيّ العزيزتين ".
          عدت أدراجي، والصمت يكبلني، فوصلت إلى البيت فاتر الهمة.. في قلق مستبد. رأيت الصمت يخيم على البيت، فسناء التي انتحبت في المساء، واصلت حزنها في الصباح، وغلفها الشجن..
          قالت لها سحر :
          ـ لا تحزني يا سناء.. لم يذهب أبونا سدى. إنه يعيش فينا جميعا. لا تبكي فالدموع لا تهب الراحلين قيمتهم، وإنما قيمة موتانا هي في قدرتنا على مواصلة الحياة من بعدهم.
          وأطرقت الأم لحظة، ثم قالت :
          ـ صورته لن تفارقنا أبدا.
          ـ هكذا يا أمي تكون قيمة الراحلين عن عالمنا. هذه هي حكمة الموت.
          زعقت والألم يمزق قلبي :
          ـ يتراءى لي البيت موحشا، كئيبا.. كأن البيت خال!..
          وتغلب ضعفي على إرادتي، فهرعت إلى غرفتي أذرف دموعا غزيرة. ومن خلل دموعي، نظرت إلى صورة أبي التي تزين الحائط بإطارها المذهب، كأني أستعطفه أن يغفر لي ضعفي. طالعتني ابتسامته الحانية، كأنه يشد أزري، كأنه يقول عبارته المعهودة : " شد حيلك! ". حينذاك، خجلت من ضعفي فأمسكت عن البكاء.
          وأحسست بقوى خفية توقظ إرادتي المشلولة، كأنها إرادة أبي!
          ــــــــــــــــــــ
          * مجلة " الثقافة الأسبوعية " ـ القاهرة ـ 20 فبراير 1975م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #20
            إبهام

            قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
            ..............................

            عبد المقصود مقاول أنفار. يحسده الناس على ثرائه.. يملك عمارتين تطاولان عنان السماء، وخمس سيارات أجرة، غير سيارته الخاصة. يعيش حياة الترف والنعيم، بعد أن كثرت أعماله وتعددت، وباتت مهمته توريد الأنفار لأعمال الحفر والبناء. وبحكم خبرته وحنكته، أصبحت المهمة سهلة وميسورة. علمته الخمسون شتاء التي عاشها، كيف يتجه إلى العملية الرابحة. اتسعت دوائر أعماله بعد أن تعامل مع هيئات الحكومة وشركات القطاع العام. يقبض حساباته بشيكات. كثر تعامله مع البنوك، وفتح حسابات جارية تتعدى العشرة آلاف بكثير.
            وتظل مشكلة عبد المقصود.. أنه يجهل القراءة والكتابة. حاول أن يمرن يده على كتابة اسمه، لكنه استشعر حرجا من ابنته هدى. كبرياؤه يمنعه من المحاولة، فاكتفى بعمل خاتم باسمه لصرف الشيكات. وأصبح الخاتم ملازما له كبطاقته الشخصية، يأخذه معه أينما ذهب.
            لم يسلم من ضيق الصدر، فموظف البنك دائما يصر على أخذ بصمة الإبهام، بجانب الختم. وكان يظن أن الخاتم يعفيه من البصمة، التي أوقعته في الحرج. كلما فكر في أن يقصد ابنته لتعلمه القراءة والكتابة، يتحرج في الطلب. فظل متخبطا بين شقي الرحى. هذه المضايقات لم يطلع عليها الآخرين، حتى زوجته.. هي في طيات نفسه لا يكاشف بها أحدا. الكل يحسد عبد المقصود على أمواله التي يبعثرها ذات اليمين وذات الشمال، ولا أحد يتشوف الظل القاتم الذي لازمه، فعكر صفاء حياته.
            أحيانا، يجلس بجوار هدى وهي تستذكر دروسها، فيتيه بها فخرا، ويحس أن ما ينقصه قد اكتمل في شخصها.. فترتاح نفسه، ويروق مزاجه.
            ثم تطوف في مخيلته صورة فكري، موظف البنك، وهو يمسك بإبهامه، ويضغط به على الختّامة، ثم وهو ينقله بحركة آلية إلى ظهر الشيك، ضاغطا بقوة أكبر، واضعا البصمة الواضحة، أمام طابور من الناس، يندر فيهم من على شاكلته، فيحس كأنه من عالم غير عالمهم!.. أو أنه غريب عن بلده.
            فكري، شاب مهذب، وفي مقتبل العمر. لبق الحديث، سريع البديهة، حاد الذكاء. يحفظ اسم عبد المقصود عن ظهر قلب، لكثرة تردده عليه.
            يلملم عبد المقصود شوارد أفكاره.. وكلما تذكر وقفته الذليلة أمام شباك الصرف، والخاتم، والإبهام، وفكري، حتى تستنفره الصورة.. وما أكثر فرحته حين يخيرونه بين تحرير شيك أو الصرف النقدي، فيفضل صرف مستحقاته نقدا.. لكنها حالات نادرة..
            جلس مع زوجته يتسامران..فتقول له بنبرة هادئة :
            ـ كم أود أن أفرح بهدى.
            ـ الأوان لم يحن بعد.
            ـ هدى لم تعد صغيرة.
            ـ ننتظر حتى تنهي دراستها.
            ـ يمكنها أن تخطب، لحين تخرجها.
            شرد عبد المقصود.. تردف الزوجة :
            ـ جارتنا أم حمدي، قالت لي إنها تريد أن تفرح بابنها حمدي.
            ـ وبعد ذلك.
            ـ لم تقل شيئا أكثر من ذلك.
            ـ يعني كلام فض مجالس.
            ـ جارتنا حذرة وحريصة.. تخشى أن تطلب هدى لحمدي.. حتى لا تصدم بالرفض.
            ـ يعني...
            لم يكمل جملته. قفزت إلى خاطره صورة فكري، موظف البنك. إنه مناسب لهدى. ولكن... طرأت على باله فكرة.. أن يصحب معه هدى، لتوقع هي على الشيك بدلا منه، وتحله من الحرج الذي يتردى فيه.. وتكون فرصة ليتعرف فكري عليها، فرصة متاحة ومعقولة.
            سعدت هدى لأن أباها سيصحبها إلى البنك. لم يتعود أن يصحبها في أي مشوار من مشاويره، ونادرا ما تخرج معه.. لهذا سعدت، وارتدت أجمل ما عندها، وأحست بالزهو.
            أمام فكري.. عبر الحاجز الزجاجي.. ابتسم عبد المقصود قائلا :
            ـ ابنتي هدى.. الله يبارك فيها.. ستوقع بدلا مني.
            رمقها فكري بلمحة عابرة وقال :
            ـ ربنا يخليها لك يا معلم.. البطاقة يا آنسة..
            مدت يدها.. كانت البطاقة غير واضحة ومقطوعة..
            ـ آسف يا معلم.. البطاقة غير مقروءة..
            وجم عبد المقصود. لم يفهم ما يقصده بالضبط. فصمت صمتا محيرا، وهدى واقفة مزهوة بنفسها، منبهرة بمعالم البنك الذي دخلته لأول مرة. قال فكري :
            ـ أعطني ختمك يا معلم..
            مد عبد المقصود يده المرتعشة إلى جيب سترته، وأخرج الختم، ثم أسلم إبهامه، ليضع البصمة ـ ككل مرة ـ على ظهر الشيك.. الموقف الآن جد مختلف.. فهدى.. مفخرة حياته، وزهو أيامه.. تلحظ، لأول مرة، الحرج الذي يتردى فيه أبوها. ود لو يهرب من المكان، أو يتنازل عن الشيك، أو يؤجل صرفه. لكنه... أسلم إبهامه ليد فكري.. ثم.. انهمك في عدّ الأوراق المالية.
            لاحظ عبد المقصود أن موظفات البنك يتحدثن كثيرا مع فكري... فتيات جميلات وأنيقات، أحلى من هدى وأجمل. المقارنة قاسية، كأنه يكتشف ابنته لأول مرة. بدت هدى ممصوصة، يهرب الدم من عروقها، وقد أهملت زينتها وأناقتها. كيف يحدث هذا؟.. إن أمواله كثيرة.. كيف لم يتنبه؟ ألم يلاحظ ابنته؟
            ومثلما افتضح أمره أمام ابنته، أيضا افتضحت ابنته أمامه. تعرف كل منهما على ظل قاتم في حياة الآخر.
            مضى بابنته إلى البيت، كاسف البال، وانصدت نفسه عن الأكل، واستسلم للرقاد، وهو يفكر جديا في أن يصادق هدى.. ويهتم بها. أعاد التفكير فيما قالته زوجته.. وحين قطعت وحدته لتسأله فيم يفكر؟.. أجاب :
            ـ جميل جدا هذا الثراء.. لكن الأجمل منه أن تتغير نظرتنا للحياة.
            استغرقها التفكير في مدلول الكلمات.. بينما أخذ عبد المقصود يضغط إبهامه الأيمن في بطن كفه اليسرى، مرات ومرات.. كأنه يمرن نفسه على المزيد من البصمات.. الخجلى!
            ــــــــــــــــــــ
            • المجلة العربية ـ الرياض ـ ربيع الأول 1404 هـ (ديسمبر 1983م).

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #21
              الانتظار

              قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
              ..............................

              يود أن يهرب من هذا العالم، إلى أرض جديدة، ودنيا جديدة. تعقدت السبل، وتأزمت الأمور. دائما يسأل نفسه حائرا : أي مستقبل تأمل فيه؟.. وما الطريق إليه؟
              خلال سني الدراسة، كان مرحا، طليقا.. يهزأ ممن يختلقون المشاكل، هكذا يرى. الآن أصبح قبالة مشكلة المشاكل، فأي طريق يختار؟ وبات يرى حياته لغزا غامضا.
              بعد تخرجه، عين مهندسا في أحد المصانع، وأفصحت الأم عن أمنيتها :
              ـ أنا اخترت لك نعمات..
              يومئ بإيجاب، إرضاء لأمه، ولو سأل نفسه : هل نعمات مناسبة؟.. فلن يهتدي إلى جواب قاطع. ينظر إلى الزواج كعلاقة مصيرية. إذن هي مسألة خطيرة. من الحكمة تأجيل الزواج. ذات مرة، حين زينت له نفسه الاستعداد للزواج، أخذ يحسب تكاليفه، فتعدت الألفيْ جنيه.. شبكة ومهر وهدايا من ناحية، وبوتاجاز وسجاد ونجف ومطبخ من ناحية أخرى. ولكن أنى له الألفيْ جنيه، ورصيده لم يتزحزح عن الصفر! وإذا ما افترض توفير راتبه كله، دون أن يصرف مليما واحدا، فيلزمه الانتظار خمس سنوات حتى يتحقق ما يريد.
              صرف النظر عن فكرة الزواج، وطمأن نفسه حين اكتشف أن نعمات لا تناسبه. نعمات كثيرة الاختلاط بالناس. تستميلها الحفلات والنزهات. تسخر من التقاليد التي تقف للبنت بالمرصاد دون الولد. تناقشا ذات مرة حول المساواة بين الجنسين. قالت :
              ـ ما زالت البنت مقهورة. ما زالت ممنوعة من السهر خارج البيت، بينما الولد يلهو كما يشاء.
              لعنت ضعف الرجل الذي يتذرع بالتقاليد حتى تظل البنت مقهورة، والرجل هو السيد.
              راجع آراءها الجريئة، فكيف يقنعها بأن تكون زوجة شرقية تحترم التقاليد؟
              عرض عليه ممدوح أن يعمل معه في محل لإصلاح التلفزيون، واستطاع بعمله أن يرفع كفاءة العمل. يذهب إلى المحل في المساء، ويقضي حوالي الساعتين يصلح بنفسه بعض الأعطال، ثم يعطي مشورته الفنية لممدوح ومساعده، ثم يصحبه ممدوح إلى بيته لتناول العشاء، فيقضي وقتا طيبا مع أسرة ابن عمه.
              هكذا تمضي أيامه.. ما بين الذهاب إلى المصنع صباحا، والمحل مساء، ورضي بهذه الحياة.
              إلى أن جاء يوم... طالع وجها نورانيا، يتميز بسواد العينين، ورقة الشفتين، وحلاوة الصوت. استدارة الوجه مع تناسق الملامح جعله ينجذب إليه.
              أصبحت الدكان النافذة التي يطل منها على هدى أثناء مرورها. وسرعان ما تطورت العلاقة. شده السحر الكامن في عينيها. وأصبح لا يطيق فراقها. سألها ذات مرة :
              ـ ماذا أكون بالنسبة لك؟
              دمعت عيناها، وعاتبته، فصمت صمتا محيرا، ثم قالت :
              ـ تكون الحياة الحلوة. بودي لو ألازمك ليل نهار. لا أطيق فراقك أبدا. أريد أن أجلس معك، وأعمل لك أي شيء، حتى لو أقرأ لك جريدة، أو أجهز لك غداء.
              لازمته كظله. حين يذهب إلى المحل يجدها في انتظاره. وحين يذهب إلى شقة ممدوح، لا تعدم الحيلة في الزيارة والجلوس معه. تنزها في كل مكان، وشاهدا الأفلام، بل أصبح كل منهما يحتكم إلى ذوق الآخر في ابتياع حاجياته الشخصية. صارت الحياة في شفتيهما حلوة المذاق.
              وجاء يوم، كانا يجلسان في " كازينو " مطل على النيل، يتناجيان كعصفورين طليقين. أكد لها حبه، وباحت بعواطفها.. ثم سألته :
              ـ هل تتزوجني؟
              كان السؤال مفاجأة. وجم. توزع انتباهه. زاغت عيناه في كل الاتجاهات..
              ـ آسفة يا وحيد.. آسفة لإزعاجك.
              ارتبك. لملم شتات أفكاره. زرع ابتسامة ما على شفتيه :
              ـ أشعر باحتياجي إليك. إذا كان الزواج هو الحل، لا أمانع.
              كلمات فاترة، صاغها المنطق.
              ـ أهو رد لبق، ممن يخشى التورط؟
              ـ أتسمين علاقتنا ورطة؟
              ـ أتساءل..
              عاد إلى شروده. هل تصلح زوجة؟.. لا.. لا تأخذ الأمور من هذا الجانب. أنت لا تستغني عنها. الزواج لا مفر منه. لكن كيف السبيل الآن؟ للزواج تكاليفه. قفزت إلى مخيلته حسبة الألفيْ جنيه. تململت في جلستها. قالت بصوت الأنثى الضعيف :
              ـ هيا بنا..
              كان صوتها من الضعف بحيث لا تستطيع النطق بكلمات أخرى، حتى لا تفضحها دموعها المتحفزة. شغل بدفع الحساب، بينما أشاحت وجهها بعيدا. مسحت بأناملها المرتعشة دمعتين تمردتا على كبريائها. استعادت هدوءها، رفعت رأسها وطوحت شعرها المنسدل إلى الوراء.. بدت كما لو أن أنفها يدنو من السماء.
              رجعا والصمت يكبلهما بقيد غليظ، وافترقا، بعد أن نثرا في الهواء البارد بضع كلمات ممزقة.
              حاول ترتيب الأفكار، باتزان وتعقل.. قفزت إلى ذهنه صورة نعمات. قارن بينها وبين هدى! لنعمات طباع لا يرضى عنها. لكنها ابنة خالته، وترضى عنها أمه. أما هدى، وأسهم قليلا، ثم خطر بباله أنها علاقة طارئة ساقته إليها الظروف. وقفزت إلى ذهنه تكاليف الزواج، فانتابه قلق. أحس أن نعمات تناسبه، ولا شك أن خالته تعرف أحواله المالية، لن تفرض عليه أكثر مما يطيق.
              أصبح الزواج من الأمور المقلقة التي تشغله ليل نهار. وحين عرضت عليه أمه ـ مرة أخرى ـ الزواج من نعمات، وافق، وأسرعت الأم تخبر أختها. ذاع الخبر في محيط العائلة. أيقن الجميع أن وحيد ونعمات مخطوبان، وإن لم يضعا دبلتي الخطوبة في اصبعيهما.
              زاره ممدوح ليسأل عن سبب انقطاعه. وعده بالحضور. يطوف بمخيلته وجه هدى النوراني، يشده الحنين الظامئ إليه.
              أثناء غياب وحيد، كانت هدى تراقب المحل من النافذة، ينعش الأمل صدرها بعودته ذات يوم. وبرغم جرحه لكبريائها، إلا أنها تنتظره.. ولا تمل الانتظار.. وحين عاد، أغلقت نافذتها، ورقدت على الفراش باكية. عاوده اكتئاب حين نشر الظلام ظله الثقيل، ولما يلتق بعد بهدى. سأل ممدوح :
              ـ ما بك؟
              ـ لا شيء..
              بعد فترة صمت قلقة، سأل :
              ـ كيف حال هدى؟
              ـ بخير..
              علت علامات الدهشة وجهه. وتمهل وحيد وهو يقول :
              ـ لا أريد أن أخفي عنك مشاعري.. أنا أحبها..
              صمت ممدوح، ثم قال والدهشة لا تزال عالقة بحاجبيه الكثيفين :
              ـ ونعمات؟
              ـ هذا ما يحيرني. لكني أؤكد لك أني أحب هدى. أرجو أن تساعدني. أشعر أنها قدر مكتوب. سألتني ذات مرة إن كنت سأتزوجها. أحيانا نتصرف بغباء. باسم التعقل والاتزان، نبيع عواطفنا!.. ثم نسفح دموع الندم!
              ـ ماذا تريد بالضبط؟
              ـ أن تكون حمامة سلام بيننا.
              هرع ممدوح في الصباح إلى والد هدى، وصارحه برغبة وحيد في الزواج. رحب الأب، واتفقا على أن يحضر في أي وقت يشاء.
              طلب وحيد من أمه أن تعتذر لخالته! لكنها صرخت في وجهه :
              ـ أتريد أن تهزأ بأمك!.. الكل يعرف أنك ستتزوج نعمات.
              ماتت الفرحة في قلبه. أخرس صوت العاطفة، ولاذ بعالم الصمت الرحيب. عاش حائرا بين نعمات وهدى.. أيهما يختار؟ وفشل في اتخاذ قرار. بدأ يلتقي هدى، وقد أخفى عنها الجانب الآخر. لم يستطع الابتعاد عن هدى، أو الاقتراب من نعمات!
              طالت حيرته بين الاثنتين.
              حين يوشك أن يحسم الأمر، تزداد حيرته، وتعظم تساؤلاته. لكنه كالطير الأخرس. ما زالت حسبة الألفيْ جنيه تطن برأسه. وأمه تنصحه بضغط المصروفات حتى يستطيع الإقدام الفعلي على خطبة نعمات من أبيها.
              هدى تنتظر أن يتوج الحب بالزواج.
              ونعمات تنتظر أن يبر بالوعد..
              وأمه تنتظر، ولا تشك في صدق نواياه..
              وممدوح ينتظر، ولا يشك في صدق نواياه..
              أما هو، فعاجز عن فعل شيء. تكاد تفتك به عواصف الحيرة.
              وعاش في قلق مستبد.
              أخيرا، فكر في العمل بالخارج. سعى في الخفاء، حتى حصل على عقد عمل بالسعودية. لم يخبر أمه إلا ليلة السفر. انزعجت للمفاجأة. ثم نصحته بقراءة الفاتحة قبل السفر. وعدها بحسم الأمر في أول اجازة، وسافر في الصباح دون أن تعلم هدى.
              تلقى من أمه الردود على رسائله، في كل رسالة تؤكد له أن نعمات في انتظاره.
              بعث برسالة إلى هدى، ولم يتلق ردا، فكتب رسالة ثانية وثالثة.. ولم يتلق ردا.
              أمه تنتظر عودته، وهو ينتظر رسالة هدى.
              يطول الانتظار، والأيام تمضي... وفي كل يوم، يطمئن على رصيده المالي. تعدى أمله الألفيْ جنيه المتواضعة. أصبح يأمل في أن تزيد ثروته على العشرة آلاف جنيه. لكن القلق العاصف زامله كظله في كل خطوة يخطوها.
              ــــــــــــــــــــ
              • جريدة " الثقافة الأسبوعية " ـ دمشق ـ 4 نوفمبر 1978م

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #22
                رابعة البنات

                بقلم: حسني سيد لبيب
                .................

                هذا العام، عرفت قدماه الطريق إلى الشاطئ. مضت سبع سنوات لم يذهب فيها إلى شواطئ إسكندرية أو غيرها، بعد أن ماتت زوجته، وتركت له أربع بنات وضابطا، على حد قولها في الحَمْل الخامس:
                ـ نِفْسي الجنين يكون بنتا..
                ـ ألا تكفي ثلاث بنات ؟
                ـ البنت الرابعة خير وبركة، أو على اسم فيلم أنور وجدي "أربع بنات وضابط".
                ماتت بتأثير حمى النفاس، بعد أن ولدت نسمة، رابعة البنات، وتحقق الإرهاص الذي كان يجول في خاطرها..
                فكر في أن يتزوج، ووجد من يشجعه، في زوجة تهتم بأولاده الخمسة. صادف أرملة، لديها ولد وبنت، ولما أوشك أن يتفق، تراجع في اللحظة الأخيرة، بعد أن وجد الزواج منها لا يحل مشكلته، وإنما ستتفاقم الأمور.. لم يفكر بعدها في الزواج.
                تعهدت أخته نسمة بالرعاية والعناية، حتى بلوغها ثلاثة أعوام، انشغلت بعدها بأمور بيتها وزوجها وأولادها.
                في هذا الصيف، شجعه صديقه أن يتجه إلى الإسكندرية، يقضي فيها أسبوعا للترويح عن النفس، لا سيما أن سماح، البنت البكر، كبرت.. صار عمرها خمسة عشر عاما.. بدأ يعتمد عليها في شغل البيت، والاهتمام بأخواتها الثلاث رحاب وسمر ونسمة.. لاقت الفكرة قبولا، وحجز المصيف مع زملائه بالشركة.
                قبل أن تغوص قدماه في الرمل، توقف قليلا.. ألقى الشمسية على الأرض، تبعه سماح ويوسف بإلقاء كراسي الشاطئ.. فعل الصغار الشيء نفسه. ألقت رحاب حقيبة السندوتشات على كرسي، وجلست على آخر. أما الصغيرتان سمر ونسمة، فألقيتا عوامتيهما أرضا.
                التف الخمسة في نصف دائرة حول أبيهم..
                قصد الأب أن يربي في نفوسهم حب الرحلات، وما فيها من عمل جماعي. أقحمهم في تفاصيل كثيرة عن تثبيت الشمسية، ورص الكراسي.. عن اختيار موقع متقدم، بحيث يروا البحر.. وأن يحتموا بعيدا عن غدر الأمواج.. قال ضمن ما قال:
                ـ عند نزولنا البحر، يجب أن يبقى أحدنا تحت الشمسية.. يأخذ باله من الحاجات.. على أن يتغير حارس الشمسية.. يمكن أن يكون أكبرنا سنا أو أصغرنا.. لا فرق.. يمكن أن أجلس أنا في مرة وتجلس نسمة في مرة ثانية..
                همست سماح في أذنه :
                ـ نسمة لا تصلح.. بنت السنوات الست..
                أومأ موافقا، وإن لم يغير حرفا مما قال.
                جلسوا كما أشار عليهم، ملتزمين بكل شيء. ولما همّ بالنزول إلى البحر، تسابق الكل في الانقياد له.. حتى نسمة جرت في أثره.. ولما لم يتبق أحد، تراجعت سماح، وجلست تحت الشمسية. ما إن خطت نسمة خطوة نحو المياه، فاجأتها الأمواج، لطمت جسمها الصغير. ارتعدت من برودة المياه. خافت. تراجعت. عائدة إلى الشمسية، جالسة بجانب أختها. سألتها :
                ـ لماذا رجعت ؟
                ـ أقعد تحت الشمسية..
                أقبل يوسف نحوهما وقال :
                ـ بابا قال تنزل سماح البحر معنا..
                رضخت ورافقته..
                تتأمل الصغيرة الناس من حولها. تنظر إلى السماء والبحر. يمتد البحر وتمتد السماء، فلا تعرف أين ينتهي البحر، وأين تبدأ السماء. شيء محير. تجربتها مع البحر صدمتها فآثرت الجلوس والانزواء. آثرت الابتعاد.
                فوجئ أبو البنات بنسمة تترك الشمسية وتقف عند التقاء الأمواج برمال الشاطئ..
                أشار بيده كي يطمئنها وقال بصوت عال :
                ـ اجلسي تحت الشمسية..
                هرعت إليها سماح. رأتها ترتعش وتهم بالبكاء. حملتها على ذراعها وجرت بها إلى الشمسية. أجلستها على مقعد، ولفت المنشفة حول ظهرها وصدرها. أعطتها كعكة. قضمت منها لقمة. همت أن تتركها فبكت..
                ـ لا تتركيني وحدي..
                خرج الأب من الماء، وجلس بجانبها، تاركا سماح تذهب للصغار الثلاثة. بدأ يسرِّي عنها.. عبث بالرمل. صنع لها حوضا كبيرا، وملأه بماء البحر، مستعينا بدلو البلاستيك. استسلم للذهاب والإياب في حركة مكوكية أدهشتها. أمسكت بدلو ثان.
                فعلت مثلما يفعل. اعتادت هذه الحركة من وإلى البحر، بينا أخلد الأب إلى السكون.
                ولما امتلأ الحوض، أجلسها داخله. استراحت الصغيرة. انتقل البحر إليها. أصبح البحر صغيرا يناسبها. بدأت تضرب الماء بيديها فتحدث رذاذا من حولها. تجرأت أكثر، ورشت الماء عليه. فعل الأب الشيء نفسه. رش عليها الماء. تتضاحك فيتضاحك هو الآخر. قدم الصغار إليهما. رش الماء بعضهم على بعض. تراخت يدا نسمة. اكتفت بملاحظة أخواتها، بينا أتى يوسف من خلف وداس بقدميه السور الرملي فانمحى الحوض، وإذا بنسمة جالسة على الرمل لا تجد الماء الذي يبهجها ويسليها. همت بالبكاء، فاحتضنها أبوها موبخا يوسف، قائلا في تأنيب :
                ـ هكذا أنتَ دائما، تفسد كل شيء ؟
                ذهب الأب بصحبة أولاده، في جولة ثانية في البحر، تاركين نسمة وحدها، موصيا صاحب الشمسية المجاورة، ثم نزل أبو ياسر البحر، تاركا زوجته وابنهما.. اجتذبها ياسر، الذي يقاربها في العمر. قالت له :
                ـ عندي لعب كثيرة. تعال نلعب..
                جلسا تحت الشمسية وحدهما. طفقت تعرض عليه لعبها البلاستيك، ودميتها العروس، وكرة يوسف التي لا يعطيها لأحد. نادت أمه عليه كي يتغدى. أعطته سندوتشا فآخر، بينا تنظر نسمة إليه صامتة. لاحظت أمه نظرات الطفلة. ياسر طفلها الوحيد. كانت تتمنى أن تكون لها بنت مثلها. هزها حنين طاغ، فنادت عليها:
                ـ تعالي يا حبيبتي..
                انقادت طوعا للنداء. خطت خطوات مترددة من شمسيتها إلى شمسية ياسر. جلست صامتة. أعطتها سندوتشا. أخذت تقضم لقمة فأخرى، رانية إلى ياسر الذي تعلق بصدر أمه، ولامس خده خدها.. أعطته تفاحة وأعطتها تفاحة.. تناهى إلى أذنها صوت بائع ينادي على بضاعته :
                ـ فريسكا..
                أشار ياسر إليه. أشارت نسمة مثله. اشترت لهما ما يريدان. أشار ياسر من جديد إلى بائع آخر يحمل أكياسا ملونة لرقائق البطاطس. قال :
                ـ ماما.. أريد كيسا..
                فعلت نسمة مثله:
                ـ ماما.. ماما..
                قبل أن تكمل كلامها، قال لها :
                ـ هي أمي أنا، وليست أمك.. أين أمك ؟
                ـ أمي.. سافرت...
                ـ إلى أين ؟
                ـ إلى بعيد..
                لم يفهم شيئا، وهي لا تفهم ما تقول. هكذا قالت لها سماح.. هكذا يقول لها الجميع.. تناولت كيس الرقائق بيد مترددة. لم تفتح الكيس. ارتمت على صدرها تقلد ياسر.. لامست بخدها وجهها، وتحسست بيدها خدها الناعم.. قالت :
                ـ أنا أحبك..
                ـ وأنا أيضا يا حبيبتي..
                عاودت اللعب مع ياسر. اختلف الطفلان، تخاصما. لم تجرؤ على الاقتراب من أمه مثلما كانت تفعل. همت بالبكاء. تركت الشمسيتين وهرولت إلى البحر تنادي أباها.
                لم يكن قريبا منها. أشار إليها رافعا ذراعيه. لم تأخذ بالها. أعطت للبحر ظهرها، ومشت بين الشماسي. لابد أن أمها تجلس في إحداها. هي لا تعرف شكلها! لكن أمها ستعرفها، وتنادي عليها.. بيا حبيبتي.. تحتضنها.. تشتري لها رقائق البطاطس والحلوى والفاكهة، واللعب أيضا. بكت الطفلة بكاء شديدا، غير ناظرة إلى أحد، منادية بصراخ متواصل :
                ـ ماما.. ماما.. ماما...
                هرع إليها الناس. التفوا حولها. حاولوا تهدئتها وتطييب خاطرها. اصطحبها رجل ممسكا بيدها، قائلا :
                ـ سأذهب بك إلى أمك.. ما اسمك ؟
                ـ نسمة..
                ـ واسم أبيك ؟
                ـ محمود لطفي
                ـ عظيم.. تعالي معي..
                صوت ينصحه :
                ـ إن لم تعثر على أهلها، سلمها للشرطة..
                خرج الأب من البحر باحثا عن ابنته. سأل القريبين من شمسيته. قالوا إنها اتجهت إلى البحر، تنادي عليك، فرفعت ذراعيك مشيرا إليها.. ثم... تشاغلنا نحن على أساس أنك ستحملها معك.. تحرك الأب في اتجاه، وسماح في اتجاه معاكس، وأبو ياسر في اتجاه ثالث، بينما مكثت أم ياسر تحت الشمسية ترعى ياسر وأولاد محمود لطفي.
                أحد زملائه تعرف عليها. قال للمرافق إنها بنت زميل له، ويعرف عنوان الشقة التي نزل بها، إلا أنهما سرعان ما التقيا. احتضن الأب ابنته. قال لها :
                ـ ألم أقل لكِ لا تتركي الشمسية ؟ لماذا تركتها ؟
                ـ أبحث عن أمي..
                قالت سماح :
                ـ أمنا سافرت إلى مكان بعيد. ألم أقل لكِ ؟
                دمعت عيناها. قالت لأختها الكبرى :
                ـ كل المسافرين يرجعون إلى بيوتهم..
                قال يوسف في حدة :
                ـ قولوا لها الحقيقة.. أمنا ماتت من زمان..
                نظرت إلى أخيها بعينين متوجستين :
                ـ متى ترجع ؟
                جلس الأب على مقعد، مخفيا وجهه بكفيه، يعالج دموعه المنهمرة، في لحظات قاسية على النفس..

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #23
                  جمالية المكان في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب (1 ـ 3)

                  بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                  ........................

                  تعد رواية «نفق المنيرة» (2007م) للروائي حسني سيد لبيب الرواية الثانية في مسيرته الإبداعية بعد رواية «دموع إيزيس» (1998م)، وكان قد أصدر من قبل ست مجموعات قصصية، هي: «حياة جديدة» (1981م)، و «أحدثكم عن نفسي» (1985م)، و « طائرات ورقية» (1992م)، و«كلمات حب في الدفتر» (1993م)، و«نفس حائرة» (1999م)، و«الكرة تختفي في الأعالي» (2005م).
                  وفي هذه الرواية يسجل الروائي وثيقة فنية عن المجتمع المحيط بنفق المنيرة (إمبابة) في زهاء ثلاثمائة صفحة، يتناول فيها مرحلة الستينيات الميلادية من القرن الماضي ـ قبيل ما اصطلح على تسمسته نكسة 1967م، وما بعدها.
                  ولا يُراد بكلمة المكان في الرواية «دلالتها الجغرافية المحدودة، المرتبطة بمساحة محدودة من الأرض في منطقة ما، وإنما يُراد بها دلالتها الرحبة التي تتسع لتشمل البيئة وأرضها، وناسها، وأحداثها، وهمومها وتطلعاتها، وتقاليدها، وقيمها. فالمكان بهذا المفهوم كيان زاخر بالحياة والحركة، يؤثر ويتأثَّر، ويتفاعل مع حركة الشخصيات وأفكارها كما يتفاعل مع الكاتب الروائي ذاته»(1).
                  ومما لاشك فيه أن الأحداث التي تتعلّق بمكان ما، قد يتعذَّر أو يستحيل حدوثها في مكان مُغاير، فالحدث الذي يدور على سفينة في البحر يختلف عن غيره الذي يكون في صحراء، عن ثالث يكون في مدينة تمور بالحركة والحياة، ومعنى هذا أن الحدث الروائي «لا يُقدَّم إلا من خلال معطياته الزمانية والمكانية، ومن دون هذه المعطيات يستحيل على السرد أن يؤدي رسالته الحكائية»(2).
                  ولذا «يجب أن يهتم الكاتب القصصي بتحديد المكان اهتماماً كبيراً ليعطي الحدث القصصي قدراً من المنطق والمعقولية ... كذلك ينبغي أن يعنى الكاتب بتصوير مفردات المكان الذي تتحرك فيه الشخصيات، لأن القارئ قد يستشف من هذا التصوير دلالات كثيرة، تفسر أو تعمق أموراً تتصل بالحدث أو بالشخصيات أو بهما معاً»(3).
                  والمكان لا يتشكل في الرواية ولا يأخذ شكله الروائي إلا من خلال ما يرتبط به من أحداث «وليس هناك أي مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكّل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال … وعلى هذا الأساس فإن بناء الفضاء الروائي يبدو مرتبطاً بخطة الأحداث السردية، وبالتالي يُمكن القول إنه هو المسار الذي يتبعه تجاه السرد، وهذا الارتباط الإلزامي بين الفضاء الروائي والحدث هو الذي سيُعطي للرواية تماسكها وانسجامها … إن المكان هو أحد العوامل الأساسية التي يقوم عليها الحدث»(4) ، ولن تكون هناك رواية ما لم يكن هناك مكان ما يلتقي فيه شخص بشخص، ويقع فيه حدث ما، تحتاجه الحبكة الروائية والموضوع الروائي.
                  فالمكان «لا ينفصل عن أشيائه، فهي التي تملؤه، وتمنحه ذلك الثراء الذي يتميَّز به مكان عن آخر»(5). ويرى كثير من النقاد أن المكان يرتبط بالأشياء التي توجد فيه، و«ليس مستقلا عن نوعية الأجسام الموجودة فيه»(6).
                  وللمكان في رواية «نفق المنيرة» حضوره اللافت، بدءاً من العنوان الذي يتحدث عن مكان مجسدٍ هو «نفق المنيرة»، وتبدأ الرواية بتحديد النفق من خلال رؤية السارد، الذي يمزج بين شخصية البطلين اللذين يتقاسمان النص الروائي: نفق المنيرة، وحمزة:
                  «أهاجته الذكريات وهو يسترجع العمر الذي ولى. بلغ الستين من العمر. شخص نظره إلى الجسر أو النفق كما اعتاد الناس أن يطلقوا عليه، وتحديدا يشير إليه المارة من أهل المنطقة قائلين «نفق المنيرة»، أما الوافدون من خارج المدينة فقد يسمونه "نفق إمبابة".. وهو جسر تعبر فوقه قطارات السكة الحديدية الذاهبة والقادمة من الصعيد، وثمة فرع عند بشتيل يتجه إلى الخطاطبة وكوم حمادة في الوجه البحري. أما الجسر عند حمزة فوضع يختلف تماما عما ألفه الناس، فقد اعتاد أن يحكي لكل من يأنس منه مودة كيف بنوا الجسر. كيف شارك والد جده في أعمال حفر لخطوط السكك الحديدية مع زملائه عمال اليومية، وإن كان لا يحدد تاريخ بناء النفق بالضبط، مكتفيا بقوله إن أجداده عاصروا بناءه منذ عشرات السنين» (7).
                  فهذا المكان الذي أشارت إليه الفقرة الأولى في الرواية هو المكان المرجعي الذي يدور النصُّ فيه (وتبعاً لذلك الشخوص والأحداث والزمان)، وفي فضائه نرى عالماً يتخلَّق، وتغتني دلالاتُه بقدرة مؤلفه على أن يجعل من الأمكنة الفرعية في النص سواءٌ أكانت مفتوحة (كالشارع، والمدرسة) أو مغلقةً (كالبيت، والحجرة، والدكان) روافد صغيرة تثري المكان المرجعي وتُغنيه، وتُكمل لوحته. ولا تجعل عناصر الففن الروائي الأخرى (كالشخوص، والمكان، والأحداث ...) غريبةً على هذا الفضاء المكاني.
                  الوصف والمكان:
                  يرتبط وصف المكان في الرواية بثلاثة أشياء يحرص عليها الراوي:
                  أولاً: الدقة التي تُشعرك بأن الراوي يعرف تفاصيل عمله مكانيا؛ ذلك الفضاء الذي سيشهد تحرك الأحداث والشخوص، وسيشهد فصولاً من التدافع بين شخصيات عمله الروائي.
                  ثانياً: الاهتمام بالملمح الشعوري والنفسي للبطل تجاه المكان، وهل هو مكان / صديق يحس تجاهه بشعور الحب والألفاة والاهتمام، أم هو مكان / عدو .. يُحس تجاهه بالنفور.
                  ثالثاً: العلاقة بين وصف المكان والحدث الذي ينطلق منه، أو يدور في إطاره، وخصوصية ذلك بأن يرينا الروائي مقدرته الفنية في إقناعنا أن هذا الحدث ما كان ليقع إلا في المكان الذي وقع فيه..
                  وفي البداية يُواجهنا هذا الوصف الذي يحدد إطار النفق، مما يكشف عن أهمية المكان الذي اختاره عنوانا لروايته، ومن الوصف سنعرف حميمية العلاقة بين الشخوص والمكان.
                  وهو هنا يتحدث عن المكان من خلال وعي شخصية «حمزة»:
                  «منذ وعى الدنيا والجسر شاخص في مخيلته، وإن كان يرى أن عمر الجسر من عمر آبائه وأجداده. لا يدري أحد كيف حسب حمزة هذا العمر الطويل، إنما يتمثل الجسر شريانا في قلبه، مثلما هو شريان يتدفق منه الناس يعبرونه إلى أحياء إمبابة.. إلى المنيرة الشرقية والغربية، وإلى مدينة العمال، ومدينة التحرير، ووراق العرب، ووراق الحضر، بل بات الجسر منفذا آخر إلى بشتيل..
                  ما زال حمزة يلذ له استرجاع صورة المنطقة التي تضم سيدي إسماعيل الإمبابي وأرض عزيز عزت والجرن وسوق الجمال وسوق الجمعة والكيت كات وعزبة الصعايدة.. والمدرسة الثانوية.. والترعة الممتدة في شريط واسع يمر من الجهة الغربية لكل هذه المناطق، ثم يقع النفق في نهاية الترعة. كان يمر منه الناس إلى مزارع المنيرة، وبيوت متناثرة شحيحة يعيش فيها البسطاء..
                  هكذا كانت الصورة في الماضي.. تغيرت الأحوال.. هجم سكان من بولاق أبي العلاء والفرنساوي والسبتية وجزيرة بدران والسيدة زينب وغيرها من أحياء القاهرة ليستوطنوا إمبابة. هجموا كالتتار، فأتوا على كل شيء أخضر, وأقاموا بيوتا أسمنتية. وفد السكان الجدد عابرين النهر إلى الغرب. إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة. تقع إمبابة على الضفة الغربية من النيل في مواجهة جزيرة الزمالك في الجزء الممتد بين كوبري الزمالك وكوبري إمبابة، وتمتد شمالا إلى صوامع الغلال وما بعدها. إمبابة في الأصل من القرى القديمة»(8).
                  وقد لاحظنا في هذا الوصف:
                  الاهتمام بالملمح الشعوري والنفسي للمكان: من خلال وصف ملازمة حمزة للنفق بـ«العمر الطويل» ومن خلال العلاقة الحميمة بين المكان والبطل: «يتمثل الجسر شريانا في قلبه، مثلما هو شريان يتدفق منه الناس يعبرونه إلى أحياء إمبابة».
                  المكان والزمان:
                  يرتبط نفق المنيرة بأحداث عاشها البطل (حمزة)، يستدعيها من خلال كلمة كُتبت خلال العدوان الثلاثي (1956م) على جدران النفق، وظلت محفورة على في وجدان حمزة، تستثيره، وتذكره بمشاركته في الدفاع المدني، وذهابه متسللاً إلى بور سعيد، وتذكره دائماً بالرصالصة التي استقرت في فخذه ومازال أثرها ظاهراً للعيان: «في جعبة حمزة مرويات كثيرة تتداعى إلى خاطره، أشهرها ما كتب من عبارات تثير الحماس، على جدران النفق أيام حرب بور سعيد : سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل.. يستطرد مزهوا بأنها كلمات الزعيم جمال عبد الناصر في خطبة الأزهر المشهورة. ألهبت الكلمات حماسه فانضم إلى صفوف المقاومة الشعبية، وشارك في قوات الدفاع المدني. تسلل مع المتطوعين عبر بحيرة المنزلة إلى بور سعيد. يستطرد باعتزاز راويا قصة الرصاصة التي استقرت في فخذه، وأثر الجرح ما زال ندبة تزين جسمه. يرفع طرف الجلباب ليعرض أثر الجرح، كلما استدعت المناسبة أن يحكي وقائعها، أو أنه يقحمها بلا مناسبة لكل من يأنس منه أذنا منصتة.. وتتداعى الخواطر معتزا مزهوا بأنه لم يترك مكانه بجوار النفق» (9).
                  فكأن جدران النفق لوحة حية لمشهد معاصر من تاريخ مصر، وتتسع دلالة المكان هنا وتصير أكثر رحابةً، فكأنَّ «نفق المنيرة» شاهد حي على تاريخ مصر المُعاصر.
                  (يتبع)

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #24
                    جمالية المكان في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب (2 ـ 3)

                    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                    .......................
                    وفي مشهد مؤثر ينقل الكاتب غرق مركبة في النيل «ظهر الاثنين الأول من نوفمبر عام 1965.
                    طرق متواصل على الباب جعل أم فتحي تهرع من المطبخ إلى الباب تفتحه، فإذا مصطفى متقطع الأنفاس.. ينزل فتحي السلالم ركضا إثر سماعه صوت صاحبه..
                    ـ ادخل.. ادخل..
                    لكنه لا يدخل. شده من ذراعه إلى الداخل، وصوته يعلن في ألم:
                    ـ التروللي وقع في النيل..
                    صكت صدرها بكفها.. ارتدى فتحي الملابس على عجل، وخرج معه، متجهين إلى حيث سقط التروللي باس رقم 44 أمام مستشفى العجوزة.
                    خرجت إمبابة كلها لدى سماعها النبأ المروع .. الرجال والنساء والأطفال.. حتى البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال، تخرج معهم في مسيرة جنائزية مهيبة. بعض النساء خرجن بجلابيب البيت، حاسرات الشعر حافيات الأقدام»(10).
                    فهنا يحدد الزمن حيث كانت القرى والمدن الصغيرة مثل أسرة واحدة، ومكان الحادث (44 أمام مستشفى العجوزة)، والحادث كما يرويه السارد (التروللي وقع في النيل)، والاستجابة (خرجت إمبابة كلها لدى سماعها النبأ المروع .. الرجال والنساء والأطفال.. حتى البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال).
                    لقد جعل الروائي للأمكنة (البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال) حضوراً ومُشاركةً في المأساة المروعة.
                    وقد تأنف شخوصه من البيت، وتتصوره في لحظات الضيق كالسجن، ومن ثم تخرج، لتمشي، وتتجول، وتجلس على المقاهي:
                    «طلب من صاحبه الخروج، تحررا من حبسة البيت. تجولا كعادتهما في شوارع المنيرة ومدينتيْ العمال والتحرير.. وعلى مقهى الربيع كانت جلستهما المفضلة، إلى منضدة في ركن داخلي، اتقاء لسعات البرد. لعبا النرد فتعادلا. ارتاحا للنتيجة فنهضا.. وجل حديث فتحي عن مارسيل ومريم، اكتشافه المذهل، وتهيؤه للقائهما غدا الخميس.. وأن عليه مذاكرة واجب الأستاذ شفيق الليلة.. إلا أن الثرثرة ـ داءه المزمن ـ يقابلها عند أمين صمت مطبق!
                    عرجا على نفق المنيرة، وتجالسا مع حمزة وصاحبه عويس، الذي أكمل لهما السهرة بأغنيات أم كلثوم من مذياعه الترانزستور، حتى انتصف الليل، ثم انصرف كل إلى بيته..» (11).
                    المكان والأحداث:
                    من البديهي ـ كما يقول رشاد رشدي ـ «أنه ما من حدث يقع بالطريقة المعينة التي وقع بها، إلا كان نتيجة لوجود شخص معين ـ أو أشخاص معينين ـ يترتب عليه وقوع الحدث بطريقة معينة … لأن الحدث هو الشخصية وهي تعمل»(12).
                    ومعروف أن «الحدث هو الموضوع الذي تدور حوله القصة، وهو مجموعة من الوقائع الجزئية المترابطة، وهذا الترابط هو الذي يميز العمل القصصي عن أي حكاية يروي فيها شخص لصديقه ما وقع له من أحداث، فأحداث القصة الفنية لها إطار عام، يدفعها في تسلسل إلى غاية محددة»(13).
                    والحدث الرئيس في هذه الرواية يدور حول تشقق جدار نفق المنيرة، حيث رأى حمزة فيما يرى النائم أن النفق تشققت أحجاره، ويبدأ السارد الحدث برؤيا مماثلة للعالم الأثري محمد نافع الذي كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري.
                    وللمكان حضوره اللافت في الغوري ونفق المنيرة، وما جاء ذكر الغوري والعالم الأثري محمد نافع، إلا ليُطلعنا السارد على اهتمام لشخوص بالأمكنة التي التي احتلت وجدان الرجلين، فأبعدت عنهم السكينة، حينما وجدا ـ فيما يرى النائم ـ أن الجدران تتشقق وتنهار، ومن هنا يكون النهوض للعمل:
                    «يحدثنا أحد الكتّاب عن تفاني العالِم الأثري الجليل محمد نافع في عمله وولعه به، حين كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري، التي تشققت جدرانها، فرأى فيما يرى النائم أن الجدران انهارت.. فقام فزعا من نومه ولم يصبر حتى يطلع النهار، وغادر منزله بالعباسية ماشيا على قدميه إلى الغورية فوجد الحال كما هي وأن ما رآه أضغاث أحلام.
                    ما حدث لمحمد نافع حدث مثيل له مع حمزة بن محمد بن صابر بن رمضان، الذي استغرق في نومه، وسبح في دنيا الأحلام، فرأى فيما يرى النائم جدار نفق المنيرة قد تشققت أحجاره، فإذا به يجري وهو جزع. يتحسس الجدران، يمرر سبابته على شق من الشقوق، تجزع نفسه، يصيح : ربي.. حلم أم علم ؟ يقرص لحم فخذه حتى يتنبه.. يصيح.. يتردد صدى الصيحة في فضاء لا نهاية له، يا هووه.. يا خلق الله .. النفق ينهار.. أنقذوا النفق.. أهو زلزال مفاجئ أم انهيار كامل ؟ لا يدري. لا أحد يجيب. يجري كالمجنون. يرفع ذراعيه باسطا كفيه على الجدار متحسسا الشقوق، يبكي، يتألم. الناس في بيوت مغلقة لا تسمع، أو أنها تتجاهل الصرخات» (14).
                    المكان والشخصيات:
                    إذا كانت الرواية جعلت المكان بطلاً، فإن الرواية مليئة بالأمكنة، التي تتقاطع مع الشحوص، وتؤثر فيها.
                    فمن شخوص الرواية مصطفى الذي استشهد في الجبهة (في حرب 1967م مع العدو الإسرائيلي)، إن السارد يبدأ سرده عن شخصية مصطفى من خلال المكان «انصرف من المدرسة بصحبة أمين. التقيا مصطفى الذي سيطر بحديثه عن نرجس، البنت التي أحبها. شرح كيف التقاها أول مرة، حين جاءت زبونة تريد رتق صندلها. عرفته بنفسها، تلميذة في مدرسة باحثة البادية. يتبادل معها كلمات قليلة. أبانت له أن أخته سعاد دلتها على المحل. أعجب بحديثها. آلمه أنها تكبدت السير من المنيرة حتى شارع مراد. قالت إنها تسكن في المنيرة أيضا بالقرب من سكنه، وأن سعاد صديقتها. أصر أن يرتق الصندل بالمجان.
                    التزم أمين الصمت، يسمع ولا يعلق ولا يبدي رأيا. هذه ليست أول بنت يتحدث عنها. عرف كثيرات قبلها. يعمل مصطفى في محل إسكافي. يرتق الأحذية القديمة على ماكينة أو يحيك بالإبرة ما تمزق من جلدها.. ينظف بعدها الحذاء ويلمّعه بالورنيش. يظل يعمل حتى الواحدة ظهرا فيعود إلى داره سيرا على الأقدام، من شارع مراد مخترقا سوق الجمال والجرن وسيدي إسماعيل الإمبابي، مارا بمدرسة التجارة للبنات. ما أكثر أحاديثه مع فتحي عن البنات اللاتي يقصدن المحل، أخراهن نرجس. يعود إلى المحل في الثالثة بعد الظهر، حتى أذان العشاء، فينصرف إلى البيت منهك القوى. يغتسل طاردا رائحة الجلد والورنيش، ويتعشى ويشرب الشاي. ثم يستسلم لنوم عميق، ما لم يخرج مع الصحاب.. حسده فتحي على زبائن المحل من البنات. لم يصدق أن عاملا بسيطا مثله يمكن أن تقع بنت مدارس في هواه»(15).
                    (يتبع)

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #25
                      جمالية المكان في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب (3 ـ 3)

                      بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                      .......................

                      فهنا ذكر لشوارع، ومدرسة، ومحل يعمل فيه مصطفى، ومن خلال محل الإسكافي الذي يعمل فيه يتعرف على البنات، ومنهن نرجس.
                      وعندما نتعرف على نرجس فإنه يرد ذكرها بعد وفاة أخت مصطفى، ونرى نرجس وهي داخل حجرة في بيت مصطفى تُقدم العزاء للأسرة: «فوجئ فتحي بنرجس تقتحم مجلسهما بصحبة أمها. انتفض كالمذعور ليقف بمحاذاة مصطفى، مادا يده مثله يتقبل عزاءهما. برغم الثوب الأسود الذي ترتديه، إلا أنه أفصح عن جمال صارخ، أكثر مما يكشف عنه ثوب آخر. عقصت شعرها الأصفر إلى الوراء. عيناها الزرقاوان، ووجهها الأبيض المدور، علامتان للجمال لا تخطئهما عين. لم يفلح احمرار العينين من شدة البكاء، في إخفاء الجمال المعلن. توجهت الجميلة الحزينة هي وأمها إلى غرفة السيدات.. أخذ يحدثه عن وفائها. قال إنها غير ما عرف من البنات. أوضح له:
                      ـ نرجس صاحبة المرحومة.. الروح بالروح..
                      وأشار بإصبعيْ السبابتين ملتصقين..»(16).
                      المكان بوصفه رمزاً:
                      يقدم الروائي وصفاً دقيقاً، جغرافيا وتاريخيا، لإمبابة التي يقع فيها «نفق المنيرة»، فيقول: «إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي، لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة. تقع إمبابة على الضفة الغربية من النيل في مواجهة جزيرة الزمالك في الجزء الممتد بين كوبري الزمالك وكوبري إمبابة، وتمتد شمالا إلى صوامع الغلال وما بعدها. إمبابة في الأصل من القرى القديمة.
                      اسمها الأصلي في قول "نبابة" كما ورد في كتاب "جني الأزهار"، وفي قول ثان إن الاسم يرجع إلى نبات كان يزرع بكثرة في هذه الناحية، على شكل أنابيب، فيقال عن المنطقة أنبوبة أو أنابيب، وأدغمت النون والباء فأصبحتا ميما، فقيل عنها "إمبابة". كانت تقع بين شطيْ النيل، لذلك يسمى جزء منها حتى اليوم "جزيرة إمبابة". وفي سنة 715 هجرية تم تقسيم إمبابة إلى ثلاث نواح هي: تاج الدولة ومنية كردك ومنية أبو علي التي تعرف اليوم باسم كفر الشوام. وفي سنة 1274 هجرية فصلت ناحية رابعة هي كفر الشيخ إسماعيل الإمبابي. وفي سنة 1300 هجرية فصل منها جزء خامس هي جزيرة إمبابة. وظلت إمبابة على حالها حتى عام 1940 ميلادية حين صدر قرار وزير الداخلية بإنشاء بندر شرطة إمبابة»(17).
                      ومن السطور الأولى في الفقرة السابقة نرى أن عنوان الرواية «نفق المنيرة» ـ وهو في حي إمبابة تتسع دلالته لتشير إلى مصر، من خلال إشارة السارد إلى طوائف الناس الذين أقبلوا على (إمبابة) للسكنى فيها:
                      «إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة»(18).
                      ويجعل من البيت رمزاً للتجمع والألفة، وبخاصة الاجتماع وقت الطعام، وقد يتناقشون في أمر يكون له ما بعده في الأحداث، مثل هذا المقطع: « ذات مرة جمعه وأباه وأمه لقاء.. ما أندر اللقاءات بينهم.. كانوا ملتفين هو وأخواته حول الطبلية يتناولون الغداء. قالت فاطمة وهي في الإعدادية، إن فتحي يرى صعوبة في اللغة الفرنسية. نفى ذلك بشدة قائلا:
                      ـ أبدا.. هي مادة لطيفة.. لكن الصعوبة في أنني أحيانا أنطق الكلمة الفرنسية بالنطق الإنجليزي. هذا خطأ نبهني إليه مدرس الفصل.
                      لم يعلق أبوه.. مضى على تلك الملاحظة يومان، أخبره بعدها أنه اتفق مع زميل له في المصلحة لإعطائه دروسا في الفرنسية. تردد في البداية. طمأنه بأن أجرة الحصة زهيدة لن تكلفه كثيرا، فقد راعى شفيق زمالتهما» (19).
                      إنه ـ فتحي ـ سيأخذ بعد ذلك دروساً، ويحب ـ وهو المسلم ـ ابنة معلمه ( مارسيل بنت الأستاذ شفيق، وهي نصرانية)، وستتناول بعض الفصول مسيرة هذا الحب المتوهج الذي ينتهي عاثراً لاختلاف ديانتي المحبين.
                      وتمثل الجامعة ـ وهي مكان مفتوح ـ صورة الحياة، حيث نلتقي بالصحاب والأحبة، وقد توجد في هذه الأماكن المفتوحة المشاكل التي لا تخلو منها الحياة:
                      «دخول الجامعة بالنسبة له بداية حياة جديدة، كما كتب في يومياته. رأى أن الحياة تبتسم له، تعطيه ما يتمنى. في اليوم الأول، حرص على لقائها وإعطائها جدول المحاضرات. عرّفها برقم الفصل الخاص بها، أو "السيكشن" كما يطلقون عليه بالإنجليزية. تجولا في أرجاء الكلية. تعرفا على شئون الطلبة والمكتبة وغرفة العميد وغرفة الوكيل، ومدرج فلسطين المخصص لطلبة إعدادي. ربما كانت الكلية في القديم قصرا أثريا. في المدرج، جلست مارسيل في الصف الأول، صف الطالبات. آثر فتحي الجلوس في المنتصف، حيث تعرف على زميله القادم من بني سويف. حسان ودود بطبعه صريح القول. تآلفا سريعا، وتصادقا..» (20).
                      وكان في الجامعة لقاءات فتحي مع حبيبته مارسيل، في أماكن مغلقة ـ كقاعات المحاضرات ـ وفي أماكن مفتوحة، وتحدثا عن الحياة والحب واختلاف العقيدة:
                      «بدأت هي الأخرى تحدثه عن أسرتها، والصلوات التي تؤديها في الكنيسة. قال في حماس :
                      ـ كلنا ندعو الله.. نصلي له.. كلنا نعبد الله..
                      أردفت :
                      ـ الله محبة..
                      في جيدها تتلألأ السلسلة الذهبية، يتدلى منها صليب صغير..
                      تحير في نظرته. هل يمعن النظر في الصليب المتدلي إلى مفرق نهديها، أم إلى البريق المتلألئ في عينيها ؟
                      أتى النادل بعصير الليمون. انتقلت به إلى المحاضرات وحاورته في مسائل الهندسة الوصفية العويصة. حياهما أحد الزملاء. ذكرهما بمحاضرة الرياضيات قبل أن يغلق الدكتور باب المدرج، فأخبراه أنهما لا يرغبان في الحضور. استمرآ الجلوس في بوفيه الكلية، حيث يمتد الوقت بهما بامتداد وقت المحاضرة التي امتنعا عن حضورها!
                      اتفقا على الانصراف من البوفيه قبل انتهاء المحاضرة بربع الساعة. ستكون المواصلات أهدأ ويمكنهما الركوب بسهولة ويجد كل منهما مقعدا يجلس عليه. ثمة سبب آخر لم يعلناه، هو ألا يخرج الطلبة من المدرج، وهما ما زالا جالسيْن في البوفيه !
                      كالمعتاد، انتظر حتى استقلت السيارة العامة المتجهة إلى شبرا، ثم انتظر التروللي باس المتجه إلى إمبابة.
                      عندما انصرفت مارسيل، افتقد الحنان والرقة والمؤانسة. تشاغل في تأمل وجوه الواقفين بالمحطة. المحاضرة الثالثة لم تنته بعد. حضر التروللي باس. من الممتع والمريح أن تجد مقعدا خاليا تجلس عليه. تهادى التروللي بسرعته العادية» (21).
                      والأمكنة هنا رموز لمفردات الحياة:
                      الكنيسة = رمز لدور العبادة.
                      الجامعة = ترمز للعطاء العلمي، وإعداد الشخص لمعترك الحياة.
                      البوفيه = رمز للقاء مع المحبوبة.
                      السيارة العامة = رمز لحركة الزمن ومسيرة الحياة.
                      كما كان حلم حمزة بانهيار نفق المنيرة رمزاً لانهيار الحلم الذي تجسد في الثورة المصرية التي قام بها الضباط عام 1952م، وحلمنا أحلاماً كثيرة في مستقبل متوهج بالعطاء، وارتفاع الإنسان فإذا بالسجون تمتلئ بالمعتقلين السياسيين، وإذا بهزيمة 1967م تقتل أمل الأمة في النهوض والتقدم.
                      يقول السارد:
                      «أشرقت شمس نوفمبر في الصباح، فتبدد ما رآه حمزة في منامه، كأنه غير مصدق. إنه مجرد حلم يتبدد في اليقظة، فخرج من بيته يتطلع إلى البناء الحجري، ينتصب في أوله وآخره أربعة أعمدة حجرية شاهدا على متانته.. ولشد ما عجب من أمر النفق الذي يتحمل قطارات تزن مئات الأطنان.. تعبر فوقه ليل نهار، فلا يكل ولا ينهار. سار بطول النفق من بدايته إلى نهايته.. توقف لحظات يتحسس بكفيه الجدار السميك. لم يلحظ تشققات ولا وجد كسرا. لا شيء يعتور النفق. بدا أمام ناظريه سليما معافى. ما رآه في المنام كذب في كذب. هاهي الحقيقة ناصعة ساطعة سطوع الشمس الدافئة في نوفمبر. إذن هو الحلم وإرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام.. قد تكون الحاسة السادسة تُري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب. تريه ما لا يراه بعينيه، ما لا يطوف بخياله» (22).
                      ***
                      وقد أحسن الروائي توظيف مفردات المكان في روايته، فمنحنا نصا روائيا ذا قيمة فنية عالية، نجح من خلاله ألا يجور الموضوع فيه على عناصر السرد، ومنها عنصر المكان، الذي وظفه في فنية لافتة.
                      ............................................
                      (1) د. عبد الفتاح عثمان: بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية، ط1، مكتبة الشباب، القاهرة 1982م، ص59. (بتصرف).
                      (2) حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخصية، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1990م، ص29.
                      (3) د. طه وادي: دراسات في نقد الرواية،، ط2، دار المعارف، القاهرة 1993م، ص36، 37.
                      (4) حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ص29.
                      (5) خالد حسين حسين: شعرية المكان في الرواية الجديدة، العدد (83)، سلسلة «كتاب الرياض»، الرياض 2000م، ص209.
                      (6) د. محمود محمد عيسى: تيار الزمن في الرواية العربية المعاصرة، ط1، مكتبة الزهراء، القاهرة 1991م، ص5.
                      (7) حسني سيد لبيب: نفق المنيرة، كتاب الاتحاد، اتحاد كتاب مصر، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007م، ص7.
                      (8) الرواية، ص8، 9.
                      (9) الرواية، ص8.
                      (10) الرواية، ص35، 36.
                      (11) الرواية، ص67.
                      (12) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1964م، ص30.
                      (13) د. حسين علي محمد: التحرير الأدبي، ط6، مكتبة العبيكان، الرياض 1430هـ-2009م، ص296. وانظر: عزيزة مريدن: القصة والرواية، دار الفكر، دمشق 1400هـ-1980م، ص25.
                      (14) الرواية، ص53، 54.
                      (15) الرواية، ص29، 30.
                      (16) الرواية، ص43، 44
                      (17) الرواية، ص9، 10.
                      (18) الرواية، ص9.
                      (19) الرواية، ص163.
                      (20) الرواية، ص197.
                      (21) الرواية، ص214، 215
                      (22) الرواية، ص54.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #26
                        قراءة في مجموعة «الصومعة» لنوال مهنى

                        بقلم: حسني سيد لبيب

                        عرفتُ نوال مهنى أول ما عرفتها، شاعرة متألقة، تجيد صياغة أفكارها شعرا سلسا عذبا كالماء النمير. تابعت رحلة عطائها في روضة الشعر العمودي، الذي ترى فيه الأصالة والعراقة. كما أنها تحمل على عاتقها رسالة الفن الهادف. وفي رحلة عطائها الأدبي، أمتعتنا بلوحات من الشعر القصصي، وانسجم هذا اللون مع طبيعتها الحكاءة. وأشرت في إحدى دراساتي إلى هذا اللون المتميز. ولم أكن أعرف أنها تنبئ عن تألقها في مجال السرد القصصي. وقد قرأتُ مخطوطة مجموعتها القصصية الأولى "الصومعة"، فأعجبتُ بما رصع يراعها. وإذا بالشاعرة المبدعة تتألق في إبداعات قصصية، أو أنها تملك فضاءات فنية رحيبة، تمكنها من الدخول في هذا المجال.
                        أول ما يلفت انتباه القارئ في قصصها أنها صاحبة رسالة إنسانية واجتماعية، تتبنّى قضايا المجتمع، وأحوال البشر. وهي تدير حبكتها القصصية بذكاء ومهارة. تمسك بطرف الخيط، ولا تدعه يفلت منها، إلى أن تتبلور القصة في ذهن القارئ، وتصل به إلى المغزى والمضمون. وهي فيما تكتب تميل إلى بسط رسالتها بوضوح وشفافية. وهي ـ أيضا ـ من الكاتبات المبشرات بالخير والإصلاح.
                        النماذج البشرية التي اختارتها تلفت النظر، من حيث كونها شخصيات من واقع المجتمع البسيط، ومن تربة هذا الوطن. شخصيات مصرية بحلوها ومرها، بخيرها وشرها. وهي من قبل ومن بعد، ذات سمات إنسانية تؤثر في نفس المتلقي.
                        في قصة "ليت الشباب"، أجادت التعبير عن المرأة التي خلبها بريق الشهرة، بعد تتويجها ملكة جمال، فحرصت على رشاقتها وأناقتها.. كما حرصت على ألا تنجب. ولما بلغت الستين من عمرها، ذوى الجمال شيئا فشيئا، وانفض السامر من حولها، فلا أنيس ولا جليس.
                        امرأة أخرى نلقاها عاملة "كوافير" ـ في قصة "أديبة رغم أنفها" ـ يطردها صاحب المحل، ويشهر بها عند أصحاب المحلات الأخرى. وكان الطرد بداية تغيير لمسار حياتها، إذ بدأت تكتب عن الشخصيات النسائية التي التقت بها. ويعجب أكرم ـ جارها في السكن ـ بما كتبت، ويعرض عليها ـ وهو صاحب دار نشر ـ طبع مذكراتها في كتاب يلقى رواجا، وكان فاتحة خير لها إذ قدم مسلسلا تلفازيا ناجحا.
                        كما حدثتنا عن "الخرساء" التي لاقت العنت طوال حياتها. مات الأب وتزوجت الأم بآخر، الذي عاملها بقسوة إلى أن مات، تاركا لها أخا عليلا. دفعت الأم بالطفلة للعمل. ووصلت سن الشباب، ولم يتقدم أحد لخطبتها. ثم توفيت الأم وتزوج الأخ وأنجب، مما زاد العبء على "سيدة".. وصورت الكاتبة بقلمها المتمرس ما لاقته الخرساء في حياة كلها شقاء وألم. إلا أن الأحداث تتوالى في زخم لا تتحمله القصة القصيرة، وإن كان مناسبا للسرد الروائي. ومثل هذا السرد نصادفه في عدد من القصص.
                        وفي قصة "الفراشة والمتسول"، نلقى شخصية امرأة بسيطة، تعمل مدرّسة، وتعطف على متسول تلقاه كل يوم، في ذهابها وعودتها من المدرسة. لكنها اكتشفت أنه يكاد يتقاسم معها راتبها.
                        وفي قصة "مشاجرة زوجية" نلقى زوجة تفني عمرها في تلبية احتياجات البيت، وإزاء جفاء زوجها، تركت البيت، فأحس بأهميتها واحتياج الأسرة لها.
                        ومن الشخصيات النسائية البنّاءة، نلقى "سكينة" التي بنت "صومعة" تحفظ فيها الغلال والبقول، وتأخذ منها على قدر احتياجها. كما بنت "صومعة" أخرى تحفظ فيها أوراقها المهمة ومصاغها. وحين وافاها الأجل، وحدث نزاع على توزيع الميراث، فوجئ الجميع بوصية تركتها ببناء مسجد، وكتّاب لتحفيظ القرآن. ففرح أهل القرية بما فعلته السيدة المحسنة في حياتها وفي مماتها.
                        وقد توقفتُ طويلا عند قصة "الصومعة" لعمق الفكرة ومغزاها، وما ترمز إليه من كفاح "سكينة" ودأبها على صنع الخير لأبناء قريتها، وحرصها أن تفيد أهل قريتها بعد الممات. ولعل الكاتبة أدركت أهمية رسالة الفن في الارتقاء بالإنسان. القصة عظيمة المغزى، قوية الدلالة، وفيها دعوة صريحة لعمل الخير دون انتظار مقابل.
                        كما نلقى سيدة مكافحة أخرى، تبيع الحلوى للصغار. وقد عانت "كاملة" من قسوة زوجها من ناحية، وظلم أخيها من ناحية أخرى. وعن "يزيدة والقرش الأبيض" تكتب القاصة عن المرأة التي تدخر المال ، ويسطو ابنها على جزء منه دون علمها، وعاش به حياة البذخ.
                        وفي قصة "فتاة القطار"، تحكي عن فتاة التقت في القطار بوكيل نيابة فأوقعته في حبائلها، فأصر على الاقتران بها. وسرعان ما انكشفت طباعها وسلاطة لسانها وسوء سلوكها، فطلقها غير آسف على شئ.
                        تحفل الكاتبة بالشخصيات النسائية، وكثيرا ما تشير إلى ظلم الرجل للمرأة. ونادرا ما تشير إلى خيانة المرأة أو سوء طباعها، فالمرأة في عرفها هي العنصر الضعيف المقهور، والمرأة ـ أيضا ـ تتمتع بإرادة قوية تواجه بها مصاعب الحياة.
                        أحيانا تلجأ الكاتبة إلى العالم الغرائبي تأخذ منه أفكارا جيدة لقصصها، مثال ذلك ما كتبته في قصة "عفريت غرفة التفتيش"، و "لعنة الفراعتة"، و"الصخرة المسحورة"، وهي تبرع في تجسيد هذا العالم، ويلعب الخيال لعبته المسلية. وهي حين تلوذ بالخيال، ترسم لنفسها فضاء واسعا يبعدها عن المباشرة التي قد تضر بالبناء الفني لبعض قصصها.
                        وعن "النفاق والمنافقين" تتحدث الكاتبة عن "منافق أفندي" مشيرة إلى مظاهر النفاق في مصلحة حكومبة. وهو موضوع قتل بحثا، وعالجه كثير من المبدعين. وفيها يُكال المديح للمدير الجديد، وتُذكر عيوب المدير السابق!
                        مظهر آخر للنفاق نلقاه في قصة "المصفقون أولا"، حيث يزور مسئول كبير الإقليم، تحوطه جماعة المنافقين والمنتفعين. يرتب أصحاب الدعوات بحيث يجلس المصفقون في الصفوف الأولى، والمثقفون في الصفوف الأخيرة. وتأمل معي المزاوجة التي عقدتها الكاتبة بين كل من "المصفق"، و"المثقف".. ثمة مقاربة لفظية بين الكلمتين، وثمة مباعدة، مما جعل الصياغة ذات نسق فني بديع. وما إن يدخل المسئول، حتى يتعالى الهتاف والتصفيق، بينما المثقفون واجمون! صورة تجمع المناقضات، وفيها تسخر الكاتبة من النفاق، أس البلاء. الذي يحرك الكاتبة هو المضمون، تسلط الأضواء عليه، وتعرضه في قالب الحبكة القصصية، وإن انحرفت عن المسار قليلا لعرض وجهة نظرها. وقد تستغني بهذا المضمون عن رسم الشخصيات رسما فنيا، وقد تستغني عن جماليات النص، وما إلى ذلك..
                        كثيرون هم الشعراء الذين تحولوا إلى كتابة القصة، أو زاوجوا بين هذين الفنين الراقيين، نذكر منهم صالح جودت، ونازك الملائكة، وحسين علي محمد، ويس الفيل، وغيرهم. وها هي نوال مهنى تدخل ساحة الأدب، ضمن صنّاع الفن الجميل، شعرا كان أو نثرا.
                        التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 06-01-2010, 05:58.

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #27
                          رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب: دراسة تحليلية

                          بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
                          .....................

                          (1)
                          يصحبنا اليوم في هذه الرواية القاص المبدع الأستاذ حسني سيد لبيب في رحلة ممتعة تستكشف قطاعا مهما من قطاعات المجتمع المصري عاشه القاص بوعيه وأحاسيسه ومشاعره وأبعاده الفكرية، محاولا أن يرصد هذا القطاع بكل ما له وما عليه ؛ وقد جاءت هذه الرحلة في أحدث ما أبدع الروائي الكبير "نفق المنيرة"؛ وهكذا يرى القارئ أن القاص يسجل لنا في هذه الرواية سيرة شعبية متكاملة لهذا القطاع الذي ارتبط بهذا النفق في المرحلة المتأخرة ، وقد امتدت هذه الرحلة على مدى زهاء ثلاثمائة صفحة، كان حريصا على أن يكشف لنا فيها جوانب متعددة من حيوات شخوصه وأبطال روايته. وقد حرص القاص منذ البداية على تحديد شخصية هذا " النفق"، وأبعاد المكان الذي دارت فيه أحداث الرواية مما يكشف عن أهمية المكان الذي اختاره عنوانا لروايته، كما كشف عن أبعاد الصلات المتنوعة بكل ما يسودها من تشابك وحميمية، أو تنافر وتضاد، والتي تربط ما بين شخوص الرواية؛ وقد استغرق هذا الجانب صحفا عديدة سجلت طرفا من ذكريات النفق المخزونة في ذاكرة بطل الرواية "حمزة" صاحب "الغرزة" التي اتخذها في زاوية من زوايا النفق . وقد غدا حمزة أشبه بالمؤرخ الذي يختزن كما هائلا من معلومات النفق وحكاياته وأخباره وعلاقات السكان الذين يرتبطون به. ومن هنا يمكننا منذ هذه البداية أن نقرر أن هذه الرواية ليست رواية شخوص وأحداثهم وعلاقاتهم بكل أبعادها وتطوراتها، بل هي رواية تشخيصية لهذه النفق الشامخ القابع في قلب القاهرة القديمة.
                          وأول ما يكشف القاص عنه من أبعاد شخصية المكان "النفق" الأسماء والنعوت التي ارتبطت به؛ فهو "الجسر أو النفق كما اعتاد الناس أن يطلقوا عليه ، وتحديدا يشير إليه المارة من أهل المنطقة قائلين: "نفق المنيرة"، أو يختصرون الاسم إلى "النفق"؛ أما الوافدون من خارج المدينة ، فقد يسمونه: نفق إمبابة". وهو جسر تعبر فوقه القطارات الذاهبة والقادمة من الصعيد ؛ ثمة فرع عند بشتيل يتجه إلى الخطاطية وكوم حمادة في الوجه البحري ". /7 كما يلتفت القاص إلى جانب أو مظهر آخر من مظاهر وجوانب شخصية النفق من خلال ارتباطه بشخصية حمزة / البطل، الذي يرجع به إلى مرحلة النشأة على أيدي آبائه وأجداده ـ والد جده ـ منذ عشرات السنين ليحدثنا عن مشاركة هؤلاء الآباء والأجداد في أعمال الحفر لخطوط السكة الحديدية مع زملائه من عمال التراحيل / اليومية.
                          وإذا كان ارتباط آبائه وأجداده ، أو قل والد جده بهذا النفق من خلال بنائه ومدّ خطوط السكك الحديدية أو قضبانها ، فإن ارتباط حمزة / الابن ، به يأخذ منحى آخر خاصا ومتميزا من خلال تلك الغرزة التي ابتناها من الخوص والخشب في موضع قريب من مدخل النفق لتكون مقهى يتردد عليه عمال التراحيل والمزارعين والبائعين الجوالين الذين يترددون على المنطقة المتوسطة بين الريف والمدينة للارتزاق ..
                          كذلك لا ينسى القاص تلك العبارات التي كتبت على جدران النفق وما تحمل من إشارات تاريخية مهمة خاصة فيما يتصل بحرب بورسعيد سنة 1956 " العدوان الثلاثي على مصر " ، وكذلك الرصاصة التي استقرت في فخذ حمزة في أثناء تلك الحرب ، والتي ما تزال آثارها تغريه بين الحين والحين للكشف عنها وإطلاع الآخرين عليها إحساسا بما تركته من ذلك الوشم الذي يثير في نفسه قدرا ظاهرا من الفخر والاعتزاز والانتشاء !
                          أما أحداث الرواية فيبدو أنها تدور في الفترة التي سبقت حرب 1967 ، ثم واكبتها دون أن تقف عندها وقفة مناسبة بصفتها ذات أثر بالغ الخطورة والأهمية في الحياة المصرية والعربية في هذه المرحلة ، حيث لم يذكر من أخبارها وأحداثها غير حكاية وصية مصطفى التي حملها رفيقه في الجبهة لزوجته بعد استشهاده . ومن هنا يستطيع القارئ أن يخمن الفترة التي وقعت فيها أحداث الرواية ببضع سنوات هي فترة الدراسة التي قضاها الشخوص في أواخر المرحلة الثانوية والجامعية فقط ؛ وما جاء مخالفا لذلك فهو من أثر الاستذكار والاسترجاع .
                          وتتواصل مسيرة الملامح المميزة لشخصية " النفق " قديما وحديثا حيث يسترسل الكاتب في سردها وعرضها مستغرقا عدة صفحات من روايته (7 ـ 11) ، ثم يأخذ في عرض أحداث روايته ، أو قل شخوص روايته الكثيرة جدا والتي جعلت الرواية مجرد مجموعة من الفصول المتناثرة التي لا تجمعها أحداث عامة مشتركة ، حيث ارتبط كل شخص من شخوصها بحدث أو أحداث خاصة به لا تكاد تتصل بغيره اتصالا يؤكد وحدة الحدث والاشتراك فيه ، وإن لم يحرص الكاتب على إفراد فصل لكل شخصية من شخوص روايته يسرد فيه أحداثه وتطوراتها منذ البداية وحتى النهاية ، وإنما حرص على تشتيتها وبعثرتها في أنحاء الرواية وفصولها الكثيرة (51 فصلا) وهكذا نتبين أن الحبكة العامة في الرواية أو الحبكة الكلية للحدث المشترك بين الشخوص مفقودة لأن القاص تحول عنها إلى وحدة الحدث الخاص بكل شخصية من شخوصه ، ولم تكن وحدة عامة مستقلة وشاملة للرواية كلها بكافة شخوصها الذين يقومون بأدوار مستقلة في إطار الحدث الكلي العام للرواية .
                          وقد كان هذا الأمر دافعا إلى تشتت ملامح الحبكة الروائية أو الوحدة الموضوعية للرواية على نحو ما سنرى ؛ وهذا ما جعل الرواية أشبه بفصول أو مذكرات ترتبط بشخوصها حيث يأخذ القاص في سرد أحداث بعضها ، ثم سرعان ما يتحول إلى غيره ليعرض طرفا من مشهد آخر من مشاهده وأحداثه ، ثم يتحول إلى شخصية ثالثة ليعرض مشهدا أو خبرا أو جزءا من حكايته .. وهكذا .. حتى إذا تذكر الشخصية الأولى كرّ راجعا ليعرض طرفا من فصول حكايته وهكذا دواليك .. ومن هنا تعددت الأحداث والفصول والحكايات في " نفق المنيرة " تعددا واسعا بحسب شخوصها التي أفرد لكل منها حكاية خاصة به فرقها بين فصول الرواية غير حريص على وضعها في فصل مستقل ربما بسبب ارتباط هؤلاء الشخوص ببعضهم وعلاقاتهم المشتركة وإن تفاوتت شخوص روايته تفاوتا واسعا من حيث الأهمية والتميز ؛ فكان منها المتميز الذي قد يرقى إلى مستوى البطولة ، كما كان منها الثانوي الذي لا يرقى إلى هذا المستوى ، وإن غلب هذا المظهر على كثير من شخوص الرواية بطبيعة الحال لكونها رواية مكان مشترك ولست رواية حدث مشترك ، حتى " حمزة " الذي يبدو أنه كان يمكن أن يكون محور أحداث الرواية أو قل حدثها الرئيس ، وإن حاول القاص أن يجعل منه شخصية رئيسة ، كان ارتباطه بأحداث الرواية ارتباطا خارجيا ولا يكاد يتميز عن ارتباط سائر الشخوص بها مما يجعلنا نميل إلى وصف الرواية بأنها رواية شخوص لا رواية حدث، وأنها غير محددة الحدث والشخوص ، بمعنى أنها لا تدور حول حدث محدد يشترك فيه سائر الشخوص، مما جعلها تبدو أشبه بالمذكرات أو الذكريات الخاصة بالشخوص الذين لا يربطهم فيها غير المكان "النفق" أو "نفق المنيرة"؛ ولعل هذا الأمر يذكرنا ربما بأقرب مثال في الساحة الروائية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، وكذلك برواية "ليالي ألف ليلة " لنجيب محفوظ وغيرهما كثير ..
                          وإذا حاولنا تحديد ملامح الحبكة الروائية في " نفق المنيرة " لنتبين ما يسودها من تمزق أو تنوع وتباين فرضته البنية الروائية لشخوصها وما يرتبط بهم من أحداث مختلفة ، ألفيناها تبتدئ مع " حمزة " وهو يعرض أطرافا من ذكرياته عن النفق ، والغرزة التي اتخذها فيه ، ثم ظهور شخصية " سيد سبرتو" الفتوة الطاغية المستبد ليلتهم ما أعدته له حميدة بنت حمزة من طعام ، ليتحول المشهد من ثم إلى شخصين آخرين من شخوصها هما " فتحي " و" ثروت " في أثناء عودتهما من المدرسة ... وهكذا ...
                          ومن ناحية أخرى حرص الكاتب على أن يجعل لكل شخصية من شخصيات روايته فصلا مستقلا ، أو قصة مستقلة لها بدايتها ولها نهايتها انطلاقا مما أشرنا إليه آنفا وقررناه وهو وحدة الحدث والقصة لكل شخصية من شخوص " النفق " وليس وحدة الحدث لسائر الشخوص فيها .
                          وقبل أن نعرض لهذه القصص والحكايات الخاصة بالشخوص في الرواية نودّ أن نشير إلى ما يمكن أن يعدّ أهم أحداث الرواية ، أو الأفكار التي ارتبطت بها وهو حكاية الحلم الذي كان يتكرر بشكل لافت ومؤثر في حياة حمزة حينا بعد حين وهو "انهيار النفق"!
                          وقد ابتدأ هذا الحلم منذ الفصل التاسع في الرواية حيث رأى حمزة فيما يرى النائم أن جدار نفق المنيرة تشققت أحجاره ؛ (ص53) ويستدعي القاص رؤيا مماثلة وقعت للعالم الأثري محمد نافع الذي كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري فرأى فيما يرى النائم جدرانها تتشقق وتنهار ؛ فهب من نومه فزعا مذعورا ، ونتوجّه إلى القبة ليجدها على حالها !
                          وهنا يتبادر تساؤل عن حلم حمزة ، وما إذا كان قد وقع حقيقة على نحو ما وقعت رؤيا محمد نافع، أم أن القاص أراد أن يوظف تلك الرؤيا في روايته توظيفا جديدا ، فاستدعاها على هذا النحو المتميز! وكلا الأمرين جائز وممكن بالنسبة للقارئ ؛ أما بالمنسبة للقاص فقد يكون لديه رأي آخر! المهم أن حلم حمزة بانهيار النفق اتخذه القاص بمثابة العقدة أو الخيط الرفيع الذي يشد أحداث الرواية مذكرا بوحدتها التي سعى إليها حيث وجدناه يتذكر هذا الحلم حينا بعد حين عبر رؤى متكررة تعرض لحمزة في نومه لتقض مضجعه، وتعكر صفو حياته ، فتتكرر محاولاته لفت الأنظار إلى النفق وضرورة العمل على ترميمه لئلا ينهار !
                          ونودّ أن نقف مع المشهد الأول لهذه الرؤيا كما قصها الكاتب في لنتبين طرفا من جمالياتها حيث يقول : " أشرقت شمس نوفمبر في الصباح، فتبدد ما رآه حمزة في منامه، كأنه غير مصدق. إنه مجرد حلم يتبدد في اليقظة، فخرج من بيته يتطلع إلى البناء الحجري، ينتصب في أوله وآخره أربعة أعمدة حجرية شاهدا على متانته.. ولشد ما عجب من أمر النفق الذي يتحمل قطارات تزن مئات الأطنان.. تعبر فوقه ليل نهار، فلا يكل ولا ينهار. سار بطول النفق من بدايته إلى نهايته.. توقف لحظات يتحسس بكفيه الجدار السميك. لم يلحظ تشققات ولا وجد كسرا. لا شيء يعتور النفق. بدا أمام ناظريه سليما معافى. ما رآه في المنام كذب في كذب. هاهي الحقيقة ناصعة ساطعة سطوع الشمس الدافئة في نوفمبر. إذن هو الحلم وإرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام.. قد تكون الحاسة السادسة تُري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب. تريه ما لا يراه بعينيه، ما لا يطوف بخياله" (54)
                          ويحاول أحد شخوص الرواية " فتحي " تأويل الرؤيا بأنها ط ردّ فعل لكارثة التروللي باص الذي وقع في النيل ظهر الاثنين الأول من نوفمبر سنة 1965 " وما كان لها من آثار بالغة في نفوس الناس .(35) وهو تأويل يمكن أن يكون مقنعا لواقعيته وآثاره النفسية البالغة، وإن لم يقتنع به حمزة أو قل القاص نفسه لسبب آو لآخر لم يكشف عنه، وأبقاه قيد الاحتمال والتأويل ؛ وقد يمكن أن يكون بتأثير من رؤيا العالم الأثري محمد نافع حرصا منه على توظيفها في هذه الرواية في وضع مشابه إلى حد ما ، مما جعله يكرر مشهد الحلم في أكثر من موضع من الرواية : (الفصل 13 ، ص 77 ، الفصل 16 ص 91).
                          وإذا لم تستمع الحكومة لصرخات حمزة ، ولم تستجب لتوسلاته بترميم النفق وإضاءته ، فقد بادر هو إلى ترميم الغرزة ليتخلص من وطأة هذا الكابوس المرعب ؛ (125) وبالفعل لم يعد يرى هذا الكابوس مرة أخرى ؛ وقد كان هذا التحول مصاحبا لتحول جذري آخر في حياة ابنته حميدة التي بدأت تظهر عليها أعراض الحمل بعد تأخر مثير للقلق استمر سنوات طويلة من الصبر والانتظار (149 وما بعدها).
                          وهكذا استردّ النفق عافيته ، وكاد حمزة أن يتخلص من ذلك الكابوس الرهيب ! (157 ) ولكن يبدو أن هذا الكابوس كان يلاحق حمزة كلما ألمت به مصيبة أو محنة ، أو حلّ به سوء أو شرّ ، (224 ـ 225) بل إنه فسره بمرض حميدة ؛(259) ، حتى إذا قضت نحبها بعد الوضع عاوده الكابوس من جديد (270).
                          أما التأويل الأخير لهذا الكابوس فكان في أعقاب نشوب حرب 67 وما أسفرت عنه من مآس مفجعة عبر عنها حمزة بقوله : " خفت على نفق صغير ، ولكني لم أتوقع هذا الزلزال يصيب مصر كلها"! (290).
                          وإذا تركنا حكاية النفق وانهياره في رؤى حمزة ، لقيتنا حكايات أخرى للشخوص الذين حشدهم القاص في الرواية دون أن يكون لها أدنى ارتباط فيما وراء ارتباطهم المكاني بالنفق الذي يجمعهم كما يجمع سائر الناس الذين يقيمون في المكان أو يترددون عليه بين الحين والآخر؛ وقد كان يمكن القاص استدعاء شخوص آخرين وراء من ذكرهم ليرصد أطرافا أخرى من ملامح وجودهم وسيرهم وأخبارهم وسلوكياتهم المتباينة مما يمهد لطول ظاهر في الرواية، وسرد لأحداث وحكايات أخرى تتعلق بأولئك الشخوص لو أراد القاص حيث إن الحبكة الروائية لا ترفض ذلك بل تسمح به ما دامت الحبكة تدور في فلك القصة القصيرة أو الحكاية الخاصة بكل شخصية من شخصيات الرواية لاعتبارها شخصية رئيسة أو محورية، أو على الأقل مستقلة عن غيرها ولا ترتبط معها في الأحداث.
                          ومن يتأمل شخوص هذه الرواية " نفق المنيرة " يجد لكل شخصية من شخوصها حكاية خاصة أو حدثا خاصا بها له بدايته وله نهايته ؛ وهذا يعني أن الكاتب كان يمكنه جمع هذه الأحداث والحكايات في أطر مستقلة ، أو مواضع خاصة لكل شخصية منها ؛ ولكنه فيما يبدو آثر إضفاء سمة الروائية عليها ، فوزعها هذا التوزيع الواسع ، أو قل التشتيت أو البعثرة غير المنطقية ، أو المجردة من التسويغ والتبرير ؛ ومن هنا فإننا سنقوم برصد أبعاد حكاية كل شخصية من شخصيات الرواية لنتبين ما اعتورها من تشتت وتمزق . وقد سبق أن أكدنا أن جميع شخوص رواية " نفق المنيرة " ثانويون بعد أن اعتبرنا الرواية رواية مكان لا حدث حيث انعدم الحدث الموحد فيها والذي يجمع سائر شخوصها المشتركين في صنعه وتطويره لبلوغ الذروة أو لحظة التوير أو النهاية الطبيعية ؛ وفي ضوء الوضع الراهن يمكننا أن نعدّ كل شخصية من شخوصها محورية ورئيسة بالنسبة لحدثها الخاص المرتبط بها ؛ وهذا يدفعنا إلى محاولة الوقوف عند الحدث الخاص بكل شخصية من شخوصها لنرصد أبعاده وتطوره وما ارتبط به من أحداث الرواية.
                          (يتبع)

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #28
                            (2)
                            أما أول الشخوص التي كان لها ظهور متميز في الرواية بحيث يمكن أن يرتقي بها إلى مستوى "المحورية " إلى حد ما شخصية حمزة أقدم الشخوص وأوثقهم ارتباطا بالنفق خاصة ، والمكان عامة ، وكذلك ارتباطا بالشخوص الآخرين من خلال معرفته بهم ولقائه الدائم معهم ، ووجوده بين ظهرانيهم ؛ وكل هذا من مظاهر الحياة الاجتماعية العامة التي يشترك فيها سائر شخوص " النفق " خاصة ، وكافة أبناء المنطقة عامة . وواضح أن هذا شيء والاشتراك في الحدث الروائي الخاص وتطوره ونهايته ـ وهو أمر مفقود في الرواية التي بين أيدينا ـ شيء آخر؛ وهذا ما دفعنا إلى وصف الرواية بأنها أشبه بالمذكرات أو الأحداث المتنوعة المستقلة التي يخص كل حدث منها شخصية مستقلة عن الآخرين دون الاشتراك في حدث واحد ومتطور ومنها. حتى شخصية حمزة التي ذكرنا أنها قد تبدو للقارئ رئيسة ومحورية، هي في الحقيقة لا تتميز عن غيرها من شخوص الرواية لكونها مرتبطة بحدث خاص بها، مستقل عن غيره من أحداث الشخوص الأخرى. وتبدأ مسيرة الحدث في الرواية مع شخصية حمزة من خلال ارتباط آبائه وأجداده بالنفق عند إنشائه منذ عشرات السنين ، ثم تتوالى أحداثها ، أو قل أحداث حياة حمزة عبر علاقاته المتنوعة بزبائن الغرزة وأبناء الحي الذي يقيم فيه ؛ وهي علاقات عادية وغير مؤثرة في طبيعة الرواية وتطور أحداثها وتصعيدها وبنيتها الفنية والموضوعية على السواء ، وإن ساهمت في تصعيد مشكلته الذاتية بطبيعة الحال بصفته شخصية مستقلة من شخوص الرواية ؛ وهو ما حرصنا على تأكيده فيما مضى . ومن تلك الأحداث الخاصة في حياته ذلك الجرح الذي خلقته إصابته برصاصة في فخذه إبان حرب 56 ، واعتزازه البالغ بهذا الوسام؛ حتى إذّا كانت نكبة 67 عاد الكابوس الذي أقض مضجعه بانهدام النفق وانهياره ليشارك في تأويل الهزيمة! ومن هنا يمكن اعتبار هذا الكابوس من أهم وأبرز ملامح شخصية حمزة الروائية ، وأبلغ المظاهر الدالة عليها؛ كذلك رأينا ارتباط هذا الكابوس بمشكلة حميدة بنت حمزة وزوجها جابر المتمثلة في تأخر الحمل، وعند بدايته وإلى حين الوضع ثم الوفاة على نحو ما مر بنا (ص ص 49..، 78..، 257 وما بعدها) ويلاحظ أن هذا الكابوس كان يظهر في حالات الشدة، ثم يختفي في حالات السعادة والفرح! وكأن القاص هدف من وراء ذلك إلى إيجاد رمز دال على هذه الأحوال من خلال الكابوس!
                            كذلك يرتبط الكابوس أو النفق عموما بشخصية أخرى من شخوص الرواية هو "ثروت" الفاسق الماجن ، حيث يكشف لنا القاص مظاهر الانحراف الخلقي في هذا الشخص منذ الصفحات الأولى من الرواية ، وكذلك عند تأزم الموقف أو العلاقة ما بينه وبين حمزة (91، 103) وما نجم عن ذلك من تدبيره مكيدة للانتقام من حمزة (139) واكتشاف فتحي لذلك (142 ، وانظر 169) ثم علاقته الآثمة بعزيزة ومأساتها التي أحدثها لها (203، 258).
                            وتلقانا شخصية فتحي صديق ثروت من خلال علاقة الحب التي كانت تربط ما بينه وبين ليلى بنت الجيران ، وارتكابه تلك الحماقة التي جنت على هذا الحب بكتابة رسالة إليها على لسان أحد الجيران لتتزوج من كويتي ترحل معه إلى وطنه. على أن هذه الرسالة كانت تمثل بداية التحول في شخصية فتحي وسلوكه وحياته عموما (64 ـ 76) ثم يقف القاص عنده وهو يدخل في تجربة عاطفية جديدة مع فتاة مسيحية "مارسيل" بنت الأستاذ الذي كان يتلقى دروس الفرنسية على يده، وتستمر على مدى عدة سنوات، وكانت تمثل فكرة الانفتاح الديني في مسألة العلاقة بين المسلمين ولنصارى وتكريس مبدأ حرية العقيدة بالنسبة للفتاة عندما تقدم على الزواج من مسلم (163 ، 214، 234)، ثم قطع هذه العلاقة بينهما بسبب ما واجهت من مشكلات في أثناء المحاضرات المشتركة وما انطوت عليه من مضايقات بالغة (247.. ، 256.. ، 264..، 275...).
                            على أن هذه العلاقة الحميمة مع مارسيل لم تمنعه من خوض تجربة عاطفية عابرة مع الممرضة ناديا في أثناء نوبة الحمى التي ألمت به . (172).
                            أما على الصعيد السياسي، فقد كان فتحي يمثل أنصار السلطة المؤيدين والموالين للحكم أو النظام بخلاف " أمين" الذي كان يمثل الوجه الآخر أو تيار الرفض والمعارضة للنظام .(85وما بعدها) ، وإن كان ظهور أمين في الرواية محدودا جدا وهامشي إلى حد بعيد ..(16، 30، 173)
                            أما "مصطفى" الذي يمكن أن يعدّ شخصية روائية واضحة القسمات والأحداث ، ويعدّ بحق من أبرز شخوص "النفق"، والذي يشبه إلى حد بعيد " فتحي" في علاقاته العاطفية الواسعة ، فقد كان يمتهن في البداية صبغ الأحذية وإصلاحها، ثم تحول على النجارة في ورشة أبيه ؛ وقد كانت له علاقات نسائية كثيرة حاولت أخته لأبيه "سعاد" التي كانت أشهر ضحايا مأساة التروللي الغارق في النيل أن تحدّ منها بشكل ظاهر، وكانت تلومه على نزواته الطائشة رافضة هذا الأسلوب في علاقاته العاطفية، وتدفعه إلى التخلص منه خصوصا عندما بدأت علاقته بنرجس صديقة سعاد تأخذ منحى آخر خصوصا وأن سعاد اختارتها له لتكون "زوجة لا نزوة" (88) وكانت صدمته لغرق سعاد بالغة الأثر تمكنت من تغيير جذري في شخصيته وسلوكه وحياته عامة حيث سادها أثر ديني عميق .(70ـ72)، كذلك كان لمشكلة القبض على الشيخ محمود أثر بالغ في سلوك مصطفى تحول إلى أزمة حادة أضافت إلى حزنه بفقد سعاد حزنا آخر (84..) ، ويلقانا مصطفى في فصل آخر في بيت الشيخ محمود بعد الإفراج عنه وفرض الإقامة الجبرية عليه في بيته ومنعه من إمامة المصلين في المسجد (96..) وقد بدا الشيخ متخوفا عليه من هذه العلاقة عندما تلاحقه السلطة ..(98) ويتواصل التغيير في أبعاد شخصية مصطفى وملامحها فيخطب نرجس ويتزوجها _109 ، 127، 129، 137، 211، 223..) حيث تحين نهايته في حرب 67 ويكون مصطفى أحد شهدائها حيث حمل أحد زملائه: "إسماعيل" إلى زوجته نرجس لفافة من مصطفى بعد استشهاده تحتوي على ذبلة الزواج ومصحف وبطاقة هوية ومحفظة نقوده وغيرها من الأوراق، ورسالة سريعة كتبها إليها قبيل استشهاده عبر فيها عن أمله في العودة إليها منتصرا أو شهيدا ..(288).
                            ومن خلال هذا العرض لأطراف من حياة مصطفى نرى أن شخصيته احتلت مساحة ظاهرة من الرواية مما أضفى عليها مسحة فنية خاصة كان يمكن أن يتحول بها القاص إلى شخصية روائية رئيسة ومحورية لو أراد، ولكنه آثر الاستمرار في نمطية البناء الفني لروايته القائم على الحكاية الذاتية الخاصة لشخوصه المتجردة من الحبكة الكلية المشتركة، ولم يتحول منه إلى البناء الفني القائم على وحدة الحدث أو الأحداث التي يتحرك الشخوص في إطارها على نحو ما قررنا.
                            على أن أهم ما يمكن أن يميز شخصية مصطفى وحكايته في "النفق" إمكان تحولها إلى رواية ذات فصول لوفرة أحداثها وتنوعها وإمكان توافر العقدة والحبكة لها، وكذلك روعة النهاة المفجعة التي رسمها القاص لها.
                            ويلقانا من بعد مصطفى ونرجس من شخوص "النفق" شخصيتان تمثلان مظهرا اجتماعيا متميزا يقوم على البلطجة والفتونة وهما "سيد سبرتو" و"عتريس"؛ أما الأول "سيد سبرتو" فهو كبير فتوات المنطقة، المتحكم في كافة رجالاتها أمثال حمزة وحميدة وجابر وتوفيق الذين اعتادوا تقديم الطعام والشاي وغير ذلك من المشروبات له بالمجان، وغير ذلك من الخدمات. وواضح أن هذه الشخصية كانت تمثل نموذجا شائعا في الأوساط الشعبية المصرية، وكانت تعيش على السطو والإتاوات التي يبتزونها من الآخرين بحجة حمايتهم والدفاع عنهم ضد الفتوات الآخرين! والويل كل الويل لمن يحاول الرفض أو التمرد والامتناع عن تحقيق مطالبهم (11) ومما يلفت النظر أننا وجدناه يتباهى بشهامة بالغة يوم كارثة التروللي حيث امتنع عن أخذ الإتاوات في ذلك اليوم المشؤوم وفي اليومين التاليين أيضا، بل إنه منع رجاله من فعل شيء خارج على القانون! والغريب في الأمر أن هذا الفتوة الطاغية برغم أخذه الإتاوات من الناس فإنهم يدركون مبلغ حاجتهم إليهم لحمايتهم من بطش الأشرار واعتداءاتهم، والذود عن شرفهم ودفع المكائد عنهم، حتى إنهم بدؤوا يتقربون إليه حين يفتقدون الأمان ما دام يقف ضد السرقة وما يمس العرض والشرف، ويعتمد عليه في أوقات الشدة والملمات ..(208 ..)
                            وهكذا يتحول الفتوة في هذا الوسط الشعبي إلى نصير للمظلومين يدفع عنهم ما ينزل بهم من ظلم الآخرين، ويحميهم من عدوان المجرمين.
                            على أننا نجد هذا الفتوة "سيد سبرتو" من خلال علاقته بـ "عويس" يبرز مظهر الإتاوة الجبرية عندما ألجأه إلى غرزة حمزة ليبيت عنده فيها نظير ريال يأخذه منه عن كل ليلة؛ وكانت البداية عندما احتاج حمزة إلى من يساعده في ترميم الغرزة ؛ وقد قام عويس بها العمل على أكمل وجه لتتواصل إقامته في الغرزة برغم إنجازه الترميم وبرغم أنف حمزة .. بيد أن هذه الإقامة الجبرية سرعان ما حظيت بالرضا والقبول بعد حمل حميدة .. ويسرد القاص حكاية عويس في القرية التي كان يعيش فيها "ميت نما" حيث كانت زوجة أبيه تسيء معاملبته وتقسو عليه فقرر الفرار من القرية إلى القاهرة يفترش الأرصفة والطرقات، ويعيش مع المشردين والخارجين على القانون (59 ، 195) ؛ كذلك يظهر عويس إبان مشكلة عزيزة مع ثروت حيث تدفعه النخوة والشهامة إلى إعلان رغبته في الزواج منها سترا للفضيحة بعد أن أبدى عزمه على الانتقام من ثروت لجريمته النكراء ..(279)
                            أما الشخوص النسائية في رواية "نفق المنيرة"، فلعل أبرزهن شخصية عزيزة الشغالة الشحاذة التي التقاها عويس وعطف عليها وتوسط لها للعمل في بيت ثروت، ولكنها هربت عندما حاول الاعتداء عليها، مما دعاه إلى اتهامها بسرقة المجوهرات، وقد جهد عويس كثيرا في البحث عنها حتى عثر عليها لرد ما سرقته، وأكدت له براءتها من هذه التهمة ، وعزمت على الانتقام من ثروت ، ولكنه تمكن من الاعتداء عليها لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها يسودها الضياع والتشرد حتى تمكن عويس من العثور عليها .. ثم قررت الانتحار للتخلص من الفضيحة التي سببها لها ثروت.
                            كذلك تظهر "سعاد" كشخصية نسائية متميزة كانت على موعد مع القاص ليجعل منها شخصية رئيسة في الرواية لولا أنه تعجل نهايتها في حادثة التروللي الغريق .
                            وكذلك سائر الشخوص النسائية في الرواية أمثال نرجس وليلى وحميدة ومارسيل التي كادت أن تكون شخصية روائية متميزة، وكان لها حضورها واستمرارها ومارست دورا مهما فيها إلى أن انتهت قصة حبها بالفشل؛ فضلا عن سائر الأمهات اللاتي ذكرن في الرواية وخصوصا عمة فتحي التي بدت كشخصية نسائية متميزة من خلال علاقاتها الحميمة ومساعداتها المادية لأقاربها.
                            ووراء هذه الشخوص الظاهرة ذات الوجود الروائي المتميز في "النفق" تلقانا شخوص أخرى مرت مرورا سريعا وعابرا منها والد فتحي ووالدته وإسماعيل رفيق مصطفى في الجبهة وحامل وصيته إلى نرجس، وصديق مصطفى الآخر "رأفت"؛ ومنها في إطار الفكر الإسلامي الشيخ محمود الذي كان يشتبه فيه بأنه من جماعة الإخوان المسلمين ، وهو شيخ جليل متعمق في الدين ، يؤم الناس ، وخلفه إمام جديد ، كما قبض على سيد قطب من قبل منذ أربعة أشهر، وهم ناشطون في القبض على رفاقه وكل من له صلة بجماعة الإخوان؛ المهم أن صدمة مصطفى بسبب القبض على الشيخ كانت من الشدة بحيث تعدل صدمته بوفاة أخته سعاد! ومهما يكن فقد فرضت على الشيخ اٌلإقامة الجبرية في بيته وعدم مغادرته لإمامة المسلمين في المسجد .. ثم أفرج عنه .. ثم ظهر للمرة الأخيرة في أعقاب نكبة حزيران مقررا أن هذه النكبة إنما هي بسبب بعدنا عن كتاب الله وسنة نبيه الكريم (ص) (289)
                            ويلقانا شيخ آخر في آثار مأساة مصطفى بفقد سعاد ليعطيه كتيبا فيه سورة ياسين ، ويوصيه بقراءتها عدة مرات ، ويلقي عليه درسا دينيا ، ويتلو عليه آيات ابتلاء المؤمنين ، ويفسرها، كما أعدّ خطبة عن الصبر في القرآن الكريم والسنة المطهرة ..(72)
                            وعلى هذه الشاكلة جاءت حركة لشخوص في رواية "نفق المنيرة" ما هو منها رئيس أو فعال ومؤثر في حركة الرواية ومسيرتها، وما هو ثانوي، وإن كانت كافة شخوص الرواية كما قررنا آنفا لا تتجاوز نطاق الثانوية لعدم اشتراكها في حدث الرواية الرئيس الذي خلت منه الرواية حيث كان لكل شخصية منها حدثها الخاص بها ؛ ومهما يكن فقد تجلت عناية القاص برصد ملامح شخوصه من خلال الأدوار التي أسندها إليهم في الرواية ..
                            (يتبع)

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #29
                              (3)
                              الأبعــاد السياسيــة والوطنيــة في الرواية:
                              تبينت لنا فيما سلف من الدراسة مختلف الأبعاد الاجتماعية التي شاعت في الرواية أو قل قامت عليها، وهي الأبعاد الرئيسة التي حرص القاص على رصدها فيها بطبيعة الحال؛ وقد جاءت هذه الجوانب الاجتماعية واسعة و متنوعة بحسب حالات الشخوص الذين عرض لهم، وطرح أطرافا من حيواتهم وسيرهم الذاتية ومشكلاتهم الاجتماعية والنفسية.
                              كذلك حرص القاص بشكل أقل مما سبق على رصد بعض الجوانب الأخرى التي ساهمت بفعالية في تشكيل حركية الأحداث في الرواية، فضلا عن الانفعالات والخلجات النفسية والهواجس الخاصة، منها الأبعاد السياسية والوطنية التي عاشها الكاتب وعالجها من خلال شخوصه الذين يمثلون المرحلة الراهنة بكافة إيجابياتها وسلبياتها، وإن لم يحرص على رصدها كاملة أو شبه كاملة، بل حرص على مسها مسا رفيقا دون أن يغوص في أعماقها ليكشف عن أبعادها وآثارها وتأثيراتها الواسعة في المجتمع لسبب لا نريد أن نتكهن به ..
                              ومن هذه المظاهر السياسية والوطنية التي كان لها وجود في الرواية الإشارة السريعة أو الخاطفة إلى حرب السويس 56 من خلال الرصاصة التي استقرت في فخذ حمزة وخلفت جرحا وأثرا ظاهرا لا يزول، ومشكلة إحساسا ضخما بالانتماء الوطني والاعتزاز بالمشاركة في الدفاع عن الوطن .. وقد كان حمزة جد حريص على اهتبال كل فرصة ومناسبة للإشارة إلى هذا الأثر أو الوسم الوطني المتميز..(85..، 147..)
                              كذلك يظهر القاص حمزة وفتحي من أنصار جمال عبد الناصر ومؤيديه الذين يعتبرونه بطل العروبة والانتصارات، صاحب الخطب السياسية الحماسية الملتهبة ، وعباراته الرنانة التي كانت تتردد في آفاق الوطن منذ حرب السويس، وفي حرب يونيو، وكذلك حرصهم على الاشتراك في المقاومة الشعبية الباسلة في بورسعيد ..(85..) فحب عبد الناصر في نظر فتحي وأمثاله لا يعادله حب حتى لو كانت له بعض الأخطاء لكنها تغتفر لوجه الزعيم الذي أحبه، ولمبادئه التي كان يرددها دائما ودعوته للوحدة العربية، وتصديه للاستعمار، ولكونه نصير الفقراء والبسطاء ... (87)
                              وإذا كان هذا هو موقف أنصار عبد الناصر أمثال حمزة وفتحي، فقد كان ثمّ موقف آخر يمثل الرفض والمعارضة لسياسة هذا الزعيم رصده القاص في شخصية أمين الذي بدا في نظر القاص، أو كما احتفظت به الرواية "يعزف عزفا منفردا للحن لا يطرب أحدا"! وكان صاحبه فتحي يتمنى لو تخلص من هذا الموقف الرافض لسياسة عبد الناصر، ولكنه تشبث به، وعدّه قضيته التي لا يتنازل عنها حتى لو انطبقت السماء على الأرض .(86..)
                              ومثل هذه القضية لا سبيل إلى تقارب وجهات النظر فيها لما فطر عليه الناس من مفاهيم ومبادئ متباينة وأفكار مختلفة؛ وإذا لم يتفق البشر على توحيد الذات الإلهية، والإيمان المطلق بالله الواحد، فهل يتسنى لهم أن يتفقوا على عبد الناصر أو غيره من رجال السياسة والوطنية، والقادة والزعماء؟!
                              كذلك شكلت هزيمة يونيو 67 ملمحا آخر للصراع الوطني والخصومة مع عبد الناصر في الرواية منذ ألقى عبد الناصر خطاب إعلان الهزيمة والتنحية، مؤكدا أن هذه المعركة لن تكون آخر المعارك مع العدو، و"إنها نكسة في تاريخ كفاح الشعب"؛ كما أعلن مسؤوليته عن هذه الهزيمة، ولذلك أعلن عزمه على التنحي عن السلطة .. وما إن أعلن ذلك حتى اندلعت مظاهرات التأييد التي عمت أرجاء القاهرة خاصة وغيرها من مدن القطر وقراه التي كانت أشبه ببركان يندلع فجأة! (288) ويقرن الكاتب الفاضل هذا المشهد بمشهد مماثل وقع لسعد زغلول مستعيرا رأي الأستاذ مصطفى الرافعي الذي يرى فيه ضربا من الانتصار برغم ما ساده من فشل ..
                              وواضح أن القاص هنا في هذا الموقف أو الرأي ينطلق من موقف فتحي وليس من موقف أمين وما يسوده من رفض .. وهكذا عاد الزعيم المنهزم إلى السلطة تحت إلحاح الجماهير ودعوتها له لمواصلة المسيرة وتحمله كافة مسؤوليات الحكم في هذه المرحلة لتتواصل المسيرة، وتتحقق الأهداف المنشودة، وعدل عن التنحي وترك زمام القيادة لغيره.
                              ويبدو أن القاص أراد أن يحدد زمن الرواية بهذه الفترة الواقعة قبل هزيمة يونيو ببضع سنوات وإلى وقوع هذه النكبة ، ولم يحرص على متابعة الأحداث التي شهدها العهد الساداتي اللاحق ليطلعنا على آرائه فيه، ويطرح طرفا من المواقف الرافضة أو الموافقة من خلال شخوص الرواية، وربما أرجأ ذلك إلى رواية أخرى أو أعمال سردية تالية! "وعند جهينة الخبر اليقين"!.
                              ومهما يكن فقد جاء هذا الجانب من الرواية محدودا جدا ولا يتناسب وزخم الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية عامة ومصر خاصة في هذه المرحلة الراهنة بكافة سلبياتها وإيجابياتها؛ وإذا سكت أصحاب الأقلام من الأدباء والمفكرين ورجال السياسة عن كشف السلبيات وطرح الإيجابيات التي ارتبطت بأحداث المرحلة، فمن ذا الذي يمكن أن يتولى هذا الأمر لينير الطريق للسالكين ليتجنبوا السلبيات، ويكرسوا الإيجابيات؟؟!
                              ا لأبعـــاد الد ينيـــة في الروايــة:
                              لعل هذه الأبعاد الدينية كانت أسعد حظا من نظيرتها السياسية في رواية "نفق المنيرة" برغم حرص القاص على أن يمسها مسا رفيقا هينا لا يتناسب وحرية الفكر التي يجب أن يدافع عنها الأدباء والمفكرون في هذه المرحلة للتخلص من السلبيات المدمرة، وتكريس الإيجابيات التي يعوّل عليها في تغيير الأوضاع ونفي السوء والفساد المستشري في كل الأنحاء ..
                              ومن هنا فقد حظي هذا الجانب من الرواية ببعض الإشارات الخاطفة برغم انتشار هذا الجانب الديني في المجتمع بشكل ظاهر ومؤثر إلى حد ما .. فقد أشارت الرواية إلى محاربة النظام الناصري ـ السلطة الحاكمة ـ الإخوان المسلمين، وحملات الاعتقال الشرسة التي وجهت إليهم وأسفرت عن اعتقال نفر من قاداتهم وأشهر الشخصيات الإسلامية أمثال أحمد حسن الباقوري والذي حرص الشيخ الشرباصي على مواصلة زيارته في المعتقل، وإن أعلنت السلطة رضاها عن هذا الموقف وما ينطوي عليه من وفاء نادر في هذا الزمن الرديء ..(79 ،81 ،89 ، 98).
                              كذلك أشار القاص إلى قضية اعتقال سيد قطب وإعدامه فجر الاثنين التاسع والعشرين من أغسطس 1966 بتهمة تكفير المجتمع ؛ ويعرض القاص الفاضل هنا طرفا من الآراء المتباينة في هذه القضية ، والدوافع الحقيقية لإعدامه؛ وقد استغرقت هذه القضية جانبا مهما من الرواية لولا خشية الإطالة ، والخروج عن منهج الدراسة لعرضناه بشيء من التفصيل.. ويمكن القارئ العزيز الاطلاع عليه ومناقشته في موضعه من الرواية (187 ـ 191).
                              كذلك عرض القاص الفاضل لاعتقال شخصية إسلامية أخرى وإن لم تكن على مستوى الشخصيات السابقة بطبيعة الحال، وهو الشيخ محمود الذي كان مصطفى يكثر التردد على منزله والتزود من علمه بتهمة الاشتباه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وفرضوا عليه الإقامة الجبرية في بيته ومنعوا عنه زيارة أي شخص ؛ وقد جاء ذلك الإجراء عقب اعتقال سيد قطب بأربعة أشهر في إطار مخطط القبض على كافة رفاقه وكل من له صلة بهذه الجماعة ..
                              واللافت في هذا الجانب من الرواية موقف مصطفى الأسيان من هذا الاعتقال العشوائي العدواني الذي عبر عنه القاص بقوله: "إن كان موت سعاد أدمى قلبه، فقد ابتلاه الله بجرح ثان بمحنة شيخه الجليل .. "حماك الله وكشف عنا الغمة ، وهدانا جميعا إلى الطريق القويم"!
                              أكثر من الصلاة والدعاء ، طفق يرتل الآيات الثلاث من سورة البقرة التي أسهب الشيخ في شرحها له عن ابتلاء المؤمن ! حقا يا شيخنا " المؤمن مصاب ليختبر الله قوة إيمانه " .(84)
                              وفي الفصل (17) يرصد القاص هذا الشيخ محمود وقد فرضت عليه الإقامة الجبرية في بيته حيث كان يؤم أهل بيته للصلاة ، وكذلك إصرار مصطفى على زيارته في بيته برغم منع السلطة لذلك حرصا منه على التزود من علمه .. وكذلك المشاركة في نقد النظام في ممارساته الدائمة والمستفزة لجماعة الإخوان .. وحرص الشيخ على سلامة مصطفى عندما طلب منه ألا يزوره مرة أخرى خوفا عليه حتى لا تعتقله السلطة .. كذلك أفرد القاص الفصل (30) للحديث عن إفراج السلطة عن الشيخ محمود وما أضفى من أحاسيس البهجة والسعادة على نفوس مريديه وأصفيائه.
                              كذلك رصد القاص الشيخ محمود في مأساة أو نكبة 67 وهو يعلن أسباب هذه النكبة التي ألمت بالأمة من وجهة النظر الدينية التي يؤمن بها الشيخ إذ يقرر " أننا هزمنا لأننا بعدنا عن كتاب الله وسنة نبيّه صلوات الله وسلامه عليه " ! (289)
                              ويلقانا الشيخ الآخر الذي خلف الشيخ محمود بعد اعتقاله ليتحفنا القاص الفاضل بفصل ديني رائع يمليه على مسامع مصطفى بصفته ممثل هذا القطاع الشعبي في الرواية منذ تحوله عن أسلوب حياته اللاهي العابث في أعقاب كارثة التروللي وفقد سعاد حيث لقي شيخا أعطاه كثيبا وطلب منه أن يقرأه مرات كثيرة ، وسأله عن سبب حزنه وبكائه الحار ، ثم أعلمه أن المؤمن مبتلى، ودعاه إلى الصبر والدعاء للفقيدة بالرحمة والغفران ، ثم تلا عليه آيات كريمة ـ آيات الابتلاء من سورة البقرة، ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم وأولئك هم المهتدون ) ، ثم انبرى الشيخ يشرحها لمصطفى ذاكرا مناسبتها .. وقد أوحت المناسبة للشيخ بموضوع خطبة الجمعة التالية حيث جعلها على الصبر وجاء فيها : " إن الله جلّ وعلا اختبر عباده المؤمنين في حالات عديدة.. مثل الخوف من الأعداء، والجوع، وقلة المال أو نقصه، أو صعوبة الحصول عليه. اختبرنا في أحبائنا وأصفيائنا، في ذوينا وأقاربنا.. اختبرنا بالموت أو الشهادة في سبيل الله، أو ضحية نازلة أو حادثة.. وما حدث بالأمس القريب ليس ببعيد.. هذه المأساة التي اغتالت أنفسا عزيزة علينا، إنما ابتلانا الله بها ليختبر درجة الإيمان في قلوبنا.. ليختبر قوة احتمالنا.. ليختبر صبرنا.. وإذا كنا نردد القول المأثور بأن المؤمن مصاب.. أفليس ما حدث منذ أيام هو اختبار لقوة احتمالنا وقبولنا بما قضى الله ؟ يا عباد الله اذكروا الله مخلصين طائعين.. يا عباد الله ترحموا على موتاكم.. وادعوا لهم بالرحمة والمغفرة.. وقد توجه الله بخطابه إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليبشره بحسن جزاء الذين صبروا على البلاء من عباده المؤمنين. بشّر رسوله الكريم بأن لهؤلاء الصابرين ما يفرحهم ويسعدهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة". (72)
                              كذلك حرص القاص الفاضل على رصد لعض المظاهر الدينية في الرواية ما وجد إلى ذلك سبيلا؛ ومن ذلك ما ورد على لسان أحد الشيوخ في أثناء الاجتماع في حفل العزاء بضحايا التروللي من أن هذه الكارثة سببها أننا بعدنا عن شريعة الله ، وإن ما حدث غضب من الله سبحانه بسبب القبض على مفكرين إسلاميين ورجال دين " .(39 ـ 40)
                              وإذا كان القارئ لرواية "نفق المنيرة" يجد في هذه الإشارات الدينية ضربا من التحسس العميق لهذا الجانب الفكري في الحياة المصرية المعاصرة وظهوره الواضح،فإنه بلمح إلى جانبه حرص القاص على سرد أطراف من مظاهر الشعوذة الشائعة في المجتمع المصري من مثل زيارة الأضرحة والقبور المنسوبة إلى بعض الأولياء، وما يرتبط بها من الدعاء والتقرب إليهم وممارسة كثير من الطقوس المرفوضة وتقديم القرابين والنذور لهم، وغير ذلك مما هو شائع ومشهور في المجتمع المصري خاصة وكثير من المجتمعات العربية الأخرى !(155 .. ، 211..) وواضح أن مثل هذه المظاهر يجب النهي عن ممارستها وضرورة التخلص منها والدعوة الدائمة إلى رفضها وإنكارها ما وُجد إلى ذلك سبيل.
                              ا للغــــة وا لأ سلـــوب في ا لروايــــــة :
                              الجانب الأخير الذي نودّ الوقوف عنده في هذه الدراسة لرواية "نفق المنيرة" اللغة والأسلوب الذي صاغ الكاتب فيه روايته وسرد أحداثها ووقائعها؛ وقارئ الرواية ـ وسائر إبداعات الكاتب الفاضل ـ يدرك منذ الوهلة الأولى ما يمتاز به أسلوبه ولغته من سلاسة وسلامة ودماثة، وما يتبع ذلك من التصاق حميم بطبقة المثقفين الذين يتعاطون هذا اللون من الإبداع: إبداعا وثقافة .. فقد رقّ الأسلوب وسلس ودمث دماثة بشكل لافت، وإن تعاورته في أحيان كثيرة وجوانب متعددة من الرواية العامية الفاقعة التي لم يحرص، بل لم يحاول الكاتب التخلص منها ربما بحجة الالتصاق بالواقع أو الواقعية التي تفرض الالتحام بالشخوص ورصد تعابيرهم وأساليبهم اليومية المعتادة في الحديث والحوار وما إلى ذلك مما لا حق فيه على الأقل في نظرنا؛ لكونها ليست أكثر من حجة واهية يتذرع بها أعداء الفصحى ودعاة العامية تهبط بالأدب والفن إلى درك سحيق يجدر بالأدباء الجادين المخلصين التخلص منها والحرص على الفصحى البعيدة عن التقعر والتشدق وما إلى ذلك؛ وهكذا نجد أنفسنا ومن قبلنا وبعدنا سائر أفراد الطبقة المثقفة لا نريد أن نهبط بالأدب إلى هذه الهوة السحيقة، كما لا نريد من الأدباء أن يهبطوا بنا إلى هذا الدرك، بل نريدهم أن يرتفعوا بنا إلى مراقي الفصحى البسيطة السليمة.
                              ومن هنا فقارئ الرواية يحس حرص الكاتب الفاضل على سلامة لغته وسلاسة أسلوبه فيها ما وجد إلى ذلك سبيلا ؛ ولكنه سرعان ما كان ينفتل بسرعة وقوة ، وينكفئ انكفاء حادا ومزريا خاضعا خضوعا شرسا لسلطان العامية الشرس ، وتعابيرها البائسة النكدة لتشوّه ـ في نظري على الأقل ـ أسلوب الرواية ولغتها ؛ وقد انتشرت هذه المظاهر في جوانب كثيرة وواسعة من الرواية كما في ص ص 26 ، 38 ، 87 ، 92 ، بل كانت بعض العبارات تتكرر في أكثر من موضع ؛ كذلك جاءت بعض العبارات الفاسدة المضطربة كما في هذه العبارة : "لا داعي تقلقي أباك، يكفيه همومه"؛ (199) لتتبين مبلغ التخبط والتشويه الذي سادها دون أن يشفع له تصحيح " أباك " برغم مجيئه على لسان جابر زوج حميدة الأميّ الثقافة !
                              ثم اقرأ صفحة 204 لتجد سيطرة العامية على أسلوب القاص بشكل لافت وكامل ؛ وكذلك صفحات 208 ، 217، 219 ، 268 ... وغيرها كثير ؛ بل إننا نلحظ سيطرة العامية على الحوار في جوانب كثيرة من الرواية كما في ص 154 مثلا ...
                              ويستوقفنا في هذا الجانب مثل كرره القاص أكثر من مرة ـ أو قل مرتين ـ وقد ذكره مخطئا في كتابته ثم صوبه في ورقة التصويبات المرفقة بالرواية وهو:"لا لـُه في الدور ولا في الطحين"! (149) ثم جاء التصحيح " الطور"! وهذا المثل إذا رجعنا إلى أصله وجدناه يعني أنه لا علاقة له بشيء، أو لا صلة له بشيء! وأصله أن كلمة " الطور" بالعامية المصرية الصعيدية وغيرها محرفة عن "الثور" في الفصحى، والذي يشدّ إلى حجر المطحنة أو الطاحونة التي تطحن الحبوب والغلال ، والذي يعرف في اللهجة الصعيدية بـ " وابور الطحين "! وأهمية المثل أنه يحدد موقف الآخر / الشخص المحايد من التدخل في مشكلات الآخرين وقضاياهم وأمورهم مما لا صلة له بها ؛ وذلك أن عملية الطحن تقوم بين طرفين: صاحب المطحنة ـ الوابور ، والثور / الطور الذي يديره، والآخر صاحب الطحين، أو الحب الذي يريد طحنه؛ وقد ينشب خلاف بين الطرفين يتطلب حلا أو علاجا مناسبا؛ مما يستدعي دخول طرف ثالث في القضية لحلها وفض الخلاف الناشب بينهما؛ وربما يكون هذا الشخص الثالث ممن يدس أنفه فيما لا يعنيه لسبب أو لآخر فيفسد ما حقه الإصلاح؛ وهنا يعترض عليه أحدهما أو كلاهما قائلين له: لا لك في الطور ولا في الطحين! فلماذا تدس أنفك في ما لا يعنيك!؟
                              ويمكن أن تصدر العبارة / المثل عن شخص برفض التدخل في مثل هذه القضايا عندما يحس أن تدخله قد يفسد ولا يصلح فيقول لنفسه محذرا ومنددا : "لا لك في الطور ولا في الطحين "! والله أعلم !
                              ووراء هذه المظاهر تلقانا في رواية " نفق المنيرة " بعض الأخطاء التي تساقطت فيها من مثل استخدامه لكلمة " توأم " للدلالة على التوأمين ، والصواب استخدامها مثناة "توأمين".(45، 165) ومن ذلك استخدامه كلمة " يأويهم " (88 ، 204) بدلا من " يُؤْويهم " مضارع : آوى ، يـُؤوي ، وهو الصواب ، وليس مضارع : أوى ، يأوي إلى المكان.
                              ومن ذلك عبارة : " حتى لا يتعرضون". (89) وصوابها : " يتعرضوا " .
                              وكذلك قوله : "إن ينسى فلا ينسى" (106)، وصوابها: "إن ينس فلا ينس بحذف ألف " ينسى" فيهما على الجزم الشرطي ـ فعل الشرط وجوابه. كما أنه أدخل الفاء في الجواب وهي لا تدخل هنا مع "لا".
                              ومن ذلك عبارة " ليفعل الله ما يريد ". (113) وسياقها في أسلوب الأمر غير لائق ، والأولى سياقها في المضارع بإسقاط اللام "يفعلُ الله ما يريد " . ومن ذلك قوله : "مما حدا به"، (207) وصوابها " حداه " . ومن ذلك قوله: "شتان الفرق بينهما" .(280) والصواب : شتان ما بينهما .
                              وعلى هذه الشاكلة نصل إلى ختام هذه الدراسة التحليلية الموجزة لرواية "نفق المنيرة" للقاص المبدع حسني سيد لبيب التي حملنا فيها إلى أجواء هذا الحي الشعبي من أحياء القاهرة القديمة لنتعرف على بعض المظاهر الحياتية الخاصة به وإن لم تختلف عن نظائرها المنتشرة في أحياء القاهرة الشعبية أمثال السيدة زينب والحسين والأزهر وإمبابة وبولاق الدكرور وغيرها.. بل إنها تغزو سائر أحياء القاهرة الراقية بسبب طبيعة الشعب المصري الأصيل الذي لا تقوى أعتى التطورات على تغييرها؛ وقد حقق لنا هذا عبر هذه الرحلة قدرا هائلا من المتعة التي جددت لنا ذكرياتنا القديمة الحلوة التي اختزناها في ذواكرنا منذ أكثر من نصف قرن!
                              وإلى أن نلتقي مع قاصنا المبدع في إبداع أدبي أصيل نتمنى له ولسائر أدبائنا كل توفيق وسداد!

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #30
                                «النهر الغاضب» الجزء الثاني من رواية «نفق المنيرة»

                                الروائي المعروف حسني سيد لبيب.. أنهي الجزء الثاني من روايته "نفق المنيرة" التي صدر جزءها الأول منذ عامين عن هيئة الكتاب. اختار للرواية الجديدة اسم "النهر الغاضب". تتناول الرواية تطورات الحياة في منطقة المنيرة بإمبابة خلال العقود الماضية.
                                ...............................
                                *المساء ـ في 6/6/2009م.

                                تعليق

                                يعمل...
                                X