حارس القبر(4)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سيد محمود الحاج
    أديب وكاتب
    • 12-05-2009
    • 29

    حارس القبر(4)

    بدأ الظلام ينحسر شيئاً فشيئاً وبانت في الافق بعض خيوط من ضياء الفجر ورجال دلدوم على اهبة الاستعداد لاطلاق سهامهم .. كل يشد على قوسه ويرقب بفارغ الصبر اشارة القائد .. وزاد تلهفهم حدة عندما رأوا اولئك اللصوص وقد خلد بعضهم للنوم بينما البعض الاخر يقوم بحراسة الفوج المأسور .. يكاد كل شئ ان يكون واضحا مع انبثاق الضياء الذي لم يكتمل بعد ..
    وجاءت الاشارة المنتظرة .. وارتسمت علامات الجد على وجه دلدوم وهي يوجه رجاله .. فاعتدل كل في موقعه .. وشدت الاوتار حتى لامست ثنايا الاقواس وهي موجهة نحو الرجال الاربعة الذين كانوا في نوبة الحراسة والذين كانوا ساعتها يجلسون في استرخاء على مقربة من الاسرى وسيوفهم في اغمادها على افخاذهم .. ولعل تلك النظرات التي كانت ترقبهم من حيث لايشعرون تسخر من تلك السيوف التي لن تغني عنهم الساعة شيئا فالسيوف للمبارزة والمواجهة اما في مثل هذه الحالة فهي ليست بأكثر من دمية في اليد .. وستظل في اغمادها بقرب جثث اصحابها .. وكان أمر الاطلاق .. فانطلقت اربعة اسهم كما تنطلق الشهب الراجمة للشياطين .. مصدرة مثلما يصدره جناحا الصقر عندما ينقض على فريسته .. وشخصت ابصار المهاجمين لتتحقق من اصابة الاهداف ومافعلته سهامهم .. ولكن يالحسرة دلدوم ويالخيبة رجاله .. فقد حالت حركة الرياح من ناحية وعدم كفاءة الرجال من ناحية اخرى دون تحقيق الهدف المنشود .. فلم يفلح اي من السهام في اصابة مرماه .. وكان احسنها سهم دلدوم اذ اطاح بعمامة احد الرجال بعيدا ولولا أن الرجل قد امال وجهه الى اسفل قليلا في اخر لحظة لاخترق السهم جمجمته .. ولكن يالسوء الحظ ويالتعاسته .. لقد تنبه الأسرى والآسرون الى ماحدث واستبشر الفتية والفتيات خيراً وهم في اصفادهم وصاحت بورا بصوت جهور : (( اكر .. اكر .. لقد كنت على يقين بأنك قادم)) واختلط صوتها بأصوات اخرى ووقفوا جميعا على اقدامهم يهتفون ويتصايحون .. لقد جاء فرسان القبيلة لنجدتهم وتخليصهم من قبضة هؤلاء الاشرار الذين استباحوا حريتهم .. نعم سيعودون الى اكواخهم وحقولهم .. الى اهلهم واحبائهم .. وماهي الا لحظات حتى تصبح هذه الحبال المتينة التي تكبلهم اشلاء ونتفا وسوف يفر هولاء الغزاة ان وجدوا الى الفرار سبيلاً .. ولكن جاء هرجهم ووقوفهم على ذلك النحو في مصلحة آسريهم الذين استيقظ من كان نائماً منهم وزحفوا جميعا على بطونهم مخافة ان تصيبهم سهام المهاجمين الى ان استقروا في وسط المجموعة شاهرين سيوفهم فيما يشبه الدائرة.. واصبح الغزاة في قلب الدائرة جاعلين من اسراهم دروعاً بشرية ومتاريساً تقيهم خطر السهام وقد استعدوا تماما لمواجهة المهاجمين .. ولفت انظار الفتية ذلك الرجل الذي حسبوه قائد الفرقة وهو منشغل بذلك القضيب المعدني ذو العنق الطويل ورجاله يرقبونه بإهتمام شديد وهو يفكه ويلقمه شيئا .. ولم يطل الامر حتى اندفع احد الرجال يباعد بين الاسرى الى ان اصبحت هنالك فرجة تكفي لمرور رجل زحف اليها كبيرهم الي ان استقر في وسطها تماما موجها ذلك الشئ الغريب الى الجهة التي اتت منها السهام ثم نظر طويلا من خلال القضيب وبعض من اصابع يده اليمنى مثبته على مكان اسفله.
    6
    استشاط دلدوم غيظاً وقد رأى السهام تخطئ مرماها وعصفت به رياح الغضب ايما عصف .. فإن أخطأ رجاله في اصابة الهدف فلماذا يخطئ هو وهو القائد والفارس الذي لايشق له غبار .. مضى يعيد ترتيب الامور على عجل .. تبا لهولاء الاغبياء الذين وقفوا متراسا يقي آسريهم واللعنة على هؤلاء الجبناء الذين بدا انهم قد حسبوا لكل شئ حسابه .. لم يعد في الامكان اطلاق السهام والا فسيكون الموت من نصيب ابنائهم المصفدين .. ولم يبق لدلدوم ورجاله الا ان ينتظروا الفرصة المؤاتية للانقضاض بسهامهم ورماحهم .. وخرجوا جميعا من مخابئهم يحملون اسلحتهم .. لم يعد للإختباء فائِدة ولا جدوى وعليهم ان يرقبوا حتى يحكموا عليهم الخناق فليس في مقدورهم الأن فعل شئ اذ باتوا محاصرين خلف حصونهم البشرية كما انه ليس في جعبتهم سهام فيتبادلون معهم الرمي انهم الأن دون ريب يسعوا جاهدين لايجاد مخرج أو وسيلة تمكنهم من الفرار لكن الى اين المفر؟ سوف يقفون لهم بالمرصاد ولن تخطئ السهام منهم احداً هذه المرة. وبينما هم كذلك حدث دوي هائل مثل دوي الرعد مجلجلا في كافة ارجاء الوادي فاذا الاسرى الذين كانوا يقفون دروعا يرتمون على الارض في رعب وفزع .. واذا دلدوم ورجاله على الأرض ايضاً في حالة من الفوضى والرعب شديدين .. وحينما انجلى الغبار المختلط بدخان البارود كان جميع افراد قوة الخلاص قد لاذوا بالفرار ولم يتخلف عنهم الا دلدوم الذي كان اذ ذلك مجندلا فوق العشب وقوسه في يده .. لقد نال منه الغزاة فسار في ركب الشهداء وكتبت دماؤه المراقة على الثرى انبل واسمى ايات التضحية والفداء وذهب من الاوغاد اثنان وعادا يجرانه مثلما تجر جثة كلب ميت .. ولما افاق الاسرى مما اصابهم وجدوا جسد دلدوم فارس القبيلة مطروحا امامهم سابحا في دمائه فصرخوا جميعا في آن واحد واشاحوا بأنظارهم بعيدا .. نعم .. ان لذلك الشئ ذو العنق الطويل بأس شديد .. فهو يزمجر كالرعد وتنطق من فوهته النار فتترك خلفها مثل ماتتركه الحجارة من رائحة عندما تصطك ببعضها البعض .. لايفرق هذا السلاح بين قوي وصعيف .. كل الناس امامه سواء .. وعادت بورا مرة أخرى تنظر الى الجسد المسجى على الثرى والقوس لم يزل في اليد .. فترى فيه اكر .. فهو الاستاذ المعلم واكر تلميذه الفذ .. لقد كان يجمعهما حب واحترام .. وكان دلدوم المثل الاعلى لأكر فهو الذي علمه اصول المصارعة والرمي بالسهام .. وكثيرا ماكان اكر يرافقه ليستمع الى حكاياته البطولية الشيقة وليتعلم منه ما لايعلمه .. وتساءلت بورا وهي بعيون دامعة .. هل كان اكر من بين الذين فروا من رجال القبيلة بعد ان اطاح ذلك السهم الناري بدلدوم؟ ياللعار لو ان ذلك قد حدث فعلا .. هل يفر كما يفر الجبناء تاركاً من قال لها يوما بانه مايكاد يفارقها حتى يشتاق لها في ذات اللحظة !! بهل نسي كل ذلك وتركها لمصيرها المجهول والى الابد؟ وفوق كل هذا أيترك جسد مثله الاعلى مهملا في العراء ليغدوا طعاما للسباع والعقبان؟ والى اين سيكون فراره وهو الفارس المنتظر !! اليس هو بسيد حلبة المصارعة اليوم وهو الذي تأهل على يدي هذا البطل وكان من الذين يفاخر ويعتز بهم كثيرا !! لقد مات دلدوم من اجل القبيلة كما عاش من اجلها وكان على اكر ومن فر معه ان يفعلوا شيئا اقله الا يتركوا جثته وفي ايدي هولاء الاوغاد .. ياللعار كان افضل لهم ان يموتوا جميعا والا يعودوا للأكواخ بمثل ماعادوا .. فارين بأجسادهم كما تفر الأرانب واراذل الحيوان !! ثم اطرقت طويلا وعادت تسائل نفسها .. هل يمكن لاكر ان يفعل مثل هذا؟ انها تعرف اكر حق المعرفة وتحس به في كل مشاعرها كأنهما روح واحدة .. فمثله لايمكن ان يفر .. عرفته في مواقف كثيرة قبل هذا .. عرفته عندما اشتعلت النيران في كوخ شيخ هرم ولم يكن من سبيل لانقاذه فبينما وقف البعض مكتوفي الايدي اقتحم هو النيران المشتعلة وعاد يحمل الشيخ بين يديه كما يحمل الطفل الرضيع .. فاذا كان قد ضحى بحياته من اجل شيخ لم يكن بينه وبين الموت سوى بضع خطوات وهو فتى في ريعان الشباب فكيف تخونه شهامته ورجولته فيفر مذعورا لينجو بنفسه ويدع من يحب بين ميت ملقى على الثرى واسير يرزح في الاغلال يقاد الى مصير غير معلوم؟ عرفته في مواقف شتى ولم تر منه الا مايحمد ويكبر فمثل اكر لايفعل ذلك ابدا .. لو كان اكر من بين من هاجموا لما رضى الا بالفوز او الموت دون ذلك .. ولكان جسده مطروحا الآن جنبا الى جنب مع هذا الجسد المسجى امامها .. ان اكر دون شك لم يعد بعد من رحلته مع ابيه واذا عاد فسوف يلحق بركبها ولن يثنيه عن ذلك شئ .. لكن ليته لايفعل .. فلدى هؤلاء اللصوص مالاتنفع امامه قوة ولاجسارة .. لكنها تدرك صلابته وعناده وصعوبة مراسه .. سيأتي حتما وسوف لن يدخر وسعا في سبيل خلاصها مهما كلفه من ثمن .. ولكن ما أغلاه ثمن .. خير لها ان تموت قبل ان تراه في هذا المصير الذى آل اليه دلدوم .. ولدهشة بورا ورفاق اسرها فقد شق اللصوص القساة قبراً في مكان يرتفع قليلا عن ارض ذلك الوادي وحمل بعضهم الجثمان وبعد تغطيته بخرقة بالية وآووه مثراه الاخير ثم اهالوا عليه الثرى ووضعوا فروعا من الاشجار الشائكة على القبر حتى لاتتمكن السباع من نبشه. لقد اصاب هذا الصنيع شيئا من الرضا في قلوب هولاء المغلوبين على امرهم برغم ماهم فيه .. فمثل دلدوم فارس قبيلتهم وحامي حماهم والذي مات من اجلهم يستحق مثل ذلك بل اكثر.
    وما ان انتهى الدفن حتى تأهب الركب للرحيل ولوح الغزاة بسياطهم يهشون على اسراهم ومضوا يتقدمهم كبيرهم على فرسه الأبيض .. كان ذلك عند الضحى وهو افضل الاوقات للمسير .. وسار الركب على عجل مستغلا طراوة الهواء واعتدال الشمس .. وعليهم ان يسرعوا بقدر مايمكنهم حتى يبتعدوا عن هذا الوادي الملئ بالأشجار الكثة التي تشكل ستارا ودرعا لِمن يمضي في اثرهم .. فهم لم يأمنوا بعد شر من يتعقبهم فقد ياتي من فروا بجيش اخر اكثر عدة وعتادا لايغطيه مامعهم من بارود .. وكان ذلك عبئا على الاسرى اذ بات لزاما عليهم ان يواكبوا السرعة التي كان يسير عليها الفرس المربوط عليه الحبل الذي يشدهم جميعا والا تعثرت خطاهم وآذتهم الاوثقة ايما اذىً .. كان ذلك كان امرا شاقا .. فجميعهم حفاة الاقدام .. ادمت الحجارة والاشواك اقدامهم .. وهم يواكبون سرعة فرس من يقودهم فان اسرع اسرعوا وان ابطأ ابطأوا.
    وقبل حلول ظهيرة ذلك اليوم الباكي كان بعض من رجال القبيلة الذين ذهبوا لتخليص الاسرى قد وصلوا الى الاكواخ في حالة من الاعياء والاجهاد لاتوصف .. بعضهم عراة مثلما ولدتهم امهاتهم وقد مزقت الاشواك اجسادهم واقدامهم وبعضهم فقد رشده أو كاد وقليل منهم من عاد برمحه أو قوسه .. منكسة رؤوسهم .. تسيطر الهزيمة الشنعاء عليهم تماما .. وهرع اهل الاكواخ من نساء وشيوخ وأطفال لاستقبالهم فقد كانوا في انتظار عودتهم على جمر تزيده الريح تأججا .. ونظروا في الوجوه قبل ان يطرحوا سؤالاً لعلهم يقرأون مايبشر بخير .. ولكن لم يكن فيها الا مايغني عن السؤال .. كل شئ بدأ واضحاً .. رجال لم يبق من ثيابهم مايستر عوراتهم وآخرون بلا سلاح ينظرون بعيون زائغة منكسرة .. وانشأت بعض عيون تتفقد قائد الرجال من بين من عادوا فهو الاجدر بالسؤال .. لكنه لم يكن من بين من عادوا .. فهو غائب ومثله آخرون .. وبينما النظرات تحصى ذلك رأوا ثلاثة من بقية الرجال قادمين يحملون رابعا .. لم تكن حالهم باحسن من حال من سبقوهم الا انهم بدأوا اكثر ثباتا .. وتهافت البعض اليهم لينوبوا عنهم في حملهم .. وكان المحمول يعاني من جرح بالغ وهو في شبه اغماء وحرارة جسده تزيد الامر سوءا .. ووقف احد القادمين يعلن في الناس النبأ الصاعق الأليم .. (( لقد قتل اللصوص دلدوم .. كان اول من سقط !! ومضى يروي تفاصيل ماحدث.
    وما ان حكى ما حكي حتى انفجر باكيا وانخرط الجمع يشاركه البكاء وثكلت النساء وهن يكلن على رؤوسهن التراب .. لقد تيقنوا الآن أن الابناء قد مضوا الى الابد وليس من سبيل الى استعادتهم .. وسقط في سبيل ذلك اشدهم قوة و بأسا .. دلدوم .. ذلك المقدام الجسور .. وقد بذل رجال القبيلة كل ما كان في وسعهم بيد ان الظروف كانت اقوى منهم واعتى.
  • سيد محمود الحاج
    أديب وكاتب
    • 12-05-2009
    • 29

    #2
    حارس القبر (5)

    توشحت القرية ذلك المساء بثوب اسود قاتم .. وعشعش الحزن فوق كل كوخ من اكواخها وفوق كل سنبلة من سنابل حقولها التي باتت في قبضة العصافير .. كل شئ يوحي بالحزن والاسى .. ولاشئ يكاد يسمع سوى العويل والنواح .. تجسدت المأساة في كل الارجاء .. رباه انهم كانوا اسباب الفرح ومصدر السعادة وكانوا بهجة الحقول وزينتها .. وكانوا الآمال النامية التي ينتظر قطف ثمارها في الغد .. فلماذا يؤخذون منا عنوة .. ولأي مصير يساقون؟ اليس لدى من سبوهم ابناء !! اليس لهم اكباد مثلما لنا حتى يعلموا مدى الفجيعة التي لحقت بنا من شنيع صنيعهم .. حتى الطيور تحب صغارها وتعرض نفسها للتهلكة في سبيل انقاذها .. الم يشاهدوا عصفورا صغيرا واقعا على الارض قبل ن تقوى جناحاه على التحليق .. عندئذ تحلق امه حوله مشقشقة تستغيث بمن حولها من الرفاق فتحلق حوله مجموعة تصيح غير ابهة باي خطر .. وكافة الحيوانات القوي منها والضعيف تخشى على صغارها فتبتعدبهم الى الاماكن الآمنة ..فكيف بنا ونحن بشر مثلهم تماما.. ام اننا في انظارهم احط منزلة من ذلك لمجرد اختلاف الواننا والسنتنا؟ عجبا لبني ادم! وكيف لنا رباه ان نحيا من بعدهم .. هل نمسك ارحامنا حتى لا نخلف خلفا يترعرع ثم يأتي من يأخذه منا عنوة!!.. وأنى لحياتنا ان تستمر على هذا المنوال .. نلد فنربي ثم نفجع .. تماما مثل هذه السنابل التي رعيناها حتى نضجت او كادت ان تنضج ثم اصبحت حقا مشاعا للعصافير بعد ان غاب رعاتها ومضوا.
    وفي وقت متأخر من ذات المساء مات بابور متأثرا بجرحه البليغ .. ولم يستطع حكماء الاكواخ ان يفعلوا شيئا .. فكان بذلك الشهيد الثاني من بين افراد مسيرة الخلاص تاركا وارءه زوجه واطفاله .. وعند بزوغ شمس اليوم التالي حمل الرجال الجثمان ليواري الثرى في مقبرة القرية ومن خلفهم سار قارعوا الطبول يصدرون ايقاعات حزينة ومن ورائهم تسير النساء موشحات بالسواد يسترسلن في البكاء والنواح على وقع الدفوف يتبعون فقيدهم ليودعونه مرقده الابدي.

    كادت الابتسامة العريضة ان تكون شيئا ملازما لشفتي اكر وهو يضع اولى خطواته في بداية الطريق الذي يعود به الى قريته .. فقد طفرات جوانحه فرحا وسعادة وامتزجت فيها احاسيس عدة .. فهو يحمل فرحة العودة وفرحة العيد وفوقهما فرحة اللقاء .. لقاء معبودته بورا .. يتحرق شوقا ً اليها .. ينتابه احساس من غاب اعواما طوالا .. يتظاهر بالاصغاء الى احاديث ابيه وحكاياته خلال مسيرهما ولكنه في الواقع لا يصغي الا لحديث قلبه وهمس جوانحه .. فأحاديث ابيه لاتخلو من التكرار لقد سمعها ربما اكثر من مرة فهو لاينفك يحكي عن سالف الايام وعما كان عليه الحال آنذاك والفرق بين اجيال الامس واجيال اليوم .. لذا فقد حلق ذهنه بعيدا عن حكايات ابيه وعن الطريق الذي يسلكانه .. جسد يسير بلا لب اوفؤاد فكلاهما قد سبقاه الى الحقول التي تستضيف من بين من تستضيف بورا تلك التي سيطرت على كافة احاسيسه فلم تنج خليه من خلاياه الا وهي متجسدة فيها .. ينظر طويلا الى اسراب الطيور والعصافير وهي تطير لتفسح الطريق امامهما كأنه يحسدها هذه الأجنحة .. آه لو كانت له اجنحة مثلما لهذه الطيور لكان حينئد في قلب الحقول لا ليعبث بالسنابل او يقتات منها ولكن ليقتات من حسن بورا ويستمتع بالنظر اليها ويصغى لحلو همسها .. ولكن آه .. يالطول هذا الطريق !!.. لو كان يسير لوحده لكان قد سابق الريح ليصل في نصف الزمن المقدر للوصول ولكن رفقة والده تحول دون ذلك وليس له الا ان يواكب خطواته المتئدة .. ومع ذلك فقد وجد نفسه في كثير من الاحيان ينساق بعيداً عن حيث يسير والده فيضطر الى التوقف احيانا او الرجوع الى الوراء في احيان اخرى .. ولعل الاب قد لاحظ مدى تعجل الابن فكان يقول له عند ذلك : "يابني ان من يسلك الطريق الصحيح سوف يصل الى وجهته مهما كان طول الطريق .. فلم التعجل ونحن نتبع الطريق القويم "؟ لقد كان العم (سايس) يلم بأسباب تعجل ابنه لكنه لم يشأ ان يفاتحه في هذا الامر من قبل وقد وجدها الان فرصة مؤاتية لتغيير مسار الحديث إلى وجهة يستطيع بها ان يعدل من تعجل ابنه ومن شروده فهو رجل خبير بمثل هذه الامور ولايخلو من حكمة ودراية .. فقد عرف الحب يوما عندما كان في مثل هذه السن .. سن الشباب .. فقد عشق (توجو) زوجته وام اكر الى حد الجنون وهام بحبها ولم يهد له بال الا بعد ان ظفر بها وتزوجها .. فمثل العم سايس لاتفوت عليه فائته في هذا المضمار .. يدرك مايسود مشاعر الشباب في مثل هذه الايام .. ايام الحصاد ولقاءات الحقول .. ومواسم الاعياد .. بدأ حديثه عن الزواج على ايامهم وكيف كان الشاب يختار عروسته من بين الفتيات .. وبدا ان ذلك الحديث قد اصاب مغزاه وضرب على وتر رنان في مشاعر اكر .. نعم .. ان مثل العم سايس يعرف كيف يعزف على مثل هذه الاوتار .. اذ عادت خطى اكر الثائرة تهدأ شيئا فشيئا الى ان كاد الوالد أن يتقدمه احيانا .. وعند ذلك قال لإبنه انه رجل تقدم به العمر وانه الان اقرب الى الاخرة من الدنيا فهو يود ان يرى خلفا لمن يحمل الراية من بعده ويحمل اسم العائلة لذا فانه سوف يقدم بعضا من ماشيته الى اهل بورا بعد اعياد الحصاد مباشرة كجزء من المهر على ان يكون الزواج في الموسم القادم .. اوشك قلب اكر على التوقف من شدة الفرح واحس وكأنه قد امتلك جناحي طائر واحس وكأنه يحلق في الفضاء بخفة ذوات الريش .. آه متى يكون الوصول الى الاكواخ ومتى تكون اللقيا بين المروج حتى يبوح بهذا النباء العظيم لمحبوبته الاسطورية بورا .. نعم انه الان يشعر بالرجولة الحقة وبالمسئولية .. ينبغي عليه ان يواصل حياة الاجداد .. ولكن متى لهذا الدرب الطويل ان يدرك مداه !! .. لقد انقطع ذلك الحديث الشيق ولم يبق ما يقال حوله .. والعم سايس ينظر بعيدا في ذلك الافق وكأنه قد مل المسير ايضا .. او ربما عاد الى الورادء كثيرا .. ايام ان كان العمر غضا .. ايام اللهو والحب بين الحقول والمروج .. ثم عاد من حيث كان يهيم خياله .. يجتاز اعواما واجيالا .. وقد لاحت من على البعد شجرة المنتصف القائمة في منتصف الطريق بين القريتين تميزت عن سائر اشجار تلك المنطقة بكبر حجمها وامتداد اغصانها مما جعلها تبدو كسقيفة او عريشة واسعة .. ولما كان قد طال المسير بالعم سايس وابنه فقد دلفا اليها ليأخذا قسطا من الراحة ويستطعمان شيئا من ما معهما من طعام زودتهما به زوجة شقيق العم سايس .. وفرش العم سايس فروته على العشب وجلس ويداه تدلكان ركبتيه وساقيه بينما وضع اكر المخلاة عن كتفه وانشغل باخراج محتواها وطفقا يلتهمان الطعام في شره فقد سارا طويلا واستنفذا من مخزون طاقتيهما الكثير .. لقد بدأ الطعام لأكر اشهى من ذي قبل .. ليس بسبب ما اضيف اليه من توابل ولكن بسبب ما اضافه حديث العم سايس الى نفسه .. تلك المفاجأة الحلوة التي لم يضعها في حسبانه من قبل.. وبعد تناول الطعام رفع العم سايس ابريقه الفخاري يجتزع شيئا من الماء ثم رقد على فروته يريح جسده وقد شخصت عيناه تتفحصان فروع تلك الشجرة الضخمة .. يهز برأسه من حين الى حين في تعجب وفجأة طاف بخاطره ماسمعه من بعض اهل القرية التي كانو فيها .. لقد زعم رعاتها انهم سمعوا من رعاة آخرين من اهل قرية مجاورة ان اناسا غرباء قد اغاروا على بعض القرى الواقعة في اقاصي التلال واسروا العديد من الصبية والاطفال من قبل مايزيد على العشرة ايام .. وتساءل اكر مستغربا هل يمكن أن يحدث شئ كهذا؟ قد يهاجم البعض آخرين لسرقة مامعهم من اغنام وماشية لكن كيف يهجمون ليأخذوا اناسا مثلهم ولأي سبب او غاية يحدث هذا؟ صمت العم سايس طويلا قبل ان يبدي رأيه في الأمر فربما كان يستحضر شيئا او يستذكر شيئا ثم قال بعد تأنٍ "لقد سمعنا بمثل ذلك منذ سنين طويلة ولكن لم يحدث مثله في قريتنا ولا في اي من القرى المجاورة لها بل يقال ان ذلك حدث في القرى التي تقع في اقاصي التلال وهي غالبا ماتكون قرى مكشوفة خالية من المغارات ولاتحرسها تلال .. وسمعنا ان المهاجمين من قبيل آخر من الناس يختلفون عنا في السحنة واللسان .. يأتون من مناطق بعيد عنا كل البعد ليأخذوا شباب هذه القرى لاستعبادهم وجعلهم رقيقا مملوكين يسخرونهم لاداء كل ماهو شاق" قال اكر ابن الستة عشر خريفا وقد زاد حديث والده من دهشته : "وكيف يقبل الفتى ذلك ويرضى ان يكون مملوكا" !! ابتسم العم سايس لحديث ولده قبل أن يجيب :"من يقع في الاسر يابني ليس امامه الا فرصة ان يفر منه اذا كان ذلك ممكنا .. اما اذ لم يكن ممكنا وابدى اي مقاومة او عنف فمصيره اسوأ من الأسر والذي يصبح مملوكا بالقوة ويساق الى ارض ليست بأرضه .. ماعساه ان يفعل .. اذا قاوم فسوف يهزم واذا انتصر فسوف يقتل كما تقتل الذئاب والثعالب عندما تغير على القرى .. لذلك فليس هنالك سوى الخضوع والاستسلام للأقدار"!! .. صمت اكر طويلا يتمعن ماقاله والده الذي كان ساعتها قد نهض من مرقده وانحنى يطوي فروته ثم وضعها فوق رأسه ورفع ابريقه يجترع شيئا من مائه متأهبا لمواصلة المسير ومضى يتبعه الابن في الجزء الاخير من رحلتهما صوب القرية.. لم يستطع اكر مقاومة العديد من الاستفهامات التي بدأت تفرض نفسها حول موضوع هؤلاء الغرباء .. انشغل بذلك تماما فلم تعد سيرة بورا هي المسيطر الوحيد .. ومضى في طريقه صامتا ينظر في البعيد .. وفجأة قطع حبل الصمت بسؤال في ذات الموضوع وجهه الى ابيه يسأله هل من الممكن ان يحدث شئ مثل هذا في قريتهم .. ان يهجم غرباء في وضح النهار على الاكواخ فيأخذون ما يشاءون من فتيتها وفتياتها دون ان يلقوا مقاومة من اهلها ورجالها .. تأني العم سايس في الاجابة بعض الشئ كمن يفكر في اختيار الكلمات او استجماع بعض المعلومات .. وقال مجيبا انهم اذا ما هاجموا قرية مثل قريتهم في وجود رجالها فانهم بالطبع سوف يلقون مقاومة شديدة ولن يكون الامر سهلا بالنسبة اليهم الا اذا كانوا اكثر عدة وعتادا .. ولكن في الغالب مثل هؤلاء لايغيرون الا على القري المنعزلة والمكشوفة وفي غياب رجالها .. ولاسبيل لهم على قرية محصنة كقريتهم ولن يكون في وسعهم فعل شئ او سبي اي من اهلها والا فتكت بهم السهام والرماح .. ولعل العم سايس قد لاحظ مابدا من قلق وعدم ارتياح على وجه ابنه بسبب هذه الحكاية المزعومة وماقيل فيها .. فعلق على كل ذلك بانه قد لايتعدى حدود ترهات القول وانها لا اكثر من شائعات تتداول بين الأجيال .. فهو قد سمع عن ذلك في حداثته لكن شيئا لم يحدث البته سوى في قريتهم او في سواها من القرى المجاورة .. وتنفس اكر الصعداء على اثر ذلك وعاد الى سابق مرحه وسعادته ومضى في طريقه بنشاط وهمة جديدين وطيف بورا ماثل امامه .. يراها امامه في طريقه ويراها واقفة بين الاعشاب والمروح والاشجار .. انه الان يعود اليها بمفاجاة كبرى .. وستكون اغلى هدية يستطيع ان يقدمها لها .. سوف يأخذها بعيدا بين المروج ويلقى عليها هذا النبأ العظيم وسيرى اثر ذلك في عينيها الساحرتين وعلى خديها المتوهجين .. لن يتوانى في ضمها الى صدره هذه المرة حتى يحس باختلاط نبضات قلبه ونبضات قلبها رغم انه قاوم ذلك كثيرا من قبل .. يشعر الآن بانه لن يستطيع المقاومة .. سيضمها حتى تضل نهداها سبيلهما في صدره الواسع وليكن مايكن .. ولما فطن اكر لنفسه وهو يهيم في تلك الخواطر وجد انه قد ابتعد عن ابيه كثيرا فتوقف يؤنب نفسه على ذلك وعلى ماجاء في ذهنه من افكار قد تؤدي الى ما لا تحمد عقباه .. عليه ان يكون حذرا وان يكون قويا حتى في أكثر المواقف اثارة وان يتحلى بالصبر مهما كان الاغراء عظيما .. ان كل مافي بورا مغري ومغوي ولكن ينبغي عليه ان يتحلى بصفات الرجل القوي .. لن تكون لاحد سواه وعما قريب سوف يجمعهما سقف واحد وساعتها له ان يلتهم مفاتنها التهاما مستمتعا بكل مافيها فهو سيدها الآمر الناهي . وقبيل الظهيرة كان اكر ووالده على مشارف القرية فقد وصلا الى حدود المراعي التابعة لقريتهم وظهرت امامهما بعض قطعان الاغنام والماعز تتراكض وتلهو في تلك المروج الواسعة الارجاء .. وحاول اكر ان يقاوم ابتسامة ظاهرة كادت ان تنفجر قهقهة .. فهو الآن قاب قوسين أو أدنى من ديار الأهل والأحبة .. ولاحظ العم سايس أن الأغنام طليقة بلا راعي وعلق على ذلك إلا ان اكر كان مشغولا بما هو أهم من الاغنام ورعاتها وأهلها .. لم يعِ شيئا مما كان ابوه يرغي به .. وظل العم سايس يعتب على هؤلاء الفتية الذين يهملون مهماتهم ويذهبون للسباق واللهو تاركين اغنامهم هائمة بلا رقيب فتعتاد الطريق الى الحقول وعندها سوف يكون امر اعادتها الى المراعي شاقا وعسيرا .. واكر يحصي ماتبقى من خطوات .. يسابق اشواقه فتسبقه حينا ويسبقها في آخر .. ولولا الحياء لتوجه الى الحقول مباشرة فبورا حتما هنالك .. لابد انها في انتظاره على احر من الجمر .. قد تعاتبه وتكثر العتاب لعدم اخطاره لها يوم مغادرته ولطول غيابه عنها .. لكن المفاجأة التي حملها اليها ستغير الموقف وتنسيها عتابها .. آه لو أنه يستطيع الذهاب الى الحقول قبل ان يمضي الى اي مكان آخر .. لكن الأصول تحتم ان يغشى داره أولا مع والده ليسلم على أهل بيته .. أن امه لم تكن على مايرام حينما غادرا فينبغي ان يعودها اولا ليطمئن على صحتها وبعد ذلك يمكنه التسلل الى الحقول.

    تعليق

    يعمل...
    X