( 2 )
كان يوم مثل ذلك اليوم منذ اعوام طوال خلت .. السنابل الناضجة تفوح رائحتها في كل الأرجاء والفتية والفتيات في قلب الحقول تحجب عنهم الأفراح حرارة الشمس التي استطاعت التخلص من معتقل السحب الغازية منذ عهد قريب .. يرددون عذب الأغاني على وقع تلك الشخاشخ الطاردة للعصافير وتباشير العيد تحيط بالقرية من كل صوب .. وجميعهم منهمكون في العمل .. يؤدون واجباتهم في بشر وحبور وبجانبهم الصبية الصغار يجمعون ماتساقط من الاوراق والأعشاب وينظفون الحقول .. فهم ايضاً ينتظرون العيد ويحلمون برائحة شواء اكواز الذرة وحبيبات الفول التي سوف تعطر اجواء القرية عما قريب .. والشباب اكثر من في الحقول همة وخفة وعزما .. ترى أيديهم تهز تلك النواقيس بعزم .. كل بقرب من يحب .. يرنو بمقلته اليه ويهمس بما في قلبه .. انه موسم الحب ايضاً كما هو موسم الحصاد .. كل فتى يعمل بقرب فتاته معظم ساعات اليوم .. وجميعهم يتمنى أن تدوم مثل هذه المواسم إلى الأبد .. ولكن هيهات ان يبقى شئ على حاله.
ومن بين الفتيات كانت (بورا) .. تلك الفاتنة المثيرة .. كل مافيها ينبض جمالاً وسحرا .. هيفاء فرعاء مثل مهر يوشك ان يناطح السماء ... جسدها الغض ينم عن انوثة مبكرة تفتقت قبل اوانها .. عيناها مستديرتان واسعتان يموج في اعماقهما الشهد .. تمتزج فيهما معان كثيرة فينعكس ذلك بين حين واخر على وجه مستدير جميل .. صوتها عذب حلو .. كأغاريد الصباح .. ونهداها بارزان كأنهما يهمان بالرحيل عن صدرها الى نقطة ما في الفضاء .. حين تمشي ترى صويحباتها يثقلن من خطواتهن من غير تعمد حتى تكون هي في مقدمتهن لكأن ذلك مكانها الذي خلقت له وحبتها الطبيعة به .. شأنها شأن الغانيات أو شأن من يرى جماله في نظرات غيره .. عنيدة كفرسة لم يمس ظهرها بعد .. كانت نظراتها الساحرة في ذاك الصباح يشوبها قلق بادئ .. فهي تنظر في ارجاء الحقول من حين لآخر كأنها تنتظر شيئاً والفتيات من حولها يمرحن في خفة وبشر وهن يرددن عذب الأغنيات .. والفتى (تورو) يختلس النظر اليها من بين سيقان الذرة على مسافة منها وسرعان ما يحيد بنظره اذا ما التقت نظراتهما متظاهرا بالانهماك في العمل فأولى له فعل ذلك والا فان حظه لن يكون اقل سوءاً مما كان في الموسم المنصرم ويشهد على الذي كان اثار ذلك الجرح الغائر في وسط ظهره وبورا تلقى بنظراتها الحائرة القلقة بعيداً غير ابهة به او ربما لم تكن تحس حتى بوجوده رغم التقاء النظرات .. فالقلوب هي التي ترى في مثل تلك الاحوال لا العيون .. لقد حاول تورو فيما مضى ان يستميل قلبها غير ان جميع محاولاته منيت بخيبة امل اذ لم ينفتح قلب بورا يوماً لسوى اكر ذلك الفتى الجسور الذي يبدو كليث كاسر اذا ماغضب وكغيث ماطر اذا طرب .. فارع الطول .. قوي الساعدين .. مفتول العضلين .. واسع الصدر .. عندما يمشي تحس كأن الارض تئن تحت قدميه .. شهم .. لايخيب ظن من يطلب عونه وفوق كل هذا وذاك فهو البطل الفذ على حلبة المصارعة .. لم يستطع اي من مصارعي القرية ان يحتل مكانه ابدا .. فلا غرابة في ان تعلقت به قلوب الفتيات فكل واحدة منهن كانت تتمنى في قرارة نفسها ان يكون لها .. لكن القلوب عند بعضها .. فلم ينفتح قلبه الا لتلك الفاتنة .. بورا .. كأنما خلقا لبعضهما .. كانت اذ التقت اعينهما يسري الحب فينبثق انبثاق الضياء فيعم ما حولهما .. كلاهما يحيا ابداً في احاسيس الآخر .. فلا ترى عيناها سواه وكذا عيناه لاترى سواها .. اكر وبورا .. كان عشقهما اسطورياً ان لم ير احدهما الاخر خلال يومه ماج قلق رهيب في دواخله سرعان ما ينعكس على تصرفاته .. وامام هذا العشق القوي المتبادل والذي احسه كل فرد من اترابهما كتم كل من له شعور كهذ نحو اكر أو بورا عواطفه في اعمق اعماقه فحب كهذا الذي يفيض فيضا ليس للدخيل مكان فيه .. ولكن كان من بين اترابهم من لم ييأس فقد حاول تورو التقرب من بورا وعمل جاهداً لاستمالة قلبها فكانت ترد عليه بالتجاهل حيناً أو بالعبوس احياناً لكنه لم يرعوِِِ الى ان وصل ذلك الى علم اكر .. فواجهه بالامر واقترح عليه ان تكون حلبة المصارعة هي الفيصل بينهما فمن يهزم الاخر يفسح المجال لغريمه .. ان اكر متيقن من النتيجة في كل الاحوال ولكن ابت عليه نخوته وعزة نفسه الا ان يختار اكثر الحلول عدلا وكرامة فقبل تورو التحدي وجعل يستعد لذلك اليوم الذي قد يحقق له اجمل امنيات عمره ولكن هيهات ان يتحقق ماهو مستحيل .. كان نصيبه من تلك المنافسة جرحاً غائراً كاد ان يودي بحياته فقد حمله اكر وقذف به بعيداً كما يطرح الشئ غير المرغوب فيه فهوى على حجر ناتئ كاد ان يخترق ظهره إلى امعائه فابتعد مفسحاً لاكر الطريق ليكون المالك الاوحد لقلب بورا ولم يعد يقترب من بعد الا عن طريق النظرات المختلسة من وراء شجيرات الذرة.
حاولت بورا ان تسيطر على القلق الذي انتابها في ذلك الصباح لكن في كل مرة يلوح لها خيال اكر بقامته السامقة وهمسه العذب .. لماذا لم يأت حتى هذه اللحظة الى الحقول؟ إنه دائماً من المبكرين .. وهو يدرك انها هنا فكيف اذن يسمح بضياع لحظة دون ان يكونا معاً .. لابد ان في الامر غرابة ؟؟ .. كل هذه الاسئلة تتزاحم في عقلها في آن واحد وتبقى الاجابة غائبة .. انها تعمل منذ ان جاءت للحقل .. غير ان عملها كان بحكم ما اعتادت عليه فعقلها بعيد كل البعد عن هذه الحقول وعن هذا العمل .. لم تدر ما انجزت وما لم تنجز .. آه لقد لاحظت ، أو ربما خيل اليها ، ان هنالك بعض علامات الاعياء بادئة على وجهه ظهر امس .. هل المت به الحمى اللعينة ام ماذا ياتري؟! ولم تهدأ خواطرها الا حينما رأت (مويا) شقيقة اكر تخطو نحوها فانفرجت اساريرها قليلاً ولم تنتظر لتصل اليها بل تقدمت بضع خطوات تجاهها لتختصر المسافة برغم ان مايفصل بينهما لم يكن اكثر من خطوات معدودة .. ولكن الذي يدفعها يجعل الشبر يبدو فراسخاً .. قالت لها مويا انها تأخرت عن الحضور للعمل لأن امها تشكو من اعراض الحمى ولا احد معها فقد خرج ابوها وشقيقها قبل طلوع الفجر في طريقهما لزيارة شقيق والدها الذي يقطن التلال الغربية .. فقد رزق بتوأمين ذكرين ، ولما كان ذلك فألا حسنا فقد ذهبا للتهنئة .. وربما يمكثان هنالك ليومين أو ثلاث .. قالت مويا ما قالت ثم اخذت طريقها الى حيث جاءت للعناية بأمها وامور البيت الاخرى .. وكأنها قد تكبدت عناء ذلك المشوار من اجل أن توصل هذه المعلومة الى بورا فهي تعرف تماما تعلقها باخيها وتعلق اخيها بها .. وتدرك ماهي الحالة التي سوف تكون عليها ان ظلت منتظرة في الحقول دون ان تدرك سبب تغيبه .. وبقيت بورا مع صوحيباتها وقد فاجأها ذلك النبأ .. لم تتوقع ذلك .. بالامس كان معها حتى غياب الشمس فلم يذكر لها من ذلك شئ .. همس لها بالكثير فلماذا اخفى هذا الامر عنها .. قال لها منذ ايام قليلة انه مايكاد يفارقها حتى يعود في ذات اللحظة يشتاق اليها كمن غاب السنين .. كان يذكر لها في كل حين انه ما ان يودعها مساء حتى يخال اليه ان الصباح لن يأتي ابدا .. فكيف يطيق فراقها ليومين او ثلاث وانى لها بتحمل ذلك .. لاشك ان اباه قد اكرهه على ذلك .. لابل ان العرف يقضى بمرافقته ابيه في رحلة عبر اودية واحراش وعلى الاقدام .. وظلت تواصل العمل في الحقل ولكن بلا همة وبلا مرح .. تشتت افكارها بعيداً .. وعيناها تعكسان ما ألم بمشاعرها وما يموج في اعماقها .. ستشرق الشمس لمرتين أو ثلاث دون ان تراه .. ولم يكن اثبات تأثيرها يحتاج لبرهان او بينة اذ بدأ ذلك جليا على كل قسمات وجهها .. جميع من حولها من رفيقاتها ادركن ماهي فيه فصرن يتندرن وهي تحاول جاهدة ان تتغلب على ذلك بالتظاهر بخلاف ماهو موضوع تندرهن .. ولكن هيهات ان ينطلي ذلك على من هن في مثل سنها .. واذ ذاك اَثرت البعد عنهن قليلاً حتى تستطيع ان تنعم برحلتها في عالم الخيال .. فالوحدة احيانا خير انيس .. وقليلا قليلا ودون ان تحس بها الاخريات نجحت في الانسحاب من قربهن .. وسبحت في افكارها بعيدا ويدها تتفقد من حين الي اخر حبيبات ذلك العقد الذي يزين جيدها .. فله في نفسها مكانة خاصة .. هدية غالية من ذلك الحبيب الغائب .. انتقى حبيباته من ما تأتي به الاودية من صخور ملونة صغيرة ثم هذبها وشحذها واستغرق زمنا طويلا يحاول ثقبها حتى تمكن فنظم بيده ذلك العقد .. وجلست في مكانها تعاتب في صمت حبيب القلب والعصافير من حولها تزقزق ولسان حالها يكيل لها الشكر اقداحاً .. اذ نسيت ناقوسها تماما فهنئت حصاياه بنوم هادئ وحظيت العصافير بوجبة دسمة .. تخطت كل التلال والاودية ووصلت الي حيث مضى اكر .. فانشغلت في تلك اللحظات عن كل واجب .. هكذا الحب .. عندما يستملك القلوب يجعلها هي الامرة لا العقول .. وظلت غارقة في شرودها ولم تكف الا عندما خيل لها انا تسمع صراخاً منبعثاً من اطراف الحقول فاصغت وسرعان ماتبين لها انها صرخات صويحباتها .. فنهضت تبارح معتزلها ويداها تزيح من امامها نبتات الذرة المائلة من ثقل السنابل لتفسح الطريق قتستطيع الوصول الي حيث توجد رفيقاتها لتستبين امر الصراخ .. قد يكون لظهور حية .. فما اكثر الحيات في مثل هذه الاوقات .. غير ان الصراخ كان اكثر حدة .. ربما ان الامر اعظم من ذلك واخطر .. ولم يطل الامر حتى بانت لها الحقيقة .. وطفقت تشارك غيرها الصراخ .. لم تكن الحية ولاحتى بسبع .. لقد هاجم اناس غريبوا الزي واللسان .. غريبو الهيئة والملامح .. على روؤسهم عمائم كبيرة وعلى جانب وجوههم مايشبه اثار اقدام الطيور على الوحل .. وقف بعضهم على مداخل الحقول وآخرون على الجسر المؤدي الى الاكواخ يحملون الرماح والسيوف .. بينما داهم الحقول فريق مزود بحبال وسياط .. رأت بورا بعضاً من الفتية والفتيات متساقطين على الارض واخرين يحاولون الفرار في ارجاء الحقول بينما وقع نفر منهم في قبضة الغزاة .. فاستدارات مسرعة تحاول طريقا للخلاص .. فهنالك مغارة في الطرف الاخر من الحقول ان استطاعت الوصول اليها فسوف تكون في مأمن .. اذ ليس في وسع هؤلاء الغزاة معرفتها .. عدت باقصى مايمكنها بين شعاب الحقول محاولة التستر ما امكنها بشجيرات الذرة .. ينبغي الا تكون مثل من سقطوا أو اسروا .. فهي اقوى من ذلك يجب الا تستسلم ابدا .. وان لم يكن من ذلك بد فلتكن آخر من يلقي سلاح المقاومة .. نعم .. الثمرة اليانعة الطيبة صعبة المنال فهي إما مستعصمة بالأعالي أو محاطة بالاشواك .. عليها ان تبتعد عن ساحة المعركة ما امكنها ذلك لتلوذ بذلك الكهف الغائر .. ان يكون مليئاُ بالحيات فليكن .. فالحيات ليست باسوأ من هؤلاء فهي لاتكبل المرء بالقيود ولاتأخذه الى المجهول .. قد يموت المرء من لدغتها وقد لايموت .. وفي كلا الحالين فهو باق على ارضه وعلى ثرى اجداده .. واطلقت لساقيها العنان .. لا تلوي على شئ الا ذلك الملجأ .. ولكم تعثرت قدماها حتى تمكنت من الوصول الى وجهتها .. ولدهشتها فقد وجدت نفسها انها ليست اول من وصل اذ الفت هنالك بعض من الفتية والفتيات يكاد زفيرهم يزلزل المغارة .. فهوت من فوقهم تلهث بشدة وهي في حالة اجهاد كاملة .. لقد بذلت جهداً عنيفا في سبيل الوصول إلى هناك .. أدمت الحجارة قدميها كما فعلت فيهما الاشواك فعلتها .. ولكن كل جرح سوف يندمل مابقيت الدماء في العروق .. وكان لايسمع في تلك المغارة سوى الزفرات والعبرات .. ومن سخرية الاقدار ان بورا عندما استفاقت قليلا وجدت ان قدميها تستريحان على صدر تورو .. ولكن اغلب الظن ان تورو في لحظة كتلك لاترى عيناه إلا اولئك الغزاة وفي ايديهم الرماح والسيوف والسياط .. فأزاحتهما في شئ من التأفف .. يالتورو المسكين .. تعافه حتى في لحظة كتلك .. ولكن الى اين؟ والى اي مدى؟ فضيق المكان قد يحتم عليها ان تعيد قدميها الى ذات الموضع فما عساها فاعلة؟! وفجأة ينبري طيف اكر في خيالها .. يقف كالليث .. اين لها به الآن .. لو كان موجودا لكان الامر مختلفا .. فهو لايعرف الاستسلام ولا الهزيمة .. قد زاد ذلك من عزمها وبعث في نفسها بارقة امل .. يجب ان تقاوم من اجلة والا تعرف الاستسلام واذا استطاعت الصمود قليلا فسوف يأتي حتما واذا ماجاء فسوف يكون للأمور شأن آخر .. واذ ذاك همت بالنهوض كأنها تُدفع الى ذلك ولكن الى اين؟! فما كان الا ان اجتذبها احدهم بقوة فارتمت في مطرحها .. وانتهرها بصوت خافت لكنه قوي آمراً اياهابالجلوس .. فارتمت تشاركهم ذلك الصمت القاتل كفئران تحرس مداخل جحورها قطط الدنيا بأسرها .. ومرة اخرى يتراءى اكر .. لاشك انه قادم فهي تكاد تسمع وقع خطاه وتسمع انين الارض تحت اقدامه .. ستنقلب موازين الأمور وسوف يلقن هولاء الغزاة درسا .. ولكن هيهات .. ان يقوى اكر على مجابهة اناس يتسلحون بالنار .. انها لن تكون اكثر من طلقة واحدة لاغيرها تخرج من فوهة ذلك الشئ اللعين ، فيستوي امامها الأرنب الرعديد والاسد الكاسر .. وبينما الجميع تستولي عليهم الرهبة والوجوم اذا بهم يسمعون وقع اقدام قوية مسرعة نحو الكهف .. فازداد الأمر سوءا وتملكهم فزع قاتل وتدافعوا نحو قاع الكهف كقطعان الماعز عندما يداهمها المطر .. بعضهم فوق بعض .. ولكن هل من سبيل؟! فقاع ذلك الكهف غير نافذ ولايؤدي الى مغارة اخرى .. ولكنه الخوف .. لم يدر تورو ان الجالسة على فخذيه هي بورا التي كان يختلس اليها النظر اختلاسا والتي كاد ان يموت في سبيلها يوما .. ولو كان تورو في وعيه لابتهل الى الله كي لا يغير هذا الوضع وان لايخرجه من هذا الكهف ابدا .. ولكن اذهان الجميع كانت غائبة تماماً في تلك اللحظات العصيبة والقلوب يسيطر عليها رعب مميت فتخفق بقوة تهتز لها جدران ذلك الكهف الضيق .. ولم يتنفسوا الصعداء الا حينما تبين لهم ان القادم لاجئ مثلهم .. من رفاق الحقول .. انه يامو .. لم يدل بشئ بل هوى على من تكدسوا لاهثا متأوها ً .. وعاد كل الى سابق وضعه بعد ان طبع هذا الموقف الاخير بصمته على كل الوجوه .. لم يتفوه احد بكلمة ولكن طفقت الأعين تطالع وجه القادم لعلها تستشف حقيقة الوضع خارج الكهف .. وكان ذلك واضحا فظهره يقطر دما اذ الهبته سياط الغزاة .. فالآثار بينة حتى في عدم توفر الرؤية الكاملة .. كان حاله يغني عن السؤال .. فالواقع في خارج الملجأ او بعض منه مطبوع على وجه ذلك المتهالك .. لايبشر الا بماهو اسوأ .. وفجأة انتابت يامو نوبة سعال قوية بددت ذلك السكون .. ولما كان الاقرب الى مدخل الكهف فقد امتدت يد الجالس بجواره لتكمم فمه حتى لايجلب الشر اليهم .. غير ان نوبة السعال ألمت بالجميع.. الكل يسعل بقوة .. واختلط ذلك بعطاس متواصل .. وسالت الدموع حتى اصبح ليس في امكان احد ان يفتح عينيه .. واختلط الحابل بالنابل .. ومرة اخرى اصبحوا كقطعان الماعز يناطح بعضهم بعضاً ويرتطمون بجدران الكهف .. اللعنة .. لابد ان شجيرات الشطة المزروعة على مقربة من هنا قد احترقت .. ولاول مرة يرتفع صوت بالداخل .. انه تورو يسمعون صوته ولايرونه .. يأمرهم بمغادرة الكهف حالا وان يستتروا بالدخان الناتج عن احتراق حقول الشطة وان يتجهوا غربا الى المغارات الواقعة على مقربة من القبور .. فهي اكثر امنا . واندفع الجميع نحو المخرج في حالة من الذعر والفوضى .. كلٌ يحجب وجهه بيديه من اثر الدخان ولم يعلموا انهم خارج المغارة الا بعد ان احسوا بالهواء الطلق يغشي وجوههم .. ولم يدركوا بأنهم اصبحوا في قلب الفخ .. حيث انبرى في الجهة التي ينبغي عليهم ان يهربوا من خلالها اثنان من عتاة المهاجمين يشدان حبلا متينا .. واندفع المساكين بكل قوتهم بناءا على الخطة التي وصفها لهم تورو ، تجاه الحبل المشدود فارتد كل منهم على قفاه فسقط معظمهم بقوة على الارض .. هنا ادركوا بأنهم قد وقعوا في مصيدة وحاول بعضهم النهوض ليواصل الفرار ولكن الى اين؟! .. فالكهف من خلفهم بدخانه الكثيف المسموم والغزاة امامهم بسياطهم وسيوفهم ورماحهم .. وبين هذا وذاك ضاع الطريق الى بر الأمان .. فكان ان وقعوا لقمة سائغة في ايدي الغزاة المكممين بعمائمهم وانهالت بعض ايد توثقهم بحبال متينة.
ولما انحسر ذلك الدخان وخفت آثاره من على العيون وجد الجميع انفسهم مكبلين قي رتل طويل ومن حولهم يقف الغزاة وقد تملكتهم نشوة المنتصر .. ولم يكن في مقدور اي من المأسورين سوى الاستسلام للأقدار استسلام العصفور الواقع في الشراك .. لايدرون الى اي مصير يساقون .. يبكون في صمت اذ نضبت دموعهم مما لاقوا وبحت اصواتهم حتى لم تعد تسمع .. وفجاة مزقت صرخة قوية هدوء ذلك الوادي .. فبدأ احد الرجال المهاجمين يجرجر فتاة هيفاء .. وهي تقاومه وتحاول بكل قواها التخلص من قبضته ولما التفتت بعض وجوه .. الفوها بورا الفاتنة .. لم تخضع ابدا ولم تستسلم .. عنيدة كمهرة لم يمس ظهرها .. تقاوم حتى اخر لحظة .. لحظة أن وضع آسرها الحبل حول معصميها
.. ان لم تستطع الخلاص فينبغي ان تكون اَخر من يلقي سلاح المقاومة .. وهكذا كانت .. لقد ادى بهم يامو الى هذا المصير .. فلولا ذلك لكانوا في مأمن في غياهب ذلك الكهف الغائر .. ولكن يامو لما نجح في الفرار من آسريه الذين مضوا في اثره متعقبين ، انطلق مباشرة الى حيث يوجد الكهف .. لم يراوغ بل اتخذ طريقاً مكشوفا ومهد بذلك غنيمة عظيمة للمهاجمين الذين بدأ انهم يجيدون عملهم فلم يكن من العسير عليهم اخراج من في داخله .. فجمعوا من شجيرات الشطة الناضجة ماجمعوا والقوا بها امام مدخل المغارة واضرموا النار فيها .. فلم يطل الامر حتى خرج جميع من لجأ بالكهف يلتمسون طريقهم مابين واقف يرتجف او متهالك على الأرض.
4
وهم اذ يرسفون في قيودهم .. تحملق اعينهم ناحية الاكواخ على امل ان تاتيهم النجدة مع علمهم بأن الاكواخ ساعتها خالية الا من الأمهات والعجائز فالآباء بعيدون كل البعد عن الحقول .. يرعون الاغنام في الناحية الغربية حيث تشكل التلال ستاراً .. فليس في استطاعتهم رؤية شئ او سماعه وهم وسط اغنامهم داخل تلك الاحراش .. اضافة الى بعد المسافة بينهم وبين الحقول فلا رابط الا ذلك الجسر الذي رصفته الطبيعة في الجهة الشرقية .. اذ تربض الأكواخ في سفوح التلال التي تحيط بها من كل جانب .. ولايكاد الناظر من الحقول ان يرى شيئا ويزيد من حدة ذلك الاشجار الكثة النامية فوق الصخور المحيطة بالجهة الشرقية.
فمن يأتي اذن لنجدتهم وفك اسارهم؟! ولكن الغريق في لهفته للحياة وتعلقه بها يتشبث بأتفه الاسباب .. حتى بالظل المنعكس على صفحة الماء .. وهؤلاء المأسورون كان حالهم اسوأ من حال الغريق .. يساقون الى مصير مجهول .. لايعلمون عنه شيئاً .. فعلمهم لايتعدى تلك التلال الا لفراسخ معدودة .. وظلوا واقفين .. ينظرون في وجوه آسريهم المغلفة بالقسوة والغلظة .. يملؤهم الخوف .. انهم بلاشك لايريدون بهم خيرا .. لقد تعلموا ذلك في حياتهم التي يمارسونها .. فهم ينصبون الفخاخ للغزلان والطيور ليقتاتوا من لحمها وللذئاب والسباع لقتلها والتخلص من شرها!
***
كان يوم مثل ذلك اليوم منذ اعوام طوال خلت .. السنابل الناضجة تفوح رائحتها في كل الأرجاء والفتية والفتيات في قلب الحقول تحجب عنهم الأفراح حرارة الشمس التي استطاعت التخلص من معتقل السحب الغازية منذ عهد قريب .. يرددون عذب الأغاني على وقع تلك الشخاشخ الطاردة للعصافير وتباشير العيد تحيط بالقرية من كل صوب .. وجميعهم منهمكون في العمل .. يؤدون واجباتهم في بشر وحبور وبجانبهم الصبية الصغار يجمعون ماتساقط من الاوراق والأعشاب وينظفون الحقول .. فهم ايضاً ينتظرون العيد ويحلمون برائحة شواء اكواز الذرة وحبيبات الفول التي سوف تعطر اجواء القرية عما قريب .. والشباب اكثر من في الحقول همة وخفة وعزما .. ترى أيديهم تهز تلك النواقيس بعزم .. كل بقرب من يحب .. يرنو بمقلته اليه ويهمس بما في قلبه .. انه موسم الحب ايضاً كما هو موسم الحصاد .. كل فتى يعمل بقرب فتاته معظم ساعات اليوم .. وجميعهم يتمنى أن تدوم مثل هذه المواسم إلى الأبد .. ولكن هيهات ان يبقى شئ على حاله.
ومن بين الفتيات كانت (بورا) .. تلك الفاتنة المثيرة .. كل مافيها ينبض جمالاً وسحرا .. هيفاء فرعاء مثل مهر يوشك ان يناطح السماء ... جسدها الغض ينم عن انوثة مبكرة تفتقت قبل اوانها .. عيناها مستديرتان واسعتان يموج في اعماقهما الشهد .. تمتزج فيهما معان كثيرة فينعكس ذلك بين حين واخر على وجه مستدير جميل .. صوتها عذب حلو .. كأغاريد الصباح .. ونهداها بارزان كأنهما يهمان بالرحيل عن صدرها الى نقطة ما في الفضاء .. حين تمشي ترى صويحباتها يثقلن من خطواتهن من غير تعمد حتى تكون هي في مقدمتهن لكأن ذلك مكانها الذي خلقت له وحبتها الطبيعة به .. شأنها شأن الغانيات أو شأن من يرى جماله في نظرات غيره .. عنيدة كفرسة لم يمس ظهرها بعد .. كانت نظراتها الساحرة في ذاك الصباح يشوبها قلق بادئ .. فهي تنظر في ارجاء الحقول من حين لآخر كأنها تنتظر شيئاً والفتيات من حولها يمرحن في خفة وبشر وهن يرددن عذب الأغنيات .. والفتى (تورو) يختلس النظر اليها من بين سيقان الذرة على مسافة منها وسرعان ما يحيد بنظره اذا ما التقت نظراتهما متظاهرا بالانهماك في العمل فأولى له فعل ذلك والا فان حظه لن يكون اقل سوءاً مما كان في الموسم المنصرم ويشهد على الذي كان اثار ذلك الجرح الغائر في وسط ظهره وبورا تلقى بنظراتها الحائرة القلقة بعيداً غير ابهة به او ربما لم تكن تحس حتى بوجوده رغم التقاء النظرات .. فالقلوب هي التي ترى في مثل تلك الاحوال لا العيون .. لقد حاول تورو فيما مضى ان يستميل قلبها غير ان جميع محاولاته منيت بخيبة امل اذ لم ينفتح قلب بورا يوماً لسوى اكر ذلك الفتى الجسور الذي يبدو كليث كاسر اذا ماغضب وكغيث ماطر اذا طرب .. فارع الطول .. قوي الساعدين .. مفتول العضلين .. واسع الصدر .. عندما يمشي تحس كأن الارض تئن تحت قدميه .. شهم .. لايخيب ظن من يطلب عونه وفوق كل هذا وذاك فهو البطل الفذ على حلبة المصارعة .. لم يستطع اي من مصارعي القرية ان يحتل مكانه ابدا .. فلا غرابة في ان تعلقت به قلوب الفتيات فكل واحدة منهن كانت تتمنى في قرارة نفسها ان يكون لها .. لكن القلوب عند بعضها .. فلم ينفتح قلبه الا لتلك الفاتنة .. بورا .. كأنما خلقا لبعضهما .. كانت اذ التقت اعينهما يسري الحب فينبثق انبثاق الضياء فيعم ما حولهما .. كلاهما يحيا ابداً في احاسيس الآخر .. فلا ترى عيناها سواه وكذا عيناه لاترى سواها .. اكر وبورا .. كان عشقهما اسطورياً ان لم ير احدهما الاخر خلال يومه ماج قلق رهيب في دواخله سرعان ما ينعكس على تصرفاته .. وامام هذا العشق القوي المتبادل والذي احسه كل فرد من اترابهما كتم كل من له شعور كهذ نحو اكر أو بورا عواطفه في اعمق اعماقه فحب كهذا الذي يفيض فيضا ليس للدخيل مكان فيه .. ولكن كان من بين اترابهم من لم ييأس فقد حاول تورو التقرب من بورا وعمل جاهداً لاستمالة قلبها فكانت ترد عليه بالتجاهل حيناً أو بالعبوس احياناً لكنه لم يرعوِِِ الى ان وصل ذلك الى علم اكر .. فواجهه بالامر واقترح عليه ان تكون حلبة المصارعة هي الفيصل بينهما فمن يهزم الاخر يفسح المجال لغريمه .. ان اكر متيقن من النتيجة في كل الاحوال ولكن ابت عليه نخوته وعزة نفسه الا ان يختار اكثر الحلول عدلا وكرامة فقبل تورو التحدي وجعل يستعد لذلك اليوم الذي قد يحقق له اجمل امنيات عمره ولكن هيهات ان يتحقق ماهو مستحيل .. كان نصيبه من تلك المنافسة جرحاً غائراً كاد ان يودي بحياته فقد حمله اكر وقذف به بعيداً كما يطرح الشئ غير المرغوب فيه فهوى على حجر ناتئ كاد ان يخترق ظهره إلى امعائه فابتعد مفسحاً لاكر الطريق ليكون المالك الاوحد لقلب بورا ولم يعد يقترب من بعد الا عن طريق النظرات المختلسة من وراء شجيرات الذرة.
حاولت بورا ان تسيطر على القلق الذي انتابها في ذلك الصباح لكن في كل مرة يلوح لها خيال اكر بقامته السامقة وهمسه العذب .. لماذا لم يأت حتى هذه اللحظة الى الحقول؟ إنه دائماً من المبكرين .. وهو يدرك انها هنا فكيف اذن يسمح بضياع لحظة دون ان يكونا معاً .. لابد ان في الامر غرابة ؟؟ .. كل هذه الاسئلة تتزاحم في عقلها في آن واحد وتبقى الاجابة غائبة .. انها تعمل منذ ان جاءت للحقل .. غير ان عملها كان بحكم ما اعتادت عليه فعقلها بعيد كل البعد عن هذه الحقول وعن هذا العمل .. لم تدر ما انجزت وما لم تنجز .. آه لقد لاحظت ، أو ربما خيل اليها ، ان هنالك بعض علامات الاعياء بادئة على وجهه ظهر امس .. هل المت به الحمى اللعينة ام ماذا ياتري؟! ولم تهدأ خواطرها الا حينما رأت (مويا) شقيقة اكر تخطو نحوها فانفرجت اساريرها قليلاً ولم تنتظر لتصل اليها بل تقدمت بضع خطوات تجاهها لتختصر المسافة برغم ان مايفصل بينهما لم يكن اكثر من خطوات معدودة .. ولكن الذي يدفعها يجعل الشبر يبدو فراسخاً .. قالت لها مويا انها تأخرت عن الحضور للعمل لأن امها تشكو من اعراض الحمى ولا احد معها فقد خرج ابوها وشقيقها قبل طلوع الفجر في طريقهما لزيارة شقيق والدها الذي يقطن التلال الغربية .. فقد رزق بتوأمين ذكرين ، ولما كان ذلك فألا حسنا فقد ذهبا للتهنئة .. وربما يمكثان هنالك ليومين أو ثلاث .. قالت مويا ما قالت ثم اخذت طريقها الى حيث جاءت للعناية بأمها وامور البيت الاخرى .. وكأنها قد تكبدت عناء ذلك المشوار من اجل أن توصل هذه المعلومة الى بورا فهي تعرف تماما تعلقها باخيها وتعلق اخيها بها .. وتدرك ماهي الحالة التي سوف تكون عليها ان ظلت منتظرة في الحقول دون ان تدرك سبب تغيبه .. وبقيت بورا مع صوحيباتها وقد فاجأها ذلك النبأ .. لم تتوقع ذلك .. بالامس كان معها حتى غياب الشمس فلم يذكر لها من ذلك شئ .. همس لها بالكثير فلماذا اخفى هذا الامر عنها .. قال لها منذ ايام قليلة انه مايكاد يفارقها حتى يعود في ذات اللحظة يشتاق اليها كمن غاب السنين .. كان يذكر لها في كل حين انه ما ان يودعها مساء حتى يخال اليه ان الصباح لن يأتي ابدا .. فكيف يطيق فراقها ليومين او ثلاث وانى لها بتحمل ذلك .. لاشك ان اباه قد اكرهه على ذلك .. لابل ان العرف يقضى بمرافقته ابيه في رحلة عبر اودية واحراش وعلى الاقدام .. وظلت تواصل العمل في الحقل ولكن بلا همة وبلا مرح .. تشتت افكارها بعيداً .. وعيناها تعكسان ما ألم بمشاعرها وما يموج في اعماقها .. ستشرق الشمس لمرتين أو ثلاث دون ان تراه .. ولم يكن اثبات تأثيرها يحتاج لبرهان او بينة اذ بدأ ذلك جليا على كل قسمات وجهها .. جميع من حولها من رفيقاتها ادركن ماهي فيه فصرن يتندرن وهي تحاول جاهدة ان تتغلب على ذلك بالتظاهر بخلاف ماهو موضوع تندرهن .. ولكن هيهات ان ينطلي ذلك على من هن في مثل سنها .. واذ ذاك اَثرت البعد عنهن قليلاً حتى تستطيع ان تنعم برحلتها في عالم الخيال .. فالوحدة احيانا خير انيس .. وقليلا قليلا ودون ان تحس بها الاخريات نجحت في الانسحاب من قربهن .. وسبحت في افكارها بعيدا ويدها تتفقد من حين الي اخر حبيبات ذلك العقد الذي يزين جيدها .. فله في نفسها مكانة خاصة .. هدية غالية من ذلك الحبيب الغائب .. انتقى حبيباته من ما تأتي به الاودية من صخور ملونة صغيرة ثم هذبها وشحذها واستغرق زمنا طويلا يحاول ثقبها حتى تمكن فنظم بيده ذلك العقد .. وجلست في مكانها تعاتب في صمت حبيب القلب والعصافير من حولها تزقزق ولسان حالها يكيل لها الشكر اقداحاً .. اذ نسيت ناقوسها تماما فهنئت حصاياه بنوم هادئ وحظيت العصافير بوجبة دسمة .. تخطت كل التلال والاودية ووصلت الي حيث مضى اكر .. فانشغلت في تلك اللحظات عن كل واجب .. هكذا الحب .. عندما يستملك القلوب يجعلها هي الامرة لا العقول .. وظلت غارقة في شرودها ولم تكف الا عندما خيل لها انا تسمع صراخاً منبعثاً من اطراف الحقول فاصغت وسرعان ماتبين لها انها صرخات صويحباتها .. فنهضت تبارح معتزلها ويداها تزيح من امامها نبتات الذرة المائلة من ثقل السنابل لتفسح الطريق قتستطيع الوصول الي حيث توجد رفيقاتها لتستبين امر الصراخ .. قد يكون لظهور حية .. فما اكثر الحيات في مثل هذه الاوقات .. غير ان الصراخ كان اكثر حدة .. ربما ان الامر اعظم من ذلك واخطر .. ولم يطل الامر حتى بانت لها الحقيقة .. وطفقت تشارك غيرها الصراخ .. لم تكن الحية ولاحتى بسبع .. لقد هاجم اناس غريبوا الزي واللسان .. غريبو الهيئة والملامح .. على روؤسهم عمائم كبيرة وعلى جانب وجوههم مايشبه اثار اقدام الطيور على الوحل .. وقف بعضهم على مداخل الحقول وآخرون على الجسر المؤدي الى الاكواخ يحملون الرماح والسيوف .. بينما داهم الحقول فريق مزود بحبال وسياط .. رأت بورا بعضاً من الفتية والفتيات متساقطين على الارض واخرين يحاولون الفرار في ارجاء الحقول بينما وقع نفر منهم في قبضة الغزاة .. فاستدارات مسرعة تحاول طريقا للخلاص .. فهنالك مغارة في الطرف الاخر من الحقول ان استطاعت الوصول اليها فسوف تكون في مأمن .. اذ ليس في وسع هؤلاء الغزاة معرفتها .. عدت باقصى مايمكنها بين شعاب الحقول محاولة التستر ما امكنها بشجيرات الذرة .. ينبغي الا تكون مثل من سقطوا أو اسروا .. فهي اقوى من ذلك يجب الا تستسلم ابدا .. وان لم يكن من ذلك بد فلتكن آخر من يلقي سلاح المقاومة .. نعم .. الثمرة اليانعة الطيبة صعبة المنال فهي إما مستعصمة بالأعالي أو محاطة بالاشواك .. عليها ان تبتعد عن ساحة المعركة ما امكنها ذلك لتلوذ بذلك الكهف الغائر .. ان يكون مليئاُ بالحيات فليكن .. فالحيات ليست باسوأ من هؤلاء فهي لاتكبل المرء بالقيود ولاتأخذه الى المجهول .. قد يموت المرء من لدغتها وقد لايموت .. وفي كلا الحالين فهو باق على ارضه وعلى ثرى اجداده .. واطلقت لساقيها العنان .. لا تلوي على شئ الا ذلك الملجأ .. ولكم تعثرت قدماها حتى تمكنت من الوصول الى وجهتها .. ولدهشتها فقد وجدت نفسها انها ليست اول من وصل اذ الفت هنالك بعض من الفتية والفتيات يكاد زفيرهم يزلزل المغارة .. فهوت من فوقهم تلهث بشدة وهي في حالة اجهاد كاملة .. لقد بذلت جهداً عنيفا في سبيل الوصول إلى هناك .. أدمت الحجارة قدميها كما فعلت فيهما الاشواك فعلتها .. ولكن كل جرح سوف يندمل مابقيت الدماء في العروق .. وكان لايسمع في تلك المغارة سوى الزفرات والعبرات .. ومن سخرية الاقدار ان بورا عندما استفاقت قليلا وجدت ان قدميها تستريحان على صدر تورو .. ولكن اغلب الظن ان تورو في لحظة كتلك لاترى عيناه إلا اولئك الغزاة وفي ايديهم الرماح والسيوف والسياط .. فأزاحتهما في شئ من التأفف .. يالتورو المسكين .. تعافه حتى في لحظة كتلك .. ولكن الى اين؟ والى اي مدى؟ فضيق المكان قد يحتم عليها ان تعيد قدميها الى ذات الموضع فما عساها فاعلة؟! وفجأة ينبري طيف اكر في خيالها .. يقف كالليث .. اين لها به الآن .. لو كان موجودا لكان الامر مختلفا .. فهو لايعرف الاستسلام ولا الهزيمة .. قد زاد ذلك من عزمها وبعث في نفسها بارقة امل .. يجب ان تقاوم من اجلة والا تعرف الاستسلام واذا استطاعت الصمود قليلا فسوف يأتي حتما واذا ماجاء فسوف يكون للأمور شأن آخر .. واذ ذاك همت بالنهوض كأنها تُدفع الى ذلك ولكن الى اين؟! فما كان الا ان اجتذبها احدهم بقوة فارتمت في مطرحها .. وانتهرها بصوت خافت لكنه قوي آمراً اياهابالجلوس .. فارتمت تشاركهم ذلك الصمت القاتل كفئران تحرس مداخل جحورها قطط الدنيا بأسرها .. ومرة اخرى يتراءى اكر .. لاشك انه قادم فهي تكاد تسمع وقع خطاه وتسمع انين الارض تحت اقدامه .. ستنقلب موازين الأمور وسوف يلقن هولاء الغزاة درسا .. ولكن هيهات .. ان يقوى اكر على مجابهة اناس يتسلحون بالنار .. انها لن تكون اكثر من طلقة واحدة لاغيرها تخرج من فوهة ذلك الشئ اللعين ، فيستوي امامها الأرنب الرعديد والاسد الكاسر .. وبينما الجميع تستولي عليهم الرهبة والوجوم اذا بهم يسمعون وقع اقدام قوية مسرعة نحو الكهف .. فازداد الأمر سوءا وتملكهم فزع قاتل وتدافعوا نحو قاع الكهف كقطعان الماعز عندما يداهمها المطر .. بعضهم فوق بعض .. ولكن هل من سبيل؟! فقاع ذلك الكهف غير نافذ ولايؤدي الى مغارة اخرى .. ولكنه الخوف .. لم يدر تورو ان الجالسة على فخذيه هي بورا التي كان يختلس اليها النظر اختلاسا والتي كاد ان يموت في سبيلها يوما .. ولو كان تورو في وعيه لابتهل الى الله كي لا يغير هذا الوضع وان لايخرجه من هذا الكهف ابدا .. ولكن اذهان الجميع كانت غائبة تماماً في تلك اللحظات العصيبة والقلوب يسيطر عليها رعب مميت فتخفق بقوة تهتز لها جدران ذلك الكهف الضيق .. ولم يتنفسوا الصعداء الا حينما تبين لهم ان القادم لاجئ مثلهم .. من رفاق الحقول .. انه يامو .. لم يدل بشئ بل هوى على من تكدسوا لاهثا متأوها ً .. وعاد كل الى سابق وضعه بعد ان طبع هذا الموقف الاخير بصمته على كل الوجوه .. لم يتفوه احد بكلمة ولكن طفقت الأعين تطالع وجه القادم لعلها تستشف حقيقة الوضع خارج الكهف .. وكان ذلك واضحا فظهره يقطر دما اذ الهبته سياط الغزاة .. فالآثار بينة حتى في عدم توفر الرؤية الكاملة .. كان حاله يغني عن السؤال .. فالواقع في خارج الملجأ او بعض منه مطبوع على وجه ذلك المتهالك .. لايبشر الا بماهو اسوأ .. وفجأة انتابت يامو نوبة سعال قوية بددت ذلك السكون .. ولما كان الاقرب الى مدخل الكهف فقد امتدت يد الجالس بجواره لتكمم فمه حتى لايجلب الشر اليهم .. غير ان نوبة السعال ألمت بالجميع.. الكل يسعل بقوة .. واختلط ذلك بعطاس متواصل .. وسالت الدموع حتى اصبح ليس في امكان احد ان يفتح عينيه .. واختلط الحابل بالنابل .. ومرة اخرى اصبحوا كقطعان الماعز يناطح بعضهم بعضاً ويرتطمون بجدران الكهف .. اللعنة .. لابد ان شجيرات الشطة المزروعة على مقربة من هنا قد احترقت .. ولاول مرة يرتفع صوت بالداخل .. انه تورو يسمعون صوته ولايرونه .. يأمرهم بمغادرة الكهف حالا وان يستتروا بالدخان الناتج عن احتراق حقول الشطة وان يتجهوا غربا الى المغارات الواقعة على مقربة من القبور .. فهي اكثر امنا . واندفع الجميع نحو المخرج في حالة من الذعر والفوضى .. كلٌ يحجب وجهه بيديه من اثر الدخان ولم يعلموا انهم خارج المغارة الا بعد ان احسوا بالهواء الطلق يغشي وجوههم .. ولم يدركوا بأنهم اصبحوا في قلب الفخ .. حيث انبرى في الجهة التي ينبغي عليهم ان يهربوا من خلالها اثنان من عتاة المهاجمين يشدان حبلا متينا .. واندفع المساكين بكل قوتهم بناءا على الخطة التي وصفها لهم تورو ، تجاه الحبل المشدود فارتد كل منهم على قفاه فسقط معظمهم بقوة على الارض .. هنا ادركوا بأنهم قد وقعوا في مصيدة وحاول بعضهم النهوض ليواصل الفرار ولكن الى اين؟! .. فالكهف من خلفهم بدخانه الكثيف المسموم والغزاة امامهم بسياطهم وسيوفهم ورماحهم .. وبين هذا وذاك ضاع الطريق الى بر الأمان .. فكان ان وقعوا لقمة سائغة في ايدي الغزاة المكممين بعمائمهم وانهالت بعض ايد توثقهم بحبال متينة.
ولما انحسر ذلك الدخان وخفت آثاره من على العيون وجد الجميع انفسهم مكبلين قي رتل طويل ومن حولهم يقف الغزاة وقد تملكتهم نشوة المنتصر .. ولم يكن في مقدور اي من المأسورين سوى الاستسلام للأقدار استسلام العصفور الواقع في الشراك .. لايدرون الى اي مصير يساقون .. يبكون في صمت اذ نضبت دموعهم مما لاقوا وبحت اصواتهم حتى لم تعد تسمع .. وفجاة مزقت صرخة قوية هدوء ذلك الوادي .. فبدأ احد الرجال المهاجمين يجرجر فتاة هيفاء .. وهي تقاومه وتحاول بكل قواها التخلص من قبضته ولما التفتت بعض وجوه .. الفوها بورا الفاتنة .. لم تخضع ابدا ولم تستسلم .. عنيدة كمهرة لم يمس ظهرها .. تقاوم حتى اخر لحظة .. لحظة أن وضع آسرها الحبل حول معصميها
.. ان لم تستطع الخلاص فينبغي ان تكون اَخر من يلقي سلاح المقاومة .. وهكذا كانت .. لقد ادى بهم يامو الى هذا المصير .. فلولا ذلك لكانوا في مأمن في غياهب ذلك الكهف الغائر .. ولكن يامو لما نجح في الفرار من آسريه الذين مضوا في اثره متعقبين ، انطلق مباشرة الى حيث يوجد الكهف .. لم يراوغ بل اتخذ طريقاً مكشوفا ومهد بذلك غنيمة عظيمة للمهاجمين الذين بدأ انهم يجيدون عملهم فلم يكن من العسير عليهم اخراج من في داخله .. فجمعوا من شجيرات الشطة الناضجة ماجمعوا والقوا بها امام مدخل المغارة واضرموا النار فيها .. فلم يطل الامر حتى خرج جميع من لجأ بالكهف يلتمسون طريقهم مابين واقف يرتجف او متهالك على الأرض.
4
وهم اذ يرسفون في قيودهم .. تحملق اعينهم ناحية الاكواخ على امل ان تاتيهم النجدة مع علمهم بأن الاكواخ ساعتها خالية الا من الأمهات والعجائز فالآباء بعيدون كل البعد عن الحقول .. يرعون الاغنام في الناحية الغربية حيث تشكل التلال ستاراً .. فليس في استطاعتهم رؤية شئ او سماعه وهم وسط اغنامهم داخل تلك الاحراش .. اضافة الى بعد المسافة بينهم وبين الحقول فلا رابط الا ذلك الجسر الذي رصفته الطبيعة في الجهة الشرقية .. اذ تربض الأكواخ في سفوح التلال التي تحيط بها من كل جانب .. ولايكاد الناظر من الحقول ان يرى شيئا ويزيد من حدة ذلك الاشجار الكثة النامية فوق الصخور المحيطة بالجهة الشرقية.
فمن يأتي اذن لنجدتهم وفك اسارهم؟! ولكن الغريق في لهفته للحياة وتعلقه بها يتشبث بأتفه الاسباب .. حتى بالظل المنعكس على صفحة الماء .. وهؤلاء المأسورون كان حالهم اسوأ من حال الغريق .. يساقون الى مصير مجهول .. لايعلمون عنه شيئاً .. فعلمهم لايتعدى تلك التلال الا لفراسخ معدودة .. وظلوا واقفين .. ينظرون في وجوه آسريهم المغلفة بالقسوة والغلظة .. يملؤهم الخوف .. انهم بلاشك لايريدون بهم خيرا .. لقد تعلموا ذلك في حياتهم التي يمارسونها .. فهم ينصبون الفخاخ للغزلان والطيور ليقتاتوا من لحمها وللذئاب والسباع لقتلها والتخلص من شرها!
***
تعليق