توهان الظهيرة (قصة قصيرة)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد العبدالعزيز العرفج
    عضو الملتقى
    • 28-08-2008
    • 31

    توهان الظهيرة (قصة قصيرة)

    توهان الظهيرة
    قصة قصيرة
    محمد عبدالعزيز العرفج

    ما إن وصلت الأسرة البيت المضيف ، حتى ابتعد طفلهم ليلعب مع أقرانه في الشارع.. توجّه الأطفال بعدها إلى برحة قريبة ومعهم قارورات معبأة بالماء ليبدؤوا اللعب .. كان الطفل وقتها قد نزع ملابسه ، ولم يبق عليه سوى سروالاً أصفراً قصيراً يكشف فخذيه ، وفنيلة منيّلةً تظهر ذراعيه إلى الكتفين ، وجزءاً من صدره ..
    بينما هو منهمك في اللعب إذ غادر أهله البيت المضيف تاركيه في الشارع لا هياً لدقائق طوال ، حتى لفت نظره ومن معه في طرف البرحة خمسة شيوخ لم يفرّق بينهم بسبب لحاءهم الكثة ، وأغترتهم ، وكذلك ثيابهم القصيرة لمنتصف الساق .. كانوا متشابهين عليه إلا من أنعلتهم المختلفة الألوان والأشكال .
    تقدم أحدهم قليلاً في وقار ، ينتعل نعلاً زبيري النوع ، وناداه :
    - هيّا يا وليد! .. تعال اركب معنا .. لقد ذهب اهلك ، وسنوصلك في طريقنا!
    رفع رأسه عالياً حتى كاد يسقط على ظهره .. إنه عمه إبراهيم ..
    ذهب معهم مدهوشأً ، فأركبوه في المرتبة الخلفية للسيارة العائلية البيضاء .. كان كل شيء يبدو لوليد داخل السيارة أبيض اللون .. مراتبها .. ولحاء الشيوخ .. وأغترتهم .. وثيابهم التي لا يعكسها سوى بشراتهم السمراء التي تلمع مع اشتداد نفاذ أشعة الشمس !
    مشت السيارة تتخطّى الحواري الضيّقة ، حتى توقّفت عند أحد مساجد الحي .. ونزلوا منها .
    قال له عمه وهو مازال يحتفظ بوقاره:
    - انتظر هنا ريثما نصلّي صلاة الظهر .
    أحست رجلي وليد الحافيتين بحرارة الأرض فأظهر التوجّع .. حمله العم وأجلسه على أعمدة من الحديد المغطاة بالظل ، والخارجة من جدارٍ قريبٍ من المسجد .
    ثم قال له عمه في ثقة:
    - اسمع! .. سوف نصلي ثم نعود فور انتهاءنا ، إياك أن تنزل من هذا المكان هل تفهم؟!
    هزّ وليد رأسه موافقاً .

    * * * * * * *

    انتهت الصلاة .. وانتظر وليد خروج الشيوخ من المسجد لكنهم لم يفعلوا .. طال انتظاره وعينيه لم تبرح باب المسجد الذي كلما فُتح تنفس الصعداء فخذلته وجوهٍ غير التي يريدها .. وفي معمعة الانتظار ، وأثناء تسبيح الشيوخ وتهليلهم: لم يقو الصبر ، إذ حسب أن العم ورفقائه قد خرجوا من باب المسجد الخلفي ليتركوه ، حين خرج جمعٌ غفيراً من المسجد ، ولم يكن من بينهم أولئك .
    بدأ وليدٌ بالبكاء .. ومن شدة خوفه ورهبته: أخرج عصفه المأكول من جوفه ليقف حائلاً في سرواله الصغير الضيّق ..!
    قفزت روح قلبه قبل أن يقفز جسده الصغير من الأعمدة الحديدية ، ثم وقف يحملق في باب المسجد الخشبي الضخم فلم يخرج أحد من الشيوخ ، لا سيما عمه إبراهيم الذي طالت غيبته ! .. بدأ بالتراجع إلى الخلف حتى حجب المصلون باب المسجد عن ناظريه .

    * * * * * * *

    أطلق وليد العنان لقدميه العاريتين على غير هدى .. مع إيقاع دموعٍ تتسارع لتغمر خدّيه ، وعذرة تسعى جاهدة لأن تخرج من جوانب سرواله .
    كان إحساسه خليطاً من عدّة آلام .. وحدانيته وفقده أهله ، وحرارة الأرض وعريانه واتساخه ، ومن ثم ضياعه ..
    لقد كان وليدٌ طفلاً تائهاً حقاً ، إذ أنساه توهانه كل شيء ، ولم يكن هدفه وقتها سوى الأمل في اهتداءه إلى البيت الذي اصطحبه من جانبه أولئك الشيوخ الغرباء التصرّف!
    حاول أن يتذكر قليلاً مكان البيت المنشود ..
    اخترق إحدى الحواري .. وجد فيها عاملاً غريب الملامح يركب فوق مركبةٍ غريبة الشكل تصدر صوتاً قوياً مدوياً أثناء سيرها .. كلّمه هذا العامل بكلامٍ لم يفهمه .. هرب وليدٌ منه وهو ينظر إليه في خوفٍ لم يترك طرفاً من جسده الضعيف لم يهزّه ، حتى تخطّا ذلك العامل – كما ظن – بصعوبةٍ ، ووصل إلى آخر الحارة ، حينها تبيّن أنه سلك الطريق الخطأ ..!
    كان خائفاً من العودة مع الطريق نفسه ، ولكن لا بد له من العودة ..
    حاول أن يستجمع قواه الهشّة ، حين لاحت له ذكرياته البسيطة ..
    تذكر أمه التي لم تكن لتتركه بهذا الاتساخ وبهذا الضمأ .. تذكر والده الذي لم يكن ليتركه في هذه الظهيرة خارج البيت .. تذكر أخيه الأكبر وحيد الذي ما كان ليتركه يواجه هذا المصير وحده .. تذكر المنزل الذي ينتشر فيه الظل والهواء العليل والماء البارد .. إنه المأوى الذي لم يكن يشعر فيه بالخوف والوحدة والعطش!
    عاد رغم الخوف ..عاد رغم البكاء .. عاد رغم الصراخ .. عاد في مظهرٍ يدمي القلب .. ويثير الشفقة ..
    ركض بأقصى ما حملته ساقيه .. متخطّياً - كما اعتقد – بإعجوبةٍ ، تلك المركبة المرعبة التي يعلوها الشخص المخيف الوجه ، الذي تساوى أنفه مع خدّيه !
    وصل نهاية الشارع ، ثم انحرف يساراً ، حتى رأى مصادفةً عبّود - أحد الأولاد الذين كان يلعب معهم - مهرولاً .. حاول اللحاق به وهو يناديه بأعلى ما تبقى له من صوت .. لكن عبّود لم يسمعه .. فقد كان بعيداً عنه حين وقفت بجانبه سيارة ذويه ، التي بمجرد أن فتح له أحد أبوابها ركب معهم .. لتبتعد السيارة بعدها مغلقةً الباب ومتواريةً عن ناظري وحيد الغارقين بدموع اليأس .

    * * * * * * *

    لاح لوليدٍ بريقاً من الأمل .. حين علم أنه قريب من المنزل المنشود .. بدأ بإعمال عقله الصغير .. بينما كانت مشاعره خائفةً متضاربة ..
    قرر أن يسلك الطريق الذي أتت منه السيارة قبل أن تقف ثم تغادر من الجهة الأخرى !
    سلك الطريق .. وهو مازال يركض ، وقد بدا عليه الإعياء والتعب ورائحته الكريهة تزداد ، إذ أن عذرته غطّت بعض ساقيه وقدميه ، وقد أنضجتها الحرارة .. حتى أنه كلما عاد مع المكان الذي ذهب منه أثناء التردد: داس على بقاياها الواقعة منه على الشارع !
    ظهرت له من بعيد إحدى البراحي .. إنها تشبه البرحة التي كان يلعب فيها مع الأطفال .. ولكن لا يوجد عليها أحد .. وربما كانت برحة أخرى ، حيث أن البراحي تتشابه على الأطفال !
    ما إن وصل إليها حتى رأى آثار ألعابهم .. الماء والطين .. كل هذه الآثار جعلته يهدأ قليلاً .. ليحسّ بالقرب الشديد من الأمل ، ودنو الفرج ..
    بقي عليه أن يعرف أين المنزل المضيف؟!
    أراد اللحاق ببقايا الماء ، ولكن الماء تبخّر مع اللهيب الحارق ..
    لمح امرأة من بعيد تنزل من سيارة ..
    شبّهت له تلك السيارة .. وتلك المرأة أيضاً ! ..
    بدأ بالركض مجدداً ، تحمله قدماه الصغيرتان .. واستمر يركض ..
    سار فوق الوحل فاختلط الوحل بأجزاء العذرة العالقة بأقدامه .. ثم سار على الرمل فتحول الرمل إلى طينٍ وانضم إلى سابقه ..!
    بدأ بركض الأرض الرملية .. وساقاه تغوصان شيئاً فشيئاً في الرمل حتى تثاقلت خطاه ، وكأنه طفلاً يرقص في زواج أخته !.. ما أقهر الفرج حين يكون أمام مرآه ، ويتصاعب وصوله!
    بدأ يصل إلى الإسفلت ..
    هاهو يصل أخيراً ..
    وطأ عليه بفرح ، ولأول وهلةٍ تعجبه حرارته! ..
    ركض بخفةٍ ناحية الباب .. بدأ يطرقه بيده ، وقد بدأت طرقاته خفيفة ، فبدأ يركل الباب بقدمه المتّسخة بأخر قوةٍ يملكها ..
    فُتح له الباب .. انهار وهو يبكي حتى أسقط ركبتيه في مدخل الباب ..
    نادوا على المرأة .. لقد كانت أخته الكبرى لبنى! فقد كانت السيارة التي نزلت منها هي سيارة صهره ..
    شاهدت لبنى كيف أن وحيداً كان يلهث بصعوبة .. والعطش أخذ من شفتيه كل مأخذ .. والعرق قد اختلط بدموعه .. والحرارة حرّقت قدميه .. ورائحته الكريهة قد دعكت بكامل جسمه ..
    ومع ذلك فقد حملته بين ذراعيها كما قد حملته قبلاً من ذراعي أمهما .. وجعلته يرتوي من عذوبة الماء .. ثم قامت كعادتها بصبّ الماء عليه وفركتة بالرغوة البراقة .. حتى مشّطت شعره المجفّف بعد أن غسلته بالغسول الزكي الرائحة .. وبعدها استعارت له ملابس نظيفة من أسرة البيت المضيف .
    وبينما وليد جالس في غرفة معيشة ذلك البيت ، يرتشف بارد الماء ، إذ ناداه طفلاً حضر للتوّ مع أسرته ، تحمل يديه قارورة ملأت بالماء ، يطلب منه أن يخرج معه للبرحة ليلعبا ..
    أنزل وليد الكاس بسرعة ، ليتبع ذلك الطفل ، تطفو على وجهه ابتسامة طفولية بريئة ، وفي سرورٍ مفعم بالبهجة .. وقد اتجه به ذلك الطفل نحو الشارع!
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    قصة عميقة فيها من العبر الكثير
    توهتني الظهيرة ما بين ذوو اللحى وبين الأماكن التي تذكرها الصغير

    تحية وتقدير
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • محمد العبدالعزيز العرفج
      عضو الملتقى
      • 28-08-2008
      • 31

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
      قصة عميقة فيها من العبر الكثير
      توهتني الظهيرة ما بين ذوو اللحى وبين الأماكن التي تذكرها الصغير

      تحية وتقدير
      أختي الكاتبة القديرة مها راجح

      شكرا لك من الأعماق على رؤيتك الانطباعية لنصي المتواضع

      محمد

      تعليق

      يعمل...
      X