الكذاب
اسمه سليم . الجميع أصدقاؤه ، و لا أحد يستغني عنه . تراه في كل مكان وفي أي زمان . يحضر في وقت لا يتوقعه أحد ، و يغيب متى كانت الحاجة ماسة إليه . .يداوم على الصلاة وغالبا ما يرى ثملا يترنح في الأزقة وقد انتصف الليل . هو مرجع لا ينضب من المعلومات . من الكرة إلى السياسة ، مرورا بأسرار الحي والمدينة وانتهاء بالفن وكل أصنافه . فهو مثلا يعشق فريق " البارصا " ويخوض أتون النقاشات في المقاهي . ويسرد كل ما يجري عبر العالم وما يطبخ في نيويورك ولندن ويعلم أدق تفاصيل الصراع في الصومال والسودان والعراق و أفغانستان ولبنان وفلسطين ، ويعجب بالصين و أفلام "بروس لي" ، ويتنبأ بحرب "الشياطين الصفر" مع أمريكا . هو قاموس لأسماء الفنانين العرب والعجم . أما خفايا الحي والمدينة فلا أحد يضاهيه معرفة واطلاعا . زوجته تبهر الناظر إليها بحسنها ، لكنه كثيرا ما يشاهد رفقة بعض الغيد في أحد المقاهي المطلة على البحر . هنا بجده كل من يبحث عنه ، أو يجد من يدله عليه . وغالبا ما يكون صحبة رفيقيه الدائمين ، نور الدين المدرس و أحمد النجار . لكنهما اليوم وحيدان ، وفي عيونهما ما ينم على لهفتهما لمجيئه في هذه اللحظة ، خاصة أحمد .
- أتراه يأتي اليوم ؟
- لا أدري... أنت تعلم أنه كالزئبق .. مالك ؟ .. أراك متوترا اليوم ؟
- لا أكتمك أني مدين لأحدهم بمبلغ هام ، وقد وعدني سليم بالاتصال به واستخدام نفوذه ودالته عليه كصديق كي لا يسلم الشيك بدون رصيد للمحكمة .
- مسيلمة ؟...وهل صدقته ؟
ابتسم أحمد ابتسامة باهتة وقال :
- كلا.. ولكن في مثل حالتي .. أصدق أكذب منه ... و آمل أن يكون صادقا ولو لمرة واحدة .
روح النكتة . السخرية . اللباقة . كل هذا اشتهر به سليم . لكن الكثيرين يعيبون عليه كثرة الكذب وترويج الأخبار الكاذبة . فهو مثلا يفاجئ زملاءه في منتصف الليل عبر الهاتف ليخبرهم أن قنوات التلفزة عرضت للتو خبرا مفاده أن دولا عربية وإسلامية قررت الانسحاب من الأمم المتحدة ولم تعد تعترف بمجلس الأمن ، و مرة جاء إلى المقهى لاهثا ليقول إن أمريكا انتخبت رئيسا من الوسط العلمي والأدبي ، ومرة أخرى أقسم بأغلظ الإيمان أن رئيسا عربيا تنازل عن الحكم وانصرف إلى التأليف . – مسيلمة ؟.. لا أظن.. اعذرني يا أخي ..
يسود الصمت ويعلو صياح النوارس ممزوجا بهدير الأمواج . يتشاغل أحمد بالضغط على أزرار الهاتف المحمول كأنما يستعجل تلقي مكالمة أو رسالة . لو كان سليم يحمل معه هاتفه لاتصل به ، لكنه لا يدع أثرا يدل على مكانه إلى أن يفاجئ المنتظر من مكان ما . ترى هل فات الأوان ؟.. شيك بدون رصيد ؟ .. لو يخلصه سليم من هذه الورطة .. لن ينسى له هذا .. كل شيء ممكن .. لكن .. ألا يكون سليم قد كذب عليه للتخلص من شكواه ؟
رن الهاتف فجذب يده مرتاعا كأنما لسعتها عقرب ، ثم مدها نحو الهاتف ونهض ليمشي بضع خطوات ، كأنه خشي أن يطلع الآخر على خيبته .
- آلو.. سليم ؟ ... الحمد لله.. هيه .. ما الجديد ؟
ساد الصمت برهة . تظر إليه نور الدين محاولا أن يستشف شيئا .. مفاجأة سارة ؟... صدمة ؟
- أخي أحمد .. أرجو منك أن تتجلد كالرجال .. لدي خبران محزنان لك .
- ..............
- هل تسمعني ؟ ... آلو ؟
-... تكلم .. سليم.. أنا معك .
- آسف جدا .. وجدت الرجل ... لكن .. فات الأوان.. أخبرني أنه... أنا آسف جدا .. لم أستطع فعل أي شيء .
-...............
- ثم هناك خبر آخر .. هل تعلم أن صديقنا نور الدين ... رحمه الله ؟
- من ؟
- نور الدين .. الأستاذ .. لقد توفي منذ لحظات ..و..
- اذهب لعنة الله عليك أيها الأفاق الخبيث .
أطفأ هاتفه وقهقه ملتفتا نحو الآخر وقد شملته سعادة لا توصف.. النادل يمد يده ليلفت انتباهه . حشد كبير يحيط بالطاولة ..
- ماذا جرى ؟..
- لا أدري.. ولكن يبدو أن صاحبك أصيب بوعكة صحية ..لا تقلق ..
يشتد اللغط ويعلو الهرج والصياح ..
- أفسحوا.. دعوه يتنفس .. لقد أغمي عليه .
- دعوه.. ها هو الدكتور.. لحسن الحظ أنه موجود هنا.. تفضل يا دكتور .
يتقدم الطبيب فتشرئب العيون وتتطاول الأعناق ، ويسود الصمت .
- قضي الأمر .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. ربما يكون قد أصيب بأزمة قلبية .. سوف نرى .
تسري همهمة بين الجموع ، بينما تنطلق قهقهة من الخلف . تصوب الأنظار في استنكار واضح نحو أحمد ..
- لا حول ولا قوة إلا بالله... كان صديقه الوفي ..
ينظر إليهم وهو لا يزال يقهقه :
- لأول مرة يصدق هذا الكذاب ... يا للعجب .
وفي لحظة ، يتوقف عن الضحك مذهولا .. ويتهالك على المقعد منتحبا .
اسمه سليم . الجميع أصدقاؤه ، و لا أحد يستغني عنه . تراه في كل مكان وفي أي زمان . يحضر في وقت لا يتوقعه أحد ، و يغيب متى كانت الحاجة ماسة إليه . .يداوم على الصلاة وغالبا ما يرى ثملا يترنح في الأزقة وقد انتصف الليل . هو مرجع لا ينضب من المعلومات . من الكرة إلى السياسة ، مرورا بأسرار الحي والمدينة وانتهاء بالفن وكل أصنافه . فهو مثلا يعشق فريق " البارصا " ويخوض أتون النقاشات في المقاهي . ويسرد كل ما يجري عبر العالم وما يطبخ في نيويورك ولندن ويعلم أدق تفاصيل الصراع في الصومال والسودان والعراق و أفغانستان ولبنان وفلسطين ، ويعجب بالصين و أفلام "بروس لي" ، ويتنبأ بحرب "الشياطين الصفر" مع أمريكا . هو قاموس لأسماء الفنانين العرب والعجم . أما خفايا الحي والمدينة فلا أحد يضاهيه معرفة واطلاعا . زوجته تبهر الناظر إليها بحسنها ، لكنه كثيرا ما يشاهد رفقة بعض الغيد في أحد المقاهي المطلة على البحر . هنا بجده كل من يبحث عنه ، أو يجد من يدله عليه . وغالبا ما يكون صحبة رفيقيه الدائمين ، نور الدين المدرس و أحمد النجار . لكنهما اليوم وحيدان ، وفي عيونهما ما ينم على لهفتهما لمجيئه في هذه اللحظة ، خاصة أحمد .
- أتراه يأتي اليوم ؟
- لا أدري... أنت تعلم أنه كالزئبق .. مالك ؟ .. أراك متوترا اليوم ؟
- لا أكتمك أني مدين لأحدهم بمبلغ هام ، وقد وعدني سليم بالاتصال به واستخدام نفوذه ودالته عليه كصديق كي لا يسلم الشيك بدون رصيد للمحكمة .
- مسيلمة ؟...وهل صدقته ؟
ابتسم أحمد ابتسامة باهتة وقال :
- كلا.. ولكن في مثل حالتي .. أصدق أكذب منه ... و آمل أن يكون صادقا ولو لمرة واحدة .
روح النكتة . السخرية . اللباقة . كل هذا اشتهر به سليم . لكن الكثيرين يعيبون عليه كثرة الكذب وترويج الأخبار الكاذبة . فهو مثلا يفاجئ زملاءه في منتصف الليل عبر الهاتف ليخبرهم أن قنوات التلفزة عرضت للتو خبرا مفاده أن دولا عربية وإسلامية قررت الانسحاب من الأمم المتحدة ولم تعد تعترف بمجلس الأمن ، و مرة جاء إلى المقهى لاهثا ليقول إن أمريكا انتخبت رئيسا من الوسط العلمي والأدبي ، ومرة أخرى أقسم بأغلظ الإيمان أن رئيسا عربيا تنازل عن الحكم وانصرف إلى التأليف . – مسيلمة ؟.. لا أظن.. اعذرني يا أخي ..
يسود الصمت ويعلو صياح النوارس ممزوجا بهدير الأمواج . يتشاغل أحمد بالضغط على أزرار الهاتف المحمول كأنما يستعجل تلقي مكالمة أو رسالة . لو كان سليم يحمل معه هاتفه لاتصل به ، لكنه لا يدع أثرا يدل على مكانه إلى أن يفاجئ المنتظر من مكان ما . ترى هل فات الأوان ؟.. شيك بدون رصيد ؟ .. لو يخلصه سليم من هذه الورطة .. لن ينسى له هذا .. كل شيء ممكن .. لكن .. ألا يكون سليم قد كذب عليه للتخلص من شكواه ؟
رن الهاتف فجذب يده مرتاعا كأنما لسعتها عقرب ، ثم مدها نحو الهاتف ونهض ليمشي بضع خطوات ، كأنه خشي أن يطلع الآخر على خيبته .
- آلو.. سليم ؟ ... الحمد لله.. هيه .. ما الجديد ؟
ساد الصمت برهة . تظر إليه نور الدين محاولا أن يستشف شيئا .. مفاجأة سارة ؟... صدمة ؟
- أخي أحمد .. أرجو منك أن تتجلد كالرجال .. لدي خبران محزنان لك .
- ..............
- هل تسمعني ؟ ... آلو ؟
-... تكلم .. سليم.. أنا معك .
- آسف جدا .. وجدت الرجل ... لكن .. فات الأوان.. أخبرني أنه... أنا آسف جدا .. لم أستطع فعل أي شيء .
-...............
- ثم هناك خبر آخر .. هل تعلم أن صديقنا نور الدين ... رحمه الله ؟
- من ؟
- نور الدين .. الأستاذ .. لقد توفي منذ لحظات ..و..
- اذهب لعنة الله عليك أيها الأفاق الخبيث .
أطفأ هاتفه وقهقه ملتفتا نحو الآخر وقد شملته سعادة لا توصف.. النادل يمد يده ليلفت انتباهه . حشد كبير يحيط بالطاولة ..
- ماذا جرى ؟..
- لا أدري.. ولكن يبدو أن صاحبك أصيب بوعكة صحية ..لا تقلق ..
يشتد اللغط ويعلو الهرج والصياح ..
- أفسحوا.. دعوه يتنفس .. لقد أغمي عليه .
- دعوه.. ها هو الدكتور.. لحسن الحظ أنه موجود هنا.. تفضل يا دكتور .
يتقدم الطبيب فتشرئب العيون وتتطاول الأعناق ، ويسود الصمت .
- قضي الأمر .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. ربما يكون قد أصيب بأزمة قلبية .. سوف نرى .
تسري همهمة بين الجموع ، بينما تنطلق قهقهة من الخلف . تصوب الأنظار في استنكار واضح نحو أحمد ..
- لا حول ولا قوة إلا بالله... كان صديقه الوفي ..
ينظر إليهم وهو لا يزال يقهقه :
- لأول مرة يصدق هذا الكذاب ... يا للعجب .
وفي لحظة ، يتوقف عن الضحك مذهولا .. ويتهالك على المقعد منتحبا .
تعليق