كانت الشمس قد اجتازت منتصف السماء بقليل في اولى خطاها نحو مهدها في التلال من جهة الغرب ، عندما هب الغزاة يأمرون أسراهم بالوقوف .. لم تكن اوامرهم بالقول .. اذا لم تكن لكلماتهم معنى بين هؤلاء الاسرى .. بل كان الأمر بالسياط التي يلوح بها في الهواء مثلما يهش الرعاة على اغنامهم .. فانتصبوا جميعا .. في صف طويل يربط فيما بينه حبل واحد مربوط طرفه على سرج فرس في المقدمة بينما وقف اثنان خلف الفوج واخران كل منهما على جانب وجميعهم على ظهور مطاياهم .. في ايديهم السياط وفي ركابهم الرماح .. ويتقدمهم جميعا من يبدو انه قائد المجموعة .. فهو اكبرهم سناً ويمتطي فرساً ابيضاً قويا .. وفي ركابه اكثر من سيف كما يحمل بجانبه شيئا اخر ليست لهم به سابق معرفة .. اداة ذات عنق معدني طويل .. وتحرك الركب المأسور .. وعيون افراده تلقى اخر النظرات الى تلك المروج .. رباه هل من عودة اخرى ام انه فراق غير وامق؟! وحتى تلك اللحظة كان يراود بورا امل في النجاة فكانت تصارع قيدها وتقاوم الحبل الذي يجذبها .. فهل يجدي ذلك فتيلاً؟! لكنه العناد والكبرياء .. ينبغي الا تكون كالآخرين والا تكون سهلة المنال .. ولمّا لم يكن من ذلك بد احدثت صرخة داوية ظل صداها يجلجل في ارجاء الوادي طويلا .. (لقد اخذوني يا أكر ...) الان فقط باحت بما في صدرها جهارا امام الرفاق لم تذكر سواه ولم تستنجد بسواه وكان ذلك آخر ما ردده الصدى وما ظل يردده في زمان آخر .
واذ مضت قافلة الأسرى وخلت الحقول من فتيتها انقضت اسراب العصافير تعبث بالسنابل ماشاء لها ان تعبث .. فقد خلا لها الجو فلا مانع ولا رقيب .. ولاشئ يُسمع سوى شقشقتها .. جزلة طربة تهزأ من هاتيك الشخاشخ الملقاة بين السرابات وقد تبدد بأسها.
مالت الشمس متثاقلة لتستقر في احضان التلال .. ولم يبق من ركبها سوى خيوط من الضياء الباهت الموشح بالسواد ترسم الحزن على فجاج الوادي وتنعي تلك البهجة التي كانت تسود وجه المزارع والمروج.
لم ينج من الأسر سوى اثنان من الصبية ممن كانوا في الحقول .. فقد لاذا بمنخفض بين نباتات الذرة .. وظلا صامتين الى ان رحل الغزاة .. وحينذاك تركا مخبأهما وطفقا يسابقان الريح الى ان وصلا الى الاكواخ يذيعان في ربوعها ذلك النبأ العظيم .. وما امرها فجيعة .. لقد كان مجموع من اسروا تسعة عشر مابين فتى وفتاة وصبي .. كانوا فرحة الحاضر وأمل الغد .. وسيقوا جميعا كما تساق القطعان مكبلين بالقيود .. أعياهم الدخان وألحت اجسادهم السياط .. ما ابشع ان ينتزع طفل من صدر امه وان يقتل الامل اليانع في المشاعر والأحداق .. كانوا جميعا ينتظرون مقدم العيد ولكن الفرحة لم تكتمل .. فمضوا ومضت في ركبهم الافراح .. وتسارع من كان في الاكواخ الى حيث الحقول مابين ثاكل ونائح ومفجوع فاذا الحقول خالية تماما حتى من تلك العصافير التي عادت الى اوكارها والصمت مطبق فكيه على ارجاء الوادي .. وعلى ضوء الشعلات الباهته وجدوا اَثار من رحلوا .. بقايا ارغفة ممرغة في التراب وتلك النواقيس ملقاة بين السرابات .. وروث خلفته خيول الغزاة .. ساعتها ازداد العويل والصراخ ممزقا ذلك السكون .. رباه ماهذا؟! لما يأخذون الصبايا والأطفال؟ من هم ولأي غاية فعلوا هذه الفعلة النكراء؟ .. ولم يعد يسمع في تلك الأمسية إلا صراخ ملهوف أو بكاء نائح أو تأوه مفجوع .. وهرع في أثر هؤلاء الآباء ومن كانو مع الاغنام في المراعي حين وجدوا الاكواخ خالية .. قرأوا المأساة متجسدة هناك .. حقول خالية ونساء ثاكلات نائحات .. فثكلوا وناحوا مثلهن ولكن في صمت .. وما امره بكاء ان يبكي المرء في صمت .. غير انهم لم يركنوا الى احزانهم فلا الحزن ولا البكاء وسوف يعيدان من فقدوا .. وينبغي عليهم ان يسعوا في اثر اللصوص لاستعادة ابنائهم وتخليصهم من قبضة سارقيهم مهما كان الثمن .. واجتمع كل من قوي على حمل سلاح وبدأت مسيره الخلاص يقودها اشدهم قوة .. وسلاحهم الرماح والخناجر والسهام .. يتخذون من اعواد الشجر مصابيحا يهتدون بها بعد ان دهنوا رؤوسها بالشحم .. مقتفين سيرا على الاقدام اثر اللصوص الذين بدأ انهم سلكوا طريقا خفيا وعرا .. كان عدد افراد فريق النجدة يفوق العشرين فردا ولحق بهم اخرون في الطريق .. تقدح عيونهم شررا وهم يحثون السير .. يحلمون بتلك اللحظة التي ينقضون فيها على اولئك الدخلاء فيجعلونهم نادمين على اللحظة التي وطئت فيها اقدامهم الدنيئة ثراهم الطيب .. وستخترق سهامهم الحادة اجسادهم مثلما تخترق الابرة اطراف الثوب القديم .. فيعيدون فلذات اكبادهم الى ارضهم سالمين .. فهم الاقوى والاكثر عددا .. اذ قال الصبيان الناجيان ان عدد اللصوص لايتعدى عدد اصابع الكفين .. وهاهم عصبة .. ان لم تكن لهم الغلبة فهم اذن لخاسرون. ولما كانت هذه ارضهم وكانوا بالطبع ادرى بشعابها فقد حادوا عن ذلك الطريق الوعر الى طريق اخر اقل وعورة ويلتقى في النهاية بذات الطريق ويجعلهم في وضع افضل من وضع اعدائهم .. ومضوا في طريقهم صامتين لاشئ يدل عليهم الا تهافت اضواء خافتة منبعثة من مصابيحهم البدائية التي مازال بعضها متقدا .. يسيرون في رتل واحد بعضهم خلف بعض يقودهم (دلدوم) ذلك الذي عرفته حلبات المصارعة لسنوات طويلة .. وان كان قد تخلى عن ذلك الآن بحكم السن الا انه مازال يفخر بأنه الأقوى فكم تصدى للسباع الضارية حتى دحرها وصدها عن الاكواخ .. ليس له من بين من سبيوا ابن او ابنة فهو لم يرزق بأبناء لكنهم جميعاً ابناءه .. فهم ذخر القبيلة وحماتها في الغد .. فمن اتى لاسرهم اليوم سوف يأتي في الغد ليأسره وغيره .. لذا يجب عليهم ان يجعلوا اللصوص عبرة لمن يليهم .. وان يتركوا جثثهم متناثرة بين الاحراش تلهوا باشلائها الذئاب وجوارح الطيور .. فهم من بدأ بالظلم والعدوان.
كاد ذلك الليل الحالك أن ينتصف ومسيرة الخلاص تحث السير غير آبهة بدواب الارض ولابغيرها من سكنة الأحراش وشعلات مصابيحهم قد لفظت انفاسها تماما اذ احترق زيتها ونضب معينها .. ولكن ذلك لايهم فهم قد اعتادوا الظلام كما اعتادهم .. وتعلموا من خلال حياتهم في الطبيعة ان هنالك حواس خفية تعمل في غياب حاسة الابصار .. فالرؤية لدى من مثلهم لاتقتصر على البصر وحده .. ولم يكفوا عن زحفهم الا حينما استدار قائدهم دلدوم بصورة مفاجئة رافعا يسراه باسطا كفه الى اعلى .. حينها ادرك جنده ان ذلك امر بالتوقف والصمت فانتصبوا في اماكنهم و كأنهم تماثيل نحتت من خشب الأبنوس .. وتقدم عنهم بضع خطوات ثم مد جسده على الأرض راقدا على بطنه وقوسه بجانبه .. وأرخى رأسه حتى لامس ذقنه التراب وشخص ببصره عبر ذلك الستار الحالك من الليل ثم أمال برأسه لاصقاً اذنه باديم الأرض كأنه يتصنت إلى شئ بداخلها وظل على ذلك لبعض الوقت ثم هب واقفا متأبطا قوسه آمراً رجاله ان يسيروا على رؤوس اصابعهم فهم على مقربة من هدفهم.
كان صادقاً في ماتوقعه فما ساروا طويلا حتى بلغ مسامعهم وقع حوافر الجياد واقدام الأسرى وهي تدوس على الاعشاب واعواد الشجر اليابسة فأصدر امراً بإلتزام الصمت إنصاع له الجميع وصاروا يمشون على امشاجهم حتى اصبحوا على مقربة من الهدف وبانت لهم في الظلال اشباح الاسرى يزحفون في رتلهم وآسريهم على جيادهم .. وبدأ لهم ان الركب يوشك على التوقف اذ بات السيربطيئا والأسرى يجرون اقدامهم جرا .. وماهي الا لحظات حتى توقف الركب بالفعل وانهارت اجساد الاسرى على الارض يحيط بهم الغزاة من كل الجهات بينما ترجل قائد المجموعة ورجاله يوثقون جيادهم وانشغل البعض بأعداد مكان لقضاء الليل في بطن ذلك الوادي .
أمر دلدوم رجاله ان يكونوا على استعداد وان يختبئ كل واحد خلف شجرة والا يطلق اي منهم سهما الا حينما يشير لهم بالاشارة المتفق عليها فالظلام مازال حالكا ويصعب التمييز فقد تصييب سهامهم بعضا من ابنائهم الأسرى .. لذا فينبغي عليهم ان ينتظروا قليلاً ريثما ينقشع الظلام فيمطروا هؤلاء اللصوص بوابل سهامهم التي لن تخطئ منها احدا .. سوف يأخذونهم على حين غره تماما مثل ما فعلوا فموقعهم في المعركة يتيح لهم ذلك اذ انهم في موقع اعلى نسبياً عن موقع اعدائهم الذين نزلوا ببطن واد تحف به الاشجار كما ان باستطاعتهم رؤية الاعداء من حيث لايرونهم وهذه ميزة ستجعل النصر في ايديهم دون أدنى ريب .. ارتسمت على شفتي دلدوم الغليظتين ابتسامة ماكرة وهو يوازن بين تلك الأمور .. ستشهد السويعات القادمة ملحمة البطولة وسيرتفع رأس القبيلة عاليا بفضله وفضل اعوانه من رجالها عندما يعود ذلك الفوج المأسور من الشبان متحررا سالما الى الاكواخ والحقول .. وسوف تتضاعف الأفراح .. فرحة العيد وفرحة النصر.
واذ مضت قافلة الأسرى وخلت الحقول من فتيتها انقضت اسراب العصافير تعبث بالسنابل ماشاء لها ان تعبث .. فقد خلا لها الجو فلا مانع ولا رقيب .. ولاشئ يُسمع سوى شقشقتها .. جزلة طربة تهزأ من هاتيك الشخاشخ الملقاة بين السرابات وقد تبدد بأسها.
مالت الشمس متثاقلة لتستقر في احضان التلال .. ولم يبق من ركبها سوى خيوط من الضياء الباهت الموشح بالسواد ترسم الحزن على فجاج الوادي وتنعي تلك البهجة التي كانت تسود وجه المزارع والمروج.
لم ينج من الأسر سوى اثنان من الصبية ممن كانوا في الحقول .. فقد لاذا بمنخفض بين نباتات الذرة .. وظلا صامتين الى ان رحل الغزاة .. وحينذاك تركا مخبأهما وطفقا يسابقان الريح الى ان وصلا الى الاكواخ يذيعان في ربوعها ذلك النبأ العظيم .. وما امرها فجيعة .. لقد كان مجموع من اسروا تسعة عشر مابين فتى وفتاة وصبي .. كانوا فرحة الحاضر وأمل الغد .. وسيقوا جميعا كما تساق القطعان مكبلين بالقيود .. أعياهم الدخان وألحت اجسادهم السياط .. ما ابشع ان ينتزع طفل من صدر امه وان يقتل الامل اليانع في المشاعر والأحداق .. كانوا جميعا ينتظرون مقدم العيد ولكن الفرحة لم تكتمل .. فمضوا ومضت في ركبهم الافراح .. وتسارع من كان في الاكواخ الى حيث الحقول مابين ثاكل ونائح ومفجوع فاذا الحقول خالية تماما حتى من تلك العصافير التي عادت الى اوكارها والصمت مطبق فكيه على ارجاء الوادي .. وعلى ضوء الشعلات الباهته وجدوا اَثار من رحلوا .. بقايا ارغفة ممرغة في التراب وتلك النواقيس ملقاة بين السرابات .. وروث خلفته خيول الغزاة .. ساعتها ازداد العويل والصراخ ممزقا ذلك السكون .. رباه ماهذا؟! لما يأخذون الصبايا والأطفال؟ من هم ولأي غاية فعلوا هذه الفعلة النكراء؟ .. ولم يعد يسمع في تلك الأمسية إلا صراخ ملهوف أو بكاء نائح أو تأوه مفجوع .. وهرع في أثر هؤلاء الآباء ومن كانو مع الاغنام في المراعي حين وجدوا الاكواخ خالية .. قرأوا المأساة متجسدة هناك .. حقول خالية ونساء ثاكلات نائحات .. فثكلوا وناحوا مثلهن ولكن في صمت .. وما امره بكاء ان يبكي المرء في صمت .. غير انهم لم يركنوا الى احزانهم فلا الحزن ولا البكاء وسوف يعيدان من فقدوا .. وينبغي عليهم ان يسعوا في اثر اللصوص لاستعادة ابنائهم وتخليصهم من قبضة سارقيهم مهما كان الثمن .. واجتمع كل من قوي على حمل سلاح وبدأت مسيره الخلاص يقودها اشدهم قوة .. وسلاحهم الرماح والخناجر والسهام .. يتخذون من اعواد الشجر مصابيحا يهتدون بها بعد ان دهنوا رؤوسها بالشحم .. مقتفين سيرا على الاقدام اثر اللصوص الذين بدأ انهم سلكوا طريقا خفيا وعرا .. كان عدد افراد فريق النجدة يفوق العشرين فردا ولحق بهم اخرون في الطريق .. تقدح عيونهم شررا وهم يحثون السير .. يحلمون بتلك اللحظة التي ينقضون فيها على اولئك الدخلاء فيجعلونهم نادمين على اللحظة التي وطئت فيها اقدامهم الدنيئة ثراهم الطيب .. وستخترق سهامهم الحادة اجسادهم مثلما تخترق الابرة اطراف الثوب القديم .. فيعيدون فلذات اكبادهم الى ارضهم سالمين .. فهم الاقوى والاكثر عددا .. اذ قال الصبيان الناجيان ان عدد اللصوص لايتعدى عدد اصابع الكفين .. وهاهم عصبة .. ان لم تكن لهم الغلبة فهم اذن لخاسرون. ولما كانت هذه ارضهم وكانوا بالطبع ادرى بشعابها فقد حادوا عن ذلك الطريق الوعر الى طريق اخر اقل وعورة ويلتقى في النهاية بذات الطريق ويجعلهم في وضع افضل من وضع اعدائهم .. ومضوا في طريقهم صامتين لاشئ يدل عليهم الا تهافت اضواء خافتة منبعثة من مصابيحهم البدائية التي مازال بعضها متقدا .. يسيرون في رتل واحد بعضهم خلف بعض يقودهم (دلدوم) ذلك الذي عرفته حلبات المصارعة لسنوات طويلة .. وان كان قد تخلى عن ذلك الآن بحكم السن الا انه مازال يفخر بأنه الأقوى فكم تصدى للسباع الضارية حتى دحرها وصدها عن الاكواخ .. ليس له من بين من سبيوا ابن او ابنة فهو لم يرزق بأبناء لكنهم جميعاً ابناءه .. فهم ذخر القبيلة وحماتها في الغد .. فمن اتى لاسرهم اليوم سوف يأتي في الغد ليأسره وغيره .. لذا يجب عليهم ان يجعلوا اللصوص عبرة لمن يليهم .. وان يتركوا جثثهم متناثرة بين الاحراش تلهوا باشلائها الذئاب وجوارح الطيور .. فهم من بدأ بالظلم والعدوان.
كاد ذلك الليل الحالك أن ينتصف ومسيرة الخلاص تحث السير غير آبهة بدواب الارض ولابغيرها من سكنة الأحراش وشعلات مصابيحهم قد لفظت انفاسها تماما اذ احترق زيتها ونضب معينها .. ولكن ذلك لايهم فهم قد اعتادوا الظلام كما اعتادهم .. وتعلموا من خلال حياتهم في الطبيعة ان هنالك حواس خفية تعمل في غياب حاسة الابصار .. فالرؤية لدى من مثلهم لاتقتصر على البصر وحده .. ولم يكفوا عن زحفهم الا حينما استدار قائدهم دلدوم بصورة مفاجئة رافعا يسراه باسطا كفه الى اعلى .. حينها ادرك جنده ان ذلك امر بالتوقف والصمت فانتصبوا في اماكنهم و كأنهم تماثيل نحتت من خشب الأبنوس .. وتقدم عنهم بضع خطوات ثم مد جسده على الأرض راقدا على بطنه وقوسه بجانبه .. وأرخى رأسه حتى لامس ذقنه التراب وشخص ببصره عبر ذلك الستار الحالك من الليل ثم أمال برأسه لاصقاً اذنه باديم الأرض كأنه يتصنت إلى شئ بداخلها وظل على ذلك لبعض الوقت ثم هب واقفا متأبطا قوسه آمراً رجاله ان يسيروا على رؤوس اصابعهم فهم على مقربة من هدفهم.
كان صادقاً في ماتوقعه فما ساروا طويلا حتى بلغ مسامعهم وقع حوافر الجياد واقدام الأسرى وهي تدوس على الاعشاب واعواد الشجر اليابسة فأصدر امراً بإلتزام الصمت إنصاع له الجميع وصاروا يمشون على امشاجهم حتى اصبحوا على مقربة من الهدف وبانت لهم في الظلال اشباح الاسرى يزحفون في رتلهم وآسريهم على جيادهم .. وبدأ لهم ان الركب يوشك على التوقف اذ بات السيربطيئا والأسرى يجرون اقدامهم جرا .. وماهي الا لحظات حتى توقف الركب بالفعل وانهارت اجساد الاسرى على الارض يحيط بهم الغزاة من كل الجهات بينما ترجل قائد المجموعة ورجاله يوثقون جيادهم وانشغل البعض بأعداد مكان لقضاء الليل في بطن ذلك الوادي .
أمر دلدوم رجاله ان يكونوا على استعداد وان يختبئ كل واحد خلف شجرة والا يطلق اي منهم سهما الا حينما يشير لهم بالاشارة المتفق عليها فالظلام مازال حالكا ويصعب التمييز فقد تصييب سهامهم بعضا من ابنائهم الأسرى .. لذا فينبغي عليهم ان ينتظروا قليلاً ريثما ينقشع الظلام فيمطروا هؤلاء اللصوص بوابل سهامهم التي لن تخطئ منها احدا .. سوف يأخذونهم على حين غره تماما مثل ما فعلوا فموقعهم في المعركة يتيح لهم ذلك اذ انهم في موقع اعلى نسبياً عن موقع اعدائهم الذين نزلوا ببطن واد تحف به الاشجار كما ان باستطاعتهم رؤية الاعداء من حيث لايرونهم وهذه ميزة ستجعل النصر في ايديهم دون أدنى ريب .. ارتسمت على شفتي دلدوم الغليظتين ابتسامة ماكرة وهو يوازن بين تلك الأمور .. ستشهد السويعات القادمة ملحمة البطولة وسيرتفع رأس القبيلة عاليا بفضله وفضل اعوانه من رجالها عندما يعود ذلك الفوج المأسور من الشبان متحررا سالما الى الاكواخ والحقول .. وسوف تتضاعف الأفراح .. فرحة العيد وفرحة النصر.