( 1 )
خرج الرعاة مبكرين كعادتهم في كل صباح و أمامهم تتراكض الأغنام في طريقها إلى مرعاها المعهود الذي يصلها بأسباب الحياة إذ ليس في تلك القرية الجدباء مايسد رمقها ، وما أعجب أن يمر الطريق إلى الحياة عبر الموت .. فمقبرة القرية تقع في ذلك الحيز الضيق الذي ينساب الطريق إلى المرعى من خلاله .. وما أشده عجبا أن يرى الرعاة ذلك الذي اسموه حارس القبر أو عابده كما يحلو لبعضهم القول ، قد عدل على غير عادته عن الوضع الذي ألفه واعتاده الناس فيه منذ ان حل بهذه القفار فكان يُري في كل صباح ومساء اما جالساً او متكئاً ووجهه صوب ذلك القبر المنعزل عن بقية القبور والذي ضم رفات تلك المعتوهة التي عُرفت بأسم عجيبة .. كان يلازم هذا الوضع معظم ساعات يومه وقلما يعدل عنه لكأن الشمس تزّاور عنه في شروقها وتقرضه في غروبها .. ولا أحد يدري الكيفية التي يعيش بها هذا الغريب الأطوار وهو على هذا الحال .. فما ملكوا اكثر من أن اطلقوا عليه (حارس القبر) أو (عابد القبر) كما يحلو للبعض ان يقول .
أما في ذلك الصباح الباكر فقد كان الأمر جد مختلف إذا رأى الرعاة حارس القبر أو عابده ممدا فوق القبر كأنه في عناق معه ويداه مغروستان في ثراه .. ماذا في الأمر ياترى؟ هل إنتهج هذا الغريب نهجاً آخر في في عبادته لهذا القبر بعد أن ملّ ذلك الذي درج عليه لما يناهز العشرين عاماً او يزيد !! ولتبديد ما اعتراهم من ريب دنوا قليلاً من الموضع ليتبينوا سر ذلك التحول المفاجئ وألسنة بعضهم لاتكاد تكف عن تهكم وسخرية ، والبعض الآخر صامت لايدلي بشئ .. فمن بين أهل القرية من يرمي ذلك الغريب بالصلاح لغرابة أطواره بينما يضحك البعض من هذا الإفتراض تهكماً .. فأنّى لعبد مثله أن يكون صالحاً .. أنه لا أكثر من عبد معتوه أو ساحر .. وقد تحرش بعضهم به من قبل ذلك ليخرجوه من قريتهم ولكنهم لم يفلحوا فهو لم يقاومهم بل كان صامتاً صمت تلك القبور حيال كل المحاولات التي تمت من قبلهم سوى أن كانت بالضرب أو رشق بالحجارة أو غيرهما .. بل ولم يحاول حتى النظر في وجوه مهاجميه ، وإذ ذاك تركته الشرذمة من متطرفي القرية وشأنه بعد أن نصحهم البعض بالكف عن ذلك مخافة أن يكون هذا المخلوق من الصالحينً فتصيبهم لعنته أو ساحراً فيلحقهم كيده.
وإذ وقفوا عن كثب وجدوا حارس القبر ساكناً بلا حراك .. ممداً فوق كومة القبر وفي كلتا يديه قبضة من ثراه ولم تستطع مرارة الموت أن تنتزع عن وجهه تلك السعادة الظاهرة وذلك الإطمئنان البيِّن فبدأ كمن استغرق في سبات عميق يعج بأحلام المنى.
ولما لم يكن من بين اولئك الصبية من يملك خبرة عن كيفية التصرف في مثل هذه الأحوال فقد قفل بعضهم راجعاً إلى القرية يستنجد باهل المروءة و لم يطل الأمر حتى أقبل من أهل القرية نفر أزاحوا الميت عن موضعه وحملوه إلى ظل شجرة بعد أن ستروه ريثما يهيأ له قبر .. وانقضت المعاول تشق قبراً بجوار ذلك القبر الذي كان يحرسه غير أنها توقفت خضوعاً لإرادة الطبيعة إذ أن الأرض في ذلك الموضع كانت من القوة والصلابة بحيث لم يتمكن الرجال من مواصلة الحفر فتخلوا عن ذلك إلى موضع آخر في الجهة المقابلة .. ومرة اخري تهاوت المعاول تشق الثرى غير ان محاولتهم الثانية لم تكن باحسن من سابقتها فالأرض في هذا المكان متصلبة أيضاً فتوقف الرجال كل يزيح عن جبينه قطرات من العرق تراكمت حتى في غياب الشمس وكل يحدق في وجه الآخر حتى اشار كبيرهم لاهثاً إلى قبر عجيبة مقترحاً عليهم فتحه وإيلاج الجثة فيه جنباً إلى جنب مع ساكنته تلك المعتوهة التي كأن هذا الميت قد جاء ليمسك بخلافتها .. فلا الوافد ولا النزيل يربطهما بهذه الأصقاع رابط حتى يستحقان كل هذا الجهد أو ان يحظى كل منهما بقبر منفرد .. انهما لا أكثر من عبدين آبقين عابرا سبيل لايُعرف من امرهما شيئاً.
ولم يدر ذلك النفر وهم يهيلون التراب على القبر بعد أن اودعوه الجثة ان مافعلوه بمحض الصدفة كان غاية وأمالاً جساماً ثمنها عمر امرء ظل يعدو في الحياة منذ ان تفتق شبابه إلى اللحظة التي ولى فيها عن هذه الدنيا .. وهاهي الطبيعة تنصفه اخيراً فتحقق له غايته بعد ان ادركه الموت .. فإذا بالأرض قد استحالت صخراً لتفرض على من بدد سعادته وفرق شمله واستباح حريته ان يمهد له بيديه ودون ان يعلم لقاء ابديا لافراق بعده .. فهكذا الإنسان .. ظلوم جهول.
لقد وضعت تلك اللحظات خاتمة مأساة ينفطر لها كل قلب اؤتي من الرحمة مثقالا .. مأساة ترعرعت في غياب الضمير البشري فاستفحلت وعظم شأنها .. ولكن ماهي الا أيام قلائل فيندرس ذلك القبر ويصبح نسياً منسياً دون أن يعرف أحد عن أمر ساكنيه شيئاً .. وأنّى لأي من هؤلاء الرعاة بالحقيقة وبينهما بون شاسع .. قفار واحراش وجبال .. سهول وأودية .. فهي قاصية عن تلك الاصقاع .. تكمن في واد بعيد لايربطه وهذه القفار رابط ويختلف عنها في كل شئ .. تنام هنالك في احضان المروج وتشهد عليها تلك التلال الصخرية المحيطة بتلك القرية الافريقية وتخلدها ملحمة الصباح الباكي التي تردد في كل عيد حصاد.
كانت سحب الخريف الماطرة قد ارتحلت منذ ايام قلائل ولم يتخلف عن ركبها سوى غيوم متفرقة لايؤبه بها ، أو بقايا وحل في قيعان الأودية العميقة والبرك المتناثرة حول تلك القرية التي تكاد التلال الصخرية أن توصد منافذها من جميع الجهات عدا من جهتها الشرقية التي ادى انبساطها الى ان تتخذ حقولاً يزرع فيها الذرة والفول السوداني وغيرهما من المحاصيل التي يعتمد عليها في الغذاء .. الشمس ساطعة في كبد السماء والرياح قد غيرت مسارها لتفسح الطريق لفصل جديد ، وسنابل الذرة في الحقول قد نضجت وآن أوان حصادها ، وماهي الا ايام حتى يتم جمعها ، ثم يأتي بعد ذلك الاحتفال العظيم .. عيد الحصاد حيث ترقص القرية شيبا وشبابا ، وتعم الفرحة كل شبر فيها .. وتتواصل ايام اللهو والمرح وفقاً لكمية الغلة المحصودة فان كل المحصول وفيرا طالت وان قل قلت. وعلى ذلك فقد كان الفتية والفتيات هم اكثر اهل القرية حرصاً على ان يكون الحصاد وفيراً فلا غرابة ان خرجوا جميعاً وايديهم تهز بقوة كرات نحاسية مقفلة وضعت في داخلها حصيات صغيرة تحدث صليلاً يفزع العصافير فيبعدها عن الحقول لتسلم من كيدها تلك السنابل التي يتحكم مقدار حبيباتها في موسم الإفراح. كانت الفرحة في مثل تلك الأيام ترتسم على كل وجه في القرية فترتفع الحناجر بالغناء والأناشيد إستقبالاً لذلك العيد الذي تتوق وتهفو اليه افئدة الشباب فتشتعل حُباً مثلما تشتعل تلك السنابل حَباً.
وإلى عهد ليس بالبعيد كان اذا دنى موسم الحصاد وخرج الصبية من اكواخهم في تلك التلال وهم يقرعون نواقيسهم ليبعدوا العصافير عن الحقول كانت تخرج إليهم الجدة (توجو) تلك الهرمة التي لايعرف احد عمرها الحقيقي ولكن هيئتها كانت تدل على انها تجاوزت المائة عام ربما بكثير ، اذ لم يبق من اترابها أو حتى من جيلين اعقبا جيلها أثر .. جميعهم رحلوا عن هذه الدنيا منذ زمن بعيد ولم يبق من تلك الأجيال سواها .. مجموعة عظام يحفظها جلد بالٍ لاتحصى عدد طياته .. وكانت تظل في كوخها معظم أيام السنة ولاتكاد تبرحه الا عندما يحين موسم الحصاد كأن رائحة السنابل الناضجة تجتذبها مثلما تجتذب اسراب تلك العصافير .. فتقف مستندة على عصاها عند اطراف الحقول وترغى بترهات لايفهم صبية الحقول منها شيئاً .. فأسنانها قد تساقطت جميعها منذ أمد وانطبق فكاها حتى عاد فمها مثل محفظة جلدية بالية. ولكن قلة من الناس كانوا يعرفون ماذا تقول .. فهي تطلب من الفتية والفتيات أن يحتموا بمغاراتهم في تلك التلال الصخرية وان يدعوا الطير يقتات من هذه الحقول حتى لا يقتات من اجسادهم .. أما اولئك الصبية فما كانوا يأبهون بقولها لانهم لايعون من الامر شيئاً .. ولكنها دأبت على ذلك حتى اصبحت وكأنها فقرة من مراسم العيد .. وكانت مشاركتها تقتصر على ذلك الى ان ادركها الموت فأراحها وألحقها باترابها الذين سبقوها الى الدار الآخرة. ورغم ان هذا العيد هو عيد الفرح والمرح الا ان هنالك فقرة من فقراته وهي الاخيرة يحرص جميع اهل القرية كباراً وصغاراً على حضورها وهي ماتعرف لديهم بملحمة الموسم الباكي فهي فقرة شجية حزينة .. مرثية تبكي فتية من فتيان هذه القرية اخذوا من ديارهم عنوة .. ظلت ترددها الاجيال عبر السنين في كل موسم من مواسم الحصاد ولعلها تردد لخمسين أو ستين عاماً مضت .. فيلتف أهل القرية في حلقة واسعة يقف الرجال في جهة منها والنساء في الجهة الاخرى...
في ذاك الصباح تلبدت بعض الغيوم
وامطرت السماء بعد ان ولى الخريف
وأوجس القوم خيفة وتعجبوا..!
انى للسماء بهذا وقد عادت الى مهجرها الطيور..!
وغيرت مجراها الرياح
ونظرت الأم (ميكاكا) ملياً تتفرس وجه ذاك الصباح
ثم عادت مقطبة الجبين
اذ لم تر في الافق نورا
لم ترحنا نظراتها
ولكنا تفاءلنا خيرا
ومضينا لاندري شيئاً
حتى اقبل صباح كأنه الليل البهيم
واغار غرباء
على ظهر خيول
والفتية في قلب الحقول
يحرسون السنابل من كيد الطيور
يلهون في بشر وفي قلوبهم اينعت فرحة العيد
فها هوا آت نكاد نسمع وقع خطاه
غدا يرقص جميعنا على دقات الدفوف
ونجمع الحصاد اكواما كالجبال
ونأكل وتأكل الاغنام والدواب
فهي لاشك فرحة بمقدم العيد كحالنا
سوف نصلي للسماء ونبتهل مليّا
ان كفتنا خبزاً وضرعاً
ولكن...
اغار اولئك النفر وفي ايديهم الرعد
يزمجر وهو رهين قضيب ذو عنق طويل
تفوح منه رائحة الحجارة عندما تحتك ببعضها
وارتاع الصبية في الحقول..
كأرانب وحشية تطوقها كلاب
اقتيدوا مكبلين بالقيود
صبية وصبايا واطفال صغار
اقتلعوا من اصلهم في وضح النهار
فكيف لنبتة أن تحيا بلا جذور
ومن حيث ساروا انبعثت رائحة الافراح الميتة في القلوب
ما ابشع ان تموت الفرحة في المشاعر
وخلت تلك الحقول
الا من بعض خزاريف وبقايا ارغفة ممرغة في التراب
بعضهم لم يكمل افطار الصباح
ولم يهنأ ذاك الصبي بخزروفه الجديد
ولا تلك الفتاة بتميمة العيد
لم يأخذوا من اغراضهم سوى تلك البهجة التي كانت تزين التلال والمروج
وانقضت اسراب العصافير على اكواز الذرة
تشقشق في حبور اذ خلت من فتيتها تلك القرى
وتسخر من احجار النواقيس المتناثرة في ارجاء الحقول
فتحط في كبريا ء لتقضي حاجتها عليها
***
مضوا جميعا وفي ركبهم مضت الأفراح
ساعتها ادركنا ان السماء لم تكن تمطر
انه بكاء السماء .. على من مضوا
وادركنا اذ كانت الأقدار ما رأت
لماذا انقبضت اسارير (ميكاكا) العجوز
بعد ان نظرت في الأفق طويلا ذاك الصباح
فقد رأت ما لانرى ..
خرج الرعاة مبكرين كعادتهم في كل صباح و أمامهم تتراكض الأغنام في طريقها إلى مرعاها المعهود الذي يصلها بأسباب الحياة إذ ليس في تلك القرية الجدباء مايسد رمقها ، وما أعجب أن يمر الطريق إلى الحياة عبر الموت .. فمقبرة القرية تقع في ذلك الحيز الضيق الذي ينساب الطريق إلى المرعى من خلاله .. وما أشده عجبا أن يرى الرعاة ذلك الذي اسموه حارس القبر أو عابده كما يحلو لبعضهم القول ، قد عدل على غير عادته عن الوضع الذي ألفه واعتاده الناس فيه منذ ان حل بهذه القفار فكان يُري في كل صباح ومساء اما جالساً او متكئاً ووجهه صوب ذلك القبر المنعزل عن بقية القبور والذي ضم رفات تلك المعتوهة التي عُرفت بأسم عجيبة .. كان يلازم هذا الوضع معظم ساعات يومه وقلما يعدل عنه لكأن الشمس تزّاور عنه في شروقها وتقرضه في غروبها .. ولا أحد يدري الكيفية التي يعيش بها هذا الغريب الأطوار وهو على هذا الحال .. فما ملكوا اكثر من أن اطلقوا عليه (حارس القبر) أو (عابد القبر) كما يحلو للبعض ان يقول .
أما في ذلك الصباح الباكر فقد كان الأمر جد مختلف إذا رأى الرعاة حارس القبر أو عابده ممدا فوق القبر كأنه في عناق معه ويداه مغروستان في ثراه .. ماذا في الأمر ياترى؟ هل إنتهج هذا الغريب نهجاً آخر في في عبادته لهذا القبر بعد أن ملّ ذلك الذي درج عليه لما يناهز العشرين عاماً او يزيد !! ولتبديد ما اعتراهم من ريب دنوا قليلاً من الموضع ليتبينوا سر ذلك التحول المفاجئ وألسنة بعضهم لاتكاد تكف عن تهكم وسخرية ، والبعض الآخر صامت لايدلي بشئ .. فمن بين أهل القرية من يرمي ذلك الغريب بالصلاح لغرابة أطواره بينما يضحك البعض من هذا الإفتراض تهكماً .. فأنّى لعبد مثله أن يكون صالحاً .. أنه لا أكثر من عبد معتوه أو ساحر .. وقد تحرش بعضهم به من قبل ذلك ليخرجوه من قريتهم ولكنهم لم يفلحوا فهو لم يقاومهم بل كان صامتاً صمت تلك القبور حيال كل المحاولات التي تمت من قبلهم سوى أن كانت بالضرب أو رشق بالحجارة أو غيرهما .. بل ولم يحاول حتى النظر في وجوه مهاجميه ، وإذ ذاك تركته الشرذمة من متطرفي القرية وشأنه بعد أن نصحهم البعض بالكف عن ذلك مخافة أن يكون هذا المخلوق من الصالحينً فتصيبهم لعنته أو ساحراً فيلحقهم كيده.
وإذ وقفوا عن كثب وجدوا حارس القبر ساكناً بلا حراك .. ممداً فوق كومة القبر وفي كلتا يديه قبضة من ثراه ولم تستطع مرارة الموت أن تنتزع عن وجهه تلك السعادة الظاهرة وذلك الإطمئنان البيِّن فبدأ كمن استغرق في سبات عميق يعج بأحلام المنى.
ولما لم يكن من بين اولئك الصبية من يملك خبرة عن كيفية التصرف في مثل هذه الأحوال فقد قفل بعضهم راجعاً إلى القرية يستنجد باهل المروءة و لم يطل الأمر حتى أقبل من أهل القرية نفر أزاحوا الميت عن موضعه وحملوه إلى ظل شجرة بعد أن ستروه ريثما يهيأ له قبر .. وانقضت المعاول تشق قبراً بجوار ذلك القبر الذي كان يحرسه غير أنها توقفت خضوعاً لإرادة الطبيعة إذ أن الأرض في ذلك الموضع كانت من القوة والصلابة بحيث لم يتمكن الرجال من مواصلة الحفر فتخلوا عن ذلك إلى موضع آخر في الجهة المقابلة .. ومرة اخري تهاوت المعاول تشق الثرى غير ان محاولتهم الثانية لم تكن باحسن من سابقتها فالأرض في هذا المكان متصلبة أيضاً فتوقف الرجال كل يزيح عن جبينه قطرات من العرق تراكمت حتى في غياب الشمس وكل يحدق في وجه الآخر حتى اشار كبيرهم لاهثاً إلى قبر عجيبة مقترحاً عليهم فتحه وإيلاج الجثة فيه جنباً إلى جنب مع ساكنته تلك المعتوهة التي كأن هذا الميت قد جاء ليمسك بخلافتها .. فلا الوافد ولا النزيل يربطهما بهذه الأصقاع رابط حتى يستحقان كل هذا الجهد أو ان يحظى كل منهما بقبر منفرد .. انهما لا أكثر من عبدين آبقين عابرا سبيل لايُعرف من امرهما شيئاً.
ولم يدر ذلك النفر وهم يهيلون التراب على القبر بعد أن اودعوه الجثة ان مافعلوه بمحض الصدفة كان غاية وأمالاً جساماً ثمنها عمر امرء ظل يعدو في الحياة منذ ان تفتق شبابه إلى اللحظة التي ولى فيها عن هذه الدنيا .. وهاهي الطبيعة تنصفه اخيراً فتحقق له غايته بعد ان ادركه الموت .. فإذا بالأرض قد استحالت صخراً لتفرض على من بدد سعادته وفرق شمله واستباح حريته ان يمهد له بيديه ودون ان يعلم لقاء ابديا لافراق بعده .. فهكذا الإنسان .. ظلوم جهول.
لقد وضعت تلك اللحظات خاتمة مأساة ينفطر لها كل قلب اؤتي من الرحمة مثقالا .. مأساة ترعرعت في غياب الضمير البشري فاستفحلت وعظم شأنها .. ولكن ماهي الا أيام قلائل فيندرس ذلك القبر ويصبح نسياً منسياً دون أن يعرف أحد عن أمر ساكنيه شيئاً .. وأنّى لأي من هؤلاء الرعاة بالحقيقة وبينهما بون شاسع .. قفار واحراش وجبال .. سهول وأودية .. فهي قاصية عن تلك الاصقاع .. تكمن في واد بعيد لايربطه وهذه القفار رابط ويختلف عنها في كل شئ .. تنام هنالك في احضان المروج وتشهد عليها تلك التلال الصخرية المحيطة بتلك القرية الافريقية وتخلدها ملحمة الصباح الباكي التي تردد في كل عيد حصاد.
كانت سحب الخريف الماطرة قد ارتحلت منذ ايام قلائل ولم يتخلف عن ركبها سوى غيوم متفرقة لايؤبه بها ، أو بقايا وحل في قيعان الأودية العميقة والبرك المتناثرة حول تلك القرية التي تكاد التلال الصخرية أن توصد منافذها من جميع الجهات عدا من جهتها الشرقية التي ادى انبساطها الى ان تتخذ حقولاً يزرع فيها الذرة والفول السوداني وغيرهما من المحاصيل التي يعتمد عليها في الغذاء .. الشمس ساطعة في كبد السماء والرياح قد غيرت مسارها لتفسح الطريق لفصل جديد ، وسنابل الذرة في الحقول قد نضجت وآن أوان حصادها ، وماهي الا ايام حتى يتم جمعها ، ثم يأتي بعد ذلك الاحتفال العظيم .. عيد الحصاد حيث ترقص القرية شيبا وشبابا ، وتعم الفرحة كل شبر فيها .. وتتواصل ايام اللهو والمرح وفقاً لكمية الغلة المحصودة فان كل المحصول وفيرا طالت وان قل قلت. وعلى ذلك فقد كان الفتية والفتيات هم اكثر اهل القرية حرصاً على ان يكون الحصاد وفيراً فلا غرابة ان خرجوا جميعاً وايديهم تهز بقوة كرات نحاسية مقفلة وضعت في داخلها حصيات صغيرة تحدث صليلاً يفزع العصافير فيبعدها عن الحقول لتسلم من كيدها تلك السنابل التي يتحكم مقدار حبيباتها في موسم الإفراح. كانت الفرحة في مثل تلك الأيام ترتسم على كل وجه في القرية فترتفع الحناجر بالغناء والأناشيد إستقبالاً لذلك العيد الذي تتوق وتهفو اليه افئدة الشباب فتشتعل حُباً مثلما تشتعل تلك السنابل حَباً.
وإلى عهد ليس بالبعيد كان اذا دنى موسم الحصاد وخرج الصبية من اكواخهم في تلك التلال وهم يقرعون نواقيسهم ليبعدوا العصافير عن الحقول كانت تخرج إليهم الجدة (توجو) تلك الهرمة التي لايعرف احد عمرها الحقيقي ولكن هيئتها كانت تدل على انها تجاوزت المائة عام ربما بكثير ، اذ لم يبق من اترابها أو حتى من جيلين اعقبا جيلها أثر .. جميعهم رحلوا عن هذه الدنيا منذ زمن بعيد ولم يبق من تلك الأجيال سواها .. مجموعة عظام يحفظها جلد بالٍ لاتحصى عدد طياته .. وكانت تظل في كوخها معظم أيام السنة ولاتكاد تبرحه الا عندما يحين موسم الحصاد كأن رائحة السنابل الناضجة تجتذبها مثلما تجتذب اسراب تلك العصافير .. فتقف مستندة على عصاها عند اطراف الحقول وترغى بترهات لايفهم صبية الحقول منها شيئاً .. فأسنانها قد تساقطت جميعها منذ أمد وانطبق فكاها حتى عاد فمها مثل محفظة جلدية بالية. ولكن قلة من الناس كانوا يعرفون ماذا تقول .. فهي تطلب من الفتية والفتيات أن يحتموا بمغاراتهم في تلك التلال الصخرية وان يدعوا الطير يقتات من هذه الحقول حتى لا يقتات من اجسادهم .. أما اولئك الصبية فما كانوا يأبهون بقولها لانهم لايعون من الامر شيئاً .. ولكنها دأبت على ذلك حتى اصبحت وكأنها فقرة من مراسم العيد .. وكانت مشاركتها تقتصر على ذلك الى ان ادركها الموت فأراحها وألحقها باترابها الذين سبقوها الى الدار الآخرة. ورغم ان هذا العيد هو عيد الفرح والمرح الا ان هنالك فقرة من فقراته وهي الاخيرة يحرص جميع اهل القرية كباراً وصغاراً على حضورها وهي ماتعرف لديهم بملحمة الموسم الباكي فهي فقرة شجية حزينة .. مرثية تبكي فتية من فتيان هذه القرية اخذوا من ديارهم عنوة .. ظلت ترددها الاجيال عبر السنين في كل موسم من مواسم الحصاد ولعلها تردد لخمسين أو ستين عاماً مضت .. فيلتف أهل القرية في حلقة واسعة يقف الرجال في جهة منها والنساء في الجهة الاخرى...
في ذاك الصباح تلبدت بعض الغيوم
وامطرت السماء بعد ان ولى الخريف
وأوجس القوم خيفة وتعجبوا..!
انى للسماء بهذا وقد عادت الى مهجرها الطيور..!
وغيرت مجراها الرياح
ونظرت الأم (ميكاكا) ملياً تتفرس وجه ذاك الصباح
ثم عادت مقطبة الجبين
اذ لم تر في الافق نورا
لم ترحنا نظراتها
ولكنا تفاءلنا خيرا
ومضينا لاندري شيئاً
حتى اقبل صباح كأنه الليل البهيم
واغار غرباء
على ظهر خيول
والفتية في قلب الحقول
يحرسون السنابل من كيد الطيور
يلهون في بشر وفي قلوبهم اينعت فرحة العيد
فها هوا آت نكاد نسمع وقع خطاه
غدا يرقص جميعنا على دقات الدفوف
ونجمع الحصاد اكواما كالجبال
ونأكل وتأكل الاغنام والدواب
فهي لاشك فرحة بمقدم العيد كحالنا
سوف نصلي للسماء ونبتهل مليّا
ان كفتنا خبزاً وضرعاً
ولكن...
اغار اولئك النفر وفي ايديهم الرعد
يزمجر وهو رهين قضيب ذو عنق طويل
تفوح منه رائحة الحجارة عندما تحتك ببعضها
وارتاع الصبية في الحقول..
كأرانب وحشية تطوقها كلاب
اقتيدوا مكبلين بالقيود
صبية وصبايا واطفال صغار
اقتلعوا من اصلهم في وضح النهار
فكيف لنبتة أن تحيا بلا جذور
ومن حيث ساروا انبعثت رائحة الافراح الميتة في القلوب
ما ابشع ان تموت الفرحة في المشاعر
وخلت تلك الحقول
الا من بعض خزاريف وبقايا ارغفة ممرغة في التراب
بعضهم لم يكمل افطار الصباح
ولم يهنأ ذاك الصبي بخزروفه الجديد
ولا تلك الفتاة بتميمة العيد
لم يأخذوا من اغراضهم سوى تلك البهجة التي كانت تزين التلال والمروج
وانقضت اسراب العصافير على اكواز الذرة
تشقشق في حبور اذ خلت من فتيتها تلك القرى
وتسخر من احجار النواقيس المتناثرة في ارجاء الحقول
فتحط في كبريا ء لتقضي حاجتها عليها
***
مضوا جميعا وفي ركبهم مضت الأفراح
ساعتها ادركنا ان السماء لم تكن تمطر
انه بكاء السماء .. على من مضوا
وادركنا اذ كانت الأقدار ما رأت
لماذا انقبضت اسارير (ميكاكا) العجوز
بعد ان نظرت في الأفق طويلا ذاك الصباح
فقد رأت ما لانرى ..
تعليق