بدأ الظلام ينحسر شيئاً فشيئاً وبانت في الافق بعض خيوط من ضياء الفجر ورجال دلدوم على اهبة الاستعداد لاطلاق سهامهم .. كل يشد على قوسه ويرقب بفارغ الصبر اشارة القائد .. وزاد تلهفهم حدة عندما رأوا اولئك اللصوص وقد خلد بعضهم للنوم بينما البعض الاخر يقوم بحراسة الفوج المأسور .. يكاد كل شئ ان يكون واضحا مع انبثاق الضياء الذي لم يكتمل بعد ..
وجاءت الاشارة المنتظرة .. وارتسمت علامات الجد على وجه دلدوم وهي يوجه رجاله .. فاعتدل كل في موقعه .. وشدت الاوتار حتى لامست ثنايا الاقواس وهي موجهة نحو الرجال الاربعة الذين كانوا في نوبة الحراسة والذين كانوا ساعتها يجلسون في استرخاء على مقربة من الاسرى وسيوفهم في اغمادها على افخاذهم .. ولعل تلك النظرات التي كانت ترقبهم من حيث لايشعرون تسخر من تلك السيوف التي لن تغني عنهم الساعة شيئا فالسيوف للمبارزة والمواجهة اما في مثل هذه الحالة فهي ليست بأكثر من دمية في اليد .. وستظل في اغمادها بقرب جثث اصحابها .. وكان أمر الاطلاق .. فانطلقت اربعة اسهم كما تنطلق الشهب الراجمة للشياطين .. مصدرة مثلما يصدره جناحا الصقر عندما ينقض على فريسته .. وشخصت ابصار المهاجمين لتتحقق من اصابة الاهداف ومافعلته سهامهم .. ولكن يالحسرة دلدوم ويالخيبة رجاله .. فقد حالت حركة الرياح من ناحية وعدم كفاءة الرجال من ناحية اخرى دون تحقيق الهدف المنشود .. فلم يفلح اي من السهام في اصابة مرماه .. وكان احسنها سهم دلدوم اذ اطاح بعمامة احد الرجال بعيدا ولولا أن الرجل قد امال وجهه الى اسفل قليلا في اخر لحظة لاخترق السهم جمجمته .. ولكن يالسوء الحظ ويالتعاسته .. لقد تنبه الأسرى والآسرون الى ماحدث واستبشر الفتية والفتيات خيراً وهم في اصفادهم وصاحت بورا بصوت جهور : (( اكر .. اكر .. لقد كنت على يقين بأنك قادم)) واختلط صوتها بأصوات اخرى ووقفوا جميعا على اقدامهم يهتفون ويتصايحون .. لقد جاء فرسان القبيلة لنجدتهم وتخليصهم من قبضة هؤلاء الاشرار الذين استباحوا حريتهم .. نعم سيعودون الى اكواخهم وحقولهم .. الى اهلهم واحبائهم .. وماهي الا لحظات حتى تصبح هذه الحبال المتينة التي تكبلهم اشلاء ونتفا وسوف يفر هولاء الغزاة ان وجدوا الى الفرار سبيلاً .. ولكن جاء هرجهم ووقوفهم على ذلك النحو في مصلحة آسريهم الذين استيقظ من كان نائماً منهم وزحفوا جميعا على بطونهم مخافة ان تصيبهم سهام المهاجمين الى ان استقروا في وسط المجموعة شاهرين سيوفهم فيما يشبه الدائرة.. واصبح الغزاة في قلب الدائرة جاعلين من اسراهم دروعاً بشرية ومتاريساً تقيهم خطر السهام وقد استعدوا تماما لمواجهة المهاجمين .. ولفت انظار الفتية ذلك الرجل الذي حسبوه قائد الفرقة وهو منشغل بذلك القضيب المعدني ذو العنق الطويل ورجاله يرقبونه بإهتمام شديد وهو يفكه ويلقمه شيئا .. ولم يطل الامر حتى اندفع احد الرجال يباعد بين الاسرى الى ان اصبحت هنالك فرجة تكفي لمرور رجل زحف اليها كبيرهم الي ان استقر في وسطها تماما موجها ذلك الشئ الغريب الى الجهة التي اتت منها السهام ثم نظر طويلا من خلال القضيب وبعض من اصابع يده اليمنى مثبته على مكان اسفله.
6
استشاط دلدوم غيظاً وقد رأى السهام تخطئ مرماها وعصفت به رياح الغضب ايما عصف .. فإن أخطأ رجاله في اصابة الهدف فلماذا يخطئ هو وهو القائد والفارس الذي لايشق له غبار .. مضى يعيد ترتيب الامور على عجل .. تبا لهولاء الاغبياء الذين وقفوا متراسا يقي آسريهم واللعنة على هؤلاء الجبناء الذين بدا انهم قد حسبوا لكل شئ حسابه .. لم يعد في الامكان اطلاق السهام والا فسيكون الموت من نصيب ابنائهم المصفدين .. ولم يبق لدلدوم ورجاله الا ان ينتظروا الفرصة المؤاتية للانقضاض بسهامهم ورماحهم .. وخرجوا جميعا من مخابئهم يحملون اسلحتهم .. لم يعد للإختباء فائِدة ولا جدوى وعليهم ان يرقبوا حتى يحكموا عليهم الخناق فليس في مقدورهم الأن فعل شئ اذ باتوا محاصرين خلف حصونهم البشرية كما انه ليس في جعبتهم سهام فيتبادلون معهم الرمي انهم الأن دون ريب يسعوا جاهدين لايجاد مخرج أو وسيلة تمكنهم من الفرار لكن الى اين المفر؟ سوف يقفون لهم بالمرصاد ولن تخطئ السهام منهم احداً هذه المرة. وبينما هم كذلك حدث دوي هائل مثل دوي الرعد مجلجلا في كافة ارجاء الوادي فاذا الاسرى الذين كانوا يقفون دروعا يرتمون على الارض في رعب وفزع .. واذا دلدوم ورجاله على الأرض ايضاً في حالة من الفوضى والرعب شديدين .. وحينما انجلى الغبار المختلط بدخان البارود كان جميع افراد قوة الخلاص قد لاذوا بالفرار ولم يتخلف عنهم الا دلدوم الذي كان اذ ذلك مجندلا فوق العشب وقوسه في يده .. لقد نال منه الغزاة فسار في ركب الشهداء وكتبت دماؤه المراقة على الثرى انبل واسمى ايات التضحية والفداء وذهب من الاوغاد اثنان وعادا يجرانه مثلما تجر جثة كلب ميت .. ولما افاق الاسرى مما اصابهم وجدوا جسد دلدوم فارس القبيلة مطروحا امامهم سابحا في دمائه فصرخوا جميعا في آن واحد واشاحوا بأنظارهم بعيدا .. نعم .. ان لذلك الشئ ذو العنق الطويل بأس شديد .. فهو يزمجر كالرعد وتنطق من فوهته النار فتترك خلفها مثل ماتتركه الحجارة من رائحة عندما تصطك ببعضها البعض .. لايفرق هذا السلاح بين قوي وصعيف .. كل الناس امامه سواء .. وعادت بورا مرة أخرى تنظر الى الجسد المسجى على الثرى والقوس لم يزل في اليد .. فترى فيه اكر .. فهو الاستاذ المعلم واكر تلميذه الفذ .. لقد كان يجمعهما حب واحترام .. وكان دلدوم المثل الاعلى لأكر فهو الذي علمه اصول المصارعة والرمي بالسهام .. وكثيرا ماكان اكر يرافقه ليستمع الى حكاياته البطولية الشيقة وليتعلم منه ما لايعلمه .. وتساءلت بورا وهي بعيون دامعة .. هل كان اكر من بين الذين فروا من رجال القبيلة بعد ان اطاح ذلك السهم الناري بدلدوم؟ ياللعار لو ان ذلك قد حدث فعلا .. هل يفر كما يفر الجبناء تاركاً من قال لها يوما بانه مايكاد يفارقها حتى يشتاق لها في ذات اللحظة !! بهل نسي كل ذلك وتركها لمصيرها المجهول والى الابد؟ وفوق كل هذا أيترك جسد مثله الاعلى مهملا في العراء ليغدوا طعاما للسباع والعقبان؟ والى اين سيكون فراره وهو الفارس المنتظر !! اليس هو بسيد حلبة المصارعة اليوم وهو الذي تأهل على يدي هذا البطل وكان من الذين يفاخر ويعتز بهم كثيرا !! لقد مات دلدوم من اجل القبيلة كما عاش من اجلها وكان على اكر ومن فر معه ان يفعلوا شيئا اقله الا يتركوا جثته وفي ايدي هولاء الاوغاد .. ياللعار كان افضل لهم ان يموتوا جميعا والا يعودوا للأكواخ بمثل ماعادوا .. فارين بأجسادهم كما تفر الأرانب واراذل الحيوان !! ثم اطرقت طويلا وعادت تسائل نفسها .. هل يمكن لاكر ان يفعل مثل هذا؟ انها تعرف اكر حق المعرفة وتحس به في كل مشاعرها كأنهما روح واحدة .. فمثله لايمكن ان يفر .. عرفته في مواقف كثيرة قبل هذا .. عرفته عندما اشتعلت النيران في كوخ شيخ هرم ولم يكن من سبيل لانقاذه فبينما وقف البعض مكتوفي الايدي اقتحم هو النيران المشتعلة وعاد يحمل الشيخ بين يديه كما يحمل الطفل الرضيع .. فاذا كان قد ضحى بحياته من اجل شيخ لم يكن بينه وبين الموت سوى بضع خطوات وهو فتى في ريعان الشباب فكيف تخونه شهامته ورجولته فيفر مذعورا لينجو بنفسه ويدع من يحب بين ميت ملقى على الثرى واسير يرزح في الاغلال يقاد الى مصير غير معلوم؟ عرفته في مواقف شتى ولم تر منه الا مايحمد ويكبر فمثل اكر لايفعل ذلك ابدا .. لو كان اكر من بين من هاجموا لما رضى الا بالفوز او الموت دون ذلك .. ولكان جسده مطروحا الآن جنبا الى جنب مع هذا الجسد المسجى امامها .. ان اكر دون شك لم يعد بعد من رحلته مع ابيه واذا عاد فسوف يلحق بركبها ولن يثنيه عن ذلك شئ .. لكن ليته لايفعل .. فلدى هؤلاء اللصوص مالاتنفع امامه قوة ولاجسارة .. لكنها تدرك صلابته وعناده وصعوبة مراسه .. سيأتي حتما وسوف لن يدخر وسعا في سبيل خلاصها مهما كلفه من ثمن .. ولكن ما أغلاه ثمن .. خير لها ان تموت قبل ان تراه في هذا المصير الذى آل اليه دلدوم .. ولدهشة بورا ورفاق اسرها فقد شق اللصوص القساة قبراً في مكان يرتفع قليلا عن ارض ذلك الوادي وحمل بعضهم الجثمان وبعد تغطيته بخرقة بالية وآووه مثراه الاخير ثم اهالوا عليه الثرى ووضعوا فروعا من الاشجار الشائكة على القبر حتى لاتتمكن السباع من نبشه. لقد اصاب هذا الصنيع شيئا من الرضا في قلوب هولاء المغلوبين على امرهم برغم ماهم فيه .. فمثل دلدوم فارس قبيلتهم وحامي حماهم والذي مات من اجلهم يستحق مثل ذلك بل اكثر.
وما ان انتهى الدفن حتى تأهب الركب للرحيل ولوح الغزاة بسياطهم يهشون على اسراهم ومضوا يتقدمهم كبيرهم على فرسه الأبيض .. كان ذلك عند الضحى وهو افضل الاوقات للمسير .. وسار الركب على عجل مستغلا طراوة الهواء واعتدال الشمس .. وعليهم ان يسرعوا بقدر مايمكنهم حتى يبتعدوا عن هذا الوادي الملئ بالأشجار الكثة التي تشكل ستارا ودرعا لِمن يمضي في اثرهم .. فهم لم يأمنوا بعد شر من يتعقبهم فقد ياتي من فروا بجيش اخر اكثر عدة وعتادا لايغطيه مامعهم من بارود .. وكان ذلك عبئا على الاسرى اذ بات لزاما عليهم ان يواكبوا السرعة التي كان يسير عليها الفرس المربوط عليه الحبل الذي يشدهم جميعا والا تعثرت خطاهم وآذتهم الاوثقة ايما اذىً .. كان ذلك كان امرا شاقا .. فجميعهم حفاة الاقدام .. ادمت الحجارة والاشواك اقدامهم .. وهم يواكبون سرعة فرس من يقودهم فان اسرع اسرعوا وان ابطأ ابطأوا.
وقبل حلول ظهيرة ذلك اليوم الباكي كان بعض من رجال القبيلة الذين ذهبوا لتخليص الاسرى قد وصلوا الى الاكواخ في حالة من الاعياء والاجهاد لاتوصف .. بعضهم عراة مثلما ولدتهم امهاتهم وقد مزقت الاشواك اجسادهم واقدامهم وبعضهم فقد رشده أو كاد وقليل منهم من عاد برمحه أو قوسه .. منكسة رؤوسهم .. تسيطر الهزيمة الشنعاء عليهم تماما .. وهرع اهل الاكواخ من نساء وشيوخ وأطفال لاستقبالهم فقد كانوا في انتظار عودتهم على جمر تزيده الريح تأججا .. ونظروا في الوجوه قبل ان يطرحوا سؤالاً لعلهم يقرأون مايبشر بخير .. ولكن لم يكن فيها الا مايغني عن السؤال .. كل شئ بدأ واضحاً .. رجال لم يبق من ثيابهم مايستر عوراتهم وآخرون بلا سلاح ينظرون بعيون زائغة منكسرة .. وانشأت بعض عيون تتفقد قائد الرجال من بين من عادوا فهو الاجدر بالسؤال .. لكنه لم يكن من بين من عادوا .. فهو غائب ومثله آخرون .. وبينما النظرات تحصى ذلك رأوا ثلاثة من بقية الرجال قادمين يحملون رابعا .. لم تكن حالهم باحسن من حال من سبقوهم الا انهم بدأوا اكثر ثباتا .. وتهافت البعض اليهم لينوبوا عنهم في حملهم .. وكان المحمول يعاني من جرح بالغ وهو في شبه اغماء وحرارة جسده تزيد الامر سوءا .. ووقف احد القادمين يعلن في الناس النبأ الصاعق الأليم .. (( لقد قتل اللصوص دلدوم .. كان اول من سقط !! ومضى يروي تفاصيل ماحدث.
وما ان حكى ما حكي حتى انفجر باكيا وانخرط الجمع يشاركه البكاء وثكلت النساء وهن يكلن على رؤوسهن التراب .. لقد تيقنوا الآن أن الابناء قد مضوا الى الابد وليس من سبيل الى استعادتهم .. وسقط في سبيل ذلك اشدهم قوة و بأسا .. دلدوم .. ذلك المقدام الجسور .. وقد بذل رجال القبيلة كل ما كان في وسعهم بيد ان الظروف كانت اقوى منهم واعتى.
وجاءت الاشارة المنتظرة .. وارتسمت علامات الجد على وجه دلدوم وهي يوجه رجاله .. فاعتدل كل في موقعه .. وشدت الاوتار حتى لامست ثنايا الاقواس وهي موجهة نحو الرجال الاربعة الذين كانوا في نوبة الحراسة والذين كانوا ساعتها يجلسون في استرخاء على مقربة من الاسرى وسيوفهم في اغمادها على افخاذهم .. ولعل تلك النظرات التي كانت ترقبهم من حيث لايشعرون تسخر من تلك السيوف التي لن تغني عنهم الساعة شيئا فالسيوف للمبارزة والمواجهة اما في مثل هذه الحالة فهي ليست بأكثر من دمية في اليد .. وستظل في اغمادها بقرب جثث اصحابها .. وكان أمر الاطلاق .. فانطلقت اربعة اسهم كما تنطلق الشهب الراجمة للشياطين .. مصدرة مثلما يصدره جناحا الصقر عندما ينقض على فريسته .. وشخصت ابصار المهاجمين لتتحقق من اصابة الاهداف ومافعلته سهامهم .. ولكن يالحسرة دلدوم ويالخيبة رجاله .. فقد حالت حركة الرياح من ناحية وعدم كفاءة الرجال من ناحية اخرى دون تحقيق الهدف المنشود .. فلم يفلح اي من السهام في اصابة مرماه .. وكان احسنها سهم دلدوم اذ اطاح بعمامة احد الرجال بعيدا ولولا أن الرجل قد امال وجهه الى اسفل قليلا في اخر لحظة لاخترق السهم جمجمته .. ولكن يالسوء الحظ ويالتعاسته .. لقد تنبه الأسرى والآسرون الى ماحدث واستبشر الفتية والفتيات خيراً وهم في اصفادهم وصاحت بورا بصوت جهور : (( اكر .. اكر .. لقد كنت على يقين بأنك قادم)) واختلط صوتها بأصوات اخرى ووقفوا جميعا على اقدامهم يهتفون ويتصايحون .. لقد جاء فرسان القبيلة لنجدتهم وتخليصهم من قبضة هؤلاء الاشرار الذين استباحوا حريتهم .. نعم سيعودون الى اكواخهم وحقولهم .. الى اهلهم واحبائهم .. وماهي الا لحظات حتى تصبح هذه الحبال المتينة التي تكبلهم اشلاء ونتفا وسوف يفر هولاء الغزاة ان وجدوا الى الفرار سبيلاً .. ولكن جاء هرجهم ووقوفهم على ذلك النحو في مصلحة آسريهم الذين استيقظ من كان نائماً منهم وزحفوا جميعا على بطونهم مخافة ان تصيبهم سهام المهاجمين الى ان استقروا في وسط المجموعة شاهرين سيوفهم فيما يشبه الدائرة.. واصبح الغزاة في قلب الدائرة جاعلين من اسراهم دروعاً بشرية ومتاريساً تقيهم خطر السهام وقد استعدوا تماما لمواجهة المهاجمين .. ولفت انظار الفتية ذلك الرجل الذي حسبوه قائد الفرقة وهو منشغل بذلك القضيب المعدني ذو العنق الطويل ورجاله يرقبونه بإهتمام شديد وهو يفكه ويلقمه شيئا .. ولم يطل الامر حتى اندفع احد الرجال يباعد بين الاسرى الى ان اصبحت هنالك فرجة تكفي لمرور رجل زحف اليها كبيرهم الي ان استقر في وسطها تماما موجها ذلك الشئ الغريب الى الجهة التي اتت منها السهام ثم نظر طويلا من خلال القضيب وبعض من اصابع يده اليمنى مثبته على مكان اسفله.
6
استشاط دلدوم غيظاً وقد رأى السهام تخطئ مرماها وعصفت به رياح الغضب ايما عصف .. فإن أخطأ رجاله في اصابة الهدف فلماذا يخطئ هو وهو القائد والفارس الذي لايشق له غبار .. مضى يعيد ترتيب الامور على عجل .. تبا لهولاء الاغبياء الذين وقفوا متراسا يقي آسريهم واللعنة على هؤلاء الجبناء الذين بدا انهم قد حسبوا لكل شئ حسابه .. لم يعد في الامكان اطلاق السهام والا فسيكون الموت من نصيب ابنائهم المصفدين .. ولم يبق لدلدوم ورجاله الا ان ينتظروا الفرصة المؤاتية للانقضاض بسهامهم ورماحهم .. وخرجوا جميعا من مخابئهم يحملون اسلحتهم .. لم يعد للإختباء فائِدة ولا جدوى وعليهم ان يرقبوا حتى يحكموا عليهم الخناق فليس في مقدورهم الأن فعل شئ اذ باتوا محاصرين خلف حصونهم البشرية كما انه ليس في جعبتهم سهام فيتبادلون معهم الرمي انهم الأن دون ريب يسعوا جاهدين لايجاد مخرج أو وسيلة تمكنهم من الفرار لكن الى اين المفر؟ سوف يقفون لهم بالمرصاد ولن تخطئ السهام منهم احداً هذه المرة. وبينما هم كذلك حدث دوي هائل مثل دوي الرعد مجلجلا في كافة ارجاء الوادي فاذا الاسرى الذين كانوا يقفون دروعا يرتمون على الارض في رعب وفزع .. واذا دلدوم ورجاله على الأرض ايضاً في حالة من الفوضى والرعب شديدين .. وحينما انجلى الغبار المختلط بدخان البارود كان جميع افراد قوة الخلاص قد لاذوا بالفرار ولم يتخلف عنهم الا دلدوم الذي كان اذ ذلك مجندلا فوق العشب وقوسه في يده .. لقد نال منه الغزاة فسار في ركب الشهداء وكتبت دماؤه المراقة على الثرى انبل واسمى ايات التضحية والفداء وذهب من الاوغاد اثنان وعادا يجرانه مثلما تجر جثة كلب ميت .. ولما افاق الاسرى مما اصابهم وجدوا جسد دلدوم فارس القبيلة مطروحا امامهم سابحا في دمائه فصرخوا جميعا في آن واحد واشاحوا بأنظارهم بعيدا .. نعم .. ان لذلك الشئ ذو العنق الطويل بأس شديد .. فهو يزمجر كالرعد وتنطق من فوهته النار فتترك خلفها مثل ماتتركه الحجارة من رائحة عندما تصطك ببعضها البعض .. لايفرق هذا السلاح بين قوي وصعيف .. كل الناس امامه سواء .. وعادت بورا مرة أخرى تنظر الى الجسد المسجى على الثرى والقوس لم يزل في اليد .. فترى فيه اكر .. فهو الاستاذ المعلم واكر تلميذه الفذ .. لقد كان يجمعهما حب واحترام .. وكان دلدوم المثل الاعلى لأكر فهو الذي علمه اصول المصارعة والرمي بالسهام .. وكثيرا ماكان اكر يرافقه ليستمع الى حكاياته البطولية الشيقة وليتعلم منه ما لايعلمه .. وتساءلت بورا وهي بعيون دامعة .. هل كان اكر من بين الذين فروا من رجال القبيلة بعد ان اطاح ذلك السهم الناري بدلدوم؟ ياللعار لو ان ذلك قد حدث فعلا .. هل يفر كما يفر الجبناء تاركاً من قال لها يوما بانه مايكاد يفارقها حتى يشتاق لها في ذات اللحظة !! بهل نسي كل ذلك وتركها لمصيرها المجهول والى الابد؟ وفوق كل هذا أيترك جسد مثله الاعلى مهملا في العراء ليغدوا طعاما للسباع والعقبان؟ والى اين سيكون فراره وهو الفارس المنتظر !! اليس هو بسيد حلبة المصارعة اليوم وهو الذي تأهل على يدي هذا البطل وكان من الذين يفاخر ويعتز بهم كثيرا !! لقد مات دلدوم من اجل القبيلة كما عاش من اجلها وكان على اكر ومن فر معه ان يفعلوا شيئا اقله الا يتركوا جثته وفي ايدي هولاء الاوغاد .. ياللعار كان افضل لهم ان يموتوا جميعا والا يعودوا للأكواخ بمثل ماعادوا .. فارين بأجسادهم كما تفر الأرانب واراذل الحيوان !! ثم اطرقت طويلا وعادت تسائل نفسها .. هل يمكن لاكر ان يفعل مثل هذا؟ انها تعرف اكر حق المعرفة وتحس به في كل مشاعرها كأنهما روح واحدة .. فمثله لايمكن ان يفر .. عرفته في مواقف كثيرة قبل هذا .. عرفته عندما اشتعلت النيران في كوخ شيخ هرم ولم يكن من سبيل لانقاذه فبينما وقف البعض مكتوفي الايدي اقتحم هو النيران المشتعلة وعاد يحمل الشيخ بين يديه كما يحمل الطفل الرضيع .. فاذا كان قد ضحى بحياته من اجل شيخ لم يكن بينه وبين الموت سوى بضع خطوات وهو فتى في ريعان الشباب فكيف تخونه شهامته ورجولته فيفر مذعورا لينجو بنفسه ويدع من يحب بين ميت ملقى على الثرى واسير يرزح في الاغلال يقاد الى مصير غير معلوم؟ عرفته في مواقف شتى ولم تر منه الا مايحمد ويكبر فمثل اكر لايفعل ذلك ابدا .. لو كان اكر من بين من هاجموا لما رضى الا بالفوز او الموت دون ذلك .. ولكان جسده مطروحا الآن جنبا الى جنب مع هذا الجسد المسجى امامها .. ان اكر دون شك لم يعد بعد من رحلته مع ابيه واذا عاد فسوف يلحق بركبها ولن يثنيه عن ذلك شئ .. لكن ليته لايفعل .. فلدى هؤلاء اللصوص مالاتنفع امامه قوة ولاجسارة .. لكنها تدرك صلابته وعناده وصعوبة مراسه .. سيأتي حتما وسوف لن يدخر وسعا في سبيل خلاصها مهما كلفه من ثمن .. ولكن ما أغلاه ثمن .. خير لها ان تموت قبل ان تراه في هذا المصير الذى آل اليه دلدوم .. ولدهشة بورا ورفاق اسرها فقد شق اللصوص القساة قبراً في مكان يرتفع قليلا عن ارض ذلك الوادي وحمل بعضهم الجثمان وبعد تغطيته بخرقة بالية وآووه مثراه الاخير ثم اهالوا عليه الثرى ووضعوا فروعا من الاشجار الشائكة على القبر حتى لاتتمكن السباع من نبشه. لقد اصاب هذا الصنيع شيئا من الرضا في قلوب هولاء المغلوبين على امرهم برغم ماهم فيه .. فمثل دلدوم فارس قبيلتهم وحامي حماهم والذي مات من اجلهم يستحق مثل ذلك بل اكثر.
وما ان انتهى الدفن حتى تأهب الركب للرحيل ولوح الغزاة بسياطهم يهشون على اسراهم ومضوا يتقدمهم كبيرهم على فرسه الأبيض .. كان ذلك عند الضحى وهو افضل الاوقات للمسير .. وسار الركب على عجل مستغلا طراوة الهواء واعتدال الشمس .. وعليهم ان يسرعوا بقدر مايمكنهم حتى يبتعدوا عن هذا الوادي الملئ بالأشجار الكثة التي تشكل ستارا ودرعا لِمن يمضي في اثرهم .. فهم لم يأمنوا بعد شر من يتعقبهم فقد ياتي من فروا بجيش اخر اكثر عدة وعتادا لايغطيه مامعهم من بارود .. وكان ذلك عبئا على الاسرى اذ بات لزاما عليهم ان يواكبوا السرعة التي كان يسير عليها الفرس المربوط عليه الحبل الذي يشدهم جميعا والا تعثرت خطاهم وآذتهم الاوثقة ايما اذىً .. كان ذلك كان امرا شاقا .. فجميعهم حفاة الاقدام .. ادمت الحجارة والاشواك اقدامهم .. وهم يواكبون سرعة فرس من يقودهم فان اسرع اسرعوا وان ابطأ ابطأوا.
وقبل حلول ظهيرة ذلك اليوم الباكي كان بعض من رجال القبيلة الذين ذهبوا لتخليص الاسرى قد وصلوا الى الاكواخ في حالة من الاعياء والاجهاد لاتوصف .. بعضهم عراة مثلما ولدتهم امهاتهم وقد مزقت الاشواك اجسادهم واقدامهم وبعضهم فقد رشده أو كاد وقليل منهم من عاد برمحه أو قوسه .. منكسة رؤوسهم .. تسيطر الهزيمة الشنعاء عليهم تماما .. وهرع اهل الاكواخ من نساء وشيوخ وأطفال لاستقبالهم فقد كانوا في انتظار عودتهم على جمر تزيده الريح تأججا .. ونظروا في الوجوه قبل ان يطرحوا سؤالاً لعلهم يقرأون مايبشر بخير .. ولكن لم يكن فيها الا مايغني عن السؤال .. كل شئ بدأ واضحاً .. رجال لم يبق من ثيابهم مايستر عوراتهم وآخرون بلا سلاح ينظرون بعيون زائغة منكسرة .. وانشأت بعض عيون تتفقد قائد الرجال من بين من عادوا فهو الاجدر بالسؤال .. لكنه لم يكن من بين من عادوا .. فهو غائب ومثله آخرون .. وبينما النظرات تحصى ذلك رأوا ثلاثة من بقية الرجال قادمين يحملون رابعا .. لم تكن حالهم باحسن من حال من سبقوهم الا انهم بدأوا اكثر ثباتا .. وتهافت البعض اليهم لينوبوا عنهم في حملهم .. وكان المحمول يعاني من جرح بالغ وهو في شبه اغماء وحرارة جسده تزيد الامر سوءا .. ووقف احد القادمين يعلن في الناس النبأ الصاعق الأليم .. (( لقد قتل اللصوص دلدوم .. كان اول من سقط !! ومضى يروي تفاصيل ماحدث.
وما ان حكى ما حكي حتى انفجر باكيا وانخرط الجمع يشاركه البكاء وثكلت النساء وهن يكلن على رؤوسهن التراب .. لقد تيقنوا الآن أن الابناء قد مضوا الى الابد وليس من سبيل الى استعادتهم .. وسقط في سبيل ذلك اشدهم قوة و بأسا .. دلدوم .. ذلك المقدام الجسور .. وقد بذل رجال القبيلة كل ما كان في وسعهم بيد ان الظروف كانت اقوى منهم واعتى.
تعليق