إليهم اؤلئك الذين هجروا الوطن!!
تروي في التراث العربي قصة معروفة للمعتمد ابن عباد وهو أحد أمراء الأندلس، أنه عندما ضاق عليه الخناق بسبب الفرنجة، وأصبحوا على مشارف عاصمته، بعث في طلب النجدة من يوسف ابن تاشفين لإنقاذ بلاده من الاحتلال، عندئذ انزعجت زوجة ابنه الإسبانية (ولعلها زوجته) وقالت له كيف تستنجد بالأعراب المغاربة الأجلاف لكي يحولوك فيما بعد إلى راعي إبل عندهم، فقال لها قولته الشهيرة:
(أن أرعى الإبل عند ابن تاشفين، أفضل من أن أرعى الخنازير عند الفونس)
وفعلا أنجده ابن تاشفين، وكانت هذه الإغاثة سببا في بقاء العرب في الأندلس عدة قرون أخرى.
في هذا الزمن لم يعد لهذه القيم أي فعالية لكنها دروس من التاريخ، وقد لا يعيد التاريخ نفسه، لكن بالضرورة تعود أوضاع مشابهة تستلزم مواقف على ذات النحو وإن اختلفت الظروف والمعطيات وحتى الأشكال والمضامين. وفي هذا الزمن نجد بعضا من الناس كالصلعاء التي تتباهى بخصلات سيد تها!!، ولم يكن ليستلزم هذا التباهي إلا الخروج من قصة الانتماء التي هي وجود الإنسان في كل زمان ومكان، وقد يفاخر البعض بمواقف هي مدعاة للخزي عندما تتجاوز الأنانية وحب الذات في تفاصيلها السخيفة النظر إلى الحقيقة والمفاضلة بين موقفان ضدان: أحدهما هو الحق أو كما يقول الشاعر الليبي المرحوم حسين الحلافي:
ماذا يفيد تألمي وتذمري .. والناس بين منافق ومقصر
والصدق والإخلاص صارا سلعة .. بين الخلائق مالها من مشتر
ضدان ذا حق وذاك باطل .. أو كالظلام وكالصباح المسفر
والفرق بينهما جلي واضح .. لكن تعامينا فهل من مبصر
ليس من عاقل تغيب عنه الحقائق والمعطيات، والأزمات هي التي تحدد مواقف الرجال
الحقيقيين، وكذلك أولئك الذين يتباهون بما ينبغي لأن يُخجل!، وبدون استثناء فإن المخجلات معايب ترفضها الأخلاق والقيم المعيارية للإنسان السوي، والبطولات المجانية الزائفة والمفضوحة لن تصمد في مواجهة المواقف الصحيحة من التاريخ، وخير شاهد على ذلك هو بلاد الرافدين (العراق) وهو شاهد أبلغ من أي كلام، ومحصلة الموضوع أنك قد تخجل أحيانا بالنيابة عن أناس ضاعت منهم مكامن الشعور بالمخجلات المبكيات بسبب محن هي امتحان للإنسان المؤمن بقضيته (إذا وجدت!) وإن كان أي إنسان ينسى المخجلات، لا يمكن أن يحمل قضية في الأساس.
من هنا فإن الجمال أشرف وأنقى من الخنازير!! والموت فوق ترابك أجمل من الموت تحت رماح سدنة العهر السياسي!! ولكننا نجد من يتباهى بظل أمريكا، وحركة التاريخ تقول أنها زائلة لا محالة مهما طال انتظار هذا الزوال. صحيح أن الإنسان أحيانا يكون غريبا في وطنه، لكن الوطن محراب عشق لا يمكن أن نهاجر منه إلى غربة تدمي قلوبنا وتهين أطفالنا وتصدر لنا العذاب وتسمعنا رطانات أقرب إلى الفحيح في شوارع الغربة القاتلة، ونظل نمارس القهر ضد ذواتنا دون مبرر مقنع، فنشتاق إلى ملاعب طفولتنا، وتدمغنا أعين أطفالنا وهم بعيدا عن ملاعب أقرانهم الحقيقية. الهجرة يدفع ثمنها أطفالنا الأبرياء الذين سيتشربون ثقافة ليست لهم، ومدنا لا يملكون فيها قبرا يأويهم بعد الكهولة. قد يغترب الإنسان في الوطن، لكنه لا يخون، ولا يبيع ذكريات طفولته من أجل بضعة أفراد لا يمثلون نقاء المجتمع ونصاعته. أفراد يريدون الوطن لهم وحدهم، قرطاس في جيوبهم. صكوك في معابدهم ليس إلا. لكن في كل الأحوال فالوطن بخير بالخيرين الذين فيه، وعندما سمعت أحدهم في قناة الحرة الفضائية يتفاخر بظل أمريكا، شعرت بالغثيان والخزي، لأن هذه الأمريكا قد طردت ذليلة يوما ما من تراب العشق، وعلي ذاكرتنا ألا تكون ممسوحة لمجرد أن بعض الغبن قد طال البعض، فهناك أشياء جميلة بيننا. هناك وطن بلا احتلال ولا تبعية، هناك وطن لا ترفرف فيه أعلام صهيون، هناك وطن لم يخون، هناك وطن محرر، هناك وطن بلا داقادوستا (1)، بلا العدم(2)، بلا ويلس.(3) لماذا ننسى الأشياء الجميلة ونتذكر بضعة سلبيات صنعها التخلف ليس إلا؟.
هناك وطن لن يتحول الى عراق آخر وهذه مزية لو يعلم المتغربون كم هي عظيمة. أمريكا اشتريت بالمال لندرأ شرها وهذه مزية وعار عليها. تعني من بين ما تعني أنها دولة ما زال يحكمها آل كابوني وصيادي الجوائز والسراق والنهابين وقطاع الطرق ومتلقي الأتاوات، وبعض الذين هاجروا من الوطن أعرف أن الذي دفعهم إلى الهجرة هو تصرفات الأفراد بعينهم، لكنهم لا يمثلون بالضرورة كل الدولة، وتبقى الأشياء الجميلة كما هي جميلة، وأعرف قصص البعض. كفروا بكل جميل بعد أن حاصرتهم تلك الأدوات المعادية للجمال ليس إلا. وهذا مجتمع لا بد أن نعيش فيه ونعمل على نقله من التخلف إلى التقدم من داخله. من ملاعب الطفولة فيه، وشوارعه الطيبة ووجوهه الحسنة وخضرته التي تخلب الألباب.
وإذا كان لا بد من المفاضلة فإن الموقف الصحيح هو اختيار الموت في السجون (وإن كنت أرفضها) لكن الموت فيها أشرف من أن تشفع في البعض سلة الفضائح والدماء!!! أمريكا التي لم يعد لها مكان في هذا العالم إلا أوكار العصابات التي لا تنطلق منها إلا للسلب، وها هي تذهب للعراق كي تسلب ثرواته جهارا نهارا تحت مسميات مضحكة تدعو إلى الرثاء...هاهى التى تمرحون فى شوارعها تخرج لكم لسانها وتدعم بلا تحفظ حراب العدو فى رقاب اطفال لبنان وفلسطين ، هاهى تمدهم بوقود آلات الدمار وتقول لهم مزيدا من القهر والتنكيل والذبح فهذه امة برسم الزوال... أمريكا تلك التي تلطخت أيديها وأرجلها بدماء الشعوب الصغيرة العزلاء التي تستأسد عليها بالتقنية الجبانة وهي ليست معيارا للنصر، فما النصر بين الأعزل وحامل المدفع وأي مقارنة عاقلة بينهما، لذلك فظلها هو السعير بعينه وأشرف للإنسان أن يضحي أفضل من أن يعلن البطولات الزائفة على نحو مهين!!. لكن الشعور بالخزي حالة من الطهر والنبل يفقدها كل من لم يتجرد من ذاته وأنانيته. فهل استثني أصدقائي المتغربين وأقول أن الطهر ما زال حولهم؟؟ عودوا. نعم عودوا فالإبل أفضل وأنقى وأطهر من الخنازير لكن تعامينا فهل من مبصر؟!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
- (1) الدوقادوستا معسكر بريطانى كان فى بنغازى – ليبيا قبل الثورة وا ُجلى بعدها..
- (2) العدم قاعدة بريطانية كانت جاثمة فى مدينة طبرق ، حررت بعد الثورة واسمها الآن قاعدة جمال عبد الناصر.
- (3) ويلس اكبر قاعدة امريكية خارج الولايات المتحدة ، وكانت فى طرابلس تم تحريرها بعد الثورة واسمها الآن قاعدة معيتيقة..ومعيتيقة هو اسم الطفلة الشهيدة التى سقطت بفعل التدريبات الامريكية فوق الارض الليبية..
تروي في التراث العربي قصة معروفة للمعتمد ابن عباد وهو أحد أمراء الأندلس، أنه عندما ضاق عليه الخناق بسبب الفرنجة، وأصبحوا على مشارف عاصمته، بعث في طلب النجدة من يوسف ابن تاشفين لإنقاذ بلاده من الاحتلال، عندئذ انزعجت زوجة ابنه الإسبانية (ولعلها زوجته) وقالت له كيف تستنجد بالأعراب المغاربة الأجلاف لكي يحولوك فيما بعد إلى راعي إبل عندهم، فقال لها قولته الشهيرة:
(أن أرعى الإبل عند ابن تاشفين، أفضل من أن أرعى الخنازير عند الفونس)
وفعلا أنجده ابن تاشفين، وكانت هذه الإغاثة سببا في بقاء العرب في الأندلس عدة قرون أخرى.
في هذا الزمن لم يعد لهذه القيم أي فعالية لكنها دروس من التاريخ، وقد لا يعيد التاريخ نفسه، لكن بالضرورة تعود أوضاع مشابهة تستلزم مواقف على ذات النحو وإن اختلفت الظروف والمعطيات وحتى الأشكال والمضامين. وفي هذا الزمن نجد بعضا من الناس كالصلعاء التي تتباهى بخصلات سيد تها!!، ولم يكن ليستلزم هذا التباهي إلا الخروج من قصة الانتماء التي هي وجود الإنسان في كل زمان ومكان، وقد يفاخر البعض بمواقف هي مدعاة للخزي عندما تتجاوز الأنانية وحب الذات في تفاصيلها السخيفة النظر إلى الحقيقة والمفاضلة بين موقفان ضدان: أحدهما هو الحق أو كما يقول الشاعر الليبي المرحوم حسين الحلافي:
ماذا يفيد تألمي وتذمري .. والناس بين منافق ومقصر
والصدق والإخلاص صارا سلعة .. بين الخلائق مالها من مشتر
ضدان ذا حق وذاك باطل .. أو كالظلام وكالصباح المسفر
والفرق بينهما جلي واضح .. لكن تعامينا فهل من مبصر
ليس من عاقل تغيب عنه الحقائق والمعطيات، والأزمات هي التي تحدد مواقف الرجال
الحقيقيين، وكذلك أولئك الذين يتباهون بما ينبغي لأن يُخجل!، وبدون استثناء فإن المخجلات معايب ترفضها الأخلاق والقيم المعيارية للإنسان السوي، والبطولات المجانية الزائفة والمفضوحة لن تصمد في مواجهة المواقف الصحيحة من التاريخ، وخير شاهد على ذلك هو بلاد الرافدين (العراق) وهو شاهد أبلغ من أي كلام، ومحصلة الموضوع أنك قد تخجل أحيانا بالنيابة عن أناس ضاعت منهم مكامن الشعور بالمخجلات المبكيات بسبب محن هي امتحان للإنسان المؤمن بقضيته (إذا وجدت!) وإن كان أي إنسان ينسى المخجلات، لا يمكن أن يحمل قضية في الأساس.
من هنا فإن الجمال أشرف وأنقى من الخنازير!! والموت فوق ترابك أجمل من الموت تحت رماح سدنة العهر السياسي!! ولكننا نجد من يتباهى بظل أمريكا، وحركة التاريخ تقول أنها زائلة لا محالة مهما طال انتظار هذا الزوال. صحيح أن الإنسان أحيانا يكون غريبا في وطنه، لكن الوطن محراب عشق لا يمكن أن نهاجر منه إلى غربة تدمي قلوبنا وتهين أطفالنا وتصدر لنا العذاب وتسمعنا رطانات أقرب إلى الفحيح في شوارع الغربة القاتلة، ونظل نمارس القهر ضد ذواتنا دون مبرر مقنع، فنشتاق إلى ملاعب طفولتنا، وتدمغنا أعين أطفالنا وهم بعيدا عن ملاعب أقرانهم الحقيقية. الهجرة يدفع ثمنها أطفالنا الأبرياء الذين سيتشربون ثقافة ليست لهم، ومدنا لا يملكون فيها قبرا يأويهم بعد الكهولة. قد يغترب الإنسان في الوطن، لكنه لا يخون، ولا يبيع ذكريات طفولته من أجل بضعة أفراد لا يمثلون نقاء المجتمع ونصاعته. أفراد يريدون الوطن لهم وحدهم، قرطاس في جيوبهم. صكوك في معابدهم ليس إلا. لكن في كل الأحوال فالوطن بخير بالخيرين الذين فيه، وعندما سمعت أحدهم في قناة الحرة الفضائية يتفاخر بظل أمريكا، شعرت بالغثيان والخزي، لأن هذه الأمريكا قد طردت ذليلة يوما ما من تراب العشق، وعلي ذاكرتنا ألا تكون ممسوحة لمجرد أن بعض الغبن قد طال البعض، فهناك أشياء جميلة بيننا. هناك وطن بلا احتلال ولا تبعية، هناك وطن لا ترفرف فيه أعلام صهيون، هناك وطن لم يخون، هناك وطن محرر، هناك وطن بلا داقادوستا (1)، بلا العدم(2)، بلا ويلس.(3) لماذا ننسى الأشياء الجميلة ونتذكر بضعة سلبيات صنعها التخلف ليس إلا؟.
هناك وطن لن يتحول الى عراق آخر وهذه مزية لو يعلم المتغربون كم هي عظيمة. أمريكا اشتريت بالمال لندرأ شرها وهذه مزية وعار عليها. تعني من بين ما تعني أنها دولة ما زال يحكمها آل كابوني وصيادي الجوائز والسراق والنهابين وقطاع الطرق ومتلقي الأتاوات، وبعض الذين هاجروا من الوطن أعرف أن الذي دفعهم إلى الهجرة هو تصرفات الأفراد بعينهم، لكنهم لا يمثلون بالضرورة كل الدولة، وتبقى الأشياء الجميلة كما هي جميلة، وأعرف قصص البعض. كفروا بكل جميل بعد أن حاصرتهم تلك الأدوات المعادية للجمال ليس إلا. وهذا مجتمع لا بد أن نعيش فيه ونعمل على نقله من التخلف إلى التقدم من داخله. من ملاعب الطفولة فيه، وشوارعه الطيبة ووجوهه الحسنة وخضرته التي تخلب الألباب.
وإذا كان لا بد من المفاضلة فإن الموقف الصحيح هو اختيار الموت في السجون (وإن كنت أرفضها) لكن الموت فيها أشرف من أن تشفع في البعض سلة الفضائح والدماء!!! أمريكا التي لم يعد لها مكان في هذا العالم إلا أوكار العصابات التي لا تنطلق منها إلا للسلب، وها هي تذهب للعراق كي تسلب ثرواته جهارا نهارا تحت مسميات مضحكة تدعو إلى الرثاء...هاهى التى تمرحون فى شوارعها تخرج لكم لسانها وتدعم بلا تحفظ حراب العدو فى رقاب اطفال لبنان وفلسطين ، هاهى تمدهم بوقود آلات الدمار وتقول لهم مزيدا من القهر والتنكيل والذبح فهذه امة برسم الزوال... أمريكا تلك التي تلطخت أيديها وأرجلها بدماء الشعوب الصغيرة العزلاء التي تستأسد عليها بالتقنية الجبانة وهي ليست معيارا للنصر، فما النصر بين الأعزل وحامل المدفع وأي مقارنة عاقلة بينهما، لذلك فظلها هو السعير بعينه وأشرف للإنسان أن يضحي أفضل من أن يعلن البطولات الزائفة على نحو مهين!!. لكن الشعور بالخزي حالة من الطهر والنبل يفقدها كل من لم يتجرد من ذاته وأنانيته. فهل استثني أصدقائي المتغربين وأقول أن الطهر ما زال حولهم؟؟ عودوا. نعم عودوا فالإبل أفضل وأنقى وأطهر من الخنازير لكن تعامينا فهل من مبصر؟!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
- (1) الدوقادوستا معسكر بريطانى كان فى بنغازى – ليبيا قبل الثورة وا ُجلى بعدها..
- (2) العدم قاعدة بريطانية كانت جاثمة فى مدينة طبرق ، حررت بعد الثورة واسمها الآن قاعدة جمال عبد الناصر.
- (3) ويلس اكبر قاعدة امريكية خارج الولايات المتحدة ، وكانت فى طرابلس تم تحريرها بعد الثورة واسمها الآن قاعدة معيتيقة..ومعيتيقة هو اسم الطفلة الشهيدة التى سقطت بفعل التدريبات الامريكية فوق الارض الليبية..
تعليق