الإغتصاب
بسم الله الرحمن الرحيم
من بين الكائنات و المخلوقات سواء كانت حيواناً أو طيراً أو حشرة، إنفرد بالقدرة علي الاغتصاب مخلوقان هما الرجل و فصيلة العناكب، و هذا معناه أن الإغتصاب صناعة رجالي و هواية لا يقدر عليها إلا الذكور، و في الفيلم الأجنبي " هيروشيما حبيبي" مزج المخرج وساوي بين حادث القنبلة الذرية و حادث الاغتصاب،
وأعتقد أنه لم يكن يبالغ وقتها، و لم يكن واقعاً تحت تأثير الخيال الفني و الجموح السينمائي، فالإغتصاب زلزال تأثيره علي نفسية الفتاة كتأثير القنبلة الذرية، فهو يدمر الثقة و يحطم الأمان ويزعزع كل القيم و المثل في نظرها.
و المغتصبة تنتهك روحياً قبل أن تنتهك جسدياً، و يزحف التصحر العاطفي علي خضرة مشاعرها و تفتح عواطفها ورغبتها في الحياة، و عندما ينشب ذئب النذالة و الرعب أظافره في جسدها، فهو في الوقت نفسه يجرح أنوثتها و إنسانيتها وابتسامتها، فينقلب حنانها قسوة، و تنقلب رقتها شراسة، و يتحول الحنان إلي فزع، و الإقبال علي الحياة إلي رعب من مجرد الانتساب إليها.
في قصة الحرام للمبدع يوسف إدريس جعل الاغتصاب هو الثمن الذي دفعته عاملة التراحيل لجذرالبطاطا، فأضافت إلي فقر الجيب فقر الروح و جدب الأمل، كانت تتحمل الزمن الضنين و الفقر الكاسر و قلة الموارد و ندرة الحلم، لكنها لم تحتمل هذه اللحظة الرهيبة لحظة إغتصابها في حقل البطاطا، فبداية الاغتصاب استباحة و هي برغم فقرها لم تكن مستباحة، و نهاية الإغتصاب موت يلف الفتاة بكفنه لحظة أن يغادر المعتدي ساحة معركته القذرة، فتعيش الفتاة تتحرك علي قدمين من عار، و الاغتصاب الذي هو في نظري أكثر الجرائم إثارة للتقزز و الاشمئزاز، هو جريمة عنف و تمرد و إحتجاج مرضي قبل أن يكون لمجرد الحصول علي اللذة، إنه رغبة في هتك نسيج المجتمع وفض بنيانه قبل أن يكون هتكاً لعرض أوفضاً لغشاء، و إنتشاره في أي مجتمع هو دلالة علي خلل مرعب، و علامة علي إنهيار سريع و تفكك مريب، و الأهم أنه مؤشر خطير علي مدي العنف المكبوت الذي لا يجد له إلا منفذاً في جسد المرأة، و متنفساً في كيانها و روحها، و لم لا و هي التي يمارس معها العنف أشكالاً و الواناً من المهد إلي اللحد؟، و إستسهال تنفيذ جريمة الإغتصاب بالرغم من قسوة و تغليظ العقوبة، و بالرغم من كم الإدانة الإجتماعية الضخمة التي توجه للمغتصب، ليس له إلا تفسير واحد، و هو أنه يوجد إغتصاب في نواحي أخري كثيرة من المجتمع تحتاج إلي تدخل.
تعريف الاغتصاب و التحرش الجنسي كمصطلح إتسع بفعل الفهم الرحب و المتسع لحقوق المرأة و حريتها، فهو حالة التحرش و التلاصق بأعضاء الجنس سواء اقترن ذلك بجنس كامل أم لا، وسواء إقترن بإستخدام القوة أو التهديد بها أم لا، و ذلك دون موافقة الأنثي و رضاها، و كذلك إذا كانت الضحية قاصراً تحت السادسة عشرة أو كانت معاقة عقلياً أو حركياً، و إنطلاقاً من هذا المفهوم فإن إتصال الزوج بزوجته جنسياً دون رضاها و موافقتها يعتبر اغتصاباً، و يشهد القضاء في الدول الأجنبية قضايا تتهم فيها الزوجات أزواجهن باغتصابهن و يحكم فيها لصالحهن، و لإثبات أن معظم حالات الاغتصاب هي صور عنف و ردود فعل إجرامية لأشخاص سيكوباتيين أو مرضي نفسيين و ليست من أجل اللذة الجنسية فقط و التي من الممكن أن يحصل عليها في أي بيت دعارة، أثبتت إحدى الدراسات العلمية الإحصائية أن نصف حالات الاغتصاب تقريبا ينهي فيها المغتصب العملية الجنسية في الدقائق العشر الأولي، و يتبعها بعد ذلك بالإيذاء النفسي و البدني للضحية و الذي قد يتطور إلي قتلها أي أن العنف قبل النشوة و التدمير قبل النزوة.
و التدمير النفسي ليس وليد اللحظة و بالعكس لا يمكن نسيانه طوال العمر، لدرجة أن الأطباء قد نحتوا مصطلحًا طبياً جديداً لوصف ما يحدث بعد الاغتصاب، وهو متلازمة حادث الاغتصاب و الذي يمر بمرحلتين:
1- المرحلة الحادة:
و تستمر من عدة ساعات لعدة أيام بعد الحادث، و في هذه المرحلة يعتري الضحية إضطراب شديد في السلوك و التصرفات و تهيج و انفعال و إحساس شديد بالغضب و الذنب و الشعور بالتحقير و الذل و المهانة، و قد تستطيع الضحية في أحوال قليلة أن تكتم أحاسيسها و إنفعالاتها و تختزن معاناتها النفسية في اللاشعور كخبرة مؤلمة، تتسبب فيما بعد في كثير من الأمراض النفسية، ولا يتوقف الأمر عند الاضطرابات النفسية فهناك الكثير من الاضطرابات الجسمانية مثل الصداع و الارهاق و الأرق و اضطرابات الجهاز الهضمي مثل القيء و الإسهال و المغص، واضطرابات الجهاز البولي مثل كثرة التبول أو التبول اللاإرادي كما أنها قد تشعر بأعراض بعض الأمراض الجنسية التي ربما قد تكون قد انتقلت من الجاني إليها.
2- المرحلة المزمنة:
وتبدأ هذه المرحلة بعد الإغتصاب بحوالي أسبوعين أو ثلاثة، و فيها تبدأ المغتصبة في العودة التدريجية إلي طبيعتها، و إن كان ينتابها الكوابيس و المخاوف ذات الطابع الجنسي، و مع المساعدة النفسية و الطبية و التأهيلية قد تشفي الضحية، ولكن الغالب الأعم لا تتعافى من هذه الخبرة المؤلمة و تظل تعاني طوال عمرها من إضطرابات نفسية مزمنة و فقدان للإحساس بالأمان و بردود جنسي، و إذا كان المغتصب مصاباً بأمراض جنسية، فإنه ينقلها للضحية، و أهم هذه الأمراض الإيدز و السيلان و الزهري و الكلاميديا و العدوى الميكروبية، مما يتسبب في التهابات الجهاز التناسلي وانسداد قنوات فالوب و ما يستتبعه من عقم، و رغم أن احتمالات الحمل بعد الاغتصاب نادرة فهي تتراوح ما بين 2-4% فإن الضحية غالباً ما تواجه موقفاً غاية في الصعوبة قد يعرضها لمخاطر الإجهاض العشوائي بما يصاحبه من تلوث و نزيف و أحياناً موت.
ومن صور العنف غير المتحضر إكراه الزوجة على إقامة العلاقة الزوجية قسراً وبدون رضاها،
وهو سلوك لا يدينه المجتمع بل يعتبر الإمتثال له واجباً مقدساً، و قد يجبر الزوج زوجته علي أساليب منحرفة في العلاقة رغماً عن أنفها، و كأن هذا الجسد ليس جسدها بل جسده هو، و قد أجري مركز النديم و مركز دراسات المرأة الجديدة بحثاً ميدانياً في مصر أفادت 93% من عينة البحث أنهن يعتبرن المعاشرة الزوجية بدون رغبة الزوجة عنفاً، و بالطبع هذا هو الإسم المؤدب للإغتصاب الصريح الذي لم يردن التصريح به.
م
ن
ق
و
ل
تحايا
ماجي
تعليق