الفخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هادي زاهر
    أديب وكاتب
    • 30-08-2008
    • 824

    الفخ

    بدا الغضب واضحا في قسمات وجه "عزرا" مسؤول المخابرات وهو يقول في توبيخ لم يخل من حدة!
    تعلمين جيدا ان مهمة كهذه من صميم عملك... واذا فشلت فان ذلك سوف يؤثر على مستقبلك في العمل ولا تنسَي انك تتقاضين اجرا مضاعفا عن عملك. نكست "افيفا" رأسها وهي تقول بصوت اسيف:
    - لقد بذلت قصارى جهدي ولكن دون جدوى...
    كانت قيادة المخابرات قد خلصت في احدى جلساتها الاسبوعية الى نتيجة مفادها "ان قيادة الجيش تبدي الكثير من التهاون واتاحتها الفرصة لعدد من الضباط الاغيار التقدم في رتبهم العسكرية، مما مهد الطريق امام احد هؤلاء الضباط الوصول الى القيادة العليا". الا ان قيادة الجيش رفضت التهمة مدعية بانها انما فعلت ذلك من اجل ذر الرماد في العيون امام الوسائل الاعلامية التي لا تفتأ تلصق تهمة العنصرية بهم...ولم يكن هذا التبرير مقنعا لقيادة المخابرات لانهم يرون بان ذلك قد أفسح المجال امام الاغيار للاطلاع على ادق التفاصيل السرية في امن الدولة وبالتالي قد يصبح من حقهم المشاركة في تقرير سياسة الدولة العليا وعليه فانه اذا لم يتم استدراك الامر فقد يستطيعون بعد حين ان يفعلوا ما تفعله جاليتنا الآن في الولايات المتحدة الامريكية، وغزر وجهة النظر هذه مسؤول آخر عندما قال: "الاغيار هم نوع من انواع المرتزقة، ولا امان للمرتزقة اينما كانوا، لان موقفهم اصلا ينبع من مصالحهم الخاصة، فاذا شعروا ان مصلحتهم تقتضي الانحياز الى الطرف الآخر فسينتقلون اليه. وهنا قد تحدث كارثة لانهم عرفوا من اين تؤكل الكتف. لذلك يجب التعامل معهم بحذر دائما للحد من تطلعاتهم وطموحهم، وعلينا ان نوجه اليهم صفعة بين الفينة والاخرى لكي لا يشمخوا بأنوفهم".
    وبعد نقاش طويل رأوا ان الحل الامثل هو العمل على احالتهم الى التقاعد المبكر بتقديم مغريات مادية وادبية للمتقاعدين منهم، مما يجعل الامر وكأنه قد تم بناء على رغباتهم. فالمادة رغم حاجتنا اليها، الا انها اهون الشرور. وبهذا الشكل نصطاد عصفورين بحجر واحد، التخلص منهم من جهة واسكات وسائل الاعلام من جهة ثانية، الا ان عددا منهم رفض العرض بما يشتمل عليه من اغراءات. وهنا كان لا بد من التحرك بسرعة للضرب تحت الحزام دون ان يترك ذلك آثارا سلبية، وعليه فقد تم تحديد عدد من الضباط ليكونوا كبش فداء، وكان على اولهم الضابط "حليم".
    وبسرعة صدرت الاوامر الى "افيفا" للعمل على ايقاعه بالفخ.. ولكي تكون قريبة منه تم نقلها الى المعسكر الذي يشرف عليه لتكون تحت إمرته، حتى تتمكن من البدء بتنفيذ الخطة بما عرف عنها من قدرة ومهارة. فقد كانت تقوم بكل ما يتطلب منها بصدر رحب ويساعدها في ذلك خفة ظل وجمال آسر ورغبة مجنونة منها للتفوق.
    وفي اليوم الاول لتسلمها عملها في المعسكر. وفي الوقت الذي بدأت فيه بتهيئة نفسها لتنفيذ الخطة بدأ الضباط والجنود في المعسكر يدورون من حولها، تدفعهم رغبة محمومة للظفر بها. واذا كان هذا ارضى غرورها، الا انه حمّلها اعباء اكثر.. انها لا تخفي سعادتها بذلك، ولكن ما العمل وهي في مهمة محددة، "حليم" هو الهدف، ولا احد غيره، وبدأت أخبار نشاطها ودأبها على العمل تصل اليه بشتى الطرق. فقرر اختيارها لتكون سكرتيرته الخاصة، فكانت سعادتها بذلك لا توصف.. ها هوذا اول الغيث... فالخطوة الاولى من الخطة قد نجحت وما ان دخلت مكتبه حتى بدأت بالخطوة الثانية فورا حتى لا تضيع الوقت.. بدأت تستعرض امامه جسدها الثائر، فهذه الابتسامة الصافية، والصدر المفتوح والملابس الضيقة التي تكشف عن ساقين ملفوفين.. وحركات الاغراء التي تجيدها فأخذت لا تترك فرصة دون ملامسة جسده او تمرير خديها المتوردين امام شفتيه. الا ان حليم لم يأبه لذلك كله. فلم يبد عليه اية تأثير او تأثر.. وعندما اخبرت بذلك عزرا، رد عليها بعصبية:
    - ان جمالك كفيل بتحريك الموتى، ام انك فقدت المواهب التي منحها لك الله.. كنت تحركين الاصنام، وها انت الآن عاجزة عن تحريك جسد من دم ولحم.. انا لا افهم هذا..
    فقالت افيفا بصوت بدا فيه شيء من الانهزام الممزوج بالغيظ:
    انني اطلب مشورتك.. انني اعرف بأنك ملك هذه الالعاب... أشر عليّ؟ لقد استعملت جميع وسائل الاغراء فلم يتحرك... تصنعت السقوط عن الكرسي اثناء اخراج احد الملفات عن الرفوف العالية.. وارتميت في احضانه، فكانت ردة فعله ان قال لي بشيء من التوبيخ: ألا تأخذين حذرك؟ احرصي على نفسك يا ابنتي..
    هز عزرا رأسه وقلب شفتيه وهو يقول:
    - غريب هذا الرجل الذي وقف لنا كالماء في الحلْق.
    ألا يمكن ان يكون لديه عجز جنسي؟ لقد اغتنمت فرصة شكره لي على المجهود الذي اقوم به وما كان مني الا ان شكرته بقبلة على شفتيه.. لقد كدت ارهص شفتيه بين شفتي فكانت ردة فعله الوحيدة بان قال لي: "انا احب ان اقدم الثناء للعاملين معي عندما ارى انهم مخلصون في عملهم" لقد اغاظني تصرفه كثيرا.
    فندّت ابتسامة من عيني عزرا اقل ان يجود بها وهو يقول:
    - ما دمت قد بدأت تشعرين بالغيظ منه فان هذا مؤشر جيد لاستنهاض همتك... واحب ان اؤكد.. ان كل التقارير الموجودة لدينا تشير بانه سليم وانه لا يعاني من أي عجز.. لكن هناك فكرة.. لم لا تدعينه الى منزلك وهناك نستطيع ان نحصل له على بعض الصور التي تعرفين كيف تكون...
    - "المصيبة ان المعسكر كله يجري خلفي" علي ان اخترع مناسبة لدعوته الى المنزل.. سوف ادعُ الامر لوقته..
    - انت حرة في تصرفاتك معه. ولكن ما يهمني فقط هو النتائج.. ولكن مهلا.. أعلم بأن هناك رحلة استجمامية للضباط وسيكون المبيت فيها في احد الفنادق، وهناك عليك ان تحفظيه جيدا، من رأسه حتى قدميه. فند نزوله الى بركة السباحة، انتبهي الى أي علامة فارقة في جسده.. فقد يفيدنا ذلك كثيرا.
    - هناك شامة في اسفل ظهره، اشاهدها عندما ينحني ويرتفع قميصه.. انها كبيرة.
    - رائع جدا ولكنها ليست بالدليل الكافي. عليك ان تشاهدي علامة في موقع حساس اكثر وهو يسبح. وبعدها ستكون فرصتنا ذهبية بالادلة الواضحة.. وعندما ترفعين عليه دعوى بتهمة الاغتصاب. ونحن نتكفل بباقي الامور، سوف نعمل على اذلال كل من حوله. لن ندع معنوياتهم ترتفع ابدا، خاصة وهم يعتقدون بأنهم قاموا باعمال بطولية في سبيلنا. في حين انهم مجرد مرتزقة... سوف نشغل الرأي العام بقضية الاغتصاب.. امور كثيرة يجب ان نشغل الناس عنها. فلا تستخفّي بدورك.. يجب ان تؤمني بمدى أهميتك في هذه العملية.. وانت سوف تنجحين.. امور كثيرة مرتبطة بمدى نجاحك في هذه العملية. وكلها تصب في مصلحة الدولة، يجب ان لا تغفلي عن ذلك.
    وتتنهد افيفا بارتياح/ ثم هزّت رأسها وهي تقول:
    اني اعي دوري جيدا. لن اسمح له بان يهزم ارادة الانتصار عندي. ثم غادرت مكتب عزرا وهي تردد لنفسها "سوف تعلم من تكون افيفا يا حليم... سوف ترى ارادة من منا ستنتصر".
    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "
  • على جاسم
    أديب وكاتب
    • 05-06-2007
    • 3216

    #2
    السلام عليكم

    مرور أول على أمل أن تقوم بتصحيح بعض الأخطاء والتي سببها الكيبورد

    ومثال على ذلك وضع الهمزة

    تقديري لك أستاذ هادي

    ولي عودة إن شاء الله
    عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً ... في ظِلّ شاهقّةِ القُصور ِ
    يَسعى عَليك بِما اشتهْيتَ ... لَدى الرَّواح ِ أوِ البكور ِ
    فإذا النّفوس تَغرغَرتْ ... في ظلّ حَشرجَةِ الصدورِ
    فهُنالكَ تَعلَم مُوقِناَ .. ما كُنْتَ إلاََّ في غُرُور ِ​

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      الاستاذ هادي زاهر

      قصة تتكلم عن أساليب التحقير لكيان المرأة واستخدامها في مهامها التابعة لإجهاض أي قوة خيّرة والإيقاع بالهمم العالية
      اسلوب سهل وبسيط

      تحية ود وتقدير
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        قلمك يدهشنى فى كل مرة ، ليس لغرابة ما تكتب ، وذهابك إلى مواضيع غريبة لا يتطرق إليها أحد ، و لكن لتحكمك ، و قدراتك فى تسيير دفة القص حسب ما تشاء .. و فنيتك العالية فى التهادى فى اللحن حتى الوصول إلى نقطة الختام !

        صديقى أمتعتنى بالفعل لكل هذا .. غرابة ما تطرح .. و إصرارك على الخوض فى هذه المناطق المجهولة ، و التى أراها الآن نوعا من النضال ، و المشاكسة ، و اللعب على أوتار هؤلاء ، الذين نبغض ، كما نبغض أساليبهم الرخيصة و الجهنمية فى ذات الوقت !!

        كن بخير صديقى ، و هنيئا لنا بقراءتك
        تحيتى و تقديرى
        sigpic

        تعليق

        • هادي زاهر
          أديب وكاتب
          • 30-08-2008
          • 824

          #5
          رد

          أخي العزيز علي جاسم
          يهمني جداً معرفة وجهة نظرك، وخاصة الاشارة إلى مواطن الضعف
          محبتي
          هادي زاهر
          " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

          تعليق

          • هادي زاهر
            أديب وكاتب
            • 30-08-2008
            • 824

            #6
            تعقيب

            اختي الكاتبة مها صالح
            الله يسمحك، هناك تجني في تعليقك، فالقصة تصورالاساليب الحقيرة التي ينتهجها الاحتلال وهي اساليب معروفة
            محبتي
            هادي زاهر
            " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

            تعليق

            • هادي زاهر
              أديب وكاتب
              • 30-08-2008
              • 824

              #7
              تعقيب

              أخي الكاتب العزيز ربيع عقب الباب
              الحقيقة هي اني احاول ان اكتب دائماً حول مواضيع لم تطرق وهناك من يعتقد انها غير موجودة؟!!!!
              واعتقد بان احد الاسس المهمة في عملية الابداع الادبي ، التطرق إلى مواضيع لم تطرق
              اخي ربيع ان تقيمك لقصصي يسعدني ويشرفني وفي نيتي اصدار مجموعة قصصية جديدة وبودي ان اقتبس مما كتبت وادونها على خلفية المجموعة فهل تأذن لي ؟
              بالنسبة للمشاكسة فقد كلفتني الطرد من العمل واغلاق مصادر الرزق امامي وانا على علم بان لكل موقف ثمن على امل ان ياتي اليوم الذي لا نكون فيه مجرد الضحية
              محبتي
              هادي زاهر
              " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

              تعليق

              • هادي زاهر
                أديب وكاتب
                • 30-08-2008
                • 824

                #8
                تعقيب

                اختي الكاتبة مها راجح
                انتظري..؟!
                محبتي
                هادي زاهر
                " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  الزميل والصديق العزيز
                  هادي زاهر
                  كما هو الحال معك دوما
                  تحارب وعلى طريقتك وأسلوبك الذي عهدته فيك
                  تقاوم
                  تقاتل
                  تفضح
                  من أجل أن تصل الحقيقة لكل من غابت عنه
                  جميل هنا ماسطر قلمك من خدع وأساليب رخيصة يستخدمها العدو في سبيل الإنقضاض على الصالحين.
                  والحق ينتصر دوما وإن طال الزمن..أو كثر الخونة.
                  تستحق النجوم الخمسة زميلي
                  ولك كل الود مني أيها النبيل
                  بعثت لك من كل قلبي نسمات رافدينية
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • العربي الكحلي
                    عضو الملتقى
                    • 04-05-2009
                    • 175

                    #10
                    [align=justify][/align]أخي هادي زاهر: ليس من السهل الخوض في مثل هذه المواضيع التي تتطلب دراية وبحثا وجهد كبير . وان لملمة مثل هذا الموضوع هو قمة اللذة و المتعة التي تحملها إلى القارئ عل طبق من ذهب
                    حتى وان كان ما في هذا طبق فضح مؤامرات استعملت فيها المرأة رمز الجمال والحنان يردون تحويلها إلى ثعبان.
                    أخي، حتى لا أطيل كان إبداعا بما في الكلمة من معنى دمت مبدعا وقاصا.
                    تنقل معاناة الآخرين في قالب فني رائع .
                    وفقك الله وسدد خطاك . وأقول لأحد الإخوة سبق رده على إبداعك الرائع:
                    - لا ((ترى الشوك في الورود وتعمى ***أن ترى فوقها الندى إكليلا))
                    [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
                    وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
                    [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

                    تعليق

                    • هادي زاهر
                      أديب وكاتب
                      • 30-08-2008
                      • 824

                      #11
                      تعقيب

                      الاخت العزيزة عائدة
                      عندما يطول الوقت دون تسجيل تعقيبك اشعر بالنقص؟!!
                      محبتي
                      هادي زاهر
                      " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                      تعليق

                      • هادي زاهر
                        أديب وكاتب
                        • 30-08-2008
                        • 824

                        #12
                        رد

                        أخي العربي الكحالي
                        سعادة كبيرة أضفاها تعليقك علي هذا اليوم
                        محبيتي
                        هادي زاهر
                        " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                        تعليق

                        • هادي زاهر
                          أديب وكاتب
                          • 30-08-2008
                          • 824

                          #13
                          تعقيب جديد

                          أختي الكاتبة العزيزة مها راجح
                          كرمال عيونك أنشر قصة تتحدث عن دور المرأة المناضلة في الجولان السوري المحتل واستشهاد غالية فرحات
                          محبتي
                          هادي زاهر
                          " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                          تعليق

                          • هادي زاهر
                            أديب وكاتب
                            • 30-08-2008
                            • 824

                            #14
                            الغالية

                            الغالية
                            كانت إمارات الجزع بادية على وجه السيدة "غالية" التي جلست في غرفتها على كرسي بالقرب من النافذة المطلة على الساحة المركزية للقرية، كانت ترقب الوضع في الساحة بعينين شاع فيهما القلق والتوجس والخوف وهي لا تفتأ تردد: "الله يستر".

                            بدأ السكان يتجمعون.. عقارب الساعة تقترب حثيثا من الثالثة عصرا، ومع تكاثر السكان كانت نبضات قلبها تزداد..بدأ جبينها ينز خيوطا مالحة، تنزلق نحو عينيها، فتقوم بمسحها بين الفينة والأخرى مخلفة حرقةً في عينيها. لم يستوعب المكان جمهور المتوافدين الذين أخذوا يتوزعون على الشوارع المتفرعة من الساحة.. وعدد من الشباب كانوا يحملون العلم بعزيمة وكبرياء، والسيدة غالية لا تكاد تستقر فوق كرسيها، وهي ترقب الوضع بقلق شديد.. ألقت نظرة على الساعة المعلقة على الحائط.. خمس دقائق فقط تفصل الجمهور عن ساعة الانطلاق، فازداد توترها وانزعاجها، وقفت أخذت تجوب غرفتها بخطوات عصبية، شاهدت من نافذتها ذلك الانتشار المكثف للجيش، قالت لنفسها: "لن يمر هذا اليوم على خير، إن الشباب متحمسون ولن يرحمهم العسكر.. دعهم يعيشون يا رب ولتكن الشهادة لي".

                            أزفت الساعة وانطلقت المسيرة.. احتارت السيدة غالية في أمرها... وعادت تحدث نفسها: "ماذا يمكنني أن أقدم؟ ماذا يمكن لمن هي في مثل سني أن تفعل؟.. لن أترك الأولاد فريسة للعسكر مهما كلفني الأمر.. إني أرى الشر في عيون الجنود".

                            وبحركة تنم عن قرار مفاجئ فيه تصميم، غادرت الغرفة. توجهت إلى المخزن، لحظات حتى خرجت تحمل كيساً منتفخاً ثمّ انسابت بين الجموع المحتشدة، اعتقد العسكر بأن إرادة السكان على سفح الجبل كالمياه المتجمدة فوقه من الصقيع، ما أن يمسها لهيب ظهرهم حتى تذوب كما تذيب أشعة الشمس الذهبية الثلوج لتجري مياهها رقراقة نحو البحيرة، ولكن الأهل الرافضين للهوية الغازية استمدوا صلابتهم وقوة إرادتهم من شموخ الجبل وصخوره الصلبة. نشروا بينهم بعضا من اشتروهم لعلهم يحدثون شرخا في الإرادة الجماعية، قالوا: "إن المياه عندما تدخل بين الشقوق ستعمل على سرعة إذابة الثلج"، ولكن الأهالي ازدادوا لحمة ولفظوا المندسين، وجاء الرد قاسياً: "إن من يخرج عن الإجماع يدفن كالجيفة.. بدون صلاة، وبدون مشاركة حتى أقرب المقربين إليه في جنازته". وأعلنت الصبايا رفضهن الاقتران بالخارجين عن الإجماع.."هذا يحمل هويتهم بعيد السامعين، بصقة لا يستحق نظرة". من فترة ماتت عجوز غُرر بها فلم يقم لها عزاء رغم عمرها المديد، ومات واحد ممن انزلقوا مستغلا كبر سنه فقام بدفنه أحد أبنائه ورفضت الأسرة حتى إلقاء نظرة الوداع الأخير عليه أو تقبل التعازي فيه.

                            بدأ الجمهور يصرخ بصوت هادر: "مش ناقصنا هوية هويتنا عربية سورية" و "يا عروبة ثوري ثوري، الجولان عربي سوري".

                            كان الصوت قوياً هادراً وحاداً ليسمع الصم والبكم إلاّ العروبة التي لم تعد تسمع أو ترى إذ واصلت سباتها العميق السحيق المقيت المميت، لقد استرخت وخلدت إلى الراحة، وتركت الهضبة أسيرة مع شقيقها الأقصى المبارك، فأدرك السكان أن عليهم أن يكونوا الحراس الأمنيين عليها، وإن قدرهم أن يقوموا بالعبء عن الأمة كلها.

                            واشتد الحماس، فقرر الجيش أن يضع حداً لصلابة هذا الشعب الذي يدافع عن حقه المقدس، كان الغزاة يرون فيه شعباً لا قيمة له كي يستحق الحياة. قال الجنرال: "إننا لن نسمح لجيشنا الذي قهر جيوشهم مجتمعة أن تقهره تلك القلة السافلة الخارجة على قانونا المقدس"، فكانوا القاضي والجلاد، ولا راحم للضحية إلا قوة إرادتهم، وصلابة عزيمتها التي أبت أن تنكسر او تلين.

                            أخذ الجنود مواقعهم على السطوح العالية، كانوا كلما حاولوا أن يشرئبوا بأعناقهم ليستطلعوا الوضع تصطدم عيونهم ببريق الثلج الذي ازداد لمعاناً مع أشعة الشمس فأغشى أبصارهم عن رؤية الحق والحقيقة.

                            كان قائد الكتيبة يقف فوق إحدى البنايات المشرفة على الموقع يوجه تعليماته بواسطة جهازه اللاسلكي، وكان برفقته جندي واحد، قال الضابط للجندي كأنه يحدث نفسه:

                            "- علينا أن نكسر شوكتهم

                            رد الجندي في لا مبالاة أغاضت الضابط:

                            - طالما أنهم يصرخون في مناطق سكناهم فليصرخوا حتى تتفجر حناجرهم

                            قال الضابط بصوت حاول استثارة نخوة الجندي:

                            - انظر إلى بساتين التفاح المتناسقة، انظر إلى الأشجار المثقلة بأحمالها، ألا تشتهي أن تكون مالكاً لإحدى هذه البساتين.

                            - إنه فعلا منظر ساحر ناتج عن عمل منظم ودؤوب .. ولكن كيف يكون لي وأنا لا املك ثمن كيلو واحد من إنتاجه؟

                            نظر الضابط إلى الجندي وقال بنيرة قوية:

                            - إنهم يتشبثون بالأرض.. يتحدون كل تعليماتنا لهم بالكف عن الفلاحة.. نحن لا نستطيع أن نستولي على ارض مفلوحة ببساطة.. تريدها بورا ليرى العالم كيف نعيد إصلاحها.. عند هذا فقط يمكن لك أن تكون مالكا لإحداها.

                            - إنها أرضهم.. وهم أحرار فيما يفعلون.

                            - - وما ضرك لو كانت هذه الحقول لنا.. إننا نستطيع أن نشغل بها نصف الأيدي العاطلة عن العمل عندنا.. هم لا يريدون تركها ولا بيعها، وعلينا تقع مسؤولية إخراجهم منها حتى تكون لنا..

                            صمت الجندي فأكمل الضابط حديثه:

                            - ثمّ أنهم يسرقون المياه، ألا ترى الخزانات الخاصة بجمع مياه الأمطار؟!

                            - الأمطار تأتي من السماء، والحق فيها مشترك..

                            - من قال لك هذا؟ مياه الأمطار، كان من المفروض أن تجري مسرعة إلى البحيرة دون أن يعترض سبيلها احد، او تتغلغل في باطن الأرض لتجري بين الشقوق حتى تستقر فيها لنستخرجها عند الحاجة إليها.. حاجتنا نحن، لا حاجة احد أخر..

                            - إن الله يرسل الخيرات للجميع.

                            نظر الضابط إلى الجندي وقد ملا الغضب وجهه وهو يقول بصوت زاجر:

                            - علينا أن نتسلل إلى أعماقهم ونتوغل فيها لنستلى منها شعورهم بالانتماء. هنا فقط يمكن أن ننسيهم لغتهم... تاريخهم ... ثقافتهم، في هذه اللحظة يمكن أن نسحب الأرض من تحت أقدامهم ليعيشوا في فراغ، حتى يصبحوا كالخاتم في إصبعنا.. تماما كما فعلنا مع الأغلبية مما سبقوهم في الجليل والكرمل، فنحن قادرون على إجادة هذه اللعبة، لأننا أحق بالأرض وبالمال منهم.

                            قلب الجندي شفتيه وهز رأسه يمنة ويسرة وقال بصوت ينم عن عدم اقتناع:

                            " – ولم كل هذا؟ فلنعش وندع الآخرين يعيشون.. فهناك متسع للجميع..

                            فصرخ الضابط في وجهه وهو يقول في توبيخ وحدة:

                            - أنت لا يمكن أن تكون منا، لقد أفسدتك أفكارك اليسارية، أنت يساري بشع واليساريون ليسوا منا، نحن مع اخترع الأفكار اليسارية لنلهيهم بها عن أهدافنا، أنت حشرة.. وسوف يأتي اليوم الذي تسحقون فيه.

                            ولم يتوقف هياج الضابط إلا عندما اشتد صوت الصراخ عند السكان فحوّل ناظريه الى أسفل، رفع الجهاز وأخذ يوزع تعليماته على الجنود المتواجدين على السطوح بصوت فيه حدة: "القوا القنابل المسيلة للدموع"، وانهالت القنابل كالمطر في كل الاتجاهات، تراجع الجمهور قليلاً ولكنه سرعان ما عاد يتجمع مما أثار استغرابهم، قال لنفسه: "من أية طينة هؤلاء البشر؟"، أمعن النظر فشاهد "غالية" وهي تحمل كيسا ونخرج منه رؤوسا صغيرة بدأت بتوزيعها على الجمهور، احمر وجهه، وقال لنفسه وقد ظهرت عليه إمارات الارتباك الشديد: "لقد قالت لنا القيادة العامة إن الظروف الدولية ليست مواتية لارتكاب مذبحة أخرى في هذه الفترة ولكن قد نكون مضطرين.. ما العمل؟!

                            أمعن النظر أكثر فشاهد الجمهور وهم يأخذون بكسر الرؤوس ثمّ يقومون بعصرها في اتجاه عيونهم، فتنهد الصعداء / إن ما تقوم بتوزيعه تلك السيد ليس قنابل يدوية، رفع منظره الذي يتدلى على صدره بكلتا يديه ونظر، ثمّ أعاد المنظار إلى مكانه وهو يبتسم ابتسامة مكسورة، وقال لنفسه وهو يهز برأسه: "يبدو أنها توزع رؤوس بصل" ثمّ قلب شفتيه وعاد يسأل نفسه: " بصل ؟! أه هذه العجوز تريد أن تقهر إرادتنا".

                            اتصل بالقيادة العامة وأعلمهم بالأمر، قالوا له انتظر قليلا، وما هي إلا لحظات حتى جاءه الرد إن البصل يبطل مفعول الغاز المسيل للدموع، فتساءل وما العمل؟ فجاء الرد سريعا: " اطرحوها قتيلة".

                            قال الضابط للجندي وهو يشير بإصبعه نحو السيدة:

                            - انظر إلى هناك، إلى تلك السيدة التي تقوم بتوزيع البصل، أتشاهدها؟

                            - أين؟

                            - هناك

                            - انه فاتح للشهية، إنني أراها.. ولكن لماذا توزع البصل؟

                            - دعك من ذلك الآن سوف اشرح لك الأمر لاحقا، أتأكدت من مشاهدتها؟

                            - إني أراها بدون استعمال بندقية القنص.

                            - أريد الإصابة في رأسها المفلطحة

                            - إنها لا تشكل أي خطر علينا

                            - نفذ فورا

                            - فلتطلق النار أنت

                            - قيمك وفلسفتك الشخصية اتركها في بيتكم خارج الإطار العسكري، انك هنا في ساحة معركة فإما نحن او هم

                            - لا لن أطلق النار عليها.. إنها عجوز تذكرني بجدتي هناك

                            - لا تناقش ونفذ فورا

                            - لن أطلق النار طالما أن الأمر لا يشكل خطرا على حياتنا

                            - إني آمرك.. لاحظ انك ترفض التعليمات الصادرة إليك

                            - التعليمات التي تلقيناها قبل الحملة واضحة، وهي تقول "ممنوع إطلاق النار طالما أن الأمر لا يشكل أي خطر علينا"

                            - هذا للاستهلاك الإعلامي، إن أوامري الآن تلغي كل التعليمات السابقة.

                            لاذ الجندي بالصمت، فأكمل الضابط أمره في حدة:

                            - سوف يكلفك رفضك غاليا.. سوف تقدم إلى محكمة عسكرية

                            ولكن الجندي هز كتفيه معلنا عن لا مبالاته.. فصوّب الضابط بندقيته إلى رأس السيدة، وأطلق النار، فتدفق الدم المقدس على الثرى الذي ما زال يميل إلى السواد من فعل بركان تفجر في عهود غابرة.

                            امتزج الدم بالثرى ليزيد من قدسيتها، تتفجر بركان الغضب في النفوس، مما دفع الضابط إلى رفع جهازه وأمر جنوده بالانسحاب قائلا بصوت لم يخل من رنة خوف: "انسحبوا بسرعة.. إنهم مجانين.. قد يهجمون علينا ولو كلفهم ذلك الكثير من القتلى.."

                            اخذ الجنود يقفزون عن السطوح مهرولين.. وتحدث الضابط إلى الجمهور الهائج بواسطة مكبر الصوت قال وهو ينسحب بظهره: "إن قتيلة واحدة فقط سقطت فاحمدوا الله.. إننا في مناطق أخرى نحصد حصدا.

                            وبعد لحظات علا صوت مكبرات الصوت في القرى القريبة والبعيدة ينعي الشهيدة الغالية.
                            " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                            تعليق

                            • مصلح أبو حسنين
                              عضو أساسي
                              • 14-06-2008
                              • 1187

                              #15
                              أساليب رخيصة
                              والأرخص منها هؤلاء الذين يستخدمونها
                              وخاصة إقحام المرأة في هكذا ميدان
                              قص جميل يا أخ هادي
                              دام العطاء
                              لك التحية والتقدير
                              [align=center][SIGPIC][/SIGPIC][SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=#0000ff]هذا أنا . . سرقت شبابي غربتي[/COLOR][/FONT][/SIZE]
                              [SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=#0000ff]وتنكـرت لي . . أعـين ٌ وبيــوتُ[/COLOR][/FONT][/SIZE]
                              [SIZE=4][FONT=Arial][COLOR=#0000ff]* *[/COLOR][/FONT][/SIZE][/align]

                              زورونا على هذا الرابط
                              [URL]http://almoslih.net[/URL]

                              تعليق

                              يعمل...
                              X