المجنون
" المجنون هو أبوك"... قالها العاقل يوما لزميل له أيام الدراسة . لكنه حين أدرك مغزى نعته بالجنون ، طابت نفسه وغمرتها سعادة لا توصف ، خاصة حين شاع أمره بين الخلان ووصل إلى مسامع معشوقته رغم حرصه على أن يظل سره مكتوما. إيه... ما أعذب تلك الأيام رغم عذابها... ليلى...كم من مرة تساءلت زوجته عن سرحرصه على تسمية باكورة زواجهما ليلى . وما أكثر ما تعجب الأهل والأصحاب من شدة تعلقه بها رغم ما كان يبدو منه من لهفة لازدياد صبي يحمل اسمه. فلا يملك إلا أن يبتسم ويشد على يدالصغيرة ليأخذها في جولة لا تعود منهاالا نائمة بين ذراعيه. يطوف بها المدينة العتيقة والحديثة دون أن ينسى المروربباب النوادر ويقترب من بوابة المعهد الديني سابقا ويتأمل في حسرة الساحة العريضة وقد تحولت إلى مرآب للسيارات ، ثم يعود أدراجه إلى بليونش استعدادا لصيد السمك.هناك ، يظل يتأمل جزيرته الوديعة على بعد أمتار حيث ترتع بعض عنزاته . يحس بحنين إلى الجزيرة و عشبها وصخورها... ولكن أنى له ذالك اليوم وبورقعة- يعني الإسبان- له بالمرصاد في الحل والترحال ؟ العاقل سئم من التجوال بالمدينة. لقد تغيرت كثيرا ، وشابها الغبار ، وغزتها وجوه لم يألفها من قبل. ولولا الصغيرة وولعها ب"الفرية" الموسمية لما عاد اليها... صارت غريبةعنه ،
ولم يعد يكتنفه ذاك الشعور بالألفة نحوها... بل إنها اليوم ترعبه وتسبب له كوابيس تنهال عليه كلما غادرها . فلا يرى نفسه الا غارقا في أكوام القمامة أو هاويا في أخاديد سحيقة،أومحاطا بمتسولين ومدمنين ومجانين ،أومطاردا من طرف مهربين ...حسبه قريته البحرية ، و جزيرته الهادئة . هي أيضا اسمها ليلى . هذا ما تعود سماعه هذة الأيام ، ليزيده شغفا بالإسم... وزميله الذي نعته يوما بالجنون ، صار اليوم مدرسا بسبتة ، وقد تورد خداه وجحظت عيناه واكتنز جسمه...
؟ Cerveza- ألا تشبع من
- ومن يشبع منها ؟... هل تعلم أنك وأمثالك النحفاء أولى بها مني ؟ لا تدع أنها حرام... قل لي، ما هي آخر أخبار جزيرتك وهل حقا منعتم من ولوجها ؟
- تسألني وأنت سيد مروجي الأخبار؟
يقهقه الآخر، وقبل أن يفترقا يعيد عليه نفس الأسطوانة :
- لا تنس أن اسم ليلى هو تحريف لكلمة " لا ايسلا "...وأن الإسبان يحذفون حرف "س" في كثير من العبارات ... على العموم ، الإسبان قوم ظرفاء... صدقني . لقد عاشرت منهم الكثيرين...
- شكرا لك على هذه المعلومات...مع أني أفضل ليلى على"المعدنوس"...
- كنت محقا يوم لقبتك بالمجنون ... وستظل طول عمرك مجنونا . بل وستزيدك الحريرة جنونا.
ويقهقه كما يفعل الإسبان، تماما .
ليلى تسير بجانبه. لايريد أن يخبرها أن هذه الجولة قد تكون الأخيرة . عفت نفسه المدينة وتاقت للهدوء . لكن سوء الحظ له بالمرصاد...الحوامات تجوب منطقته طولا وعرضا ، وتحط على الجزيرة مستفزة كبرياءه .
- الدنيا مقلوبة والعياذ بالله . كأننا في زمن الحرب. هكذا هم... ضعفاء مع أقرانهم ، أشداء معنا. ولكن اللوم علينا وعلى مسكنتنا...
ينظر إلى المتحادثين في لهفة لسماع مزيد من الأخبار...هل يستحيل عليه الآن فصاعدا ولوج الجزيرة ؟ ... الموت أهون عليه من ذلك .
- بابا ، أريد حلوى... انظر...هناك.
- لا ، ألا ترين الغبار والذباب ؟
هو يدرك أنها لن تنثني عن مطلبها، وأنه لن يلبث أن يستجيب لها .
- اسمعي ما يقوله أبوك... والا…
نظر إلى البائع بدهشة ثم التفت اليها :
- هل رأيت ؟...عمو لا يحب الأطفال العنيدين .
سكتت ليلى وغضت بصرها . ابتسم هو مجاملة للبائع الذي رد بابتسامة الظافر. لكن العاقل كان في قرارة نفسه ساخطا عليه. إنه لا يريد لأحد أن يوجه أمرا لليلى، فبالأحرى تأنيبها. فقر عزمه على شراء الحلوى ذاتها حالا ومن عند البائع نفسه. لكن ليلى تأبى تناولها من الرجل . هل أفزعها بغلظ صوته وكثافة شاربيه ؟
- لنعد ، فقد تأخر بنا الوقت .
ليلى عنيدة اليوم على غير عادتها . غا بت عنها الابتسامة طيلة النهار. وهو ينقبض لانقباضها وينزعج لانزعاجها ... ماالعمل لإرضائها الآن ؟ يخطو بضع خطوات فترفض السير معه وتتمنع ، بينما نحيبها يزداد فيشعربالقنوط.
- مالك ؟- قالها بحدة وهو ينحني قبالتها ويحدق فيها.
تنفجر ليلى باكية ، فيحار في أمرها . يتوقف بعض السواح الإسبان ... زوجان وابنتهما ينظرون إليهما ، فيبتسم . يجب أن يعلم هؤلاء أننا مثلهم في الرفق بالأطفال ، بل نفوقهم . اللعنة عليكم . ألا تتركون ليلى لحالها ؟
ولكن... ليلى كانت...ولم تبق . كانت بجانبه ، ويدها الصغيرة مندسة في راحته العريضة كالعصفور في عشه ، فانسلت بعنف . تولول بعض النسوة . ينظر إليهن في انزعاج ثم ، فاغرا فاه ، إلى الإسبان الثلاثة... فالحشد المحيط به ... وبائع الحلوى الذي يضرب كفا بكف ... وليلى ملقاة هناك . صاحب الدراجة النارية يلتفت يمينا ويسارا ، باحثا عن مهرب . لكن الأذرع تطوقه سادة أمامه المنافذ ، وقبضة فولاذية تطبق على ياقته .
- لاحول ولا قوة إلا بالله . كانت ضربة مميتة. هذه نتيجة العناد و الدلال .
- والتهور... يسوق دراجة نارية وهو لا يزال يحبو .
Qué tragedia … Pobrecita - (ياللمأساة .. المسكينة الصغيرة )
نظر إلى البائع ثم إلى الإسبان . عيناه تقدحان شررا :
- أنتم السبب ... أنتم السبب . كانت تريد حلوى ، فما شأنك أنت ؟ ... كنت أسألها عما بها ، فما دخلكم ؟ الويل لكم مني.
في ذالك المساء ، لم يعد العاقل ، ولا ليلى . وفي الأماسي التي تلت الحادثة ، تمتلئ ساحة النافورة - Plaza Primo – لعشاق اسبانيا و مولاي المهدي للآخرين . يمر العاقل بخطى حثيثة ويقف قبالة الكنيسة متأملا ساعتها وأجراسها ، ثم يقترب من المقهى المركزية . ينهض زميله في الدراسة ويضع يده على كتفه :
- كيف حالك اليوم ؟
- بخير .
- وليلى ؟
يجم قليلا ... ثم يهز كتفيه فائلا :
- كانت تحبني .
- واليوم ؟
- قتلوها... المجرم صاحب الدراجة وبائع الحلوئ .
- ليلى ؟ ... كيف ؟
- سلبوها مني...الإسبان الملاعين ... Hijos de- (أولاد ...)
" المجنون هو أبوك"... قالها العاقل يوما لزميل له أيام الدراسة . لكنه حين أدرك مغزى نعته بالجنون ، طابت نفسه وغمرتها سعادة لا توصف ، خاصة حين شاع أمره بين الخلان ووصل إلى مسامع معشوقته رغم حرصه على أن يظل سره مكتوما. إيه... ما أعذب تلك الأيام رغم عذابها... ليلى...كم من مرة تساءلت زوجته عن سرحرصه على تسمية باكورة زواجهما ليلى . وما أكثر ما تعجب الأهل والأصحاب من شدة تعلقه بها رغم ما كان يبدو منه من لهفة لازدياد صبي يحمل اسمه. فلا يملك إلا أن يبتسم ويشد على يدالصغيرة ليأخذها في جولة لا تعود منهاالا نائمة بين ذراعيه. يطوف بها المدينة العتيقة والحديثة دون أن ينسى المروربباب النوادر ويقترب من بوابة المعهد الديني سابقا ويتأمل في حسرة الساحة العريضة وقد تحولت إلى مرآب للسيارات ، ثم يعود أدراجه إلى بليونش استعدادا لصيد السمك.هناك ، يظل يتأمل جزيرته الوديعة على بعد أمتار حيث ترتع بعض عنزاته . يحس بحنين إلى الجزيرة و عشبها وصخورها... ولكن أنى له ذالك اليوم وبورقعة- يعني الإسبان- له بالمرصاد في الحل والترحال ؟ العاقل سئم من التجوال بالمدينة. لقد تغيرت كثيرا ، وشابها الغبار ، وغزتها وجوه لم يألفها من قبل. ولولا الصغيرة وولعها ب"الفرية" الموسمية لما عاد اليها... صارت غريبةعنه ،
ولم يعد يكتنفه ذاك الشعور بالألفة نحوها... بل إنها اليوم ترعبه وتسبب له كوابيس تنهال عليه كلما غادرها . فلا يرى نفسه الا غارقا في أكوام القمامة أو هاويا في أخاديد سحيقة،أومحاطا بمتسولين ومدمنين ومجانين ،أومطاردا من طرف مهربين ...حسبه قريته البحرية ، و جزيرته الهادئة . هي أيضا اسمها ليلى . هذا ما تعود سماعه هذة الأيام ، ليزيده شغفا بالإسم... وزميله الذي نعته يوما بالجنون ، صار اليوم مدرسا بسبتة ، وقد تورد خداه وجحظت عيناه واكتنز جسمه...
؟ Cerveza- ألا تشبع من
- ومن يشبع منها ؟... هل تعلم أنك وأمثالك النحفاء أولى بها مني ؟ لا تدع أنها حرام... قل لي، ما هي آخر أخبار جزيرتك وهل حقا منعتم من ولوجها ؟
- تسألني وأنت سيد مروجي الأخبار؟
يقهقه الآخر، وقبل أن يفترقا يعيد عليه نفس الأسطوانة :
- لا تنس أن اسم ليلى هو تحريف لكلمة " لا ايسلا "...وأن الإسبان يحذفون حرف "س" في كثير من العبارات ... على العموم ، الإسبان قوم ظرفاء... صدقني . لقد عاشرت منهم الكثيرين...
- شكرا لك على هذه المعلومات...مع أني أفضل ليلى على"المعدنوس"...
- كنت محقا يوم لقبتك بالمجنون ... وستظل طول عمرك مجنونا . بل وستزيدك الحريرة جنونا.
ويقهقه كما يفعل الإسبان، تماما .
ليلى تسير بجانبه. لايريد أن يخبرها أن هذه الجولة قد تكون الأخيرة . عفت نفسه المدينة وتاقت للهدوء . لكن سوء الحظ له بالمرصاد...الحوامات تجوب منطقته طولا وعرضا ، وتحط على الجزيرة مستفزة كبرياءه .
- الدنيا مقلوبة والعياذ بالله . كأننا في زمن الحرب. هكذا هم... ضعفاء مع أقرانهم ، أشداء معنا. ولكن اللوم علينا وعلى مسكنتنا...
ينظر إلى المتحادثين في لهفة لسماع مزيد من الأخبار...هل يستحيل عليه الآن فصاعدا ولوج الجزيرة ؟ ... الموت أهون عليه من ذلك .
- بابا ، أريد حلوى... انظر...هناك.
- لا ، ألا ترين الغبار والذباب ؟
هو يدرك أنها لن تنثني عن مطلبها، وأنه لن يلبث أن يستجيب لها .
- اسمعي ما يقوله أبوك... والا…
نظر إلى البائع بدهشة ثم التفت اليها :
- هل رأيت ؟...عمو لا يحب الأطفال العنيدين .
سكتت ليلى وغضت بصرها . ابتسم هو مجاملة للبائع الذي رد بابتسامة الظافر. لكن العاقل كان في قرارة نفسه ساخطا عليه. إنه لا يريد لأحد أن يوجه أمرا لليلى، فبالأحرى تأنيبها. فقر عزمه على شراء الحلوى ذاتها حالا ومن عند البائع نفسه. لكن ليلى تأبى تناولها من الرجل . هل أفزعها بغلظ صوته وكثافة شاربيه ؟
- لنعد ، فقد تأخر بنا الوقت .
ليلى عنيدة اليوم على غير عادتها . غا بت عنها الابتسامة طيلة النهار. وهو ينقبض لانقباضها وينزعج لانزعاجها ... ماالعمل لإرضائها الآن ؟ يخطو بضع خطوات فترفض السير معه وتتمنع ، بينما نحيبها يزداد فيشعربالقنوط.
- مالك ؟- قالها بحدة وهو ينحني قبالتها ويحدق فيها.
تنفجر ليلى باكية ، فيحار في أمرها . يتوقف بعض السواح الإسبان ... زوجان وابنتهما ينظرون إليهما ، فيبتسم . يجب أن يعلم هؤلاء أننا مثلهم في الرفق بالأطفال ، بل نفوقهم . اللعنة عليكم . ألا تتركون ليلى لحالها ؟
ولكن... ليلى كانت...ولم تبق . كانت بجانبه ، ويدها الصغيرة مندسة في راحته العريضة كالعصفور في عشه ، فانسلت بعنف . تولول بعض النسوة . ينظر إليهن في انزعاج ثم ، فاغرا فاه ، إلى الإسبان الثلاثة... فالحشد المحيط به ... وبائع الحلوى الذي يضرب كفا بكف ... وليلى ملقاة هناك . صاحب الدراجة النارية يلتفت يمينا ويسارا ، باحثا عن مهرب . لكن الأذرع تطوقه سادة أمامه المنافذ ، وقبضة فولاذية تطبق على ياقته .
- لاحول ولا قوة إلا بالله . كانت ضربة مميتة. هذه نتيجة العناد و الدلال .
- والتهور... يسوق دراجة نارية وهو لا يزال يحبو .
Qué tragedia … Pobrecita - (ياللمأساة .. المسكينة الصغيرة )
نظر إلى البائع ثم إلى الإسبان . عيناه تقدحان شررا :
- أنتم السبب ... أنتم السبب . كانت تريد حلوى ، فما شأنك أنت ؟ ... كنت أسألها عما بها ، فما دخلكم ؟ الويل لكم مني.
في ذالك المساء ، لم يعد العاقل ، ولا ليلى . وفي الأماسي التي تلت الحادثة ، تمتلئ ساحة النافورة - Plaza Primo – لعشاق اسبانيا و مولاي المهدي للآخرين . يمر العاقل بخطى حثيثة ويقف قبالة الكنيسة متأملا ساعتها وأجراسها ، ثم يقترب من المقهى المركزية . ينهض زميله في الدراسة ويضع يده على كتفه :
- كيف حالك اليوم ؟
- بخير .
- وليلى ؟
يجم قليلا ... ثم يهز كتفيه فائلا :
- كانت تحبني .
- واليوم ؟
- قتلوها... المجرم صاحب الدراجة وبائع الحلوئ .
- ليلى ؟ ... كيف ؟
- سلبوها مني...الإسبان الملاعين ... Hijos de- (أولاد ...)
تعليق