الكذاب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    الكذاب

    الكذاب
    اسمه سليم . الجميع أصدقاؤه ، و لا أحد يستغني عنه . تراه في كل مكان وفي أي زمان . يحضر في وقت لا يتوقعه أحد ، و يغيب متى كانت الحاجة ماسة إليه . .يداوم على الصلاة وغالبا ما يرى ثملا يترنح في الأزقة وقد انتصف الليل . هو مرجع لا ينضب من المعلومات . من الكرة إلى السياسة ، مرورا بأسرار الحي والمدينة وانتهاء بالفن وكل أصنافه . فهو مثلا يعشق فريق " البارصا " ويخوض أتون النقاشات في المقاهي . ويسرد كل ما يجري عبر العالم وما يطبخ في نيويورك ولندن ويعلم أدق تفاصيل الصراع في الصومال والسودان والعراق و أفغانستان ولبنان وفلسطين ، ويعجب بالصين و أفلام "بروس لي" ، ويتنبأ بحرب "الشياطين الصفر" مع أمريكا . هو قاموس لأسماء الفنانين العرب والعجم . أما خفايا الحي والمدينة فلا أحد يضاهيه معرفة واطلاعا . زوجته تبهر الناظر إليها بحسنها ، لكنه كثيرا ما يشاهد رفقة بعض الغيد في أحد المقاهي المطلة على البحر . هنا بجده كل من يبحث عنه ، أو يجد من يدله عليه . وغالبا ما يكون صحبة رفيقيه الدائمين ، نور الدين المدرس و أحمد النجار . لكنهما اليوم وحيدان ، وفي عيونهما ما ينم على لهفتهما لمجيئه في هذه اللحظة ، خاصة أحمد .
    - أتراه يأتي اليوم ؟
    - لا أدري... أنت تعلم أنه كالزئبق .. مالك ؟ .. أراك متوترا اليوم ؟
    - لا أكتمك أني مدين لأحدهم بمبلغ هام ، وقد وعدني سليم بالاتصال به واستخدام نفوذه ودالته عليه كصديق كي لا يسلم الشيك بدون رصيد للمحكمة .
    - مسيلمة ؟...وهل صدقته ؟
    ابتسم أحمد ابتسامة باهتة وقال :
    - كلا.. ولكن في مثل حالتي .. أصدق أكذب منه ... و آمل أن يكون صادقا ولو لمرة واحدة .
    روح النكتة . السخرية . اللباقة . كل هذا اشتهر به سليم . لكن الكثيرين يعيبون عليه كثرة الكذب وترويج الأخبار الكاذبة . فهو مثلا يفاجئ زملاءه في منتصف الليل عبر الهاتف ليخبرهم أن قنوات التلفزة عرضت للتو خبرا مفاده أن دولا عربية وإسلامية قررت الانسحاب من الأمم المتحدة ولم تعد تعترف بمجلس الأمن ، و مرة جاء إلى المقهى لاهثا ليقول إن أمريكا انتخبت رئيسا من الوسط العلمي والأدبي ، ومرة أخرى أقسم بأغلظ الإيمان أن رئيسا عربيا تنازل عن الحكم وانصرف إلى التأليف . – مسيلمة ؟.. لا أظن.. اعذرني يا أخي ..
    يسود الصمت ويعلو صياح النوارس ممزوجا بهدير الأمواج . يتشاغل أحمد بالضغط على أزرار الهاتف المحمول كأنما يستعجل تلقي مكالمة أو رسالة . لو كان سليم يحمل معه هاتفه لاتصل به ، لكنه لا يدع أثرا يدل على مكانه إلى أن يفاجئ المنتظر من مكان ما . ترى هل فات الأوان ؟.. شيك بدون رصيد ؟ .. لو يخلصه سليم من هذه الورطة .. لن ينسى له هذا .. كل شيء ممكن .. لكن .. ألا يكون سليم قد كذب عليه للتخلص من شكواه ؟
    رن الهاتف فجذب يده مرتاعا كأنما لسعتها عقرب ، ثم مدها نحو الهاتف ونهض ليمشي بضع خطوات ، كأنه خشي أن يطلع الآخر على خيبته .
    - آلو.. سليم ؟ ... الحمد لله.. هيه .. ما الجديد ؟
    ساد الصمت برهة . تظر إليه نور الدين محاولا أن يستشف شيئا .. مفاجأة سارة ؟... صدمة ؟
    - أخي أحمد .. أرجو منك أن تتجلد كالرجال .. لدي خبران محزنان لك .
    - ..............
    - هل تسمعني ؟ ... آلو ؟
    -... تكلم .. سليم.. أنا معك .
    - آسف جدا .. وجدت الرجل ... لكن .. فات الأوان.. أخبرني أنه... أنا آسف جدا .. لم أستطع فعل أي شيء .
    -...............
    - ثم هناك خبر آخر .. هل تعلم أن صديقنا نور الدين ... رحمه الله ؟
    - من ؟
    - نور الدين .. الأستاذ .. لقد توفي منذ لحظات ..و..
    - اذهب لعنة الله عليك أيها الأفاق الخبيث .
    أطفأ هاتفه وقهقه ملتفتا نحو الآخر وقد شملته سعادة لا توصف.. النادل يمد يده ليلفت انتباهه . حشد كبير يحيط بالطاولة ..
    - ماذا جرى ؟..
    - لا أدري.. ولكن يبدو أن صاحبك أصيب بوعكة صحية ..لا تقلق ..
    يشتد اللغط ويعلو الهرج والصياح ..
    - أفسحوا.. دعوه يتنفس .. لقد أغمي عليه .
    - دعوه.. ها هو الدكتور.. لحسن الحظ أنه موجود هنا.. تفضل يا دكتور .
    يتقدم الطبيب فتشرئب العيون وتتطاول الأعناق ، ويسود الصمت .
    - قضي الأمر .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. ربما يكون قد أصيب بأزمة قلبية .. سوف نرى .
    تسري همهمة بين الجموع ، بينما تنطلق قهقهة من الخلف . تصوب الأنظار في استنكار واضح نحو أحمد ..
    - لا حول ولا قوة إلا بالله... كان صديقه الوفي ..
    ينظر إليهم وهو لا يزال يقهقه :
    - لأول مرة يصدق هذا الكذاب ... يا للعجب .
    وفي لحظة ، يتوقف عن الضحك مذهولا .. ويتهالك على المقعد منتحبا .
    التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 22-05-2009, 22:21.
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #2
    أخي الأستاذ المبدع رشيد تحية ود و ورد !
    قصة جميلة و قلم أجمل و أسلوب رائع و لغة عربية أروع !
    لقد شدني عنوان قصتك لأن لي مقالات كثيرة عن الكذب و فنونه و فلسفته كتبتها منذ سنين و نشرتها في الصحافة الورقية و ربما أنشر بعضها هنا لنرى أن للكذب "مزية" (؟!!!) و هي أنه يفضح صاحبه طال الزمن أم قصر.
    و ليس عجبا أن يتفهم الإسلام زنا الزاني و سرقة السارق و شرب الخمر و لا يقر الكذب مهما كان صغيرا أو مزاحا.
    ليتك جعلت العنوان "الصديق" القاتل !
    تحيتي لك أيها المبدع و زدنا من روائعك !
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • رشيد الميموني
      مشرف في ملتقى القصة
      • 14-09-2008
      • 1533

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة حسين ليشوري مشاهدة المشاركة
      أخي الأستاذ المبدع رشيد تحية ود و ورد !
      قصة جميلة و قلم أجمل و أسلوب رائع و لغة عربية أروع !
      لقد شدني عنوان قصتك لأن لي مقالات كثيرة عن الكذب و فنونه و فلسفته كتبتها منذ سنين و نشرتها في الصحافة الورقية و ربما أنشر بعضها هنا لنرى أن للكذب "مزية" (؟!!!) و هي أنه يفضح صاحبه طال الزمن أم قصر.
      و ليس عجبا أن يتفهم الإسلام زنا الزاني و سرقة السارق و شرب الخمر و لا يقر الكذب مهما كان صغيرا أو مزاحا.
      ليتك جعلت العنوان "الصديق" القاتل !
      تحيتي لك أيها المبدع و زدنا من روائعك !
      الأخ العزيز الأستاذ حسين
      بقدر ما أبهجني مرورك و اسعدني ثناؤك فإن حديثك عن مقالاتك حول الكذب أجج في الشوق لقراءتها ، و أنا أعتبر عبارتك "ربما أنشر بعضها هنا" وعدا منك وأنا في انتظار هذه المقالات ..
      شكرا لك أخي من كل قلبي
      ودمت بكل الود

      تعليق

      • محمد الطيب يوسف
        أديب وكاتب
        • 29-08-2008
        • 235

        #4
        أ/ رشيد الميموني

        نص شيق ومتتابع كأنفاس الخيل يجبرك علي الركض خلفة حتي نقطة الختام

        لم يغب عن بالي إشاراتك الخفية لكذبات سليم (إن صح الجمع) وضربك بأمثلة يجمع الكل علي استحالتها في واقعنا المعاش

        كم تمنيت أن يكون كاذباَ في الأخيرة ولكنه خذلني كما اعتاد وكان صادقاَ( تباً له)

        ودي الأكيد
        صفحتي الخاصة

        http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299

        تعليق

        • رشيد الميموني
          مشرف في ملتقى القصة
          • 14-09-2008
          • 1533

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة محمد الطيب يوسف مشاهدة المشاركة
          أ/ رشيد الميموني

          نص شيق ومتتابع كأنفاس الخيل يجبرك علي الركض خلفة حتي نقطة الختام

          لم يغب عن بالي إشاراتك الخفية لكذبات سليم (إن صح الجمع) وضربك بأمثلة يجمع الكل علي استحالتها في واقعنا المعاش

          كم تمنيت أن يكون كاذباَ في الأخيرة ولكنه خذلني كما اعتاد وكان صادقاَ( تباً له)

          ودي الأكيد
          أخي محمد الطيب
          ما أبهجني حقا هو سبرك لأغوار هذه القصة و إلمامك بجزئياتها فجاء تحليلك مطابقا تماما لما أردت الوصول إليه ..
          كلماتك تحمل من اسمك طيبتها .
          سعدت كثيرا بمرورك .
          يدي ممدودة تصافحك و تنشد صداقتك ..
          بكل الحب والمودة .

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            الزميل القدير
            رشيد الميموني
            رائعة قصتك (( الكذاب )) هذه
            تعودت أن أدخل نصوصك وأنا متيقنة بأني سأجد نفحة جديدة
            وفعلا لايخيب ظني
            لنا مثل نقوله في العراق عن الكذاب (( يفوتك من الكذاب صدق كثير)) وهذا المثل يضرب على الذين يخلطون الأوراق مثل بطل قصتك
            تحياتي لك سيدي
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • رشيد الميموني
              مشرف في ملتقى القصة
              • 14-09-2008
              • 1533

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
              الزميل القدير
              رشيد الميموني
              رائعة قصتك (( الكذاب )) هذه
              تعودت أن أدخل نصوصك وأنا متيقنة بأني سأجد نفحة جديدة
              وفعلا لايخيب ظني
              لنا مثل نقوله في العراق عن الكذاب (( يفوتك من الكذاب صدق كثير)) وهذا المثل يضرب على الذين يخلطون الأوراق مثل بطل قصتك
              تحياتي لك سيدي
              الأخت الغالية الأديبة عائدة
              لا يمكن أن أطلع على تعقيبك دون أن أجد تلك النكهة النقدية المشجعة من بين حروفك .. وتأخري في الرد على هذا التعقيب لم يكن إهمالا بقدر ماكان بسبب ظروف اضطرتني للتغيب و عدم الاطلاع على مواد الملتقى
              ثقي سيدتي في مودتي وتقديري وكذا لامتناني على تشجيعك الدائم

              بكل الود

              تعليق

              • مها راجح
                حرف عميق من فم الصمت
                • 22-10-2008
                • 10970

                #8
                الكاتب والأستاذ رشيد الميموني

                هذا الكاذب أدهشنا بكذبته الأخيرة والتي سبقت موت الرجل
                قصة مدهشة وباذخة باللغة الجميلة والاسلوب البسيط


                دمت بخير


                *
                رحمك الله يا أمي الغالية

                تعليق

                • رشيد الميموني
                  مشرف في ملتقى القصة
                  • 14-09-2008
                  • 1533

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
                  الكاتب والأستاذ رشيد الميموني

                  هذا الكاذب أدهشنا بكذبته الأخيرة والتي سبقت موت الرجل
                  قصة مدهشة وباذخة باللغة الجميلة والاسلوب البسيط
                  دمت بخير


                  *
                  أختي مها
                  أسعدتني قراءتك المتمعنة للقصة وسبرك لأغوارها و أسعدني أكثر هذا التواصل من جانبك ، وهو حتما سيشجعني على العطاء .
                  كوني دوما بالجوار .
                  دمت بكل المودة و التقدير

                  تعليق

                  يعمل...
                  X