كان ذلك منذ سنين خلت ، كنت في الخدمة العسكرية بالصحراء ، ضابط احتياط .
كانت لنا رفقة طيبة ، بعد انقضاء اليوم الشاق بالتمارين و التدريب ، نتحرر ، نعانق الصحراء على امتدادها الشاسع ، نتحلق في جلسة شاي مع الغروب الساحر ، نغرق باللعب في نادي الضباط ، ونشطب على يوم اخر مع انطفاء الشمس وراء تلك الرمال المترامية الأطراف.
في الصيف تتحول غرفنا في الليل إلى أفران يستحيل المبيت بها ، فكنا نخرج فراشنا إلى البطحاء ، ونقضي الليل تحت السماء .
كان من أحب تلك الرفقة إلي صديقي حبيب المقداد ، فتى أوتي علما وأدبا و صوتا جميلا ، يصلي بنا العشاء و التراويح فيملأ نفوسنا خشوعا . يغني لنا في أماسي الشاي خارج أسوار الثكنة فيملأنا طربا .
في تلك الليلة كنت أول من يحمل فراشه ويبسطه في البطحاء . تمددت شابكا يدي خلف رأسي أحدق في النجوم وفي خيالي صورة أمي التي تفصلني عنها مئات الكيلومترات .
وقطع على حبيب المقداد خلوتي يحمل فراشه بين يديه يبسطه بجواري ثم يتمدد ويحدق حيث أحدق .
ولأنه خريج كلية الأدب كان نقاشنا يدور دائما حول مساءل أدبية لغوية .
كانت تلك الليلة ملأى بالنجوم ، ونسائم لطيفة تتنفس بها الصحراء بعد نهار قائظ .
كان نقاشنا ليلتها حول الأصوات :
يسألني :
- ما صوت الغنم ؟
فأجيبه :
- الثغاء
و أسأله :
- ماصوت البقر ؟
فيجيبني :
- الخوار .
- ما صوت الضفدع؟
- النقيق.
- ما صوت الجمل ؟
- الرغاء .
- ما صوت الغراب ؟
- النعيب .
- ما صوت الثعلب ؟
- الضغاء .
وسكت قليلا ثم سأل :
- ما صوت القلم ؟؟
فأجبت:
- الصريف .
فاعترض :
- لا ، إنه الصرير .
- لا ، أنا على يقين بأنه الصريف .
- و أنا على يقين بأنه الصرير .
- إذن غدا نحتكم إلى القاموس بمكتبة الثكنة ، ومن كان على خطأ يدفع ثمن القهوة لمن كان في النادي
- موافق .
وكان هذا آخر سؤال ، إذ جاء بقية الرفاق من النادي وبسطوا أفرشتهم ، وتغير مجرى الحديث .
في الصباح انصرفنا إلى تنفيذ برنامجنا اليومي على أن ننظر في القاموس مساء .
كان برنامجي أن أدرب جنودي على استخدام الخريطة و البوصلة و نظارات الميدان وحساب المسافات .
وكان برنامج حبيب المقداد أن يدرب جنوده على استخدام القاذف الصاروخي Rpg7 .
كان في حقل الرمي ، وكان يجمع جنوده حوله في مربع ناقص ضلع. ثم فجأة سمعت الصاروخ ينطلق ، والجنود يهربون في كل اتجاه ، ورفعت نظارات الميدان إلى عيني لأرى حبيب المقداد واقعا على الأرض وقد إنفصلت فخذه من أصلها.
وجرينا نحوه . كانت مازالت به بقية روح و هو يرفع سبابته بالشهادة . حملناه في الاسعاف نسابق الزمن ، لكن أقرب مدينة إلينا تبعد عنا مئة كيلومتر .
في الطريق حلقت روحه إلى بارئها و سبابته تشير بالشهادة .
مات صديقي حبيب المقداد لخطأ في تدابير الاحتياط الأمني إذ وضع قمع القاذف الصروخي إلى فخذه
ولسنا ندري كيف ضغط على الزناد في تلك الوضعية ، فأحرقت الغازات و اللهب المندفع من القمع فخذه ، وهي كفيلة أن تحرق على بعد ثلاثين مترا .
وشربت الحزن ذلكم اليوم كؤوسا مقطرة ذرفتها على صديقي في جلسة مساء بلا طعم .
وقلت لنفسي : سبحان الله كان آخر سؤاله حول " صوت القلم "
وتذكرت قوله تعالى : "نون و القلم و ما يسطرون "
ثم تذكرت ما قاله لي حبيب ذات مرة عن معنى قوله تعالى " فبصرك اليوم حديد " للمحتضر الذي يرى ما لا يرى المجتمعون حوله .
و قادتني قدماي إلى المكتبة لأنظر في قاموسها ، من منا كان على صواب ؟
أهو صريف القلم كما قلت أم صرير القلم كما قال ؟
ويا عجبا !
كان كلانا على صواب ، صريف القلم وصريره ، هكذا حكم القاموس .
لكنا لم نشرب قهوة الرهان ...
خليف محفوظ
كانت لنا رفقة طيبة ، بعد انقضاء اليوم الشاق بالتمارين و التدريب ، نتحرر ، نعانق الصحراء على امتدادها الشاسع ، نتحلق في جلسة شاي مع الغروب الساحر ، نغرق باللعب في نادي الضباط ، ونشطب على يوم اخر مع انطفاء الشمس وراء تلك الرمال المترامية الأطراف.
في الصيف تتحول غرفنا في الليل إلى أفران يستحيل المبيت بها ، فكنا نخرج فراشنا إلى البطحاء ، ونقضي الليل تحت السماء .
كان من أحب تلك الرفقة إلي صديقي حبيب المقداد ، فتى أوتي علما وأدبا و صوتا جميلا ، يصلي بنا العشاء و التراويح فيملأ نفوسنا خشوعا . يغني لنا في أماسي الشاي خارج أسوار الثكنة فيملأنا طربا .
في تلك الليلة كنت أول من يحمل فراشه ويبسطه في البطحاء . تمددت شابكا يدي خلف رأسي أحدق في النجوم وفي خيالي صورة أمي التي تفصلني عنها مئات الكيلومترات .
وقطع على حبيب المقداد خلوتي يحمل فراشه بين يديه يبسطه بجواري ثم يتمدد ويحدق حيث أحدق .
ولأنه خريج كلية الأدب كان نقاشنا يدور دائما حول مساءل أدبية لغوية .
كانت تلك الليلة ملأى بالنجوم ، ونسائم لطيفة تتنفس بها الصحراء بعد نهار قائظ .
كان نقاشنا ليلتها حول الأصوات :
يسألني :
- ما صوت الغنم ؟
فأجيبه :
- الثغاء
و أسأله :
- ماصوت البقر ؟
فيجيبني :
- الخوار .
- ما صوت الضفدع؟
- النقيق.
- ما صوت الجمل ؟
- الرغاء .
- ما صوت الغراب ؟
- النعيب .
- ما صوت الثعلب ؟
- الضغاء .
وسكت قليلا ثم سأل :
- ما صوت القلم ؟؟
فأجبت:
- الصريف .
فاعترض :
- لا ، إنه الصرير .
- لا ، أنا على يقين بأنه الصريف .
- و أنا على يقين بأنه الصرير .
- إذن غدا نحتكم إلى القاموس بمكتبة الثكنة ، ومن كان على خطأ يدفع ثمن القهوة لمن كان في النادي
- موافق .
وكان هذا آخر سؤال ، إذ جاء بقية الرفاق من النادي وبسطوا أفرشتهم ، وتغير مجرى الحديث .
في الصباح انصرفنا إلى تنفيذ برنامجنا اليومي على أن ننظر في القاموس مساء .
كان برنامجي أن أدرب جنودي على استخدام الخريطة و البوصلة و نظارات الميدان وحساب المسافات .
وكان برنامج حبيب المقداد أن يدرب جنوده على استخدام القاذف الصاروخي Rpg7 .
كان في حقل الرمي ، وكان يجمع جنوده حوله في مربع ناقص ضلع. ثم فجأة سمعت الصاروخ ينطلق ، والجنود يهربون في كل اتجاه ، ورفعت نظارات الميدان إلى عيني لأرى حبيب المقداد واقعا على الأرض وقد إنفصلت فخذه من أصلها.
وجرينا نحوه . كانت مازالت به بقية روح و هو يرفع سبابته بالشهادة . حملناه في الاسعاف نسابق الزمن ، لكن أقرب مدينة إلينا تبعد عنا مئة كيلومتر .
في الطريق حلقت روحه إلى بارئها و سبابته تشير بالشهادة .
مات صديقي حبيب المقداد لخطأ في تدابير الاحتياط الأمني إذ وضع قمع القاذف الصروخي إلى فخذه
ولسنا ندري كيف ضغط على الزناد في تلك الوضعية ، فأحرقت الغازات و اللهب المندفع من القمع فخذه ، وهي كفيلة أن تحرق على بعد ثلاثين مترا .
وشربت الحزن ذلكم اليوم كؤوسا مقطرة ذرفتها على صديقي في جلسة مساء بلا طعم .
وقلت لنفسي : سبحان الله كان آخر سؤاله حول " صوت القلم "
وتذكرت قوله تعالى : "نون و القلم و ما يسطرون "
ثم تذكرت ما قاله لي حبيب ذات مرة عن معنى قوله تعالى " فبصرك اليوم حديد " للمحتضر الذي يرى ما لا يرى المجتمعون حوله .
و قادتني قدماي إلى المكتبة لأنظر في قاموسها ، من منا كان على صواب ؟
أهو صريف القلم كما قلت أم صرير القلم كما قال ؟
ويا عجبا !
كان كلانا على صواب ، صريف القلم وصريره ، هكذا حكم القاموس .
لكنا لم نشرب قهوة الرهان ...
خليف محفوظ
تعليق