الدّهاليز المظلمة
لم أكن أتصور يوم أن دخلت السجن أن أجد ذاك العذاب، وتلك الوحشية التي لايمكن أن يتخيلها أحد، وأن يقع لي كل ذلك في بلدي وموطن نشأتي. إني وجدت داخل ذلك المعتقل معامع الرّعب المعاصر ينفّذها أسقط البشر وأحطّهم، ويتحدّاهم إيمان الرجال الذي يفوق الخيال والقصّ، إيمان يفتت الصخر.. إيمان ترك آثاره العميقة في نفوس نوعية من الناس المرعوبين في دواخلهم القذرة، إن شأت أن تسميهم أناس.! وإلاّ كيف نفسّر تلك الوحشية في التعذيب؟ في ذاك المكان! في ذاك الدّهليز المظلم الذي يهان فيه الإنسان..!
هناك لايوجد معنى للإنسانية، بل لايوجد إنسان ولا رحمة، توجد مخالب وأنياب الوحوش الضواري.
ليس مايقوم به أولائك فعل إنسان خائف، ويخشى أن يسقط في فكّ الغول، كما شبهونا وقتئذ، بل ليس فعل حيوان! إنما هو فعل الشيطان الرّجيم الحاقد على الإنسان.. يتلبّس الملعونين أمثالهم، إلاّ مَن تاب وأصلح. فالذي يظلم الناس ويعذّبهم إنّما هو شيطان في خِرقة إنسان..
وجدت في ذاك المكان شيخي وأستاذي حبيب، وكان حبيب متفرّد منذ أن عرفته أيام كان أستاذي في المعهد، يحبّ الإنسان ويناوش الطواغيت، يحب الحق. الحق الغير مفرغ ولامشروط بهوى السلطان وحاشيته.. الحق في كرامة الفرد ضدّ الألم الإنساني.. الحق في الأمان والجهر بالتفكير.. الحق في أشياء العالم دون سرقة أو تسوّل أو احتيال.. الحق في عبادة الرحمان وحده لا شريك له وحبّ رسوله محمّد صلوات الله وسلامه عليه...
أخذ الصبر يأخذ عندي معاني مستجدة، بعدما رأيت ماوقع له من تعذيب ومحاولة كسر شموخه، فرق قلبي لحاله وبكيت كثيرا. فلما رآني خاف أن يصيبني الهلع وأعترف بأشياء لم تقع وأحشر أناس لادخل لهم، فأجلسني أمامه وقرأ علي الآية 139 من سورة آل عمران: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، ثمأعطاني ذاك الدرس الذي سأعلمه لأبنائي وللجيل الذي سيأتي من بعدي، ولولا ذاك الدرس الذي بثه في ذاك اليوم، لاأظن أني سأحدثكم يوما ما عن قصتي هذه.
قال لي: "يابني إنّ إنسان التربية القرآنية، مع بنية الإيمان المتجذرة، معمعرفة متجدّدة بأساليب المحققين والتدرّب على مواجهتها، هو الذي يجعلك مؤهلا لأن تكون جداراً ساترا لأخوتك مهما نُصبت لك من الشراك ومهما تعرضت للتعذيب. صراعك في الحياة، يجعلك تكتشف بنفسك جوانب قوتك وجوانب ضعفك.. وكذلك عدوّك، لديه نقاط قوة ونقاط ضعف.. وإذا كان العدو يسعى لمحاربة جوانب ضعفنا بجوانب قوّته، فعلينا أن نحارب نقاط ضعفه بنقاط قوّتنا، ولا نواجه ساحات قوّته بنقاط ضعفنا... والعهد مع الله لا يستقيم إلاّ إذا سعينا لإحراز النصر على أعداء كتابه الحقّ، الذين يفسدون في الأرض ويظلمون النّاس. إنّ معرفة مسبقة وعلمية بالتحقيق وأساليبه، تساعدك على الثبات والتحدي أمام المحققين، وتدعّم حماية إخوتك. فلا تفاجأ مفاجأة قد تدفعك إلى الإنهيار. ولأبناء حركتنا خبرة طويلة متراكمة في دهاليز التحقيق والإعتقال في سجون الطغاة.. والطاغي قد يلجأ إلى أساليب أخرى مبتكرة، نظرا لتمرّسه وابتكاراته في مجال التعذيب والتحقيق... فأساليب التنكيل وانتزاع المعلومات أصبحت روتين بالنسبة لهم... قد يداهمون بيتك، أو مقر عملك، أو يعتقلونك من الشارع، سيدفعونك بعنف إلى داخل سيارة كبيرة جعلت خصيصا لذلك، ويلقونك في صندوقها الخلفي ذي الشبابيك الحديدية والزجاج المقوى، ويمددونك تحت أرجلهم، ويضربونك ويدوسون عليك، يغمّوا عينيك ويكبّلوا يديك، حتى يوصلوك إلى مكان ما... مع الضرب والسب والإهانات. ويسيرون بك في سراديب وممرات شبه مظلمة تحت الأرض، مسافات طويلة ومتعرّجة، لخلق حالة من الضياع والتهويل لديك، قبل أن تودع في دهليز مظلم استعدادا للتحقيق. يضربونك بطرق مختلفة، ويتلفظون بسبّ الجلالة، والكلام الفاحش والبذيء الممتلئ به قاموسهم النتن بما لايصدقه العقل، ويسمعونك آلام وصراخ المعتقلين، ليضفوا على سجونهم الرهبة، وتنقل من دهليز مظلم، إلى آخر دامس، بحيث لا تستطيع أن ترى شيئاً ولا تستطيع أن تعرف الوقت ليلا كان أم نهارا، وتفقد الإحساس بالزمن، وتعيش في وحشة تصبح فيها الدقيقة ساعات، بالإضافة إلى فقدانك الإحساس بالمكان الواقعي لعدم رؤية أي شيء حولك، مما يحصر تفكيرك في النفس. في داخل الدهليز تتوقف كل حواسّك عن العمل، إلاّ حاسة السمع حيث تسمع في الغالب الصراخ، ومنكر التعذيب، وصرير الأبواب الحديدية وهي تفتح وتغلق بضجيج حادّ، والضرب وصرخات المعذبين، وأنين المنهكين، وآهات خافتة كأنها صادرة عن أشباح، ويتولد لديك إحساس قاس بالعزلة عن العالم، أو أن العالم كله قد انكمش واختزل في الأصوات، وفي لحظات الترقب: متى سيأتي دوري؟ متى سأتلقى الرفسة (المشطة) من الخلف، أو الركلة في البطن، أو الضربة على الرأس؟. وهي ضربات تتلقاها عادة لتصعيد توترك ودفعك للانهيار. وللدهليز ذاك رائحة كريهة، رائحة رطوبة وعرق وتقيأ، أو غيرها من الروائح التي لايلاقيها الآدمي إلا في تلك الأماكن المظلمة الموجودة خارج نطاق الآدمية والإنسانية، مما يسبب لك صعوبة شديدة في التنفس وضيقاً في الصدر.
إنّها معركة.. السجن معركة، وما يقرر نتائجها هو إرادة الشخص وإيمانه وثباته وذكاؤه وما التوفيق إلاّ من الله سبحانه وتعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. يشنّ السجان حربا نفسية توحي لك أنّ الصمود أمامه حتى قضاء مدة تعذيبك مستحيلة... لايحترم السجان أي مبدأ أو دين، بمهاجمة سلوك بعضنا لإثارة الفتنة والخلافات بيننا نحن المعتقلين. أي بني..!! طريق الحرية طريق ذات أشواك... فليستعدّ لذلك الإنسان، أو يتنحّى جانباً من بداية الطريق لا من منتصفها، حتى لا يخسر الدنيا والآخرة، ويضرّ كثيرا من أهله وقد تتعطّل نهاية الطاغي بسبب ضعفه لسنوات... إعرف عدوّك، واعرف نفسك، بذلك تستطيع أن تخوض مائة معركة بأقل الخسائر. واذكر قول الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} سورة آل عمران. ـ وكأني بهاته الآيات أسمعها لأول مرة حدثت نفسي ـ ثم يواصل قوله: واعلم أنّ التعذيب يبدأ معك من لحظة اعتقالك ودخولك دهاليز التحقيق.. يتم توقيفك بأغلالك وطالما أنت واقف فلا نوم، وقد يستمر وقوفك لأيام وليالي طويلة.. ممّا يؤدي إلى إرهاق الأعصاب، والجسم.. وإلى انتفاخ وتورم قدميك. وكلما طال أمد وقوفك، زادت نسبة الإرهاق وزاد الألم بحيث إذا صبرت في الأيام الأولى رغم قسوة الألم.. فإنك تحتاج إلى شجاعة أكبر وصبر أعمق كلما زادت فترة الوقوف، وكما يحتاج الإنسان للهواء لكي يعيش فهو كذلك يحتاج للنوم... ثمّ إرهاقك بالأصوات العالية المستمرة حتى لا تستطيع التركيز، وصب الماء البارد عليك.
يستخدم الطغاة في معركة التحقيق أقذر الأساليب لوضعك في ظروف قاسية من برد شديد وحرارة عالية، وتكرار الأسئلة عليك بشكل مملّ ومثير للأعصاب، تقييدك لمدة طويلة في وضعيات قاسية ومتعبة، وضعك في مكان نتن وقذر وروائح كريهة، وضعك في مكان ضيق، تغطيس رأسك في حوض ماء أو في المرحاض وتكرار ذلك مرّات كثيرة، ضربك على وجهك ورأسك وبطنك في كلّ الأوقات، الضغط على مفاصلك وركبتك وعمودك الفقري، الضغط الشديد على خصيتيك، نتف شعر رأسك ولحيتك وشعر صدرك والعانة بشكل مؤلم، خنقك والضغط على حنجرتك وحبس أنفاسك، تعذيبك بالكهرباء في الأماكن الأكثر حساسية كطبلة الأذن والأعضاء الجنسية والشفتين، مما يؤدي إلى آلام كبيرة، وارتجاف عنيف بالجسد. "الفلقة" والعزل الطويل الذي تخضع له لتشكيكك بنفسك وأنت تقارن بين ضعفك وسطوة وخبث سجانيك ومستجوبيك، للتأثير بشكل خطير على درجة مقاومتك، للإخضاع وجعلك سهل الإنقياد ولو لفترة بسيطة... التعذيب الجسدي القصد منه التسبب بالألم الشديد لدى الفرد، وإرهاق جهازه العصبي ونفسيته إلى أقصى حدّ، بحيث يضطر للإنهيار والإعتراف. يضربك المحقق على المعدة ضربات سريعة وقوية، ويضربك على وجهك حتى يتورم، ويضربك على المفاصل لإحداث ألم شديد أو يضرب على مؤخرة رأسك لإحداث الإنهاك في الجهاز العصبي، ويضربك بالحبل الكهربائي، وإطفاء مستمرّ للسجائر في الأماكن الحسّاسة لجسمك مما يحدث حروقا وألما شديدين، وتحميلك أثقالا لفترات طويلة، ووضعك تحت ماء بارد لساعات، والتعليق في شكل دجاج مصلي (روتي)، وتعريضك لمروحة هواء بارد جدّا مما يؤدي بك إلى الإرتجاف الحاد وارتفاع نبض قلبك وصعوبة التنفس، نقلك باستمرار من مكان بارد إلى مكان ساخن والوقوف فترات طويلة لإنهاك أعصابك... الإيمان الراسخ في القلب يولّد في النفس طاقة روحية هائلة، وإرادة صلبة لا تكسّرها أساليب التعذيب، وقانون الألم يقول: كلما زاد الضرب على الجسد يصبح أقل شعوراً بالألم ويتخدر. وهو نوع من الدفاع الذاتي للإنسان يحمي به نفسه تلقائياً. يقول عز من قائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)} سورة محمد. إنّ الجروح النفسية تشكل نقاط ضعف، ولكنها لا تشكل نقاط انهيار لروحك وإرادتك. عليك يابني ألاّ تفكر بذاتك، ولا بانفعال فتبني موقفاً عاطفيا من اعتراف أخيك، بل عليك أن تتحمّل ضعف أخيك، وأن تضع نفسك في المعركة في خندقين، واحد لنفسك وآخر لأخيك وأن تدير معركة الثبات من خلال الخندقين. إنّ الذي يعترف... تحت مبرر أنه قُدّم اعتراف ضدّه، السبب في الحقيقة هو الضعف وعدم الإستعداد، فبدل من أن يدافع عن نفسه، وعن أخيه، خذل نفسه وخذل أخاه". ثم قطع عني متعة الإستماع السجان الذي نقلني إلى دهليز آخر. خرجت من عنده يصحبني دعاؤه، وإيماني وثقتي بنفسي راسخة رسوخا لم أعرفه من قبل.
ورغم أن هذا الأسلوب الذي أخبرني عنه أستاذي له وقع قاسٍ ومؤلم، ويحتاج إلى شجاعة وإرادة فولاذية وإيمان صلب، إلا أن الطغاة الجبابرة طوروا هذا الأسلوب باتجاه إجبارك على وضعيّة جلوس شاقّة لمدة ساعات تؤدي إلى تصلب وآلام في حلقات عمودك الفقري.. حتى يصبح تقييدك بحدّ ذاته وسيلة ضغط شديدة على جهازك العصبي والنفسي لدفعك للانهيار، ويتكور جسمك بشكل مزعج بحيث يتركز ثقل الجسد على نقطتين هما نهاية العمود الفقري وعقب القدم، مما يؤدي إلى تخشب ظهرك وتصلب عمودك الفقري وازدياد آلامك وظهور الزرقة بين المحاشم ودمامل في أطراف ظهرك وبين الفخذين وفي رُكبتيك، وتكبر هذه الدمامل حتى تدمى وتتقيح، ويقوم السجان بضربك وهزّ رأسك بشدة. ربطك بهذه الطريقة أو تلك هي أداة ضغط وابتزاز ووسيلة إنهاك وإضعاف لطاقة تحمّل جسمك، والعدوّ يراهن على الوقت… لكي تستسلم وتخضع، لتعترف وتقبل بما يملى عليك، ثم دوام الأصوات العالية المنبعثة من الأبواق تضرب مباشرة في الدماغ، وتسبّب لك صداعا شديدا يشلّ تفكيرك ويرهقك. أصوات صاخبة جداً تؤثر على الغشاء الشفاف لطبلتي أذنيك فتخرقهما مسببة أوجاعاً شديدة ونزيفا، أو يتعب هذا الغشاء بقسوة ويجعله غير قادر على العمل الطبيعي... يضع العدوّ في ذاك الدهليز المظلم مكبّرا للصوت متصلا بمسجّل مفتوح على مدى ساعات.. ممزوجا بأصوات صراخ وبكاء من أهوال التعذيب، حتى لا يتيح لك أيّ فرصة للراحة، أو النوم أو التفكير السليم، ولكي يبقى عقلك معطلاً طوال فترة التحقيق بالصداع المستمر.. ومحاولة الخلاص من هذا الصداع. التحقيق مسرحية قاسية تدار بدراسة وخبرة، وكل أساليب المحققين هي مسرحيّة دمويّة، لتحطيم ذاتك وغسل دماغك وإخضاعك للهوان ولو لفترة بسيطة.. لكن الإنهيار والإعتراف لا يكونان إلا إراديين وذاتيين. التحقيق هو أحد فصول المعركة التي تدور في الشوارع والمدارس والعقول والسجون...!!
اليوم بعد أن منّ الله علي بالخروج من تلك الدهاليز المظلمة، وبعد أربعة عشر سنة قضيتها متنقلا داخل تلك الأماكن، لايفارق خيالي ذاك المكان.. تلك الدهاليز تراودني، ويمتص الفراغ الذي تركته تلك الأيام الندى من سحابتي.. ينام بجانبي التوجع.. ويقض شراهة نومي السهاد، وينفث في فؤادي صقيع الكآبة.. أتحايل على وجع عظامي.. أبقوني طريح الفراش ولم يعلموا أن في مقلتي جذوة من سعير.. اليوم تفتحت العناكب، وتمردت المراكب، وقص شعر السكون.. ورميت بماء طاهر عناد ظلم جائر.. غرست ثباتا تبرعم من أشلاء.. حتى عانقت رونق السماء.. ياأخي برغم الظلام الكثير فالشباك هنا وهناك..
لم أكن أتصور يوم أن دخلت السجن أن أجد ذاك العذاب، وتلك الوحشية التي لايمكن أن يتخيلها أحد، وأن يقع لي كل ذلك في بلدي وموطن نشأتي. إني وجدت داخل ذلك المعتقل معامع الرّعب المعاصر ينفّذها أسقط البشر وأحطّهم، ويتحدّاهم إيمان الرجال الذي يفوق الخيال والقصّ، إيمان يفتت الصخر.. إيمان ترك آثاره العميقة في نفوس نوعية من الناس المرعوبين في دواخلهم القذرة، إن شأت أن تسميهم أناس.! وإلاّ كيف نفسّر تلك الوحشية في التعذيب؟ في ذاك المكان! في ذاك الدّهليز المظلم الذي يهان فيه الإنسان..!
هناك لايوجد معنى للإنسانية، بل لايوجد إنسان ولا رحمة، توجد مخالب وأنياب الوحوش الضواري.
ليس مايقوم به أولائك فعل إنسان خائف، ويخشى أن يسقط في فكّ الغول، كما شبهونا وقتئذ، بل ليس فعل حيوان! إنما هو فعل الشيطان الرّجيم الحاقد على الإنسان.. يتلبّس الملعونين أمثالهم، إلاّ مَن تاب وأصلح. فالذي يظلم الناس ويعذّبهم إنّما هو شيطان في خِرقة إنسان..
وجدت في ذاك المكان شيخي وأستاذي حبيب، وكان حبيب متفرّد منذ أن عرفته أيام كان أستاذي في المعهد، يحبّ الإنسان ويناوش الطواغيت، يحب الحق. الحق الغير مفرغ ولامشروط بهوى السلطان وحاشيته.. الحق في كرامة الفرد ضدّ الألم الإنساني.. الحق في الأمان والجهر بالتفكير.. الحق في أشياء العالم دون سرقة أو تسوّل أو احتيال.. الحق في عبادة الرحمان وحده لا شريك له وحبّ رسوله محمّد صلوات الله وسلامه عليه...
أخذ الصبر يأخذ عندي معاني مستجدة، بعدما رأيت ماوقع له من تعذيب ومحاولة كسر شموخه، فرق قلبي لحاله وبكيت كثيرا. فلما رآني خاف أن يصيبني الهلع وأعترف بأشياء لم تقع وأحشر أناس لادخل لهم، فأجلسني أمامه وقرأ علي الآية 139 من سورة آل عمران: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، ثمأعطاني ذاك الدرس الذي سأعلمه لأبنائي وللجيل الذي سيأتي من بعدي، ولولا ذاك الدرس الذي بثه في ذاك اليوم، لاأظن أني سأحدثكم يوما ما عن قصتي هذه.
قال لي: "يابني إنّ إنسان التربية القرآنية، مع بنية الإيمان المتجذرة، معمعرفة متجدّدة بأساليب المحققين والتدرّب على مواجهتها، هو الذي يجعلك مؤهلا لأن تكون جداراً ساترا لأخوتك مهما نُصبت لك من الشراك ومهما تعرضت للتعذيب. صراعك في الحياة، يجعلك تكتشف بنفسك جوانب قوتك وجوانب ضعفك.. وكذلك عدوّك، لديه نقاط قوة ونقاط ضعف.. وإذا كان العدو يسعى لمحاربة جوانب ضعفنا بجوانب قوّته، فعلينا أن نحارب نقاط ضعفه بنقاط قوّتنا، ولا نواجه ساحات قوّته بنقاط ضعفنا... والعهد مع الله لا يستقيم إلاّ إذا سعينا لإحراز النصر على أعداء كتابه الحقّ، الذين يفسدون في الأرض ويظلمون النّاس. إنّ معرفة مسبقة وعلمية بالتحقيق وأساليبه، تساعدك على الثبات والتحدي أمام المحققين، وتدعّم حماية إخوتك. فلا تفاجأ مفاجأة قد تدفعك إلى الإنهيار. ولأبناء حركتنا خبرة طويلة متراكمة في دهاليز التحقيق والإعتقال في سجون الطغاة.. والطاغي قد يلجأ إلى أساليب أخرى مبتكرة، نظرا لتمرّسه وابتكاراته في مجال التعذيب والتحقيق... فأساليب التنكيل وانتزاع المعلومات أصبحت روتين بالنسبة لهم... قد يداهمون بيتك، أو مقر عملك، أو يعتقلونك من الشارع، سيدفعونك بعنف إلى داخل سيارة كبيرة جعلت خصيصا لذلك، ويلقونك في صندوقها الخلفي ذي الشبابيك الحديدية والزجاج المقوى، ويمددونك تحت أرجلهم، ويضربونك ويدوسون عليك، يغمّوا عينيك ويكبّلوا يديك، حتى يوصلوك إلى مكان ما... مع الضرب والسب والإهانات. ويسيرون بك في سراديب وممرات شبه مظلمة تحت الأرض، مسافات طويلة ومتعرّجة، لخلق حالة من الضياع والتهويل لديك، قبل أن تودع في دهليز مظلم استعدادا للتحقيق. يضربونك بطرق مختلفة، ويتلفظون بسبّ الجلالة، والكلام الفاحش والبذيء الممتلئ به قاموسهم النتن بما لايصدقه العقل، ويسمعونك آلام وصراخ المعتقلين، ليضفوا على سجونهم الرهبة، وتنقل من دهليز مظلم، إلى آخر دامس، بحيث لا تستطيع أن ترى شيئاً ولا تستطيع أن تعرف الوقت ليلا كان أم نهارا، وتفقد الإحساس بالزمن، وتعيش في وحشة تصبح فيها الدقيقة ساعات، بالإضافة إلى فقدانك الإحساس بالمكان الواقعي لعدم رؤية أي شيء حولك، مما يحصر تفكيرك في النفس. في داخل الدهليز تتوقف كل حواسّك عن العمل، إلاّ حاسة السمع حيث تسمع في الغالب الصراخ، ومنكر التعذيب، وصرير الأبواب الحديدية وهي تفتح وتغلق بضجيج حادّ، والضرب وصرخات المعذبين، وأنين المنهكين، وآهات خافتة كأنها صادرة عن أشباح، ويتولد لديك إحساس قاس بالعزلة عن العالم، أو أن العالم كله قد انكمش واختزل في الأصوات، وفي لحظات الترقب: متى سيأتي دوري؟ متى سأتلقى الرفسة (المشطة) من الخلف، أو الركلة في البطن، أو الضربة على الرأس؟. وهي ضربات تتلقاها عادة لتصعيد توترك ودفعك للانهيار. وللدهليز ذاك رائحة كريهة، رائحة رطوبة وعرق وتقيأ، أو غيرها من الروائح التي لايلاقيها الآدمي إلا في تلك الأماكن المظلمة الموجودة خارج نطاق الآدمية والإنسانية، مما يسبب لك صعوبة شديدة في التنفس وضيقاً في الصدر.
إنّها معركة.. السجن معركة، وما يقرر نتائجها هو إرادة الشخص وإيمانه وثباته وذكاؤه وما التوفيق إلاّ من الله سبحانه وتعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. يشنّ السجان حربا نفسية توحي لك أنّ الصمود أمامه حتى قضاء مدة تعذيبك مستحيلة... لايحترم السجان أي مبدأ أو دين، بمهاجمة سلوك بعضنا لإثارة الفتنة والخلافات بيننا نحن المعتقلين. أي بني..!! طريق الحرية طريق ذات أشواك... فليستعدّ لذلك الإنسان، أو يتنحّى جانباً من بداية الطريق لا من منتصفها، حتى لا يخسر الدنيا والآخرة، ويضرّ كثيرا من أهله وقد تتعطّل نهاية الطاغي بسبب ضعفه لسنوات... إعرف عدوّك، واعرف نفسك، بذلك تستطيع أن تخوض مائة معركة بأقل الخسائر. واذكر قول الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} سورة آل عمران. ـ وكأني بهاته الآيات أسمعها لأول مرة حدثت نفسي ـ ثم يواصل قوله: واعلم أنّ التعذيب يبدأ معك من لحظة اعتقالك ودخولك دهاليز التحقيق.. يتم توقيفك بأغلالك وطالما أنت واقف فلا نوم، وقد يستمر وقوفك لأيام وليالي طويلة.. ممّا يؤدي إلى إرهاق الأعصاب، والجسم.. وإلى انتفاخ وتورم قدميك. وكلما طال أمد وقوفك، زادت نسبة الإرهاق وزاد الألم بحيث إذا صبرت في الأيام الأولى رغم قسوة الألم.. فإنك تحتاج إلى شجاعة أكبر وصبر أعمق كلما زادت فترة الوقوف، وكما يحتاج الإنسان للهواء لكي يعيش فهو كذلك يحتاج للنوم... ثمّ إرهاقك بالأصوات العالية المستمرة حتى لا تستطيع التركيز، وصب الماء البارد عليك.
يستخدم الطغاة في معركة التحقيق أقذر الأساليب لوضعك في ظروف قاسية من برد شديد وحرارة عالية، وتكرار الأسئلة عليك بشكل مملّ ومثير للأعصاب، تقييدك لمدة طويلة في وضعيات قاسية ومتعبة، وضعك في مكان نتن وقذر وروائح كريهة، وضعك في مكان ضيق، تغطيس رأسك في حوض ماء أو في المرحاض وتكرار ذلك مرّات كثيرة، ضربك على وجهك ورأسك وبطنك في كلّ الأوقات، الضغط على مفاصلك وركبتك وعمودك الفقري، الضغط الشديد على خصيتيك، نتف شعر رأسك ولحيتك وشعر صدرك والعانة بشكل مؤلم، خنقك والضغط على حنجرتك وحبس أنفاسك، تعذيبك بالكهرباء في الأماكن الأكثر حساسية كطبلة الأذن والأعضاء الجنسية والشفتين، مما يؤدي إلى آلام كبيرة، وارتجاف عنيف بالجسد. "الفلقة" والعزل الطويل الذي تخضع له لتشكيكك بنفسك وأنت تقارن بين ضعفك وسطوة وخبث سجانيك ومستجوبيك، للتأثير بشكل خطير على درجة مقاومتك، للإخضاع وجعلك سهل الإنقياد ولو لفترة بسيطة... التعذيب الجسدي القصد منه التسبب بالألم الشديد لدى الفرد، وإرهاق جهازه العصبي ونفسيته إلى أقصى حدّ، بحيث يضطر للإنهيار والإعتراف. يضربك المحقق على المعدة ضربات سريعة وقوية، ويضربك على وجهك حتى يتورم، ويضربك على المفاصل لإحداث ألم شديد أو يضرب على مؤخرة رأسك لإحداث الإنهاك في الجهاز العصبي، ويضربك بالحبل الكهربائي، وإطفاء مستمرّ للسجائر في الأماكن الحسّاسة لجسمك مما يحدث حروقا وألما شديدين، وتحميلك أثقالا لفترات طويلة، ووضعك تحت ماء بارد لساعات، والتعليق في شكل دجاج مصلي (روتي)، وتعريضك لمروحة هواء بارد جدّا مما يؤدي بك إلى الإرتجاف الحاد وارتفاع نبض قلبك وصعوبة التنفس، نقلك باستمرار من مكان بارد إلى مكان ساخن والوقوف فترات طويلة لإنهاك أعصابك... الإيمان الراسخ في القلب يولّد في النفس طاقة روحية هائلة، وإرادة صلبة لا تكسّرها أساليب التعذيب، وقانون الألم يقول: كلما زاد الضرب على الجسد يصبح أقل شعوراً بالألم ويتخدر. وهو نوع من الدفاع الذاتي للإنسان يحمي به نفسه تلقائياً. يقول عز من قائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)} سورة محمد. إنّ الجروح النفسية تشكل نقاط ضعف، ولكنها لا تشكل نقاط انهيار لروحك وإرادتك. عليك يابني ألاّ تفكر بذاتك، ولا بانفعال فتبني موقفاً عاطفيا من اعتراف أخيك، بل عليك أن تتحمّل ضعف أخيك، وأن تضع نفسك في المعركة في خندقين، واحد لنفسك وآخر لأخيك وأن تدير معركة الثبات من خلال الخندقين. إنّ الذي يعترف... تحت مبرر أنه قُدّم اعتراف ضدّه، السبب في الحقيقة هو الضعف وعدم الإستعداد، فبدل من أن يدافع عن نفسه، وعن أخيه، خذل نفسه وخذل أخاه". ثم قطع عني متعة الإستماع السجان الذي نقلني إلى دهليز آخر. خرجت من عنده يصحبني دعاؤه، وإيماني وثقتي بنفسي راسخة رسوخا لم أعرفه من قبل.
ورغم أن هذا الأسلوب الذي أخبرني عنه أستاذي له وقع قاسٍ ومؤلم، ويحتاج إلى شجاعة وإرادة فولاذية وإيمان صلب، إلا أن الطغاة الجبابرة طوروا هذا الأسلوب باتجاه إجبارك على وضعيّة جلوس شاقّة لمدة ساعات تؤدي إلى تصلب وآلام في حلقات عمودك الفقري.. حتى يصبح تقييدك بحدّ ذاته وسيلة ضغط شديدة على جهازك العصبي والنفسي لدفعك للانهيار، ويتكور جسمك بشكل مزعج بحيث يتركز ثقل الجسد على نقطتين هما نهاية العمود الفقري وعقب القدم، مما يؤدي إلى تخشب ظهرك وتصلب عمودك الفقري وازدياد آلامك وظهور الزرقة بين المحاشم ودمامل في أطراف ظهرك وبين الفخذين وفي رُكبتيك، وتكبر هذه الدمامل حتى تدمى وتتقيح، ويقوم السجان بضربك وهزّ رأسك بشدة. ربطك بهذه الطريقة أو تلك هي أداة ضغط وابتزاز ووسيلة إنهاك وإضعاف لطاقة تحمّل جسمك، والعدوّ يراهن على الوقت… لكي تستسلم وتخضع، لتعترف وتقبل بما يملى عليك، ثم دوام الأصوات العالية المنبعثة من الأبواق تضرب مباشرة في الدماغ، وتسبّب لك صداعا شديدا يشلّ تفكيرك ويرهقك. أصوات صاخبة جداً تؤثر على الغشاء الشفاف لطبلتي أذنيك فتخرقهما مسببة أوجاعاً شديدة ونزيفا، أو يتعب هذا الغشاء بقسوة ويجعله غير قادر على العمل الطبيعي... يضع العدوّ في ذاك الدهليز المظلم مكبّرا للصوت متصلا بمسجّل مفتوح على مدى ساعات.. ممزوجا بأصوات صراخ وبكاء من أهوال التعذيب، حتى لا يتيح لك أيّ فرصة للراحة، أو النوم أو التفكير السليم، ولكي يبقى عقلك معطلاً طوال فترة التحقيق بالصداع المستمر.. ومحاولة الخلاص من هذا الصداع. التحقيق مسرحية قاسية تدار بدراسة وخبرة، وكل أساليب المحققين هي مسرحيّة دمويّة، لتحطيم ذاتك وغسل دماغك وإخضاعك للهوان ولو لفترة بسيطة.. لكن الإنهيار والإعتراف لا يكونان إلا إراديين وذاتيين. التحقيق هو أحد فصول المعركة التي تدور في الشوارع والمدارس والعقول والسجون...!!
اليوم بعد أن منّ الله علي بالخروج من تلك الدهاليز المظلمة، وبعد أربعة عشر سنة قضيتها متنقلا داخل تلك الأماكن، لايفارق خيالي ذاك المكان.. تلك الدهاليز تراودني، ويمتص الفراغ الذي تركته تلك الأيام الندى من سحابتي.. ينام بجانبي التوجع.. ويقض شراهة نومي السهاد، وينفث في فؤادي صقيع الكآبة.. أتحايل على وجع عظامي.. أبقوني طريح الفراش ولم يعلموا أن في مقلتي جذوة من سعير.. اليوم تفتحت العناكب، وتمردت المراكب، وقص شعر السكون.. ورميت بماء طاهر عناد ظلم جائر.. غرست ثباتا تبرعم من أشلاء.. حتى عانقت رونق السماء.. ياأخي برغم الظلام الكثير فالشباك هنا وهناك..
تعليق