مذكرات الجندي المرقم 195635 *

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يحيى السماوي
    أديب وكاتب
    • 07-06-2007
    • 340

    مذكرات الجندي المرقم 195635 *

    (1)

    لم أكن أقصد إعلان العصيان على أبي، حين قررت اختيار اسم جديد لي، غير الاسم الذي اختاره لي يوم طردتني أمي من رحمها، لتستقبلني الأرض
    المفروشة بحصيرة من سعف نخلة بيتنا الطيني ، ومن ثم لأطلق أول صرخة بكاء .. فقد كان اسمي القديم جميلا حسب رأي معلم اللغة العربية ، لكونه ممنوعا من الصرف ، يدل ّ على عناد ٍ ـ وأنا صدقت رأيه متخذا منه ذريعة لعنادي الذي لم يكن يقل ّ عن عناد بغلٍ حَرون كتلك البغال التي كنا نستعين بها لنقل الماء من الوادي الى الربيئة في جبال كردستان .. بغال لها أرقام وهويات تماما مثلنا نحن جنود سرية الإنشاءات المستقلة السابعة ، والتي أمضيت فيها شهورا عديدة كبغل ٍ بشريّ ٍ أكمل دراسته الجامعية ـ قبل انتدابي منها للعمل مدرسا في اعدادية السماوة براتب جندي مكلف ، وهو عمل سأفقده نتيجة تقرير سريّ أعده أحد العاملين في" بورصة الحزب القائد " لينال ترقية حزبية .

    كنت سعيدا باسمي القديم الممنوع من الصرف .. أمّا وقد صرفتني الحكومة من الوظيفة ، وأصبح جسدي يُرفع ويُجرّ وينُصب حسب موقعه من معاونية أمن المدينة ، ومديرية استخبارات الحدود ، والإستخبارات العسكرية ، فقد ارتأيت تغيير اسمي القديم ، بآخرَ يقبل الحركات الإعرابية من رفع وضمّ ونصب وجرّ ، ليتحقق الإنسجام بين الوعاء والمادة .. أقصد بين جسدي واسمي ..

    اطلقت على نفسي اسم " مظلوم " وجهزت لي هوية مزورة .. حدث ذلك ، حين فرض عليّ استبدال بندقية كلاشينكوف صديئة وساحة تدريب ، بالطباشير والسبورة والصف المدرسي ... وبدلا مما كنت أقوم به من تقديم دروس نموذجية لمدرسات ومدرسي اللغة العربية حول طرق تدريس الادب والنحو ، صرت تلميذا لنائب العريف " حلبوص " وهو يعلمنا كل صباح كيفية تنظيف البندقية وتأدية التحية لضباط يستحقون الصفع على اليافوخ.

    أعطوني بدلة خاكية تتسع لشخصين سمينين ، وزوجين من جوارب سوداء كعباءة أمي ، أقل ّ خشونة من جلد قنفذ صغير .. ومن حسن حظي ـ وهو سيئ في الغالب ـ أنهم أعطوا زميلي وابن مدينتي " لطيف أبو الكبة " وكان ضخما مثل دبابة قديمة، بدلة لا تسع فخذا واحدا من فخذيه الممتلئين مثل جذع نخلة برحيّ هرمة ..كان لطيف غاية ً في الطيبة والنبل كأي قرويّ لم يحضر اجتماعا حزبيا ولم يكن يحلم بأكثر من دكان صغير يصنع منه مطعما للكبة ... ضحك كثيرا حتى دمعت عيناه حين رآني ضائعا داخل بدلتي العسكرية التي بدت وكأنها خيمة ، قبل أن أضحك بشكل أرعن وأنا أراه وقد فشل في إدخال فخذه البدين في بنطلون الخكي الخشن..

    وكما يتبادل أطفال القرى خيولهم الخشبية في لعبة " اللص والناطور " تبادلنا بدلتينا العسكريتين ، وأقسمنا على أن نبقى عنقودين يتدليان من غصن واحد ـ على الأقل خلال فترة وجودنا معا في معسكر التدريب .

    قد يعتقد أحد ما ، انّ البدلة الخاكية ، كانت حجر الأساس لعلاقتي الحميمة بلطيف أبو الكبة .. ومثل هذا الإعتقاد ليس صحيحا البتة .. فالذي ربطني بلطيف أبو الكبة ، هو المصير المشترك .. لا أقصد المصير الذي يطنب في الحديث عنه رئيس الحكومة والحزب في خطاباتهالتي كانت تثير قرفنا .. ولا أقصد المصير الذي تشيد به أغاني " فرقة الغالي "

    وافتتاحيات جريدة الثورة البغدادية التي كان أخي الصغير يأتي بها من مقهى الحارة لتمسح بها أمي زجاج نافذة حجرتها ... المصير الذي أعنيه ، هو، مصير " القصعة الواحدة " و " الصمونة الواحدة " و" التزوير المشترك لأوراق الإجازات الشهرية " ، لأن لطيف أبو الكبة لم يكن رصيفي في الفصيل العسكري فحسب ، إنما ولأن لنا هموما مشتركة باعتبارنا حطبا ً لموقد واحد ..

    وكما تتلازم الضفتان حول نهر واحد ، لازمني لطيف ، ولازمته طيلة خمسة وأربعين يوما ، هي مدة الدورة التدريبية في مدرسة مشاة الفرقة الاولى ، على مشارف مدينة الديوانية ...

    وكما أنه أتخمني بالكبة والخبز الحار ، فانني أتخمته بالإجازات المزورة ـ بل وأبديت له كرما كبيرا عندما علمته كيفية صنع ختم ٍ مشابه لختم وحدتنا العسكرية بواسطة رأس " بطاطا " مناسب بعد تقشيره وقطعه دائريا بآلة "آيس كريم " لم تكن تفارق حقيبتي .
    أكثر من ذلك ، أرشدته الى الفتحة المموهة التي أحدثتها في جدار الأسلاك الشائكة
    القريب من بساتين النخل .

    قلت إن لطيف كان ضخما مثل دبابة أو عربة " الزيل الروسية " .. وكنت نحيفا مثل عربة باعة الشلغم والبيض المسلوق .. . هو أسمر مثل رأس باذنجان منتفخ لم ينضج بعد ، وأنا أبيض مثل رأس " كوسة " قد نضج توّا ...

    وبقدر ما كان يضحكني بنكاته وحركات يديه و" عفاطه " ـ كإشارة منه الى موعد التعداد الصباحي ، فقد كان يزعجني ليلا إزعاجا مبالغا به ، ودون قصد منه ... فقد كنا نفترش بطانية واحدة ، ونلتحف باثنتين ، أما الرابعة ، فقد اتخذناها وسادة مشتركة ...

    وسبب انزعاجي منه ، هو أنه سرعان ما يستسلم للنوم ، بمجرد ملامسة رأسه تلك الوسادة الخشنة التي تنبعث منها رائحة تشبه رائحة التراب المخلوط بروث البقر ... أما أنا فقد كنت أشكو من أرق مزمن ، لازمني منذ أول قافلة صفعات و" جلاليق " أناخها ملاكمو أمن البلدة في واحات جسدي عام 1971 وها نحن الان في عام 1980 .. وأكثر ما يزعجني بلطيف ، ان أنفه يصدر ـ حين يغفو ـ أصواتا ً غليظة تشبه أصوات " بلدوزر"يحفر أرضا حجرية ... وبسبب شخيره ، كنت أضطر للنوم خلال الإستراحة اثناء التدريب الصباحي .. وهي فترات ـ على رغم قصرها ـ كانت كافية لاصطياد عصفور نعاس ، أحتفظ به تحت أجفاني مدة قد تصل الساعة أو الساعتين ، فأتخلف عن بقية الجنود المتدربين ، لأفاجأ بعد الظهيرة ، بالعريف " حلبوص " و قد أضاف اسمي إلى قائمة الغائبين ، فأنال عقوبتي ، ساعتين من الحراسة الليلية ... ويبدو انني استعذبت مثل هذه العقوبة ، فواصلت التخلف عن حضور فترات التدريب المسائي ، لأتمتع بأربع ساعات من الحراسة الليلية ، بعيدا عن شخير لطيف ، مستثمرا هدوء الليل لكتابة مقاطع شعرية ، أو الجلوس الى نافذة التأمل متابعا نوارس أمنياتي وهي تحلق في آفاق بعيدة ...

    في الحقيقة ، انني كنت أغفو أحيانا خلال فترات الحراسة تلك ... كنت أغفو واقفا مثل نخلة ، أو جالسا مثل دبٍّ جبليّ... لكنني كنت سريع الإستيقاظ .. حتى انني في أحدى المرات ، صحوت على صوت خفيض ، ظننته صوت حركة أقدام ضابط الخفارة الليلية ، فشهرت بندقيتي " وكانت فارغة طبعا " وصحت بقوة : قف ْ مكانك لا تتحرك ... أعطني " سرّ الليل " ... ثم سرعان ما ضحكت عندما اكتشفت أن الصوت كان وليد حركة حمار سائب ، وليس السيد ضابط الخفر ... " في الجبهة ، فيما بعد ، سأكتشف أن الكثير من الجنود كانوا يتمنون أن يتحولوا الى حمير سائبة لأيام قليلة كي يتحملوا عذاب حروب يخوضونها مرغمين وهم ينتظرون موتهم المؤجل .. أو يترقبون الإجازة الشهرية التي لن يلتحقوا بعدها بوحداتهم وخنادقهم ومتاريسهم ـ وأنا أحدهم ... فقد تمنيت يوما أن تكون لي سيقان غزال بريّ كي استطيع اللحاق بالسيد آمر السرية الثالثة الذي هرب بعجلة " الواز " ... حدث ذلك في شهر تموز من عام 1983 في معركة " الشلامجة " .. ففي ليل شديد الحرارة والرطوبة ، انهالت علينا القنابل الايرانية .. وكالعادة ، هرع كل منا الى جحره ـ عفوا أقصد ملجئه ـ والذي لم يكن غير حفرة صغيرة تشبه قبرا مفتوحا مهيّأ لاستقبال ضيفه الأبدي .. حفرة مسقوفة بالصفيح المغطى بأكياس الرمل او التراب ، وليس كملاجئ السادة آمر اللواء ومساعديه وآمري الكتائب ، المسقوفة بالخرسانة المسلحة والعوارض الخشبية الضخمة ، المضاءة والمكيفة أحيانا .. " بعد طول مراس وتجربة ، سنكتشف أن القصف لم يكن في أغلب الأحيان هجوما أو تمهيدا ً لهجوم ، إنما كان مجرد فعالية عسكرية يؤديها الطرفان كل ليل ، لإثبات أن الحرب ما تزال قائمة !!؟؟ لهذا كنت في بعض الأحيان لا أهرع الى الملجأ ـ لا شجاعة مني ، إنما ، ليقيني أن ملجئي كجندي ، لا يستطيع حمايتي لو سقطت عليه" بلوكة كونكريتية بحجم رأس رئيس العرفاء " سيد فاضل " الذي شتمني ببذاءة لا تخلو من طيبة وود ... ففي احدى فعاليات القصف الروتينية تلك ، هرع الجميع الى جحورهم ، اما أنا ، فبقيت واقفا كي أكمل سيجارتي التي أشعلتها توا ـ وكانت سيكارة نوع سومر ابو سن الطويل ـ عزّ عليّ رميها ... فاذا برئيس العرفاء الطيب سيد فاضل يصيح بي وبغضب : " يا حمار .. يا مطي .. شنو إنته أطرش ؟ ما تسمع القصف ؟ ادخل الملجأ من ضاع وجهك زمال "

    فأجبته : مولانا لا تخاف ... هذا مو قصف قنابل سيدنه ... هذا ضراط القائد المنصور
    " طبعا قلت هذه الجمل بصوت خفيض جدا لدرجة انني نفسي لم أسمع صوتي .. !!


    ليلة القصف تلك كانت من أطول الليالي التي عشتها ... لكنها ليست أطول من الليلة التي أمضيتها في سجن انضباط معسكر " قوات محمد القاسم " ...

    كنا قد انهينا فترة " التسمين " في مدرسة التدريب .. الفترة التي تقضيها الخِراف في الزرائب والمراعي قبل إرسالها للمسالخ .. عفوا ، أقصد ، بعد إكمالنا المنهج القرر ، في كيفية تنظيف البندقية والزحف على البطن ، والقفز كالقردة من فوق الموانع والحواجز الخشبية ، وكيفية صبغ البصطال ليغدو لامعا لمعان " أنواط الشجاعة " وطريقة تأدية التحية العسكرية للضباط ـ الضباط الذين كان أغلبهم يستحق الصفع على اليافوخ ـ وبعد أن حفظنا عن ظهر قلب مصطلحات مثل : الى الأمام سِرْ .. الى الوراء دُر ْ.. يمينا أنظر .. سلام خذ ْ ، وغيرها من جمل ومصطلحات لن تخرج من شفاهنا في المسالخ ، عفوا ، في جبهات القتال العبثي ومطاحن " قادسية طحيور " .. بعد اكمالنا تلك الفترة ، اعطونا إجازة لمدة ثلاثة أيام ، نزور خلالها عوائلنا وأهالينا ، ونزف لهم البشرى باننا سننال شرف المشاركة في قادسية طحيور .. حتى إذا انهينا الايام الثلاثة ، وجدنا أنفسنا ـ وقد امتلأت بنا ساحة العرضات ، موزعين الى مجموعات ، تحيط بنا أسيجة من جنود الإنضباط العسكري ، ومن ُثم ، لنحشر في سيارات النقل المعدة مسبقا ، دون أن يعرف أيٌّ منا الجهة المُقاد اليها ... فليس من حق الخراف اختيار المسلخ ، ولا حتى معرفة مكانه ... كل الذي عرفته ، ان رفيقي ورصيفي لطيف أبو الكبة ، لن يبعث به الى الجبهات ، والفضل في ذلك لا يعود الى دعاء أمه ، إنما لجبل اللحوم والشحوم التي يتكون منها جسده .. تعانقنا بود ّ ، ودسست في جيبه دستة كاملة من إجازات مزورة جاهزة للإستعمال ، وأخبرته عن المكان الذي أخفيت فيه قاطعة الأسلاك الشائكة ، فقد يحتاجها في حال اكتشاف الفتحة المموهة التي كنت ولطيف ونفر منتخب من الجنود " غير الأشاوس " نتسلل منها كلما دعتنا الحاجة ..وغالبا ما كانت تدعونا كل مساء ، لنتسرب عبرها الى نادي الموظفين ومطاعم الكباب والباجة ، أو السفر الى السماوة لنعود الى المعسكر فجرا ورائحة " الزحلاوي والمستكي " تفوح من أحشائنا على رغم ما نقضمه من الهيل والنعناع و البصل و الفجل .
    مظلوم لم يكن يقضم الهيل والنعناع والبصل والفجل ـ لأنه لم يكن يحب الزحلاوي والمستكي ، ولا حتى " ابو الكلبجة " الشهير ... فمذ منحته زوجه طفلة رائعة ، صار يذهب الى مسجد السوق الكبير ـ بعدما كان عطشة يقوده الى نادي المعلمين كل مساء .
    يقول مظلوم إنه لن ينسى ـ ما بقي حيّا ـ ذلك اليوم الذي أمضاه في سجن انضباط معسكر القاسم في منطقة الشعيبة الصحراوية في البصرة ..

    ولأنه خلال فترة التدريب ، ومن ثم في الجبهة ، كان يقفز كالنسناس ، مرة عبر الأسلاك الشائكة ، وأخرى من فوق الحواجز والموانع الخشبية ، ومرة من سيارات الزيل والإيفا وعربات الدرجة الثالثة من القطارات ، ومرات عديدة من سطح داره الى البستان عبر سطح الجيران كلما دهم بيته " زوار نصف الليل " .. فإنه ، حتى وهو يسرد مذكراته ، يمارس القفزوالإنتقال من موضع الى آخر دون ترتيب ، الأمر الذي يجعل حكاياه غير مترابطة أحيانا ، بل وغير منسقة ، فتبدو مثل قطيع ماعز ينحدر في واد ٍ عريض ٍ دون راع ٍ ... لا أدري لماذا يتذكر باستمرار تلك الليلة ، مع أنه عاش الكثير من الأيام والليالي التي كان فيها على بعد خطوات قليلة من حبل المشنقة أو التابوت ...منها مثلا ، ذلك الصباح الكئيب من يوم السابع والعشرين من شهر اذار عام الف وتسعمئة وواحد وتسعين ، عندما حال عامود الكهرباء دون وصول رصاصة القناص الى رأسه خلال قمع الإنتفاضة الشعبية .. والظهيرة التي اقتحم فيها " الأشاوس " بيته ، ليقفز كالقط من الطابق الثاني من بيته نحو البستان ، فيسلم ساقيه للريح مثل أرنب مذعور ، حتى إذا وصل قرية " سيد جبار " سيكتشف أن كسورا عدة في عظام يده اليسرى .. فيواصل رحلته نحو المجهول بيد نصف مشلولة ، لا يحمل غير مسدس وقنبلة يدوية ـ وهوية مزورة ، وجبل هائل من الرعب ، وقلق وحشيّ على مصير زوجته وطفليه الوديعين ...

    في ليلة ثلجية ، كان مظلوم يؤدي واجبه " الوطني " حارسا في باب " مفرزة التصليح الآلية " التابعة للواء السابع ـ حرس الحدود .. المفرزة عبارة عن ساحة مكشوفة مليئة بالعجلات العاطلة وآليات أخرى ، وقد بنى فيها منسوبوها الجنود غرفا من الصفيح ، وأخرى من طابوق اسمنتي صنعوه بانفسهم ، وحفروا فيها عددا من الملاجئ يهرعون اليها كلما نعقت صفارات الإنذار وهي تعلن عن زخة جديدة من مطر القنابل الإيرانية ... تقع المفرزة خلف " ملهى النصر" تماما ، في شارع الوطني في مدينة البصرة .. وأمام المفرزة تماما ، يقع فندق ـ ما عاد مظلوم يتذكر اسمه ... فندق لا ينام فيه سوى راقصات ونادلات الملهى ...ثمة فيه قاعة واسعة لتقديم المشروبات الكحولية ، مفتوحة الأبواب طيلة النهار وحتى آخر الليل .. " مظلوم متأكد من ذلك ، فكثيرا ما كان يتسلل اليها خلال حراسته الليلية ليملأ " الزمزمية " بسائل أبيض ذي رائحة كريهة يطلق عليه رفيقه جندي إحتياط معاون طبيب " ناظم البدران " مسمّى " حليب السباع " بينما مظلوم يطلق عليه مسمى " العسل المرّ " ... يقسم مظلوم أنه رأى بعينيه ضابطا برتبة نقيب يرتدي ملابس القوات الخاصة ينزل من الطابق العلوي ملطخ الفم بأحمر الشفاه ... بل ويقسم أنه قال للضابط ـ ودون ان يؤدي له التحية : " رجاء سيدي إغلق سحّاب بنطلونك حتى الفرس المجوس ما ياخذون نظرة موزينه على ملهى النصر " فكان جواب الضابط ـ حسب ما يزعم مظلوم ـ : " ولك ابن الكحبة ليش هي القادسية اشرف من ملهى النصر ؟ " ..

    في الليلة الثلجية تلك ، وكان الظلام شديدا ، سمع مظلوم صوتا يشبه صوت مزاريب السطوح وقت انهمار المطر .. وحين حدّق جيدا ، رأى عسكريا يتبوّل واقفا مثل كلب على مقربة من ا لملجأ المحاذي لورشة التصليح ... ولأن مظلوم قرويّ ، فقد صاح به : رجاء إرفع رجلك زين إذا تبول ...

    كان مظلوم يظن الذي يتبول ، كلبا آدميا ً.. وبحسب ثقافته القروية ، فالكلاب لا تتبول إلا واقفة ، رافعة أحد الساقين الخلفيين ......ثم ان مظلوم يعتقد أن للقبور حرمتها ، فلا يجوز التبول عليها او قربها ...هذا كل ما في الأمر ... مظلوم كان يعتقد أن جنديا من جنود وحدته هو الي أفرغ مياه مثانته قرب قبره الذي يطلق عليه اسم ملجأ ... لم يكن مظلوم يتوقع أن ذلك المتبول ، هو ضابط التوجيه السياسي لقوات محمد القاسم ، والذي ربما كان في زيارة أحد اصدقائه الضباط في مفرزة التصليح ، وربما في زيارة للواء ، وغالبا ما كان الزوار يتركون سياراتهم الفخمة في رحبة المفرزة ومن ثم تقلهم الى الجبهات سيارات عسكرية مموهة بالطين أو بشباك تشبه شباك صيادي الأسماك..

    تقدم الضابط من مظلوم وهو يطفح غضبا ... ومن سوء حظ مظلوم أنه لم يغلق راديو الترانزستور تلك اللحظة ، فقد كان مظلوم يستمع الى تقرير إخباري من إذاعة لندن حول معارك " الفاو " وما لحق بالجيش العراقي من خسائر جسيمة كان يمكن تلافيها لولا جهل ونرجسية القائد العام للقوات المسطحة .. عفوا ، القوات المسلحة ..

    " عميل .. خائن .. جبان .. لا بد من عقابك .. سافل عميل .." هكذا صرخ ضابط التوجيه السياسي بوجه مظلوم حين عرف انه كان يستمع الى إذاعة لندن .. ويبدو أن الضابط قد نجح في استفزاز مظلوم ، الذي أجابه بشئ من الغلظة : أطبق فتحة سروالك أولا ، واستعمل حفاظات بامبرز إذا كنت سريع التبول ...

    صحيح ان مظلوم يجنح الى الخبث أحيانا ، لكن الصحيح ايضا ، انه على قدر كبير من الطيبة والألفة .. فهو وإنْ كان خبيث القصد عندما طلب من المتبول رفع إحد ساقيه، إلا انه لم يكن يقصد إهانة المرسوم الجمهوري الي منح الضابط رتبته العسكرية ... ولم يكن يقصد إهانة بطاقة عضوية الحزب التي ما كان سيكون ضابطا للتوجيه السياسي لولاها ـ على رغم قناعة مظلوم أن بطاقة العضوية تلك لا تعدو كونها سُبّة وشتيمة لحامليها ، وبخاصة بعد نجاح " المهيب الركن الذي لم يدرس العلوم العسكرية ولو في ثكنة شرطة " بإفراغ الحزب من معانيه الوطنية والقومية والإنسانية ، ليغدو مجرد تابع من توابع سلطته وأداة من أدوات نرجسيته المنفلتة برعونة وحمق ..

    أزعم أنني أعرف " مظلوما " بشكل جيد ... انه عنيد كالبغل ..لكنه ايضا وديع كحمامة .. له قدرة على تحمل الضرب والصفع والركل والسياط والكيبلات ، وحتى العضّ والرفس والنطح دون أن يصرخ أو يتأوه ـ قدرة قد لا يملكها حمار ابن مدينته" حمادة العربنجي " ، لكنه في نفس الوقت ، يمكن أن تدمع عيناه لرؤية طفل حافي القدمين .. أزعم انني أعرفه تماما ... وبموجب هذه العرفة ، أقول جازما ، إنه كان يستمع الى إذاعة لندن " وإذاعات أجنبية أخرى " مع علمه أن هذا الاستماع ممنوع ـ لأنه كان شديد الكراهة للأناشيد التي تتحدث عن بطولات وهمية وانتصارات لا وجود لها إلآ داخل استوديوهات اذاعة صوت الجماهير واذاعة بغداد وفي أروقة الماخور الإعلامي الذي يشرف على إدارته غوبلز جديد في دولة رايخشتاغ القصر الجمهوري ببغداد ..

    لقد اعتقد مظلوم ان السيد ضابط التوجيه السياسي أراد من وراء اتهامه بتهمة العمالة ، الحصول على اعتذار يليق برتبته العسكرية ودرجته الحزبية .. ولقد اعتذر مظلوم حقا .. اعتذر صادقا ، وأقسم للضابط بالله وكتابه ، انه كان يعتقد ان المتبول هو نائب العريف " ناجي هجرس " أو الجندي المطوع " اسماعيل الفيترجي " الذي سبق وتبول واقفا قرب ملجأ الطباخين .. . أما أن يصبح الاستماع الى إذاعة لندن جريمة تصل حدّ الخيانة الوطنية والعمالة للأجنبي ، فأمر لم يكن مظلوم يتوقعه .. وها هو يتذكر ـ وأظنه سيبقى يتذكر ما بقي حيا ـ ذلك اليوم المرعب الذي امضاه في سجن الانضباط العسكري لقوات محمد القاسم ، ومن ثم ليرحّل في اليوم الثاني الى الاستخبارات العسكرية في بغداد ..
    ليصدمه سؤال المحقق : " مَنْ هم أعضاء الخلية الشيوعية التي تقودها في وحدتك العسكرية ؟"

    يومها فغرمظلوم فاهه ،وأجاب بصوت خفيض : " بكيفك سيدي .. انت اختار اللي يعجبك .. بس خلي بيهم كل الذين يبولون واقفين قرب الملاجئ "

    **


    لم يصدّق مظلوم عينيه حين رأى نفسه داخل سيارة لاندكروز وقد اجتازت بوابة رئاسة الاستخبارات العسكرية متجهة به نحو الشارع العام ... تساءل في سره:
    هل حقا كان المحقق صادقا عندما أخبرني انه متزوج من إحدى عوائل مدينة السماوة ـ وتحديدا من عائلة جارنا القديم " أبو شاكر " ؟ وهل حقا كانت رأفته بي ، إكراما لعائلة زوجته ؟ وإذا كان ذلك صحيحا فلماذا ترك مستخدميه يتدربون بجسدي على لعبتي الملاكمة وكرة القدم ، متخذين من وجهي سطلا للبصاق ومشجبا للصفعات ؟ لا ... لا يامظلوم، لا تصير غشيم ـ قال في نفسه ـ اليوم يشوون البصل على اذنك ... إي والله ... هو المحقق نفسه كاللي إعترف كبل ما ياخذونك ويشوون البصل على إذانك ... طيب ، بس ليش انطاني ورقة رابوط طبي بيها إجازة لمدة اسبوعين ؟ مو بس الإجازة ، لا ... فوكاها باكيت جكاير سومر أصلي ، وسيارة لاندكروز توصلني لكراج علاوي الحلة ّّّ؟؟؟ صحيح آني ما أكدر أمشي من الرضوض .. وصحيح خشمي مورم وأحس فد شي مثل القطار داخل إذني ، بس ليش ما تركني اطلع وحدي وأني آخذ تاكسي .. شنو يعني ما عندي فلوس ؟ لا عندي ... لا يامظلوم ، المسألة بيها سر .. إي والله بيها سر ... إلهي دخيلك .. انقذني هالمرّه ، وأعاهدك راح أصوم وأصلي وأترك كل السوالف المكسرة

    والموزينه .. انته ومروتك إلهي بس خلصني هالمره ، وشوفني شلون راح أصير .. آني دخيل عندك .. وانته تعرف هذوله اشلون سرسريه واولاد كلب .. !!! معقووووولة...؟؟؟

    المحقق بعد كل ذاك الدك والكتل والطحلات والراجديات والرفس والكيبل والتفال ، ينطيني إجازة لمدة اسبوعين وباكيت جكاير سومر أصلي ـ وفوكاها سيارة لاندكروز توصلني لباب كراج علاوي الحلة ؟ والله العظيم بس المطي يصدك ... لا يابا لا ..
    المسأله بيها سر ...

    استمر مظلوم في هذيانه وذهوله الصامتين ... وفكر مع نفسه بالقفز من السيارة حالما
    تسنح الفرصة المناسبة ... لكنه تذكر أن قدميه المتورمتين لن تساعدانه ... وحتى لو تساعدانه ، وبحسب خبرته ـ فالتعذيب سيكون أكثر قسوة في حال الإمساك بالهارب ..
    " لم يستبعد مظلوم احتمال أن يتعمد السائق توفير فرصة الهروب له كي يقتله برصاصة من مسدسه الواضح للعيان .. "
    حين عبرت السيارة جسر الاعظمية ، قال مظلوم للسائق :
    ـ من فضلك ، نزّلني قرب الجامع ... اريد أزور الإمام وأصلي صلاة المغرب ، وبعدين آني آخذ تاكسي للمحطة .. آني أرتاح للسفر بالقطار ...شكرا أغاتي ... نزّلني بباب الجامع .. جزاك الله ألف خير وكثّرْ امثالك .. يمّك عيوني يمّك ..
    ـ هاي شلك بيها يابه ؟ بيع شلغم على غيري ... ليش الشيوعيين يصلون ؟ بعدين إنته شيعي ، شنو علاقتك بالامام المعظم ؟ تبيع كلاوات علينه
    ـ يا أخي صدّكني .. والله العظيم آني أدوخ من السيارة ... وأريد أسافر بالقطار و.. أحلف بالقرآن العظيم آني مو شيوعي ولا عندي اية علا.....
    ـ إذن إنت بحزب الدعوة
    ـ سترك يا إلهي ... كلها ولا حزب الدعوة ... حزب الدعوة إعدام من غير سؤال وجواب ... لا أخي لا ... ابقى متهم بالشيوعية احسن ... شنو رأيك ؟
    ـ تريد أرجع بيك للمخبز ؟ إكرمنه بسكوتك وانجب ...
    ـ العفو أغاتي ... آسف ... ليش انتم تسمون رئاسة الاستخبارات المخبز ؟
    ـ إكرمنه بسكوتك وإنجب ... كافي لغوة ... بعدين مو تنسى وصية السيد المقدم ... انطاك إجازة اسبوعين ، تكظيها بالبيت ، اسبوعين ما يبقى بيك أي ورم ... خشمك يطيب .. والجرح اللي بكصتك يشفى .. بعدين تلتحق بوحدتك ... دير بالك تحجي زايد ناكص ..
    ـ واذا سألتني مرتي ؟
    ـ مو مشكلة .. تكدر تكول سكران وطحت ... سيارة دعمتني ... تعاركت بالكراج وبسطوني .. هذي مو صعبة عليك ... بس تعرف تصفط شعر خريطي .. ما لازم تكول سكران وطحت ... كول لعبت قمار وبسطوني
    ـ هاي العايزة ... انعم لله عليك .. تريد المره تطلب طلاقها مني .. لا أخي .. خليها سكران وطحت ، لو جماعة سرسرية دارو عليّ وبسطوني بالكراج.. هذا العذر أحسن .. وأشرف ... جانت عايزه والتمّت ْ .. قمرجي ..
    " وكما ينتبه الناطور بعد غفلة ، سأل مظلوم السائق باستغراب :
    ـ العفو أخي ، يعني المحقق يحمل رتبة مقدم ؟
    ـ ...............
    ـ مقدم مقدم ؟ زين ليش ما لابس الرتبة ؟
    " لم ينبس السائق بكلمة ، لكنه نظر بضجر الى مظلوم الذي استدرك قائلا :
    ـ والله ابن أوادم ...رؤوف ومتواضع ... ما كنت اتصور مقدم ... تواضعه مدهش ...
    تفضل سيكارة ... تفضل ارجوك ... شنو انته كاطع التدخين ؟ آني اتمنى أكطعه ... بس منين أجيب الإرادة ..ألعن اليوم اللي تعلمت بيه التدخين ..إي والله .. ما وراه غير الأذية وطياح الحظ
    ـ ليش طياح الحظ بس بالجكاير ؟ انته من زمان طايح حظك ... لو بيك خير جان بقيت مدرس ... قشمر ... حزب البعث سوّاكم أوادم ... خصوصا إنتم الشراكوة ... ربكم ودينكم الخميني ... ما تصير الكم جارة...إنزلْ.. هذا كراج السماوة ...
    ـ شكرا جدا ...آني هواية ممنون إلك ... ارجوك بلغ شكري للسيد المقدم ...
    ـ اطيني عرض اجتافك ... لا تطولها ... دير بالك زين ، تره هالمرة خلصت ، المرة الثانية إقرأ على نفسك الفاتحة ... وتذكر زين ، مانريد أي كلام زايد ناكص
    ـ اطمئن ... ثقة .. جماعة سرسرية بسطوني بالكراج ..
    .................................................. .........
    .................................................. .............
    .................................................. ................

    السائق الحاج كاظم وزير ،وقد رأى مظلوم كمن يمشي على مسامير، متورم الوجه :
    ـ استاذ ابو شيماء ؟ خير ما كو شي ؟ هاي شبيك ابني ؟
    ـ لا ما كو شي ... خبزوني الكواويد السرسرية السفلة بالاستخبارات العسكرية ـشششش ... دير بالك وليدي ... كفيلك الله والعباس ، نص سواق السيارات وكلاء أمن ومخابرات ... إصعد ونسولف بالطريق ... ليش أكو واحد ما يعرف هذولة الناقصين الذمة والضمير....سفلة مناو .......

    **************
    يزعم مظلوم أنّ له خبرة جيدة فيما يتعلق باستدعاءات الجنود والمراتب الى الاستخبارات العسكرية ... وبحسب خبرته المزعومة تلك ، يرى مظلوم انه إذا
    قامت الوحدة العسكرية بتسليم منسوبها كتابا مغلقا " سري للغاية " بدون "مأمور " يرافقه ، فذلك يعني أن المسألة لا تستوجب الخوف والقلق .. وكل ما سيجري ، هو ، تحقيق روتيني ، وربما التقاط صورة جديدة له ليزداد عدد صفحات " إضبارته " التي افتتِحت في مسقط رأسه ، ولن تُغلق قبل دخوله القبر .. أما إذا سُلِم الكتاب " السري للغاية " الى " مأمور يرافقه من الوحدة العسكرية الى رئاسة الاستخبارات في بغداد ، فالمسألة لن تخلو من " طقم متكامل من الصفع والرفس والنطح والكلام البذيئ " لكن هذا" الطقم " لن يقود الى الموت ، ولا الى عاهة مستديمة ... فالمو ت ، او العاهة المستديمة ستحصل إذا أرسلت رئاسة الاستخبارات العسكرية " مأمورا " منها ليصطحب الشخص المحدد مخفورا تطبق على يديه الجامعة الحديدية " كلبجة "

    لذا لم يقرأ مظلوم الفاتحة على روحه ، حين عرف أن الذي سيصطحبه الى " المخبز " هو جندي من جنود وحدته " وكان طيبا حقا لدرجة انه سمح لمظلوم بمهاتفة زوجته ، ومن ثم السماح له بزيارة بيت شقيقته في اليرموك ببغداد ليتناولا معا طعام الغداء " ....

    السائق الحاج " كاظم وزير " لم يكتف بإيصال مظلوم الى باب بيته فحسب ، إنما وحاول جاهدا اقناع مظلوم بعدم دفع الأجرة :

    ـ استاذ أبو شيماء ، أرجوك لا تطلع فلوس ... ارجوك ... يفيدنك للطبيب ... بعدين انت استاذ ابني " رفعت " .. وأبوك حجي عباس صديقي بالروح وحده
    درجع فلوسك الله يخليك
    ـ لا والله ما يصير ... لازم تاخذ ...آني حلفت ... انت هم صاحب عائلة وعلى باب الله
    ـ صدّكني آني جنت ناوي أرجع فارغ ...اليوم ماكو عبريّة ... يعني لو انت ما جاي وياي ، كنت آني ارجع بوحدي
    ـ ما قصّرت ... جزاك الله خير حجي .. هذي الاجرة وآني الممنون

    ـ بكيفك استاذ ... بس ارجوك ارجوك ارجوك لا تحجي ولا تسولف باللي صار ... تره هذوله سرسرية وما عندهم ضمير...كفيلك الله كاهم هتلية وجايفين .. الشريف بيهم خايس ... ليش هو منو اللي خبّلْ اخوي فاضل ؟ انت ابن السماوة وتعرف زين ...اخوي فاضل من أحسن المعلمين ... اخذوه شرطة الأمن شهر واحد ... أخذوه ليره ذهب ... وطلعوه مخبل ... دير بالك وليدي ... سلم لي على عيالك ...

    **

    استقبلته زوجته وثمة بقايا دموع بين الاجفان
    ـ الحمد لله ... صلوات على محمد وال محمد ...." وهي ترفع يديها صوب السماء " الهي انطيتني مرادي ... ليلة الجمعة اذبحلك الخروف ... وكل راتبي هذا الشهر لميثم التمار ... بعد عيني ميثم التمار ...
    ـ ام شيماء صيري عاقلة .. شنو اذبح خروف... شنو كل راتبك لميثم التمار ... ؟
    ـ انت ما عليك ... آني نذرت والله انطاني مرادي ... لازم اوفي النذر ..
    الحمد لله ... طلعت بيوم واحد ... كل مرّه تبقى ايام واسابيع ... والله يا ابو شيماء من الصبح ليهسّه وآني اصلي وأدعيلك ...خلصت كل أدعية الصحيفة السجّادية ... وقريت دعاء الشدّة والفَرَجْ خمسمرات ... والله انطاني مرادي ... الحمد لله والشكر ..الله فرجها بيوم واحد ...الحمد لله
    ـ بابا يا يوم واحد ؟ البسط اللي كانوا يبسطوني لمدة اسبوع ، بسطونياه بيوم واحد ... واذا ما ترضين ، أخذوا زيادة أكثر من عشرين راجدي وطحلة ...
    ـ الله لا ينطيهم ...إلهي أريدك تاخذ لي حوبتي منهم بحق النبي وال النبي ...
    ـ بسيطة بسيطة ... بس ماكو لا ذبح خروف ، ولا راتب الشهر لميثم التمار ... اللي يسمعك يتصور الحكومة عيّنتْني وزير التربية والتعليم ... شلون خبال ... كل راتب الشهر لميثم التمار ...ميثم التماّر على عيني وراسي ... هو هسّه بالجنة ... اللي بالجنة يحتاج فلوس ؟ ها .... يحتاج ؟ ما تحجين ؟ شيسوّي بالفلوس ؟ يدفعهن بخشيش حتى ما يروح جيش شعبي ؟ إذا لميثم التمار تنذرين خروف وراتب شهر ... شنو يكون النذر لو للعباس ؟ تنذرين البيت ؟ الحمد لله البيت للإيجار مو ملكنا ...
    ـ هاي اشبيك أكلتني حاصل فاصل ... الخروف من أبوي ...والرا
    ـ أعرف أعرف ... ميثم التمار يعرف ظروفنا ... والله سبحانه مسامح وكريم
    وما يرضى بالتبذير ... عندي حل ... نذبح دجاجة ... دجاجة آني آكلها ... على الأقل أقوّي جسمي للبسطة القادمة

    **

    " أم شيماء " ـ والحق يقال ـ إمرأة مفرطة الطيبة ... كانت إحدى طالبات مظلوم حين كان مدرسا في اعدادية السماوة...تحب الشعر وتحترم كل الشعراء ما عدا أولئك الذين أساؤوا لشرف الشعر بقصائدهم التي تمجّد " طحيور " و" قادسيته " ... هي ، وإن كانت حريصة على قراءة صحيفة " طريق الشعب " ومجلة " الثقافة الجديدة " إلا أنها لا يمكن أن تنام قبل قراءة دستة كاملة من أدعية " الصحيفة السجادية " ... وأما ليلة الجمعة ، فلا مناص من قراءة " دعاء كميل " أيا كانت مشاغلها ... تتمتع بصبر مذهل ، وتؤمن إيمانا مطلقا بالذي " مكتوب على الجبين وما تشوفه العين " ... فمثلا ، في صباح اليوم الثاني من زواجهما ، خرج مظلوم لاستئجار سيارة تقلهما الى البصرة لقضاء شهر العسل ...فإذا به يعود منتصف الليل متورم الوجه ـ رغم أن مفوض الأمن المدعو " علي ناصرية ـ ويبدو أنه كان بانتظاره مقابل البيت " أقسم له أن ضابط أمن البلدة لديه استفسار بسيط لن يستغرق أكثر من دقائق معدودة ...فاكتفت برفع يديها الى السماء مطلقة آهة وحشرجة ، ومن ثم ، لتقول : لا تهتم حبيبي ... هذي إرادة الله ... الله يريد يختبر عباده ... كول الحمد لله حتى تنحسب إلك حسنة ...

    **

    لم يكن " علي ناصرية " غير شرطي سكير نبذته مدينته وعشيرته ، فانتقل الى السماوة ،ليغدو بعد سنوات قليلة " عضو فرقة " في حزب " طحيور " مكافأة لما يتمتع به من قسوة في التعذيب ...له وجه لا يحتاج الى أكثر من عملية تجميل بسيطة ليصبح قردا ، لكنه يحتاج دورة تثقيفية لمدة عشرين عاما ليصبح حمارا ... هو الذي ابتكر طريقة التبول في فم الضحية ... طريقة لا تتطلب كثير عناء ... فقط : تكتيف يدَيْ الضحية الى الخلف ، وإغلاق منخريه لحمله على التنفس من فمه ، وحينها يجد البول طريقه نحو الفم ... ومع أن " علي ناصرية " لم يتبول في فم مظلوم ، إلا أن مظلوم ، في الإنتفاضة الشعبية ، أرسل أكثر من مجموعة قتالية للقبض على " علي ناصرية " و " ناجي حميد سراج " طالبا منهم عدم المساس بحياتيهما ... بل انه قال لهم سأقتل منْ يقتل هذين المجرمين .... فهما حصّتي وحدي .. " مظلوم كان هو الذي يحقق مع القتلة والمجرمين الذين وقعوا بأيدي المنتفضين " وقد يأتي على حكاية ـ ....... ـ الذي طلب منه مظلوم قضم نعل ٍ اسفنجي ، فامتثل لولا أنّ مظلوم عفا عنه ، بعد ان اعترف بأنه نفسه الذي ضربه بالنعل في مقر فرع المثنى لحزب طحيور ...

    ما يأسف له مظلوم ، ان " علي ناصرية " قد جيئ به في الرمق الاخير ، فنفق بعد دقائق وكانت ثيابه مبللة ببوله ... وأما " ناجي حميد سراج " فإنّ أهالي ضحاياه قد فرشوا بجسده الشارع قبل دفنه في حاوية القمامة أمام مدرسة الرشيد الابتدائية للبنين " حتى وهو ميت ممزق ، جاءت امرأة ورفست بقايا رأسه " .

    يقول مظلوم : إن ناجي حميد سراج هو السبب في فصلي من التدريس ، ولولاه لما ارتديت الخوذة والبدلة الخاكية طيلة سنوات قادسة طحيور ...وأما علي ناصرية ، فهو الذي جعلني أمضي نصف فترة شهر العسل في بيتي لا أقوى على المشي من سريري الى حجرة المكتبة .
    كل هذا وأنا الان جندي يُراد مني أن أقاتل دفاعا عن قاتلي ّّ...!





    (2)

    يقولون إن للإنسان حاسة سادسة .. قد يكون صحيحا بالنسبة للانسان المستظل أفياء إنسانيته في ظل نظام حكم ٍ إنساني ، غير أني ـ كجندي عراقي ـ لم أعد إنسانا ..الجنود ليسوا أكثر من وقود بشري لتلك المحارق الهستيرية التي تدعى الحرب ..لقد صادروا أنسانيتي منذ ارتديت بدلة الجندية ،لأغدو مجرد قطعة شطرنج تحركها يد لاعب مجنون .. لاعب ينظر الى العالم من فوّهة مسدسه الشخصي ، يرى الوطن كما لو أنه ضيعة ٌ من ضياع أسرته ، وأن كل مَنْ عليها هم عبيده ، يتحتم عليهم الإنحناء له ... إنه عصر " الإقطاع السياسي " .. فهو أكثر خطورة على الإنسان من"الإقطاع الزراعي " لأنه يُخِلّ بكرامة الإنسان وليس بحجم رغيف خبزه .
    في أول محاضرة ألقاها علينا العريف " حلبوص" قال إن اسماءنا الحقيقية المكتوبة في هوياتنا الشخصية ، باتت غير صالحة للإستعمال خلال الخدمة العسكرية .. سألته :
    ـ وماذا عن الأسماء غير الحقيقية في الهويات المزورة؟
    - امسحو بيها طيا .............؟؟
    وأردف مواصلا محاضرته :
    كل واحد يحفظ رقمه زين ....ارقامكم الموجودة بدفاتر الخدمة العسكرية هي اسماؤكم ...مفهوم ؟
    - مفهوم .


    أصبح اسمي الان : ج. ح. خ المرقم 195635 فأية حاسة سادسة تلك التي يتحدث عنها البعض ؟ من منكم سمع ان للحيوان حاسة سادسة ؟ لقد صادروا حواسي الخمس أساسا ، فكيف نبتت لي حاسة سادسة ؟
    نعم حيوان ...العريف حلبوص نفسه قال عني انني حيوان حين أجبته عن سؤاله :
    - تعرف شنو معنى ج . ح . خ ؟
    - نعم أعرف ... الجيم يعني جندي ... الحاء يعني إحتياط ...والخاء يعني " خَرَهْ "... (قلت خره مع أني أعرف أن الخاء تعني خرّيج الجامعة )
    - إنجب حيوان
    - إحترم نفسك عريفي .... آني مو حيوان... انت الحيوان ... إنت تعرف آني منو ؟ تعرف من هو والدي ؟ ولك آني ابن حجّي عباس ... اذا انت ما تعرف الناس ، روح إسأل ابوك ـ ولو ابوك حيوان مثلك ...آآآني ابن حجي عباس تكول علي ّ حيوان ؟ آخ لو يسمع حجي عباس ...( طبعا حلبوص لا يعرف أن الحاج عباس مجرد بقال يبيع البرتقال على أرصفة المدينة ، وقد سبق لشرطي الأمن علي ناصرية أن صفعه أمامي حين كنت موقوفا في معاونية شرطة الحي الجمهوري بأمر من محافظ المثنى حسن الشامي بسبب مقال نشرته في صحيفة طريق الشعب دعوت فيه الى غلق مدينة الملاهي والقمار التي أقامتها المحافظة في مركز الشباب ، ويبدو ان حلبوص اعتقد ان والدي لا يقل مكانة عند الحكومة من مكانة خير الله طلفاح ـ خال طحيور ووالد زوجته ..تحوّل لون وجه حلبوص من لون نحاس صديء الى لون يشبه صفار بيضة فاسدة ... فواصلت صراخي ) : ولك حلبوص آني حيوان ؟ ما لازم عشيرتي وحجي عباس ....آني مقاتل بجيش القادسية ...والله العظيم اذا أشتكي عليك عند السيد الرئيس القائد حفظه الله وطوّلْ عمره ويسمع انت قلت عن ابن حجي عباس حيوان، راح يعدمك ...إي نعم ..يعدمك .. كل شيء يهون عند الرئيس القائد ما عدا إهانة المواطن وخاصة المقاتل ..فكيف اذا على ابن حجي عباس ؟ ... لكن اطمئن .. ما راح اشتكي عليك ...إنت صاحب عائلة .. أطفالك شنو ذنبهم ... والله لو ما صاحب عائلة كان الان اذهب للسيد الرئيس واشتكي عليك ....آني حيوان ؟ آني ؟( ثم أضفت وأنا ألتفت الى بقية الجنود : الله يلعن الشيطان ...والله لو ما خطية ، هسّه اروح للسيد الرئيس ... ـ لطيف ابو الكبة عقب قائلا : لا ابو شيماء إمسحها بوجهي .. إحسبها عليّ وبعد ما يعيدها ... حلبوص خوش آدمي وما قاصدها ... يا الله .. هاآآآآ أها .. آني أبوس راسك بمكانه شتريد بعد ...المسامح كريم
    قلت للطيف ابو الكبة ـ وقد افتعلت الجد كاتما ضحكة مجنونة :
    اسامحه لخاطرك... الف عين لأجل عين تكرم ... لكن ارجوك لا تخبر أي إنسان ... دير بالك ... اذا وصل الخبر لوالدي معناها تشتعل نار البسوس وداحس والغبراء من جديد ...اذا سمعت العشيرة تعمل قادسية ثانية .. حقه ما يعرف عشيرة القعقاع والمثنى ابن حارثة الشيباني ...الرئيس القائد نفسه ما يخطب خطاب إلا ويذكر اسم جد والدي القعقاع ( ثم التفت الى حلبوص موجها له الكلام بعصبية ولكن دون صراخ ) : الحكومة أطلقت على مدينة السماوة وأقضيتها ونواحيها إسم محافظة المثنى تكريما للمثنى ابن حارثة الشيباني جد أمي..

    " حلبوص بان عليه الارتباك ...خِنَسْ ...صاموط لاموط ...في هذه اللحظة اكتشفت ان حلبوص ساذج وطيب القلب .... بل وغبي .. . عزت الدوري ما يكدر يقابل السيد الرئيس إلآ بالتواسيل .... آني أكدر أقابله ؟ هاي اشلون مشت عليك يا حلبوص ؟ والله العظيم يومين وآني ساكن مديرية التربية حتى اقابل المدير العام تاليها باليوم الثالث سمحو لي اقابل معاون المدير ... آني ابن حجّي عباس البقال أكدر أقابل السيد الرئيس ؟!!! وعليش يابه ؟ على حلبوص لأنْ شتمني وكاللي إنت حيوان !! لا لا .. آني طوّخِتها زايد .. هذي مو انسانية منك يا مظلوم ... شنو يعني لأنْ حلبوص مسكين وفقير ؟ ليش ما اعترضت على مدير الأمن بالسماوة لمّا سجنك يومين بالمرحاض ؟ نسيت يا مظلوم ؟ نسيت من طلعت بعد يومين حتى قميصك يعط ريحه خايسه ؟ إذا بيك خير اتناطح مع مدير الأمن ...مو هذا المسكين حلبوص ... حلبوص ايضا .. ... حيوان مثلك ...... أهيييييييييي يا ربي ... صدك لو كالو : أبوي ما يكدر إلآ على أمي ... وين كانت كرامتك لمّا هفّك " محمد حمزة الزبيدي " براجدي على وجهك بمقر فرع المثنى للحزب القائد ؟ نسيت يا مظلوم ؟ آني أذكرك : يوم اللي دَزْعليك للمقر لمّا كان أمين سر فرع المثنى وطلب منك المشاركة بقصيدة لمناسبة عيد ميلاد الرئيس ، وكان جوابك : والله استاذ ما اعرف اكتب غير شعر غزل ماجن وخمريات ... ها تذكرت مظلوم ؟ شنو يا با شنو ؟ تكول يا زبيدي يا بطيخ ؟ آني أذكْرَك ْ زين ْ ...... تذكر لمّا كنتم تشربون "قز القرط " بنادي المعلمين إنت و جبار عبد جاسم وعبد السادة حسين الحميدي وحمودي حذاف ويحيى جابر وفالح حسن كاندو .. وطلع الزبيدي بالتلفزيون يؤدي القسم أمام القائد كرئيس للوزراء ، صحت بصوت مسموع :إيْ والنِعِمْ ... الرجل المناسب في المكان المناسب ... عنده ضربة راجدي تشبه رفسة الحصان ... !!! ها مظلوم هسّه تذكرت ْ ؟ أذكرك بعد أكثر : تتذكر لمّا جاءك نقيب المعلمين " رحيم شاكر " وكاللك اذا ما تطلع من النادي الان أخابر عليك الأمن ؟ها .. تتذكر ؟ بس شفته راح للتلفون ، صحت على البوي " ميخا " دفعت حساب الجاجيك واللبلبي ونص بطل زحلاوي مع العلم بعده " صرمهر " ما شارب منه ولا حسوة ومن يومها ما وصلت نادي المعلمين إللي كان يسمح بدخول " الكاولية " بأمر محمد حمزة الزبيدي نفسه ذيج الأيام ؟ كافي عاد ... كافي ... كلمة حيوان بالجيش مثل الزلاطة ...ليش اللي يقاتل بحرب همجية عدوانية مو حيوان ؟ حيوان ونص ... مو بس انته حيوان ....حتى رئيس الأركان حيوان مثلك ... إيْ نعم حيوان مثلك ، والفرق بينك وبينه نوع " العَلَفْ " ونوع " الاسصطبل والزريبة " و" المعاش "... لا والله مو بس رئيس الاركان ، حتى رئيس الوزراء ورئيس المجلس الوطني واعضاء مجلس قيادة الثورة ... كلهم خرنكعية وخردوات بجيبه ... واحدهم ما يفتح فمه إلا عند طبيب الاسنان ...لا تغرّك الكشخة ...كلهم فاشوشي ...يطلعون حيفهم بالمساكين مثلك ومثل حلبوص ...... متعجب كالوله حيوان ... الله يساعد سمير الشيخلي .. عضو قيادة قطرية ووزير..دخل القصر الجمهوري نسى ينزع المسدس بباب الاستعلامات ، أكل طن جلاليق وراجديات وتفال من حرس الرئيس ... احمد ربك يا مظلوم على هاي النعمة الفضيلة ...... متعجب كالوله حيوان ... ؟ قندرة حلبوص تشرّف طحيور وحكومته بما فيهم وزير الاوقاف و الشؤون الدينية ..آني ما سامع وزير شؤون دينية يشرب عرك ويسهر للصبح عند الكاولية ..يلعب ريسز وصرمباره ، إي والله صرمباره .. إذا تدوّرْ عليه تلكاه العصر بشارع النهر لو بشارع 14 رمضان عيونه تزورك عالنسوان ... صابغ شعره أسود مثل الفحم ومطوّل زلوفه ..لابس قميص بنفسجي وجاكيت أخضر طوخ حتى يصير حلو مثل " آلا ن ديلون " ... ما يدري لاعب بخلقته وصاير مثل راس الباذنجان ... كلهم شواذي مابيهم حلو بس عبد الغني عبد الغفور اللي وجهه ينقط سخام مثل كفا قدر الهريسة ...استغفر الله لا اعتراض على خلقك ...سامحني يا ربي ... بيهم واحد ينطلع بيه ، لكن الطبيب مانعه من الابتسام الى يوم القيامة ...يمكن ما مبتسم حتى يوم عرسه ... وجهه سجن وكفاه مستشفى ....عيّنه طحيور قائد عام للجيش الشعبي ...أهييييه يا ربي ... يا هو الحلو عزت الدوري ؟ أشو ما يصلح لوظيفة شرطي تبليغات بالمحكمة الشرعية .. ما أدري اشلون يحمل رتبة فريق اول ركن .. حسبالك سلبوح ابو السيان ... لابس قوات خاصة .... بنتي من شافت صورته بالتلفزيون سألتني : بابا هو الجني اشلون شكله ؟ يعني مثل هذا ؟ عووووووع يخرّع ْ ..يلبس قوات خاصة ابو الذِِِِكن .. وجهه نصّه حلك ..كل عافيته بحلكه ... من يضحك شفايفه توصل لأذانه ...اشلون حلك .. حسبالك بالوعة .. تضيع بيه تريلة مرسيدس بكامل حمولتها .. بالله هذا حلك لو ملجأ قطارات ؟ لابس قوات خاصة السيبندي ... استغفرك يا ربي .. لا اعتراض على الخلقة ... إلك بيها إرادة لمّا خلقته مثل الشاذي ....آ آ تذكرت .. بيهم واحد حلو إسمه داود القيسي .. مطرب الحزب الرسمي ... يكولون مرّه من المرات كان يغني بنادي الصيد بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب ... وكانت الصالة مليانه بعوائل المسؤولين من ضمنهم عائلة طحيور ... زوجة طحيور ما كانت شايفه داود القيسي من قبل ... ولمّا طلع على المسرح حتى يغني ، ارسلت مرافقها الخاص للمشرفين على الحفل يخبرهم بأمر السيدة الاولى .... شنو هذا الأمر ؟ أن يغني داود القيسي من ورا الستارة ... يعني صوت من غير صورة ... تخاف على أطفالها يخترعون لو تصيبهم كآبة اذا شافوه ... حقها ... والله العظيم حقها ... آني رجّال شايف كل الضيم ولعبان النفس ولمّا شفت داود القيسي بمقهى القناديل بالصالحية ، غصّيت بالبيبسي وما كدرت أشربه.. الحمد لله ما شفته وآني بالمطعم اللي جنب المقهى .. المطعم اللي أكلت بيه باميا وتمّنْ قبل دخولي مقهى القناديل بربع ساعة ..
    العن ابوكم وابو حزبكم يا هتلية ... يريدون مظلوم يقاتل نيابة عنهم ... لا والله ما أقاتل ...يجي يوم وأفر من الجيش ..... إي نعم ...لازم أفر .... شنو اللي حصلته منكم غير البسط والتعذيب والفصل ؟ قدمت طلب على شقة من شقق البلدية للايجار ، تالي يرجع لي الطلب عليه توقيع مدير البلدية : لم تحصل الموافقة ... ليش يا با ؟ لأني ما منتمي للحزب القائد ... ثاني يوم ـ بعد شلعان الروح ـ قابلت امين سر فرع الحزب .. وعريضة الشقة بيدي ... كاللي ليش ما تنتمي للحزب وترتاح ؟ جاوبته : استاذ انت بنفسك قبل اسبوعين وصفتني سرسري وسافل ومنحط ... اشلون تطلب مني انتمي لحزبكم ؟ يعني حزبكم يقبل بانتماء السرسرية والسفلة والمنحطين ؟ بعدني ما أكملت سؤالي ، هفني براجدي ، واشتغلت الطحلات والجلاليق .. ما أدري منين طلعولي ... ولوني ولية مخانيث .... آني أقاتل نيابة عنكم بالجبهة ؟ لا والله ... لازم أفر

    ***


    أرجو ألآ يُفهم من كلامي هذا أن الجندية بمثابة اصطبل بشري ... انها مصنع الرجال حسب اعتقاد أبي رحمه الله في وصفه فترة خدمته العسكرية قبل عقود عديدة ... فقد كان للجندية قديما شرفها وتقاليدها وفروسيتها ...أما في زمن طحيور ، فإن لها عارها وفرائسيتها فأصبحت مهمة ووظيفة الجيش حماية السلطة وحراسة الرئيس وغلمانه وجواريه , وليس حماية الوطن ومواطنيه .. اصبح سورا للحاكم بأمره وليس سورا للوطن . .. وإلآ هل يعقل ان قادته لا يعرفون حقيقة ان طحيور هو الذي اوقد فتيل الحرب ضد ايران نيابة عن امريكا حين كان فتاها المدلل ؟ هل يعقل ان هؤلاء القادة لا يعلمون ان طحيور خصص لخبراء البنتاغون دار الضيافة رقم 7 داخل محيط القصر الجمهوري ؟ هل يعقل ان يعرف الجندي احتياط خره "مظلوم " بوجود الخبراء الامريكيين ، و هؤلاء القادة لا يعرفون ؟

    ولكي أكون منصفا ، فانني أعترف بأن للجندية بعض الفضائل ... فهي تعلمنا اشياء كثيرة لم نكن نعرفها ..فأنا مثلا كنت بحاجة الى دورة تدريبية مدّتها اسبوع كامل لأتعلم طريقة صبغ البصطال وتلميعه دون أن أدفع فلسا واحدا ...والى دورة تدريبية لمدة اسبوعين لأتعلم طريقة حلاقة لحيتي دون الاستعانة بمرآة ...ففي الاسبوع الثاني من خدمتي العسكرية صرت أحلق لحيتي وأنا مغمض العينين ... وأصبح بمقدوري تلميع بصطالي دون الحاجة الى دهان وفرشاة ... أذ يمكن في الحالات الطارئة والحرجة تلميع البصطال باستعمال " البيرية " وقليل من زيت الطبخ ...وأنا الذي ابتكرت لجنود مفرزة التصليح طريقة شرب الزحلاوي والمستكي والعصرية وبيرة فريدة ولاكر خلال الواجب الوطني " المقدس حسب تعبير طحيور " وأمام الضباط دون أن يشعروا .. خصوصا في الليل ...تتلخص الطريقة بوضع "حليب السباع او العسل المر " في الزمزمية المربوطة الى النطاق او الحزام والمخفية تحت القمصلة ، ومن ثم تهيئة متر واحد من سلك كهربائي سميك ، يوضع طرف منه في الزمزمية ـ بعد نزع الاسلاك المعدنية منه ـ ويُمَدّ الطرف الثاني من تحت القميص وصولا الى الياقة ليكون قريبا من الفم ، بعد ذلك يبدأ المص ـ حسب حاجة الجمجمة وحسب نوعية الواجب الوطني ... وأحيانا حسب كثافة القصف الذي لا يسمع دويّه طحيور وبقية افراد اسرته وغلمانهم وجواريهم وحاشيتهم ...قد لا اكون مبتكر هذه الطريقة في القوات المسطحة ... لكني بالتأكيد أول من ابتكرها لحل مشكلة " ابو مشتاق " في مفرزة تصليح أليات اللواء ، قبل شيوعها في بقية سرايا وكتائب اللواء ، ومن ثم وحدات اخرى جارة ’ قبل اكتشاف امرها ، فمنع علينا في المفرزة حمل الزمزمية في الليل خلال الواجب الوطني " المقدس حسب تعبير طحيور "


    شيء آخر تعلمناه في الجندية ، وهو : الكذب !!!
    ان الكذب هو الخيمة الكبيرة التي احتوتنا جميعا بدءً من ج ح خ ( جندي احتياط خره ) مظلوم ، وانتهاءٍ بالقائد الأعلى للقوات المسطحة ...كلنا كاذبون ...الجندي والآمر معا ....كلنا ندعي أمام المسؤولين الرغبة في نيل شرف الشهادة في جبهات القتال ’ بينما نحن ننتظر الإجازة الشهرية لنمارس هوايتنا داخل بيتنا بشتم طحيور والسخرية من قادسيته ...كلنا يتحدث في الشارع عن الانتصارات العظيمة المزعومة ، بينما نحن الشهود على هزائمنا النكراء ...
    وحين تقودنا الحكومة كالخراف للتظاهر في الشوارع والساحات العامة نصرخ " بالروح ..بالدم ..نفديك يا طحيور " فإننا أمام زوجاتنا ، نصبّ أمطار الشتيمة عليه ـ وقد نبصق على صورته في التلفزيون ..
    هاهو آمر لوائنا ، حين طلب منه قائد الفرقة الاستعداد لشن ّ هجوم معاكس ، يطلب منه الانتظار بعض الوقت زاعما ان نسبة هروب منتسبي لوائه بلغت خمسين بالمئة في حين كانت النسبة قد تجاوزت الثمانين بالمئة حسب اعتراف النقيب سلمان آمر سرية اللواء ...
    كانت القيادة العامة للقوات المسطحة ألأكثر كذبا بين كل الكذابين ... ومع ذلك ’ فإنها تعاقب بأشدّ العقوبات مَنْ يصدق أكاذيبها ويعمل وفقها :

    كان " محيسن معيوف "يقود سيارة الإسعاف وبداخلها ست جثث متفحمة ، لإيداعها في مركز إخلاء الخسائر في قاطع عمليات شرق البصرة ...
    انتبه محيسن الى البيان العسكري في نشرة أخبار الساعة الثامنة ، والذي جاء فيه ، ان خسائر الجيش العراقي في معارك يوم 21 ـ 7 ـ 83 كانت عطل دبابة واستشهاد جندي واحد ... التفت محيسن الى زميله "عواد كاظم" قائلا :
    ـ آنه أخو صبرية يا عواد ... القيادة تكول خسائرنا جندي واحد ... وسيارتنا بيها الان ستة... يعني الخمسة البقية من الفرس المجوس وإحنه ناقليهم بالغلط ...
    أجابه عواد :
    ـ يسلم لسانك يابو حمد ... احنه ناس ضعاف الحال .. ما بينا قوة وحيل للمشاكل والسؤال والجواب ... اذا عرفت الحكومة احنا ناقلين جنود ايرانيين ، تتهمنا بحزب الدعوة ... توكل على الله يا بو حمد وارمي خمس جثث.
    لم يبق ِ محيسن في السيارة غير جثة واحدة بعد ان رمى خمس جثث متفحمة خلف السدة الترابية على مشارف مدينة البصرة ..
    المحكمة العسكرية السابعة حكمت على محيسن وعواد بالسجن سبع سنوات بتهمة التقصير بالواجب !
    **

    يتمتع الجنود بحاسّة مذهلة في شمّ الأخبار ، أقوى بكثير من حاسة الشم ّ التي تتمتع بها قطط المطابخ .. فما إن سمعوا بخبر الهجوم المعاكس المرتقب ، حتى استعان عدد غير قليل منهم بالملابس المدنية المخفية ، ليتخذ طريقه نحو مدينة البصرة عبر البساتين والمسارب ، ومن ثم نحو المدن التي أدمنت المراثي .
    سأل " مظلوم " زميله علي الغانمي" وهو أيضا ج.ح.خ " يعني جندي احتياط خره ":
    ـ أبو حسين، كم طفل عندك ؟
    ـ آني ما متزوج ...واحتمال اموت وآني ما متزوج ..
    ـ معقولة ؟ والله متصورك متزوج ..إ شعجب ما مكمل نصف دينك لحد الان ؟ راسك مليان شيب .. شنو " الرميثة" ما بيها نسوان ؟ لا لا .. إنت غلطان .. لازم تتزوج وتشوف اطفالك .. الاطفال زينة الحياة الدنيا ..الله سبحانه هو اللي يكول المال والبنون زينة الحياة الدنيا ... طيب ، انت عندك مال ؟ أشو واضح عليك هلكان نكث . ..يعني لا مال ولا بنون .شنو عيني منتظر تستشهد وتتزوج وحدة من الحور العين بالجنة ؟ من يضمن انت تروح للجنة ؟ أشو إنت صلاة ما تصلي ..حتى بشهر رمضان تشرب جكاير.. تزوج أخي تزوج .. إذا ما عندك أحّدْ يخطب لك ، آني أخطبلك ... ما لازم آني ، أخوي زهير يخطب لك ... زهير وظيفته عالية والناس تحترمه ... زهير معاون محافظ الديوانية وكلمته مسموعة اكثر من المحافظ .. اليوم اذا طلعت وجبة الاجازات تعال وياي وآني أعرفك على اخوي زهير .. ما راح تخسر شي .. يجوز بالمستقبل يفيدك .. الامور كلها صارت بالواسطة ( في الحقيقة والواقع إن أخي زهير ليس موظفا ... انه صاحب محل لبيع اطارات وبطاريات السيارا ت ...لا يتورّع عن غش الزبون حتى لو كان عيسى بن مريم .. يعتبر الغشّ نوعا من الشطارة طالما يؤدي الى ربح وفير ، لا يحمل غير شهادة الابتدائية .. هو عبارة عن مستودع " للكلاوات والحيل والمكر" وهو هارب من الجيش حاليا )
    ـ ماكو إجازات اليوم ... الاجازات متوقفة .. والله يعلم اشوكت تنفتح ... يكولون أكو هجوم... الله الساتر .. منين إجتنه هاي البليّة .. صار لي ست اسابيع ما نازل اجازة
    ـ بشرفك ؟ ست اسابيع ؟ عفية عليك اشلون عندك صبر .. آني صار لي اسبوع من رجعت من الاجازة ، والان طالعة روحي ... متوقع اخوي زهير يتصل اليوم بالآمر حتى ينطيني إجازة
    ـ الاجازات متوقفة .. آني اليوم الصبح راجعت القلم وكالولي الاجازات متوقفة
    ـ ما ممكن ...لازم اسافر اليوم بالليل للسماوة قبل ما يصير الهجوم ... شكو عندي باقي هنا بالشلامجة ...اليوم الهجوم على " نهر جاسم " وبعد يومين ثلاثة على الشلامجة ...اروح للمستشفى العسكري بالبصرة ... ملازم أول طبيب " عقيل طاهر " كان من طلابي بالاعدادية بالسماوة ينطيني إجازة مرضية ... هوايه يحترمني ويريد خاطري ...كلما يشوفني يتوسل بيّ حتى ينطيني إجازة مرضية ، لكن آني ما أروح ، لأن اخوي زهير مكفيني ... قائد فرقة المقداد ـ الفرقة العاشرة ـ العميد الركن عبد الواحد شنان رباط صديق اخوي زهير بالروح وحدة ...يشربون سوا وياكلون سوا ويسافرون سوا ...طيزين ابفرد لباس ... آمر اللواء يحترمني ليس لأني شاعر وخريج جامعة .. لا والله ، يحترمني لعيون قائد الفرقة لأنه صديق اخوي زهير ...قبل شهرين سألت اخوي زهير: انت عندك علاقة مع العقيد فيصل السعدون ....؟ دائما يسألني عنك ويرسل لك سلام وياي .. فاجأني اخوي زهير لمّا سمعت جوابه ... كال لا ما شايفه ولا ملتقيه لكن الناس مصالح .. يجوز يعرف علاقتي الاخوية العميقة بنائب وزير الدفاع وبعبد الواحد شنان رباط وبعديلي وزير النفط ، ويريد يتقرّبْ مني بواسطتك لمصلحته الشخصية ... بالمناسبة ، اخوي زهير هو اللي نقل الطبيب عقيل طاهر من وحدة الميدان الطبية بديزفول داخل الاراضي الايرانية الى مستشفى البصرة العسكري .. واحتمال ينقله الى المستشفى العسكري بالسماوة
    ـ وصّيه بيّ استاذ ... ثواب إلك
    ـ ليش أوصيه ... تعال وياي اليوم وبيك خير وتتدلل .. واحلف بالقرآن آخذلك إجازة مرضية مثلي بالضبط .. شوف بعينك شلون يفرح من يشوفني ..
    ـ والله استاذ هذا فضلك ما أنساه طول عمري .... لكن اشلون نروح للبصرة وإحنه هنا بالشلامجة؟
    ـ بسيطة ... إنت كل يوم العصر تذهب للمقر الخلفي ترسل البريد ... صحيح لو لا ؟
    ـ صحيح
    ـ إذن ماكو مشكلة ... نذهب للمستشفى العسكري قبل ما نذهب للمقر الخلفي .. اطلع وحدك بالسيارة ، وآني انتظرك بالشارع الترابي مقابل مدخل بطرية الهاونات
    ـ والبريد ... والسيارة ؟
    ـ هذي ايضا مو مشكلة ... ملازم احمد بالمقر الخلفي صديقي .. نراويه الاجازة وهو يتكفل الباقي
    ـ الله يعطيك العافية ويحفظ جهالك ... فضلك ما انساه طول عمري

    كثافة القصف الايراني هذه الظهيرة تنبئ عن استعداد لهجوم وشيك .. رئيس عرفاء الوحدة أبلغ الجميع بحالة الإنذار القصوى ... حان وقت الغداء دون أن يجرأ أحد على الخروج من ملجئه .. اسماعيل الفيترجي رمى بنفسه داخل حفرتناالتي لاتتسع لأكثر من ثلاثة اشخاص...الملجأ أصبح مثل علبة سردين وقد ازدحم بسبعة جنود ..قلت لاسماعيل الفيترجي:
    ـ يا اخي ليش ما رحت لملجئك ؟
    أجابني وهو ما يزال يلهث :
    ـ ملجأنا بعيد ...
    ـ وين بعيد ؟ بالحلة ؟ ملجأ الفيترجية ورا ملجأنا تماما ...عشرين متر ويجوز أقل
    ـ ها ؟ صحيح ، لكن القصف رحت اجيب القصعة سيارة الواز كانت
    ـ اشبيك اخي ؟كمت تحجي خيطي بيطي.. قصف ..القصعة ..سيارة الواز... لا ترتبك ... الايرانيين ما يهجمون بالنهار ... يهجمون بالليل..
    ثم انت جندي مطوّع .. لازم تكون شجاع
    قال اسماعيل وقد استعاد بعض أنفاسه :
    ـ حقراء كذابين .. يخدعون الناس ... إنتم شايفين دولة تكذب على الناس ؟ بس آني حمار ... ليش اتطوعت بالجيش ... حيل وياي .. أولاد الكلب ينشرون اعلانات كلها كذب حتى يقشمرون الناس .. إجونا لثانوية 17تموز بمدينة الثورة ..آني كنت بالصف الرابع ثانوي ... القوا علينا محاضرة شطولها شعرضها .. كالو هاي فرصة ذهبية ... تتطوعون بالجيش لمدة خمس سنوات على قسم الهندسة ... اول سنتين تحصلون على سيارة برازيلي وقطعة أرض مع سلفة من غير فوائد تبنون بيها بيت الاحلام ...الراتب عالي اكثر من راتب مدير الناحية .. بعد الخمس سنوات تختارون بين التسريح من الجيش ومواصلة دراستكم بالجامعة التكنولوجية ، وبين البقاء برتبة ملازم مهندس ..." سكت لحظات ثم واصل حديثه ":
    ـ اولاد الكلب ...كذابين ... خمس سنوات !! صار لي عشر سنين بالجيش .. لا والله اكثر من عشر سنين ..... ولحد الان ما واصل نائب عريف ... خيط واحد ... بعد عشر سنين خيط واحد .. تُفْ على هذا الخيط ...ما أريده ... هاااااااااا أها .... شلعته .. شلعته ما اريد الخيط ...اذا كل عشر سنين خيط ، ينراد لي عمر نوح حتى اصير ملازم ثاني .....اخوات الكحبه كذابين ... خمس سنين وتصير ملازم مهندس ....تاليها كل عشر سنين خيط
    ـ والسيارة البرازيلي ؟وقطعة الارض والسلفة ؟
    ـ والله بايسكل ما انطوني ... يا سيارة يا قطعة ارض يا سلفة ...اخي كذابين سفلة يخدعون الناس... العن ابوهم وابو ابوهم ... كواويد ... راح يصير لي اهدعش سنة بالجيش بينما كاتبين بوثيقة التطوع خمس سنين ونتسرّح ... نتسرح وننقبل بالجامعة التكنولوجية من غير معدل .. رأسا من المعسكر للجامعة ... والله ما بيهم شريف ..لكن الذنب ذنبي ...آني حمار وصدّكتهم ... بس اروح اجازة بعد ما ارجع حتى لو يعدموني .... ما ارجع لو تنكلب الدنيا .. سفلة كذا........

    بم ... بم ... بم بم بم بم بمبمبمبم... و: ازداد هطول مطر القنابل ، وبدأت اجسادنا ترتجف مع اهتزاز الارض تحتنا ، لأجد اسماعيل الذي كان بباب الملجأ ، يطفو فوق رؤوسنا ببدلته الملطخة بزيت المحركات وبصطاله المليء بالوحل والطين وبرائحة جواربه الزنخة وهو يصرخ : سترك يا رب سترك يا رب .. ( ثم بصوت خفيض مرتعش لكنه مسموع ) : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ............... أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ...
    صرخ به علي الغانمي :
    ـ إبعِدْ بصطالك عن خشمي .. إقرا الفاتحة لكن بدون رفس ... شنو هالطركاعة السوده ... العن ابو الجيش ... آني ما أفتهم ... لو أفتهم كان أرسّبْ نفسي بالجامعة كل صف سنتين ثلاثة... ما أتخرّج إلآ تنتهي القادسية ( ثم وهو يوجه لي الحديث ) :
    إستاذ يمكن القصف شويّه خفْ ... ان شاء الله ساعة ساعتين ونروح نرسل البريد للمقر الخلفي ...ما نريد قصعة اليوم ... آني عازمك على كباب لو تشريب دجاج ... بكيفك .. اللي يعجبك استاذ.. آني عازمك
    على حسابي... أعرف مطعم كباب مقابل سوق حنّا الشيخ كبابه يخبّل ... ومطعم ثاني بساحة ام البروم يطبخ احسن تشريب وقوزي ... واذا يعجبك باجة وكراعين ، ناكل بساحة سعد .. باجة وكراعين وطرشي النجف... ها استاذ شنو رأيك ؟
    ـ هاي إشبيك ؟ وين أكو اجازات اليوم " وغمزت له بعيني ليسكت او يغيّر الحديث " فسكت ـ ولم يكن يعلم أنه سيهرب معي من الجيش بعد ساعات قليلة ، تاركا السيارة في محطة قطار البصرة ، بإجازة مزوّرة
    كمرافق للجريح ، الجندي احتياط خره " مظلوم " والذي كان يصرخ من ألم ٍ كاذب ، وقد بدت ساقه اليمنى مثل عامود من الجبس .. حتى ان جنديين من جنود مفرزة الانضباط العسكري في المحطة ، حملاه برفق لم يألفه ، وفرشا له سريرا واسعا في العربة .
    * *

    *(فصل من كتاب معد للطبع بنفس العنوان)
  • مريم محمود العلي
    أديب وكاتب
    • 16-05-2007
    • 594

    #2
    [align=center]مذكرات هذا الجندي هي مذكرات واقعية
    لكنه بعد تغير اسمه الى مظلوم
    أصبح انسان آخر
    لا أعتقد انه مظلوم
    ربما متمرد
    أو متمرس على امور يجب أن يقوم بها
    هذا يحدث كثيرا في الوحدات العسكرية
    كتزوير الاجازة
    والهروب عبر الاسلاك الشائكة
    *****
    الرواية أكيد ستكون ناجحة
    أهنئك
    وأحييك
    كل الشكر والتقدير لك
    تحياتي
    [/align]

    تعليق

    • يحيى السماوي
      أديب وكاتب
      • 07-06-2007
      • 340

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مريم محمود العلي مشاهدة المشاركة
      [align=center]مذكرات هذا الجندي هي مذكرات واقعية
      لكنه بعد تغير اسمه الى مظلوم
      أصبح انسان آخر
      لا أعتقد انه مظلوم
      ربما متمرد
      أو متمرس على امور يجب أن يقوم بها
      هذا يحدث كثيرا في الوحدات العسكرية
      كتزوير الاجازة
      والهروب عبر الاسلاك الشائكة
      *****
      الرواية أكيد ستكون ناجحة
      أهنئك
      وأحييك
      كل الشكر والتقدير لك
      تحياتي
      [/align]
      *****************

      شكرا لتحملك عناء التجول بين أشواكي ... مع تقديري وثنائي لفطنتك ... فما كتبه مظلوم ، كان والله حقيقة لوقائع عاشها وعايشها ، ولا فضل لخياله أو لغته في شيء ، لأنه كان مجرد مصور فوتوغرافي ، نقل الوقائع والاحداث نقلا مباشرا في دفاتر يومياته التي بلغ مجموعها ئلائة وعشرين دفترا ... دفاتر غدت الشاهد الحي على مقابر لأمنيات ذبيحة ، ومسالخ بشرية ، وثمة فيها وثائق عن ماكنة فرم اللحم البشري
      في وطن كانت كلمة الحرية فيه ، تقود اصحابها الى اقرب مركز للشرطة ( أعني شرطة الأمن وليس شرطة المرور )
      لك مني شكر الممتن .

      تعليق

      • ثروت الخرباوي
        أديب وقانوني
        • 16-05-2007
        • 865

        #4
        الأستاذ الشاعر والقاص القدير الكبير يحي السماوي

        كنت أظن أن عهد الكبار في القصة قد انتهى بموت يوسف إدريس .. فإذا بيننا روائي وقاص لايقل عن الكبار ويحمل فوق ذلك سمتا خاصا وتفوقا لغويا وقدرة فائقة مشوقة على السرد وبراعة عالية في تحريك الأحداث ورسم الشخصيات وربطها بالخط الرئيسي للقصة ..... ومع هذا وذاك فهو حكيم يمتلك الحكمة والبصيرة

        أنا سعيد بأن يكون يحي السماوي بيننا

        تعليق

        • مرام عبد الوهاب
          محظور
          • 16-05-2007
          • 64

          #5
          قرأت تلك القصة العظيمة على مدار يومين وقد أعجبتني جدا عشت مع البطل مظلوم كل لحظة مرت عليه وعشت مع شخصيات القصة ولكن بعض من الكلمات العامية لم افهم معناها ولكني حاولت أستنتاجها ... لكن حقيقي قصة لايكتبها إلا كاتب كبير

          تعليق

          • يحيى السماوي
            أديب وكاتب
            • 07-06-2007
            • 340

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة مرام مشاهدة المشاركة
            قرأت تلك القصة العظيمة على مدار يومين وقد أعجبتني جدا عشت مع البطل مظلوم كل لحظة مرت عليه وعشت مع شخصيات القصة ولكن بعض من الكلمات العامية لم افهم معناها ولكني حاولت أستنتاجها ... لكن حقيقي قصة لايكتبها إلا كاتب كبير
            *****************

            أسعدتني مشاعرك ، لأنها أكدت لي أن سطوري لم تكن عديمة الجدوى طالما أنها أسهمت في وضع وردة في مزهرية ذائقتك الادبية .

            شكرا ومحبة .

            تعليق

            • يحيى السماوي
              أديب وكاتب
              • 07-06-2007
              • 340

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ثروت الخرباوي مشاهدة المشاركة
              الأستاذ الشاعر والقاص القدير الكبير يحي السماوي

              كنت أظن أن عهد الكبار في القصة قد انتهى بموت يوسف إدريس .. فإذا بيننا روائي وقاص لايقل عن الكبار ويحمل فوق ذلك سمتا خاصا وتفوقا لغويا وقدرة فائقة مشوقة على السرد وبراعة عالية في تحريك الأحداث ورسم الشخصيات وربطها بالخط الرئيسي للقصة ..... ومع هذا وذاك فهو حكيم يمتلك الحكمة والبصيرة

              أنا سعيد بأن يكون يحي السماوي بيننا
              *****************

              اخي الشاعر العزيز ثروت الخرباوي : كثير علي هذا النهر من نميرك العذب ... لكنه قطعا سيدفعني الى غرس فسائل جديدة في واحتي المتواضعة ...

              دمت على قيد المحبة والشعر والإبداع يا صديقي .

              تعليق

              يعمل...
              X