بعد أن قدّمت لكم كتاب " قصـّة الثـّورة الجزائريـّة "، لكاتبه المناضل العربي الفلسطيني الكبير أحمد الشـّقيري، أقدّم لكاتبنا هنا كتابـًا آخر تحت عنوان" معارك العرب " . ما أشبه البارحة باليوم.
ولأنـّي قدّمت لحياة كاتبنا في كتابه الأوّل، دعوني أخبركم لمن أهدى الزّعيم هذا الكتاب. وهذا الإهداء كما جاء في مقدّمـة كتابه
" إهـداء الكتـاب
لمن ؟ ولماذا؟
لا أهدي هذا الكتاب إلى المعاصرين من ملوك العرب والإسلام، وأمرائهم ورؤسائهم، وما أكثرهم عددا وأضخمهم لقبا.
لا أهديهم هذا الكتاب، لأن الذين سقط بيت المقدس في أيامهم، لا يستحقون أن يهدى إليهم كتاب تدور بعض فصوله حول بيت المقدس…..
ولقد تبادر إلى ذهني ، لأول وهلة، أن أهديه إلى روح البطل المجاهد الفاتح صلاح الدين الأيوبي. فإن احتلال الأرض العربية على أيدي الإفرنج في الماضي، وعلى يد إسرائيل في الحاضر، يفرض حتما أن يكون الإهداء إليه، لا إلى سواه.
ولكني عدلت عن ذلك، فإن صلاح الدين الأيوبي قد ملأ صفحات التاريخ الإفرنجي أكثر من العربي…ولم يعد إهداء أي كتاب يرقى إلى سيرته المجيدة وتاريخه الباهر….
وثمة سبب آخر حملني على هذا العدول. ذلك أني وقفت، وأنا أقلب صفحات التاريخ، على ملحمة بطولية كانت مضمورة في جوف الكهوف، وشاء القدر أن تنشر وتذكر.
وأنا أحاول اليوم، أن أزيدها ذكرا ونشرا ….. وأن أجعل أبطالها موضوع الإهداء. ولا بد أن نبدأ الحكاية من أولها بإيجاز.
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عثر أربعة من المستشرقين وهم مكاليستر، دالمن، شيك، فإن برشم، على موقع أثري عظيم، في أسفل جبل الزيتون في القدس، وعلى بعد ستمئة متر من برج اللقلق. وهذا الموقع هو مغارة مبطنة بالجص ذات قاعتين مربعتين، إحداهما داخلية والأخرى خارجية. وتحتوي القاعة الداخلية على بضع عشرات من الكتابات العربية منقوشة في الجدران.
وعلم الأستاذ عادل جبر، رحمه الله، وهو من الباحثين الفلسطينيين المعروفين، بهذا االكشف الأثري القيم، فقام بنفسه بزيارة الموقع في أوائل عام 1923، فوجد أسماء كتبت باللغة العربية بالخط الكوفي، منها:- بكر بن عمر – حمزة بن حميد – بشير بن عبد الله – محمد بن سنان – المنشئ الياس بن أحمد بن عبد الواحد بن السائب، أيوب بن عبد الله(1).
وفي كهف قريب من المغارة عثر المستشرق الألماني الأستاذ دالمن على حجر نقشت عليه عبارة: عبد الله عثمان بن سعيد القصري، وهذا الاسم مكتوب أيضاً بالخط الكوفي.
وبعد دراسات عميقة مستفيضة توصل المستشرقون إلى أن هذه الكتابات ترجع إلى زمن الملك العادل نور الدين بن زنكي الملقب بالشهيد
( 546-1154م) وأن هؤلاء الرجال هم من كتائب الفدائيين الذين كان يرسلهم نور الدين إلى بيت المقدس، ليغيروا على الإفرنج تمهيدا لإجلائهم عن بيت المقدس، وتوفي نور الدين قبل أن تتحقق أمنيته الكبرى، وأنجزها من بعده، البطل صلاح الدين.
ولقد هممت غير مرة، وأنا في بيت المقدس، أن أذهب إلى كهف الأبطال، لأستذكر أيامهم الباسلة، وهم يؤدون واجبهم المقدس في تلك الأيام السوداء من تاريخ العروبة والإسلام، حينما كان بيت المقدس، كما هو الآن، يرزح تحت وطأة الاحتلال.
ولكن الظروف لم تسعفني للقيام بهذا الواجب المقدس، وبقيت هذه الأمنية في صدري، أؤجلها من حين إلى حين، إلى أن سقط بيت المقدس في يد إسرائيل، وسقط معه كهف الأبطال ، وكل معالمنا التاريخية الرفيعة في سائر أرجاء فلسطين.
واليوم، تلوح لي هذه الفرصة المتواضعة، لأعوض عن تقصيري، وربما عن تقصير جيلي بأكمله.
فإلى أولئك الأبطال الغر الميامين: عبد الله عثمان بن سعيد القصري ورفاقه البواسل…. أهدي هذا الكتاب،
تمجيدا للأبطال المغمورين المجهولين، ووفاء لكهف الأبطال عند سفح جيل الزيتون، وعهدا بأن نظل مرابطين لتحرير بيت المقدس..
ذلك أن قدرنا أن نكون مرابطين مجاهدين إلى يوم القيامة، وهذا آخر الأنبياء والمرسلين، وأول العرب والمسلين، يقول: "يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم مرابطون إلى يوم القيامة ، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة".
وقد اختار أجدادنا، واختار جيلنا، وسيختار أولادنا وأحفادنا من بعدنا، أن نكون في رباط دائم، وجهاد قائم، حول بيت المقدس، نفتديه بالمهج والأرواح، كلما نزلت به النوازل وعدت عليه العوادي.
والنصر آت لا ريب فيه، وكل آت قريب.
أحمدالشقيري "
رابط الكتاب هو:
لكم التـّقدير والتّحيـّة
ركاد حسن خليل
ولأنـّي قدّمت لحياة كاتبنا في كتابه الأوّل، دعوني أخبركم لمن أهدى الزّعيم هذا الكتاب. وهذا الإهداء كما جاء في مقدّمـة كتابه
" إهـداء الكتـاب
لمن ؟ ولماذا؟
لا أهدي هذا الكتاب إلى المعاصرين من ملوك العرب والإسلام، وأمرائهم ورؤسائهم، وما أكثرهم عددا وأضخمهم لقبا.
لا أهديهم هذا الكتاب، لأن الذين سقط بيت المقدس في أيامهم، لا يستحقون أن يهدى إليهم كتاب تدور بعض فصوله حول بيت المقدس…..
ولقد تبادر إلى ذهني ، لأول وهلة، أن أهديه إلى روح البطل المجاهد الفاتح صلاح الدين الأيوبي. فإن احتلال الأرض العربية على أيدي الإفرنج في الماضي، وعلى يد إسرائيل في الحاضر، يفرض حتما أن يكون الإهداء إليه، لا إلى سواه.
ولكني عدلت عن ذلك، فإن صلاح الدين الأيوبي قد ملأ صفحات التاريخ الإفرنجي أكثر من العربي…ولم يعد إهداء أي كتاب يرقى إلى سيرته المجيدة وتاريخه الباهر….
وثمة سبب آخر حملني على هذا العدول. ذلك أني وقفت، وأنا أقلب صفحات التاريخ، على ملحمة بطولية كانت مضمورة في جوف الكهوف، وشاء القدر أن تنشر وتذكر.
وأنا أحاول اليوم، أن أزيدها ذكرا ونشرا ….. وأن أجعل أبطالها موضوع الإهداء. ولا بد أن نبدأ الحكاية من أولها بإيجاز.
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عثر أربعة من المستشرقين وهم مكاليستر، دالمن، شيك، فإن برشم، على موقع أثري عظيم، في أسفل جبل الزيتون في القدس، وعلى بعد ستمئة متر من برج اللقلق. وهذا الموقع هو مغارة مبطنة بالجص ذات قاعتين مربعتين، إحداهما داخلية والأخرى خارجية. وتحتوي القاعة الداخلية على بضع عشرات من الكتابات العربية منقوشة في الجدران.
وعلم الأستاذ عادل جبر، رحمه الله، وهو من الباحثين الفلسطينيين المعروفين، بهذا االكشف الأثري القيم، فقام بنفسه بزيارة الموقع في أوائل عام 1923، فوجد أسماء كتبت باللغة العربية بالخط الكوفي، منها:- بكر بن عمر – حمزة بن حميد – بشير بن عبد الله – محمد بن سنان – المنشئ الياس بن أحمد بن عبد الواحد بن السائب، أيوب بن عبد الله(1).
وفي كهف قريب من المغارة عثر المستشرق الألماني الأستاذ دالمن على حجر نقشت عليه عبارة: عبد الله عثمان بن سعيد القصري، وهذا الاسم مكتوب أيضاً بالخط الكوفي.
وبعد دراسات عميقة مستفيضة توصل المستشرقون إلى أن هذه الكتابات ترجع إلى زمن الملك العادل نور الدين بن زنكي الملقب بالشهيد
( 546-1154م) وأن هؤلاء الرجال هم من كتائب الفدائيين الذين كان يرسلهم نور الدين إلى بيت المقدس، ليغيروا على الإفرنج تمهيدا لإجلائهم عن بيت المقدس، وتوفي نور الدين قبل أن تتحقق أمنيته الكبرى، وأنجزها من بعده، البطل صلاح الدين.
ولقد هممت غير مرة، وأنا في بيت المقدس، أن أذهب إلى كهف الأبطال، لأستذكر أيامهم الباسلة، وهم يؤدون واجبهم المقدس في تلك الأيام السوداء من تاريخ العروبة والإسلام، حينما كان بيت المقدس، كما هو الآن، يرزح تحت وطأة الاحتلال.
ولكن الظروف لم تسعفني للقيام بهذا الواجب المقدس، وبقيت هذه الأمنية في صدري، أؤجلها من حين إلى حين، إلى أن سقط بيت المقدس في يد إسرائيل، وسقط معه كهف الأبطال ، وكل معالمنا التاريخية الرفيعة في سائر أرجاء فلسطين.
واليوم، تلوح لي هذه الفرصة المتواضعة، لأعوض عن تقصيري، وربما عن تقصير جيلي بأكمله.
فإلى أولئك الأبطال الغر الميامين: عبد الله عثمان بن سعيد القصري ورفاقه البواسل…. أهدي هذا الكتاب،
تمجيدا للأبطال المغمورين المجهولين، ووفاء لكهف الأبطال عند سفح جيل الزيتون، وعهدا بأن نظل مرابطين لتحرير بيت المقدس..
ذلك أن قدرنا أن نكون مرابطين مجاهدين إلى يوم القيامة، وهذا آخر الأنبياء والمرسلين، وأول العرب والمسلين، يقول: "يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم مرابطون إلى يوم القيامة ، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة".
وقد اختار أجدادنا، واختار جيلنا، وسيختار أولادنا وأحفادنا من بعدنا، أن نكون في رباط دائم، وجهاد قائم، حول بيت المقدس، نفتديه بالمهج والأرواح، كلما نزلت به النوازل وعدت عليه العوادي.
والنصر آت لا ريب فيه، وكل آت قريب.
أحمدالشقيري "
رابط الكتاب هو:
لكم التـّقدير والتّحيـّة
ركاد حسن خليل