السور
إلى / ربيع عقب الباب
كانت تمشى خائفة مثل لص . الشارع ساكت ، هواء منتصف نوفمبر يحمل رائحة الشر . سوف يخرج لها من مكمنه كالثعبان – والدنيا ليل – العينان مفتوحتان عن آخرهما .. باردتان ، تلمعان فى تصميم .
فى خفة القط سينقض ، يقبض على نهدها المدور بالكف الخشن ، يدخلها الجبانة – النصل فى السرة – و قدمه تعرف الطريق .
" سوف تقاومين فى عناد ، باليد و الركبة و الأسنان ، ولن تنامى تحته أبدا . سيحول المكان الحارسان فوق الكتفين بينك و بينه ، بينكما ، و بين الإثم الكبير . ويشق – كل ما تعلمت من الجدة و الأم و العمة عن الحرام و العفة – خندقا بين القلعة المحاصرة .. و الفاتح الفاجر الجرىء ."
كانت تمشى خائفة كشرطى ليلى وحيد ، و الضوء شحيح ، سور المقابر المهدوم على الشمال ، على اليمين مصنع النسيج الصغير نائم مثل مومس هدها التعب . حس النفس ، وقع القدمين ، دقات الصدر كانت الأصوات المصاحبة الوحيدة لصورة فزعها المقيم .
" فى النهار يتاجرون فى الأطفال والبرشام و المسروقات و الصور الفاحشة الممنوعة بحكم القانون . يغزون المقاهى بسيوفهم المسنونة المصنوعة من " أكسات " السيارات ، يؤدبون جدعان الحى ، وفتوات الأمس القريب . يفتحون شوارع و حارات جديدة ، بفرضون منطقهم الواضح ، ويبسطون نفوذهم الآخذ فى الاتساع .
و فى الليل ، يعودون إلى المقابر . يضاجعون الجثث الطازجة ، ويسلبون الأكفان ، يرقصون مع الأشباح ، ويلعبون بعظام الميتين .. أمام شواهد القبور ".
كانت تمشى مسرعة مثل فكرة محرمة ، تقيس الوقت بالأمتار ، وتغير زوايا النظر . " مابال هذا الطريق – كالمحموم – لا ينتهى أبدا ".
سوف تدفعه عنها ، و تعاند . تصرخ ، و تضرب و تصارع ، ستقاتله – هى البنت – وهو الولد المدجج بالذكورة و " السنج " و السلاسل ، و زجاجات " مية النار " . سترد الجائع عن لحمها الطرى .. ولن تسلم له حتى تهمد . " فليمزق الثياب ، و ليكشف عن المستور . لن يجد الذى يريد إلى أن يغمى عليك ".
سوف تذهب – شاكية – إلى دواوين الحكومة ، وتقابل الكبار الطيبين . تقعد عند أقدامهم محلولة الشعر باكية ، سيستمعون لها – بالتأكيد – وربما أجلسوها على الكرسى الوثير .. فتحكى لهم – بصوت مؤثر – عما حدث . سينتقمون لها ، ويقتصون منه . سوف يشنقونه ، وتراه بعينيها معلقا كعنقود . ستنشر الجرائد صور الضحية الحزينة ، و يتكلم عنها الجميع .. ثم يأتى الشهم " ابن الناس " يحنو عليها ، ويمسح بكفه الكريم على خدها المجروح وعينها الدامعة . سوف يتزوجها – هى البريئة – ويزفان وسط الجموع .
اخترقت أذنيها همهمة . انتفض قلبها كسمكة أخرجوها من الماء حالا . تيبست ، انتصبت كمئذنة . امتلأت رعبا . همت أن تصرخ غصت . اهتزت ، جرت للأمام .. وصلت إلى نهاية الطريق . شهقت ، توقفت ، تلفتت ، نظرت للوراء .. فى المسافة بين العين و المدى .. لم يكن هناك أحد .
وكان سور المقابر المهدوم على اليمين ، و على الشمال مصنع النسيج الصغير نائما مثل مومس هدها التعب .
رءوف سالم / المحلة الكبرى
نوفمبر 1988
إلى / ربيع عقب الباب
كانت تمشى خائفة مثل لص . الشارع ساكت ، هواء منتصف نوفمبر يحمل رائحة الشر . سوف يخرج لها من مكمنه كالثعبان – والدنيا ليل – العينان مفتوحتان عن آخرهما .. باردتان ، تلمعان فى تصميم .
فى خفة القط سينقض ، يقبض على نهدها المدور بالكف الخشن ، يدخلها الجبانة – النصل فى السرة – و قدمه تعرف الطريق .
" سوف تقاومين فى عناد ، باليد و الركبة و الأسنان ، ولن تنامى تحته أبدا . سيحول المكان الحارسان فوق الكتفين بينك و بينه ، بينكما ، و بين الإثم الكبير . ويشق – كل ما تعلمت من الجدة و الأم و العمة عن الحرام و العفة – خندقا بين القلعة المحاصرة .. و الفاتح الفاجر الجرىء ."
كانت تمشى خائفة كشرطى ليلى وحيد ، و الضوء شحيح ، سور المقابر المهدوم على الشمال ، على اليمين مصنع النسيج الصغير نائم مثل مومس هدها التعب . حس النفس ، وقع القدمين ، دقات الصدر كانت الأصوات المصاحبة الوحيدة لصورة فزعها المقيم .
" فى النهار يتاجرون فى الأطفال والبرشام و المسروقات و الصور الفاحشة الممنوعة بحكم القانون . يغزون المقاهى بسيوفهم المسنونة المصنوعة من " أكسات " السيارات ، يؤدبون جدعان الحى ، وفتوات الأمس القريب . يفتحون شوارع و حارات جديدة ، بفرضون منطقهم الواضح ، ويبسطون نفوذهم الآخذ فى الاتساع .
و فى الليل ، يعودون إلى المقابر . يضاجعون الجثث الطازجة ، ويسلبون الأكفان ، يرقصون مع الأشباح ، ويلعبون بعظام الميتين .. أمام شواهد القبور ".
كانت تمشى مسرعة مثل فكرة محرمة ، تقيس الوقت بالأمتار ، وتغير زوايا النظر . " مابال هذا الطريق – كالمحموم – لا ينتهى أبدا ".
سوف تدفعه عنها ، و تعاند . تصرخ ، و تضرب و تصارع ، ستقاتله – هى البنت – وهو الولد المدجج بالذكورة و " السنج " و السلاسل ، و زجاجات " مية النار " . سترد الجائع عن لحمها الطرى .. ولن تسلم له حتى تهمد . " فليمزق الثياب ، و ليكشف عن المستور . لن يجد الذى يريد إلى أن يغمى عليك ".
سوف تذهب – شاكية – إلى دواوين الحكومة ، وتقابل الكبار الطيبين . تقعد عند أقدامهم محلولة الشعر باكية ، سيستمعون لها – بالتأكيد – وربما أجلسوها على الكرسى الوثير .. فتحكى لهم – بصوت مؤثر – عما حدث . سينتقمون لها ، ويقتصون منه . سوف يشنقونه ، وتراه بعينيها معلقا كعنقود . ستنشر الجرائد صور الضحية الحزينة ، و يتكلم عنها الجميع .. ثم يأتى الشهم " ابن الناس " يحنو عليها ، ويمسح بكفه الكريم على خدها المجروح وعينها الدامعة . سوف يتزوجها – هى البريئة – ويزفان وسط الجموع .
اخترقت أذنيها همهمة . انتفض قلبها كسمكة أخرجوها من الماء حالا . تيبست ، انتصبت كمئذنة . امتلأت رعبا . همت أن تصرخ غصت . اهتزت ، جرت للأمام .. وصلت إلى نهاية الطريق . شهقت ، توقفت ، تلفتت ، نظرت للوراء .. فى المسافة بين العين و المدى .. لم يكن هناك أحد .
وكان سور المقابر المهدوم على اليمين ، و على الشمال مصنع النسيج الصغير نائما مثل مومس هدها التعب .
رءوف سالم / المحلة الكبرى
نوفمبر 1988
تعليق